﴿۞ یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ لَا تَتَّخِذُوا۟ ٱلۡیَهُودَ وَٱلنَّصَـٰرَىٰۤ أَوۡلِیَاۤءَۘ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِیَاۤءُ بَعۡضࣲۚ وَمَن یَتَوَلَّهُم مِّنكُمۡ فَإِنَّهُۥ مِنۡهُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا یَهۡدِی ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّـٰلِمِینَ ۝٥١ فَتَرَى ٱلَّذِینَ فِی قُلُوبِهِم مَّرَضࣱ یُسَـٰرِعُونَ فِیهِمۡ یَقُولُونَ نَخۡشَىٰۤ أَن تُصِیبَنَا دَاۤىِٕرَةࣱۚ فَعَسَى ٱللَّهُ أَن یَأۡتِیَ بِٱلۡفَتۡحِ أَوۡ أَمۡرࣲ مِّنۡ عِندِهِۦ فَیُصۡبِحُوا۟ عَلَىٰ مَاۤ أَسَرُّوا۟ فِیۤ أَنفُسِهِمۡ نَـٰدِمِینَ ۝٥٢ وَیَقُولُ ٱلَّذِینَ ءَامَنُوۤا۟ أَهَـٰۤؤُلَاۤءِ ٱلَّذِینَ أَقۡسَمُوا۟ بِٱللَّهِ جَهۡدَ أَیۡمَـٰنِهِمۡ إِنَّهُمۡ لَمَعَكُمۡۚ حَبِطَتۡ أَعۡمَـٰلُهُمۡ فَأَصۡبَحُوا۟ خَـٰسِرِینَ ۝٥٣﴾ [المائدة ٥١-٥٣]
(67) سافر معي في المشارق والمغارب :: 66- سافر معي في المشارق والمغارب :: (34) دور المسجد في تربية الأحداث ووقايتهم من الانحراف :: (033) دور المسجد في تربية الأحداث ووقايتهم من الانحراف. :: (067) سافر معي في المشارق والمغارب :: (066) سافر معي في المشارق والمغارب :: (031) دور المسجد في تربية الأحداث ووقايتهم من الانحراف :: (065) سافر معي في المشارق والمغارب :: (030) دور المسجد في التربية وعلاج انحراف الأحداث :: :: :: :: :: :: :: :: :: ::
   
