﴿۞ یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ لَا تَتَّخِذُوا۟ ٱلۡیَهُودَ وَٱلنَّصَـٰرَىٰۤ أَوۡلِیَاۤءَۘ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِیَاۤءُ بَعۡضࣲۚ وَمَن یَتَوَلَّهُم مِّنكُمۡ فَإِنَّهُۥ مِنۡهُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا یَهۡدِی ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّـٰلِمِینَ ۝٥١ فَتَرَى ٱلَّذِینَ فِی قُلُوبِهِم مَّرَضࣱ یُسَـٰرِعُونَ فِیهِمۡ یَقُولُونَ نَخۡشَىٰۤ أَن تُصِیبَنَا دَاۤىِٕرَةࣱۚ فَعَسَى ٱللَّهُ أَن یَأۡتِیَ بِٱلۡفَتۡحِ أَوۡ أَمۡرࣲ مِّنۡ عِندِهِۦ فَیُصۡبِحُوا۟ عَلَىٰ مَاۤ أَسَرُّوا۟ فِیۤ أَنفُسِهِمۡ نَـٰدِمِینَ ۝٥٢ وَیَقُولُ ٱلَّذِینَ ءَامَنُوۤا۟ أَهَـٰۤؤُلَاۤءِ ٱلَّذِینَ أَقۡسَمُوا۟ بِٱللَّهِ جَهۡدَ أَیۡمَـٰنِهِمۡ إِنَّهُمۡ لَمَعَكُمۡۚ حَبِطَتۡ أَعۡمَـٰلُهُمۡ فَأَصۡبَحُوا۟ خَـٰسِرِینَ ۝٥٣﴾ [المائدة ٥١-٥٣]
(67) سافر معي في المشارق والمغارب :: 66- سافر معي في المشارق والمغارب :: (34) دور المسجد في تربية الأحداث ووقايتهم من الانحراف :: (033) دور المسجد في تربية الأحداث ووقايتهم من الانحراف. :: (067) سافر معي في المشارق والمغارب :: (066) سافر معي في المشارق والمغارب :: (031) دور المسجد في تربية الأحداث ووقايتهم من الانحراف :: (065) سافر معي في المشارق والمغارب :: (030) دور المسجد في التربية وعلاج انحراف الأحداث :: :: :: :: :: :: :: :: :: ::
   