جملة البحث



السابق

الفهرس

التالي

( 1 ) نصوص من القرآن الكريم:
منها قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً (48)}[1]. فقد دلَّت الآية على أن كل ذنب غير الشرك، داخل في مشيئة الله، فإن شاء غفره لصاحبه ابتداء وأدخله الجنة دون أن يعذبه عليه وإن لم يتب، وإن شاء عذبه ثم أدخله الجنة، بخلاف الشرك فإن الله لا يغفره لمن مات عليه. وجه الدلالة على ذلك من الآية، هو العموم في لَفْظَيْ "ما" و"من" في قوله تعالى: {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} فما دون الشرك: شامل لجميع المعاصي، ولمن يشاء: شامل لكل مسلم ارتكب معصية لم يتب منها دون الشرك. ولما كان الخوارج والمعتزلة لا يفرقون بين الشرك وغيره من كبائر المعاصي، ويشترطون في مغفرة الله لمرتكبها التوبة، فقد حاول الزمخشري رحمه الله ـ عند تفسيره الآية ـ لَيَّ عنقها، وصرفها عن ظاهرها، الذي تدعمه النصوص الأخرى الآتي ذكرها، ليوافق تأويلُه مذهبَه "المُعْتَزِلِي". فقال: "فإن قلت: قد ثبت أن الله عز و جل يغفر الشرك لمن تاب منه، وأنه لا يغفر ما دون الشرك من الكبائر إلا بالتوبة، فما وجه قول الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ}؟ قلت: الوجه أن يكون الفعل المنفي والمثبت جميعاً، موجهين إلى قوله تعالى: "لمن يشاء" كأنه قيل: إن الله لا يغفر لمن يشاء الشرك، ويغفر لمن يشاء ما دون الشرك. على أن المراد بالأول: من لم يتب، وبالثاني: من تاب.." [2]. وهو ـ كما ترى ـ تأويل متَكَلَّف ينزه عنه كلام الله تعالى، ويأباه فصحاء العرب، فإنه تعالى لو أراد هذا المعنى، وهو عدم التفريق بين الشرك وغيره من المعاصي، وأنه لا يغفرها جميعاً إلا بالتوبة، لبين ذلك بعبارة لا تحتاج إلى هذا التكلف في تأويل كلامه.. ولو كان المتكلم من البشر، وأراد هذا المعنى، لما عجز أن يقول: إن الله لا يغفر الشرك وغيره من الكبائر إلا بالتوبة، ولا يحتاج إلى التقييد بالمشيئة، ولكنه التعصُّب الذي يوقع صاحبه في مثل هذا التعسف العجيب! ومن النصوص الدالة على عدم التكفير بكبائر الذنوب غير الشرك، قوله تعالى: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (9) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ(10)}[3]. تدل الآيتان على ذلك من وجهين: الوجه الأول: وصف الله الطائفتين المقتتلتين أنهما من المؤمنين.. والوجه الثاني: جعل الطائفتين المتقاتلتين أخوين للمؤمنين، وهي أخوة دينية كما هو واضح.. قال القرطبي رحمه الله في تفسيره: "في هذه الآية والتي قبلها دليل على أن البغي لا يزيل اسم الإيمان؛ لأن الله تعالى سماهم إخوة مؤمنين مع كونهم باغين. قال الحارث الأعور: سُئل علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وهو القدوة في قتال أهل البغي من أهل الجمل وصفين: أمشركون هم؟ قال: لا، من الشرك فروا.. فقيل: أمنافقون؟ قال: لا؛ لأن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلاً.. قيل: له فما حالهم؟ قال: إخواننا بغوا علينا"[4]. ونسب إلى الإمام مالك رحمه الله، القول بتكفير الخوارج الذين كفروا المسلمين، وبخاصة أصحاب الرسول صلى الله عليه و سلم ، استدلالاً بحديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهـما، أن رسول الله صلى الله عليه و سلم ، قال: ((أيما رجل قال لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدهما))[5]. قال الحافظ ابن حجر: "وقيل: محمول على الخوارج؛ لأنهم يكفرون المؤمنين، هكذا نقله عياض عن مالك، وهو ضعيف؛ لأن الصحيح عند الأكثرين أن الخوارج لا يكَفَّرون ببدعتهم.. قلت: ولِما قاله مالك وجه، وهو أن منهم من يكفِّر كثيراً من الصحابة ممن شهد له رسول الله صلى الله عليه و سلم بالجنة و بالإيمان، فيكون تكفيرهم من حيث تكذيبهم للشهادة المذكورة، لا من مجرد صدور التكفير منهم بتأويل"[6]. وقال ابن كثير رحمه الله: "{ وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا } فسماهم مؤمنين مع الاقتتال.. وبهذا استدل البخاري وغيره، على أنه لا يخرج من الإيمان بالمعصية وإن عظمت، لا كما يقوله الخوارج، ومن تابعهم من المعتزلة ونحوهم. وهكذا ثبت في صحيح البخاري، من حديث الحسن عن أبي بكرة رضي الله عنه، قال: إن رسول الله صلى الله عليه و سلم ، خطب يوماً ومعه على المنبر الحسن بن علي رضي الله عنهـما، فجعل ينظر إليه مرة وإلى الناس أخرى، ويقول: >إن ابني هذا سيد ولعل الله تعالى أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين< فكان كما قال صلى الله عليه و سلم ، أصلح الله تعالى به بين أهل الشام وأهل العراق، بعد الحروب الطويلة والواقعات المهولة"[7]. فقد أطلق صلى الله عليه و سلم على وصف الإسلام الطائفتين المقتتلتين ((طائفتين عظيمتين من المسلمين)) والمكفرون بالكبائر يسلبون هذا الوصف ممن ارتكب كبيرة. فمن أحق بالإتباع.. رسول الله صلى الله عليه و سلم الذي جاءنا بهذا الدين، أو غيرُه ممن أخذ من النصوص ما وافق هواه، ونبذ منها ما خالفه؟! وقال ابن تيمية رحمه الله: "فهكذا السلف، قاتل بعضهم بعضاً، من أهل الجمل وصفين ونحوهم، وكلهم مسلمون مؤمنون كما قال تعالى: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} فقد بين الله تعالى أنهم مع اقتتالهم، وبغي بعضهم على بعض، إخوة مؤمنون، وأمر بالإصلاح بينهم بالعدل ، ولهذا كان السلف مع الاقتتال يوالي بعضهم بعضاً موالاة الدين، لا يعادون كمعاداة الكفار، فيقبل بعضهم شهادة بعض، ويأخذ بعضهم العلم عن بعض، ويتوارثون، ويتناكحون، ويتعاملون بمعاملة المسلمين، بعضهم مع بعض، مع ما كان بينهم من القتال والتلاعن، وغير ذلك"[8]. وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله: "وفي هاتين الآيتين من الفوائد غير ما تقدم، أن الاقتتال بين المؤمنين مناف للأُخُوَّة الإيمانية، ولهذا كان من أكبر الكبائر، وأن الإيمان والأخوة الإيمانية، لا يزولان مع وجود الاقتتال، كغيره من الذنوب الكبائر التي دون الشرك. وعلى ذلك مذهب أهل السنة والجماعة"[9]. وإن من أوضح النصوص التي تدل على دخول عصاة المسلمين الذين سلموا من الشرك الأكبر الجنة، ودخولهم في قوله تعالى: { وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ } الآيات الآتية: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (32) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (33) وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (34) الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ (35)}[10]. ففي الآية الأولى ذكر تعالى أن الذين أورثهم هذا الكتاب، وهو القرآن هم من اصطفاهم من عباده، وقسم هؤلاء المصطفين ثلاثة أقسام: القسم الأول: الظالم لنفسه، وهم الذين يتركون بعض الواجبات، ويرتكبون بعض المحرمات، مع محافظتهم على التوحيد، واجتنابهم الشر الأكبر. القسم الثاني: المقتصدون، وهم الذين يقتصرون في طاعة الله، على فعل الواجبات وترك المحرمات، ولا يحافظون على فعل المندوبات، وترك المكروهات. القسم الثالث: السابقون، وهم الذين اشتركوا مع القسمين السابقين، في توحيد الله تعالى، وابتعدوا عن الشرك الأكبر، وزادوا عليهم في المحافظة على المندوبات، وترك المكروهات، وترك بعض المباحات، أو المشتبهات التي يخشون أن تكون وسيلة إلى بعض المكروهات، أو المحرمات. ثم قال في الآية الثانية بعد ذكر الأقسام الثلاثة: { جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا } فضمير الفاعل في الآية الثانية "يدخلونها" يشمل الثلاثة جميعاً على الصحيح من أقوال العلماء. ومثله الضمائر التي تلته في الآيات الثلاث، وهي ثمانية ضمائر عائدة كلها للأقسام الثلاثة: الفاعل في قوله تعالى بعد ذلك: {يُحَلَّوْنَ فِيهَا}، والضمير المجرور في قوله: {وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ}، والضمائر الستة في الآيتين الثالثة والرابعة: الفاعل في "قالوا"، والضميران المجروران في "عنا"، و"ربنا"، والمفعولان في "أحلنا"، و"لا يمسنا"، كلها تعود إلى الأقسام الثلاثة في الآية الأولى. ومعنى هذا أن الجنة مضمونة لهؤلاء الثلاثة، وإن عوقب بعض من ظلموا أنفسهم بدخول النار أولاً، كما دلَّت نصوص أخرى من الكتاب والسنة. تنبيهان: التنبيه الأول: خالف بعض العلماء ما سبق من أن القسم الأول "الظالم لنفسه"، يدخل أصحابه الجنة، ورأوا أن المراد به الكفار، ولكن الذي يظهر ترجيحه أنهم كلهم يدخلون الجنة، وإن كان بعض الظالمين لأنفسهم قد يجازون بدخول النار كما سبق. فقد قال ابن كثير رحمه الله: في تفسيره للآية 66 من سورة المائدة عندما استشهد بقوله تعالى: {جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا}: "والصحيح أن الأقسام الثلاثة من هذه الأمة كلهم يدخلون الجنة". وذكر عند تفسير الآية نفسها، في سورة 11 حديثاً في المسند، عن أبي الدرداء رضي الله عنه, قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول: >قال الله تعالى: { ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ } فأما الذين سبقوا فأولئك الذين يدخلون الجنة بغير حساب، وأما الذين اقتصدوا فأولئك الذين يحاسبون حساباً يسيراً، وأما الذين ظلموا أنفسهم فأولئك الذي يحبسون في طول المحشر، ثم هم الذين تلافاهم الله برحمته، فهم الذين يقولون { الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (34) الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ }<. قال الهيثمي عن حديث أبي الدرداء هذا في مجمع الفوائد: "رواه الطبراني عن الأعمش، عن رجل سماه، فإن كان هو ثابت بن عمير الأنصاري، كما تقدم عند أحمد فرجال الطبراني رجال الصحيح‏".. وأخرج الحاكم حديثاً عن عقبة بن صهبان الحراني، قال: قلت لعائشة رضي الله تعالى عنها: "يا أم المؤمنين أرأيت قول الله عز و جل : { ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ }؟ فقالت عائشة رضي الله تعالى عنها: "أما السابق فمن مضى في حياة رسول الله صلى الله عليه و سلم فشهد له بالحياة والرزق، وأما المقتصد فمن اتبع آثارهم فعمل بأعمالهم حتى يلحق بهم، وأما الظالم لنفسه فمثلي ومثلك ومن اتبعنا وكلٌ في الجنة"، وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه".. لكن قال الهيثمي عن حديث عائشة هذا في مجمع الفوائد: "رواه الطبراني في الأوسط وفيه الصلت بن دينار وهو متروك‏".. وفي حديث لأبي سعيد الخدري رضي الله عنه، عَنْ النَّبي صلى الله عليه و سلم أنَّهُ قَالَ في هَذِهِ الآية: {ثُمَّ أورثنا الكِتابَ الذِينَ اصطفينَا مِنْ عِبَادِنَا فمِنْهُمْ ظَالِم لِنَفسِهِ ومِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ ومِنْهُمْ سَابِقٌ بالخَيْراتِ بإذنِ اللَّه} قَالَ: >هؤلاءِ كلُّهُم بمنزلةٍ واحدةٍ وكلُّهُمْ في الجَنَّة< رواه الترمذي وقال: "هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ حَسَنٌ". ومما يدل على أن الثلاثة الأقسام موعودون من الهِ بدخول الجنة، إضافة ما مضى، أنه تعالى ذكر بعد الآيات السابقة المتعلقة بالمؤمنين وجزاءهم، الكفار وجزاءهم، في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ (36)} [11]. وقد جرى أسلوب القرآن في آيات كثيرة أن يذكر المؤمنين وجزاءهم، ويتبعهم بذكر الكافرين والمنافقين وجزاءهم، أو العكس. فقد ذكر المؤمنين وجزاءهم في أول سورة 12، من قوله تعالى: {الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ}إلى قوله تعالى: { وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ (5)} وأتبعهم بذكر الكافرين وجزاءهم إلى قوله من قوله تعالى :{ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا} إلى قوله: {وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (7)}، ثم ذكر المنافقين وجزاءهم، من قوله تعالى: {وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ}: إلى قوله: {وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ (17)} [12]. ومنه قوله تعالى: {فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (105) فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (106) خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتْ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (107) وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتْ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (108)} [13]. التنبيه الثاني: أن الواجب على المؤمن ـ مع سروره وفرحه بأنه إذا مات على إيمانه فإن مآله إلى الجنة ـ أن لا يغتر بذلك، فيقع في شرك مذهب المرجئة، لأمور: الأمر الأول: أنه لا يدري بم يختم له، فإن الإصرار على المعاصي قد يؤدي به إلى سوء الخاتمة والعياذ بالله.. والأمر الثاني: أن الله تعالى قد توعد بالجزاء على كل صغيرة وكبيرة من الحسنات والسيئات، كما قال تعالى: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَه (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَه (8)}[14]. فإذا أكثر الإنسان من المعاصي، فسيطول بقاؤه في النار إذا لم يغفر له.. والأمر الثالث: أنه ليس ضامناً لقبول الشفاعة فيه قبل الدخول في النار، ولا بعد ذلك، ولا بد أن ينال جزاءه على ما قدم.. والأمر الرابع: أن دخوله نار جهنم ـ ولو لحظة واحدة ـ ليس بالسهل، فوصف الله تعالى للنار مخيف، ترجف منه القلوب، وترتعد الفرائص، وتقشعر له الأبدان، وهو في كتاب الله وفي سنة رسوله صلى الله عليه و سلم كثير: {وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (6) إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقاً وَهِيَ تَفُورُ (7) تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنْ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (8)} [15]. ( 2 ) نصوص الشفاعة من القرآن والسنة: ومما يدل على أن أهل الكبائر من الموحدين لا بُدّ أن يدخلوا الجنة، نصوص الشفاعة في بعض من يدخلون النار لإخراجهم منها وإدخالهم الجنة. أولاً: من القرآن الكريم: الشفاعة ثبتت في كتاب الله تعالى، وفي سنة رسوله صلى الله عليه و سلم ، وهي في الجملة مجمع على القول بها، إلا أن الوعيدية ـ الخوارج والمعتزلة ـ يثبتونها لأهل الصغائر، وينكرون الشفاعة في أهل الكبائر، جرياً على مذهبهم المعروف. وعامة أهل السنة يثبتونها في كبائر الذنوب ما عدا الشرك، وأيدوا مذهبهم بأحاديث الشفاعة التي بينت بياناً شافياً ثبوت الشفاعة في الكبائر، فقد بين القرآن الكريم أن الشفاعة لا تكون إلا ممن ? وأذن لهم، من 17، ومن شاء تعالى من عباده الصالحين، ولا تكون إلا لمن شاء من عباده المؤمنين، ولا تكون لغيرهم من المشركين. قال تعالى: {مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ (255)}[12]. وقال تعالى:{وَلا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنْ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (28)}[17]. وقال تعالى: {يَوْمَئِذٍ لا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً (109)}[18]. وقال تعالى: {وَلا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ... (23)} [19]. والآيات غيرها كثيرة، وهي كما ترى دالة على أنه لا يشفع أحد عنده لأحد، إلا إذا رضي تعالى عن الشافع والمشفوع له، وأذن بالشفاعة للشافع. ومن هنا؛ نعلم أن الشفاعة المنفية في كتاب الله، غير الشفاعة المثبَتة فيه، فالشفاعة المنفية هي ما كان يدعيها المشركون مما يعبدونه من غير الله تعالى، والشفاعة المثبتة هي شفاعة 17، ومن شاء من عباده الصالحين، في المؤمنين من أهل الكبائر. قال ابن حزم رحمه الله، بعد أن ساق بعض الآيات المثبتة للشفاعة، وبعض الآيات النافية لها: " فقد صحت الشفاعة بنص القرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فصح يقيناً أن الشفاعة التي أبطلها الله عز و جل هي غير الشفاعة التي أثبتها عز و جل . وإذ لا شك في ذلك، فالشفاعة التي أبطل عز و جل ، هي الشفاعة للكفار الذين هم مخلدون في النار، قال تعالى: {لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ (36)} نعوذ بالله منها.. فإذ لا شك فيه فقد صح يقيناً، أن الشفاعة التي أوجب الله عز و جل لمن أذن له، واتخذ عنده عهداً، ورضي قوله، فإنما هي لمذنبي أهل الإسلام، وهكذا جاء الخبر الثابت..." [الفِصَل في الملل (4/54)، والآية من سورة10].
1 - النساء
2 - الكشاف (1/551-552).
3 - الحجرات
4 - الجامع لأحكام القرآن (16/323) ويراجع تفسير البغوي (4/213).
5 - صحيح البخاري (5/2264) رقم (5753) وصحيح مسلم (1/79) رقم (60).
6 - فتح الباري (10/466).
7 - تفسير القرآن العظيم (4/212).
8 - مجموع الفتاوى (3/284، 485).
9 - تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان (1/801).
10 - فاطر.
11 - فاطر
12 - البقرة
13 - آل عمران
14 - الزلزلة
15 - الملك
16 - البقرة
17 - الأنبياء
18 - طه
19 - سبأ
20 - الفِصَل في الملل (4/54)، والآية من سورة فاطر.



السابق

الفهرس

التالي


12286852

عداد الصفحات العام

949

عداد الصفحات اليومي

جقوق الطبع محفولموقع الروضة الإسلامي 1446هـ - 2025م