جملة البحث



السابق

الفهرس

التالي

( 4 ) عاقبة نبي الله نوح ومن آمن به وعاقبة أعدائه وما في ذلك من تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم..
قوله تعالى: {وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلاَّ مَنْ قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (36) وَاصْنَعْ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (37) وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ (38) فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ (39) حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ (40) وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِاِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (41) وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ ونادى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ (42) قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنْ الْمَاءِ قَالَ لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلاَّ مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنْ الْمُغْرَقِينَ (43) وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (44) وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (45) قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلا تَسْأَلْنِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنْ الْجَاهِلِينَ (46) قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنْ الْخَاسِرِينَ (47) قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (48) تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ(49) } قوله تعالى: {وأوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن} مكث نوح عليه السلام، يدعو قومه إلى الله تعالى.. ألف سنة إلا خمسين عاماً.. كما قال تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ خَمْسِينَ عَاماً فَأَخَذَهُمْ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ} [العنكبوت:14].. ومع هذا كله كان المؤمنون به قليلين جداً، ولذلك حزن نوح عليه السلام، وكان يطمع أن يزداد المؤمنون، وعندما تيقن من ربه أن قومه الذين لم يستجيبوا له لا أمل في إيمانهم دعا عليهم، كما قال الله تعالى عنه: {وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنْ الْكَافِرِينَ دَيَّاراً (26) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلاَّ فَاجِراً كَفَّاراً} [نوح: 36-37].. وقال تعالى: {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ (9) فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ} [القمر: 9-10].. وأخبر الله سبحانه وتعالى أنه أجاب دعاءه فنصره على قومه، كما قال تعالى: {وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ} [الصافات: 75].. وهنا يرد إشكال، وهو أن الله تعالى أخبر أنه مختص بالغيب كما قال عن نوح نفسه في هذه السورة، {ولا أعلم الغيب} [سبق في تفسير الآية: 31 من هذه السورة].. وكذلك كل أنبيائه وهم أشرف الخلق، مع أن نوحاً عليه السلام قال: {إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلاَّ فَاجِراً كَفَّاراً} وهذا من الغيب. فكيف يخبر به نوح عليه السلام..؟ والجواب: أن ذلك كان بوحي من الله تعالى، وقد سبق أن الأنبياء لا يعلمون إلا ما أطلعهم الله عليه، ومما يدل أنه بوحي قوله تعالى هنا: إنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن .. فلا تبتئس بما كانوا يفعلون .. أي لا تحزن ولا يظهر عليك آثار الحزن والنكد، وأصل البؤس الحزن، والابتئاس ظهور آثار البؤس. {واصنع الفلك بأعيينا}. الأمر معطوف على النهي، وهو جائز كما سبق.. [في أول تفسير الآية ـ الآية الثالثة من السورة].. والفلك السفينة، وهو يطلق على المفرد والجمع، ويذكر غالباً في المفرد، ويؤنث غالباً في الجمع فمن تذكيره في المفرد. من هنا بدأت المحاضرة الحادية عشرة في 13/7/1484هـ. قوله تعالى: {وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ} [يس:41].. وقوله تعالى: {وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنْ الْمُرْسَلِينَ (139) إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ}. [الصافات: 139-140].. ومن تأنيثه في المفرد قوله تعالى هنا بعد ذلك: {قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ} .. [آية: 40، من هذه السورة].. ومن تأنيثه في الجمع قوله تعالى: {وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ}. [النحل: 14].. وفي هذه الآية الكريمة دليل على فضل الصناعة اليدوية، وبالأخص النجارة، فإن أستاذها الأول من البشر هو أول رسول أرسل إلى أهل الأرض، وهو نوح عليه السلام، وكل من وجد ما وجد من الحيوان فهو بفضل الله ثم بفضل النجارة، كما قال تعالى: {فَأَنجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ}. [العنكبوت: 15].. وفي الآية دليل على أن التواكل عن العمل والجهل بالصناعات لا يقره الشرع، بل إن الشرع يحث على الصناعات وعلى كل ما من شأنه أن ينفع الناس في دنيهم ودنياهم.. وكيف يقر الشرع التواكل عن الصناعات وأستاذ صنعة النجارة، هو جبريل عليه السلام وتلميذه أول رسول من رسل الله؟! وأستاذ الحدادة من جمع بين الملك والنبوة، داود عليه السلام، فقد أوحى الله تعالى إلى نوح أن يصنع السفينة وأوحى إليه كيفيتها، كما أثبت أنه صنعها من ألواح ومسامير.. كما قال تعالى: {وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ} [القمر:54].. فمعنى قوله تعالى: واصنع الفلك أي أنجزها وأصلح طبقاتها كما أوحينا إليك، لتنجو أنت ومن معك إذا التقى الماء.. قوله تعالى: {بأعيننا ووحينا}. العين صفة لله تعالى لائقة بجلاله، لا تشبه صفة المخلوقين، وإنما جمعت هنا لمناسبة إضافتها إلى الضمير المجموع للتعظيم.. وطريقتنا في إثبات صفات الله إثبات ما أثبت ونفي ما نفى جملة وتفصيلا على أساس التنزيه وكمال المخالفة لمماثلة المخلوقين، وقطع الطمع عن إدراك الكيفية على غرار قوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ}. [الشورى:11].. والقول في صفاته تعالى كالقول في ذاته، فكما نثبت له ذاتاً مغايرة لذات المخلوقين، كذلك نثبت له ما أثبت لنفسه من الصفات مغايرة لصفات المخلوقين.. وإنما غلط من غلط في صفات الله تعالى، وحرفها أو جحدها لعدم المعرفة الكاملة بالله تعالى وجلاله وعظمته.. [لفضيلة الشيخ المفسر رحمه الله بحث مستفيض فيما يتعلق بوجوب إثبات أسماء الله وصفاته الواردة في كتابه أو في سنة رسوله صلى الله عليه وسلم الصحيحة، مع مناقشة المخالفين وترجيح مذهب السلف في ذلك، راجعه في كتابه القيم أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن (2/304-321) وله كذلك رسالة مستقلة في هذا الباب، وكرر ذلك في عدة مواضع من كتاب "العذب النمير" الذي جمعه أحد طلبة العلم من أشرطة تسجيل – كاسيت – سجلت من دروسه في المسجد النبوي].. {ووحينا} أي بما أوحينا إليك من تعليم صنعة النجارة وكيفيتها. {ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون}. يقول بعض المفسرين: إن المراد بنهيه عن مخاطبته فيهم أن يخاطبه في إمهالهم، لأن ما قدره الله عليهم قد مضى ولا محالة. وهذا الوجه بعيد، لأن نوحاً عليه السلام قد ألحّ في دعائه ربه أن يهلكهم، كما قال تعالى عنه: {رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنْ الْكَافِرِينَ دَيَّاراً} [نوح:26].. وقال تعالى عنه: {أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ} [القمر:10].. وقال: {وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ} [الصافات:75].. فالصحيح أن المراد لا تخاطبني في تعجيل العذاب والإهلاك لقومك فإنه قد كتب وحان، والتأكيد عند علماء البلاغة من باب التأكيد للمتردد في الأمر، فكأنه حينما قال الله تعالى له: {ولا تخاطبني في الذين ظلموا} حصل عنده تردد في ماذا سيفعل بهم، فأكد له نظراً لذلك فهو مما يحسن توكيده، والظلم وضع الشيء في غير موضعه.. {إنهم مغرقون}. أي بالطوفان الذي نزل من السماء ونبع من الأرض.. كما قال تعالى: {فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (11) وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ}. [القمر:11-12]. وذكر المفسرون في قصة قوم نوح أن كل الجبال غمرها الطوفان، وهو ظاهر القرآن، بدليل أن ابن نوح حينما قال له أبوه: {يا بني اركب معنا ولا تكن مع الكافرين}. رد عليه ابنه قائلاً: {سآوي إلى جبل يعصمني من الماء}. فرد عليه نوح عليه السلام قائلاً: {لا عاصم اليوم من أمر الله}. [سيأتي قريباً تفسير هذه الآيات].. والظاهر أن كل من لم يكن في السفينة من أهل الأرض قد غرقوا، كما قال تعالى: {فَأَنجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ}. [العنكبوت:15].. وقال تعالى: {وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمْ الْبَاقِينَ}. [الصافات: 77]. من هنا بدأت المحاضرة الثانية عشرة في 15/7/1384هـ قوله تعالى: {ويصنع الفلك}. الظاهر أن الإتيان بالمضارع حكاية للحال الماضية، استحضاراً لها في الوقت أي يصنعها حسب الأمر الذي تلقاه منا، وفي هذا دلالة عظيمة على خبث الكفار الشديد، حيث إن نبي الله نوحاً عليه السلام مكث بينهم تلك المدة الطويلة كلها يدعوهم إلى الله، ويصبر على أذاهم وسخريتهم، ثم يضطر أن يصنع له ولقومه المؤمنين مركباً ينجون فيه من الطوفان الذي أرسله الله عذاباً للكفار من قومه.. {وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه}. كلما كلمة تتضمن معنى الشرط، وليست جازمة، وهي ظرف، والمراد أنهم يسخرون منه في كل وقت يمرون به فيه، وفعل الشرط هو "مر" وجوابه "سخروا" والسخرية الاستهزاء والاستخفاف، أي استهزؤا به واستخفوا منه وضحكوا عليه.. وفي سخريتهم منه تفسيران: الأول: أنهم يقولون له: كيف تدعي النبوة ثم تصير نجاراً بعد ذلك؟ الثاني: أنهم يرونه يصنع السفينة في أرض يابسة، فيسألونه ماذا يريد بها فأخبرهم أنه يمشي بها على الماء فيهزون رؤوسهم لأنهم لم يعرفوا ذلك، لأنها أول سفينة صنعت. قال {إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون}. أي إن نبي الله نوحاً عليه السلام قال لهم من باب المشاكلة ـ وهي إيراد اللفظ في قالب الكلام الذي قبله للمشاكلة بينهما أي إننا نستخف بكم ونستهزئ بكم كما استهزأتم بنا، وذلك عندما تجدون الحقائق التي لم تكونوا تتوقعونها. والمشاكلة أسلوب عربي له أمثلة كثيرة. ومنه قوله تعالى: {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (14) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} [البقرة: 14-15]. ومنه قول الشاعر:

قوله تعالى: {فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم}. الفاء فاء الفصيحة أفصحت عن شرط مقدر، أي إن كذبتمونا وسخرتم منا فسوف تعلمون. وفي إعراب "من" وجهان كل منهما لا يعارض الآخر: الوجه الأول: أنها موصولة، فهي في محل نصب مفعول "تعلمون" والمعنى فسوف تعلمون الذي يأتيه عذاب يخزيه، أهو أنا أم أنتم؟ الوجه الثاني: أنها استفهامية معلقة للفعل القلبي عن العمل، لأن أدوات الاستفهام من المعلِّقات، فمن مبتدأ وجملة يأتيه خبر ومحل جملة المبتدأ والخبر الرفع لفظاً والنصب محلاً، بدليل أنه لو عطف على هذه الجملة وأشباهها جاز في المعطوف الرفع على اللفظ والنصب على المحل، ومن شواهد ذلك قوله الشاعر:

وقد أشار ابن مالك في الخلاصة إلى تعليق أفعال القلوب بأدوات الاستفهام ـ وغيرها ـ في قوله:

والخزي الإهانة والذل الفضيحة، أي يأتيه عذاب يهينه ويذله ويفضحه.. {ويحل عليه عذاب مقيم}. أي ينزل عليه، وقيل يجب، والمقيم الدائم الذي لا ينقطع ولا يزول. كما قال تعالى: {وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وَجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمّاً مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيراً} [الإسراء:97].. وقال تعالى: {وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمْ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ} [السجدة:20].. وقال تعالى: {إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً} [الفرقان: 65 أي: دائماً].. قوله تعالى: حتى إذا جاء أمرنا .. حتى لابتداء الغاية، وليست غاية لما قبلها على الصحيح، وقيل غاية، والأظهر ما ذكرنا، وقد نظم بعضهم معاني حتى بقوله:

والأمر يأتي واحد الأمور، ويأتي واحد الأوامر، والمراد هنا الأول، لا الثاني، أي شأننا الذي قدرناه وقضيناه من إهلاكهم بالطوفان. {وفار التنور} يقال: فار يفور إذا غـلا غلياناً شديداً، وفي المراد بالتنور أقوال كثيرة، أظهرها ثلاثة: القول الأول: أن المراد به وجه الأرض، أي إذا فاض وجه الأرض بالماء فاركب لئلا يدركك الغرق أنت وقومك. القول الثاني: أنه تنور الخبز، وذلك أن الله تعالى جعله علامة، عندما يفور يعلم أن الإهلاك حاصل بعده. القول الثالث: أن ذلك كناية عن حصول الشدة، فهو يشبه قولهم: حمي الوطيس. وأظهر الثلاثة الأول.. [بقية الأقوال يمكن مراجعتها في فتح القدير للشوكاني (2/474)].. {قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين} الضمير في قوله تعالى: فيها يعود إلى الفلك في قوله: ويصنع الفلك باعتبار معنى الفلك، وهو السفينة. وللزوج إطلاقان: الإطلاق الأول: إطلاقه على كل اثنين بينهما ارتباط بحيث لا يستغني أحدهما عن الآخر. الإطلاق الثاني: إطلاقه على أحد المزدوجين أيضاً، كأحد مصراعي الباب، أو الذكر فقط أو الأنثى فقط، ومنه المراد هنا. قرأ حفص بتنوين كلٍ، فزوجين مفعول به، واثنين صفة له، وقرأ الجمهور بالإضافة، فيكون اثنين هو المفعول به. والمراد أن الله تعالى علم أن الطوفان سيهلك كل موجود على ظهر الأرض، فأمر نوحاً أن يأخذ من كل جنس ذكراً وأنثى ليبقى التناسل في الأرض، وهذا من رحمة الله تعالى بخلقه. {وأهلك}. على قراءة الجمهور معطوف على اثنين، وعلى قراءة حفص معطوف على زوجين، والتنوين في "كل" على قراءة حفص للعوض، أي كل صنف. {إلا من سبق عليه القول}. أي قول الله السابق في الأزل: إنهم مغرقون.. و "مَن" في قوله إلا من سبق منصوب على الاستثناء، والمستثنى منه أهلك و من هذه من الأسماء المبهمة التي تصلح للمفرد والمثنى والجمع مذكراً ومؤنثاً، فمَن المكنى عنه بها في الآية؟ الجواب أن "من" هنا أطلقت مراداً بها ابن نوح وزوجته، ومن إطلاق من على المثنى قول الشاعر:

وقد دل القرآن الكريم على ما ذكرنا فقد قال تعالى في امرأة نوح: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنْ اللَّهِ شَيْئاً وَقِيلَ ادْخُلا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ (10) }. [التحريم:10].. وقال في ابن نوح: {وحال بينهما الموج فكان من المغرقين}. [ستأتي الآية قريباً].. {ومن آمن وما آمن معه إلا قليل} معطوف على مفعول: احمل أي احمل فيها من كل زوجين اثنين واحمل فيها من آمن.. وقد بين القرآن أن المؤمنين من قوم نوح ـ مع طول مكثه فيهم ـ كانوا قليلين، قيل كان عددهم ثمانين، منهم أولاده الثلاثة وزوجاتهم وقيل غير ذلك، وهذه التحديدات كلها إسرائيلية لا يعول عليها، وإنما قال: ومن آمن معه، ولم يقل به ليدل على اشتراكهم في الإيمان واشتراكهم في الأخوة الإيمانية. {وقال اركبوا فيها باسم الله}. أي عندما فار التنور قال نوح لأهله وغيرهم ممن آمن معه: اركبوا في السفينة، حال كونكم مبتدئين ركوبكم باسم الله متبركين به.. {مجراها ومرساها}. فيهما قراءات، وهما بضم الميم مصدران ميميان، بمعنى الإجراء والإرساء، وبفتحهما بمعنى الجري والرسو أي باسم الله إجراؤها وإرساؤها، أو جريها ورسوها، إذا بدأت وجرت، وإذا انتهت ورست.. {إن ربي لغفور رحيم}. هذا من كلام نوح عليه السلام، أي كثير المغفرة والرحمة لعباده المؤمنين، ومن رحمته بهم أن هيأ لهم هذه السفينة ليبقى نسلهم. {وهي تجري بهم في موج كالجبال}. الموج تموج الماء واضطراب بعضه فوق بعض، وهذا يدل على عظم الماء وكثرته، لأنه كالجبال، وقد شبهه الله سبحانه وتعالى بالجبال في قصة غرق فرعون وقومه. حيث قال: {فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ}. [الشعراء:63].. {ونادى نوح ابنه}. النداء الدعاء، أي دعاه، وهو معطوف بالواو متقدم على ما قبله رتبة. {وكان في معزل}. المعزل مكان الانعزال، وذلك أنه كان يحس أن دينه غير دين أبيه وقومه، فانعزل عنهم. {يا بني اركب معنا} التصغير للشفقة، وقرئ بنى بفتح الياء وكسرها، وهما من اللغات الجائزة في المضاف إلى ياء المتكلم المنادى، وهو هنا وإن كان معتلاً، فالتصغير يجعله بمنزلة صحيح الآخر، وقد أشار ابن مالك إلى اللغات المذكورة ـ وهي خمس ـ بقوله في الخلاصة:

وأصل ابن بنو، والعرب أسقطت اللام التي هي الواو، وجعلت الإعراب على العين التي هي النون، والتصغير يرد الأشياء إلى أصلها، ولذا صار بُنَيْو، ثم قلبت الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء لاجتماعهما وسبق إحداهما بالسكون، كما قال ابن مالك في الألفية:

{ولا تكن مع الكافرين}. أي منعزلاً عن المؤمنين فتهلك بالكون معهم كما يهلكون. {قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء}. من خبث الولد الشديد أنه أظهر استغناءه عن أبيه وعن فلكه، وأصل سآوي سأأوي على وزن سأفعل، الأولى همزة أفعل، والثانية فاء الكلمة، اجتمعت همزتان في أول الكلمة، الثانية ساكنة، فقلبت ألفاً من جنس الحركة التي قبلها، وذلك قياس مطرد، كما قال ابن مالك في الخلاصة: ومدا ابدل ثاني الهمزتين من=كلمة إن يسكن كآثر وائتمن والمأوى المحترز والمعتصم، أي يمنعني من الماء، ويحفظني من الغرق. قال لا عاصم اليوم من أمر الله . أي لا مانع من قضائه وقدره السابق الذي قد مضى بإهلاكهم. إلا من رحم .. الصحيح أن الاستثناء هنا منقطع، أي لكن من رحم الله فهو معصوم كالمؤمنين، والاستثناء المنقطع أسلوب عربي فصيح معروف، وبعضهم ينكره، وهو خلاف لفظي، وضابط الاستثناء المنقطع أن يستثنى بإلا شيء من غير جنس ما ذكر، والصحيح أنه موجود، ومنه قوله تعالى: {لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً إِلاَّ سَلاماً} [مريم:62].. وقوله تعالى: {لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلا تَأْثِيماً (25) إِلاَّ قِيلاً سَلاماً سَلاماً}. ومنه قول الشاعر:

وقول الآخر:

وبعضهم يجوز أن يكون الاستثناء هنا متصلاً بجعل عاصم بمعنى معصوم، وهو غير جيد والصحيح ما تقدم. وقيل: إن قوله: عاصم بمعنى ذي العصمة، كلابن وتامر، كما قال ابن مالك في باب النسب:

{وحال بينهما الموج}. أي بين نوح وابنه، وذلك أن الموج ارتفع، حتى صار مثل الجبال، فطغى عليه الطوفان. ولهذا قال: {فكان من المغرقين}. {وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي}. لما أهلك الله الكفار وطغى عليهم الماء حتى غمر الجبال، أمر الله الأرض بابتلاع الماء، وأمر السماء بالكف عنه، ويذكر المفسرون أن امرأة علت بابن صغير لها على جبل، وكان كلما ارتفع الماء زادت في العلو حتى انتهت إلى رأس الجبل، فلحقها الماء فكانت ترفع ابنها بيديها، ولكن الماء غمرها معه، والمفسرون يقولون: لو كان الله راحماً أحداً ذلك اليوم من الكفار لرحم تلك المرأة، والله تعالى أعلم بذلك، وإذا ثبتت تلك القصة فإنها لا تنافي القرآن الكريم، فإن ظاهر قوله تعالى: {لا عاصم اليوم من أمر الله} .. بعد قول ابن نوح {سآوي إلى جبل يعصمني من الماء} يدل على أن الجبال لا تنجي أحداً وذلك لأن الماء يغمرها.. من هنا بدأت المحاضرة الثالثة عشرة في 18/7/1384هـ والقائل: {يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي} هو الله تعالى.. وإنما حذف للعلم به، لأنه لا أمر لأحد على السماء والأرض بذلك غير رب العالمين.. وبلع بفتح العين التي هي اللام، وبعض العرب يكسرها، والبَلْع الشرب والازدراد بقوة، أي اشربيه وازدرديه، ويقال: إنما بدأ بالأرض قبل السماء، لأن أصل فوران الماء كان منها.. أمر الله الأرض بازدراد الماء، والسماء بالكف من إنزاله حينما أراد انقضاء الأمر وزوال الماء، بعد أن أهلك الظالمين. ومن ورود القلع في لغة العرب بمعنى الكف قوله الشاعر:

{وغيض الماء} أي نقص، وغاض يأتي متعدياً كما هنا، والفاعل هو الله تعالى، ويأتي لازماً أيضاً، والمراد أن الله سبحانه وتعالى أنقص الماء حيث أمر الأرض بابتلاعه، وأمر السماء بالكف من إنزاله. [{وقضي الأمر} أي أحكم وفرغ منه، يعني أهلك الله قوم نوح على تمام وإحكام].. ما بين المعقوفين من كتاب فتح القدير للشوكاني (2/477) لأني لم أجد لشيخنا كلاماً عليه، وربما فاتني أن أكتبه.. {واستوت على الجودي} أي إن السفينة ارتفعت وعلت على الجودي وفي تفسير الجودي قولان: الأول: أنه اسم علم على جبل قريب من الموصل، وعلى هذا فأل فيه زائدة، كما قال ابن مالك في الخلاصة:

الثاني: أنه اسم جنس، والعرب تطلق اسم الجودي على أي جبل، وعلى هذا فأل فيه لتعريف الجنس. وقد كانت السفينة مرتفعة على الماء، فلما نضب استقرت على الجبل، وهذا دليل على ما سبق من أن الماء كان يغمر الجبال. {وقيل بعداً للقوم الظالمين} القائل هو نوح، يدل على أنه قوله عليه السلام ، ما أمره الله به بعد إهلاك قومه الكافرين: {فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلْ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنْ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [المؤمنون: 28].. وقيل: إنه من كلام الله.. والبعد اسم مصدر معناه الهلاك، وهو على غير قياس، وكان قياسه البَعَد على وزن الفرح، كما قال ابن مالك في الألفية:

وهو مفعول مطلق لفعل محذوف، أي أبعدهم الله بعداً، وقد سبق الكلام على إطلاق القوم.. [في تفسير الآية: 25].. والظلم يطلق على الكفر، كما هنا، وكما في قوله تعالى: {وَالْكَافِرُونَ هُمْ الظَّالِمُونَ} [البقرة:254].. وكما في قوله تعالى: {وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنْ الظَّالِمِينَ} [يونس: 108].. كما يطلق على غير الكفر من المعاصي، والقرائن تعين معناه.. {ونادى نوح ربه} أي في شأن ولده.. {فقال رب إن ابني من أهلي} أي يا خالقي وسيدي ومدبر شؤوني، أي إنه من أهلي الذين وعدتني بنجاتهم وبأني أحملهم في السفينة بقولك: وأهلك .. يقول المؤرخون: إن أبناء نوح أربعة: أحدهم هذا الذي خاطب الله تعالى فيه، ويسمى: كنعان، والثلاثة الباقون هم مؤمنون ومنهم كان النسل البشري الباقي.. كما قال تعالى: {وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمْ الْبَاقِينَ} [الصافات:77]. وهؤلاء الثلاثة هم: 1- سام بن نوح، وعنه تناسل العرب والفرس والروم.. 2- حام بن نوح، وعنه تناسل القبط والبربر والسودان.. 3- يافث بن نوح، وعنه تناسل الصقالبة والترك ويأجوج ومأجوج.. وبعض المؤرخين يذكرون أن البربر من العرب من أولاد قيس بن مضر.. ونبي الله نوح عليه السلام قد لاحظ المستثنى منه، ولم يلاحظ حقيقة المستثنى، وهو قوله تعالى: {إلا من سبق عليه القول}. والظاهر أن الولد كان يخفي عن أبيه عقيدته.. {وإن وعدك الحق} وقد وعدتني بنجاة أهلي، ومنهم ابني.. {وأنت أحكم الحاكمين} أي أتقن المتقنين، وكل ما تخبر به فهو محكم متقن، وكذا ما تأمر به، فما وعدتني به، إحكامك وإتقانك يقتضي أن تنجزه لي، والظاهر أن نداء نوح عليه السلام كان في أوائل مجيء الغرق، ولا ينافيه قوله قبل ذلك: وقيل يا أرض ابلعي الآية.. لأن العطف بالواو، وهي لمطلق الجمع، لا تقتضي الترتيب. {قال يا نوح إنه ليس من أهلك}. أي هذا الولد الذي تطلب نجاته، ليس من أهلك الموعود بنجاتهم. تعلق بهذه الآية بعض الملحدين، فزعموا أن كنعان هذا الذي طلب نوح نجاته، كان ابن زنا، لقوله تعالى: {إنه ليس من أهلك}. ولقوله في امرأة نوح ولوط في موضع آخر: {فخانتاهما} [التحريم:10].. أي ومن الخيانة إلحاق الولد بغير الفراش، وهذا زور وباطل، فقد حكى غير واحد عن ابن عباس رضي الله عنهما وغيره الإجماع من المسلمين أن الله أكرم منصب النبوة، فلا تزني امرأة نبي قط. وهنا ترد أسئلة، وذلك أن يقال: ما المراد بالخيانة؟ وما الجواب عن قوله: {ليس من أهلك}.؟؟ والجواب عن السؤال الأول: أن الخيانة هي الخيانة في الدين وذلك أن امرأة نوح كانت تخبر قومها بمن آمن معه فيعذبونهم، وامرأة لوط كانت توقد الدخان لقومها علامة على أن عند لوط ناساً ليأتوا فيفعلوا بهم الفاحشة، ولا شك أنهما بهذا، أي بكونهما عوناً للكافرين على النبيين خائنتان. والجواب عن الثاني: أن قوله: ليس من أهلك .. حذف فيه النعت الذي بتقديره يزول الإشكال، وحذف النعت ـ وأن كان النحويون، ومنه ابن مالك يقولون: إنه قليل كما قال ابن مالك في الخلاصة:

ـ لقرينة دالة عليه جائز وكثير، والتقدير هنا: ليس من أهل الموعود بنجاتهم، والقرينة على ذلك أن الله وهو أصد القائلين قال: ونادى نوح ابنه فقد أثبت الله تعالى له النبوة.. وكيف يصح نفي ما أثبته الله، ونفي الأهلية لا ينافي إثبات البنوة بهذا الاعتبار. ومن الأدلة على حذف النعت لقرينة دالة عليه قوله تعالى: {وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً} أي كل سفينة صالحة، بدليل قوله تعالى: {فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا}. [الكهف:79].. فهو لا يأخذ المعيبة. ومنه قوله تعالى: {وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلاَّ نَحْنُ مُهْلِكُوهَا}. [الإسراء: 58].. أي قرية ظالمة.. ومنه في كلام العرب:

أي فرع فاحم وجيد طويل.. وبهذا يتضح أن ابن نوح عليه السلام إنما خرج بالاستثناء في قوله: {إلا من سبق عليه القول } إنه عمل غير صالح .. قراءة الجمهور على لفظ المصدر، وقرأ الكسائي بلفظ الفعل، والمعنى: إن ابنك يا نوح عمل عملاً غير صالح هذا على قراءة الفعل، ولا إشكال في ذلك.. وهذا التعليل من الأدلة التي ترد على الذين يزعمون أنه ولد زنا، لأن الله سبحانه وتعالى أقره بكونه ابنه، وإنما أخبره بأن السبب في كونه ليس من أهله الموعود بنجاتهم أنه عمل عملاً غير صالح.. وعلى قراءة الجمهور بلفظ المصدر يرد سؤال، وهو: كيف أطلق على ابن نوح أنه عمل، والعمل معنى، وهو ذات؟ والجواب: أن من عادة العرب أن تصف بالمصدر، أي تدل به على الذات، كما تدل به على المعنى، وهو ما عقده ابن مالك في الخلاصة بقوله:

وهو على أحد وجهين: الأول: أن يكون على حذف مضاف، على حد قول ابن مالك:

وتقرير المعنى: أنه ذو عمل غير صالح، فلما حذف المضاف الذي هو ذو أقيم المضاف إليه مقامه. الثاني: أنه إنما أطلق المصدر مراداً به الذات للمبالغة، والعرب تقول: فلان كرم، وفلانة جمال مبالغة، حتى كأنه صار عين الكرم، وصارت عين الجمال، فكأنه لشدة ارتكابه العمل غير الصالح صار نفس ذلك العمل، والعمل غير الصالح هنا هو الكفر. {فلا تسألني ما ليس لك به علم}. أي لا تطلب مني الشيء الذي لا تعلم أن في طلبك إياه مصلحة، لأنك إذا سألت شيئاً لا ينبغي وقوعه، فقد طلبت من الله أن يفعل ما لا ينبغي، فكأنك هنا قلت: اللهم أنج كافراً من الكفار، فإذا جهلت شيئاً فتوقف حتى تعلم أن المصلحة في طلبه.. ويؤخذ من هذه الآية الكريمة أن العبد إذا اشتبه عليه الأمر في شيء، هل في سؤاله ربه أن يقضيه مصلحة أو لا؟ فإنه لا يسأل الله ذلك، خوفاً من أن يكون مما يسخط الله تعالى. فالمراد من قوله: {ما ليس لك به علم} يعني أو وقوعه مما ينبغي أن يطلب أم لا؟ فقد سألتني نجاة كافر، وذلك مما لا ينبغي، ويؤخذ من هذا أنه لو علمك إنسان دعاء أعجمياً لا تعرف معناه لا ينبغي أن تدعو به.. {إني أعظك أن تكون من الجاهلين} الوعظ الكلام الذي تلين به القلوب، وقيل: إنه يتضمن هنا التحذير، والجهل هو عدم العلم بما من شأنه أن يعلم، أي لا تكن من الجاهلين الذين لا يعلمون حقائق الأشياء.. {قال رب إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم} أي أعتصم وأتمنع بك أن أقع في هذا الخطأ مرة أخرى، استعاذ بالله من أن يقع في ذلك في المستقبل.. {وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين} أي إن لم تستر ما مضى لي من الذنب وتغمرني برحمتك التي وسعت كل شيء أكن في عداد الخاسرين الذين غبنوا في حظوظهم عندك.. ويؤخذ من هذه الآية جواز تأخير البيان إلى وقت الحاجة لأن الله تعالى قال لنوح: {قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك} ثم استثنى بقوله: إلا من سبق عليه القول وهو مبهم، ولذلك لم يفهم منه نوح أن ابنه ممن سبق عليه القول، فطلب أن ينجيه الله، فبين الله له عند ذلك ـ وهو وقت الحاجة إلى البيان ـ أنه ممن سبق عليه القول، فالتحقيق جواز تأخير البيان إلى وقت الحاجة، كما أن التحقيق عدم جواز تأخير البيان عن وقت الحاجة.. وفي قول نوح عليه السلام: {وإلا تغفر وترحمني}. الآية دليل على تواضع الأنبياء وشدة خوفهم من الله تعالى.. {قيل يا نوح اهبط بسلام منا وبركات} لما أمر الله سبحانه وتعالى الأرض ببلع الماء، والسماء بالكف عن إنزاله، واستوت السفينة على الجبل أحب نوح ومن معه النزول، فأمره الله بالهبوط هو ومن معه.. وللهبوط استعمالان: الأول: بمعنى النزول في الأرض، ومنه قوله تعالى: اهْبِطُوا مِصْراً.. [البقرة:61].. الثاني: بمعنى النزول من علو إلى سفل، كما هنا، والمراد به قيل: من السفينة، وقيل: من رأس الجبل.. بسلام أي مصحوباً بسلام، أي بتحية وسلامة، وهذا من إكرام الله لنبيه نوح عليه السلام، حيث كان عبداً شكوراً صابراً على ما ناله من أذى قومه تلك المدة الطويلة، حتى أغرقهم الله وأنجاه ومن معه، وبشره بالسلامة من الآفات، وأبلغه تحية من عنده. وبركات ..أي خيرات كثيرة.. {عليك وعلى أمم ممن معك} أي كائن مبدأ تلك الأمم ممن معك. وهنا سؤال، وهو أنه قال هنا: {وعلى أمم ممن معك} فوصفهم بأنهم أمم، وهذا يدل على الكثرة، مع أنه قد قال قبل ذلك: {وما آمن معه إلا قليل} فما التوفيق بين الوصفين؟ والجواب أن هذا الوصف: أمم ليس للذين مع نوح، بل المراد من ينشأ منهم من الذرية، كما هو ظاهر.. وأمم سنمتعهم أمم مبتدأ والمسوغ لجواز الابتداء به مع أنه نكرة كونه في معرض التفصيل، وخبره الجملة بعده: سنمتعهم ومثل التسويغ في الآية التسويغ في قول الشاعر:

{ثم يمسهم من عذاب أليم} أي لموتهم كفاراً، والمس يدل على المباشرة التامة، وهذه قرينة قاطعة أنه ليس المراد بهم من معه، بل المراد من ينشأ من ذريتهم، إذ لم يكن معه إلا من آمن، لأن الله لم يأمره إلا بحمل المؤمنين. {تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك}. الإشارة إلى ما مضى من قصص نوح، من دعوته قومه إلى عبادة الله، وعنادهم به ـ ومحاورته معهم في شأن أتباعه من المؤمنين، وصنعه السفينة واستهزائهم به، وما جعل الله له من العلامة على إهلاكهم، وأمره له بحمل المؤمنين ومن كل الحيوانات زوجين في السفينة، وما كان من أمره مع ابنه وعتاب الله له في ذلك ورجوعه وتوبته إلى الله، ثم ما تبع القصص التي أخبرناك بها من الأمور التي هي غائبة عن الناس، وفي هذا أعظم معجزة للرسول صلى الله عليه وسلم، حيث إنه أمي لا يقرأ ولا يكتب، وإذا به يخبر عن غرائب التاريخ التي مضى عليها آلاف السنين بضبط وإتقان، فليست إلا بوحي من الله جـل وعلا. {ما كنت تعلمها أنت ولا قومك} أتى بالضمير المنفصل للفصل بين المعطوف عليه الذي هو ضمير الرفع المتصل، فاعل: تعلمها وبين المعطوف وهو في قوله: ولا قومك وهو وإن كان الفصل بلا في قوله: ولا قومك كافياً، إلا أن الفصل بالضمير المنفصل مع ذلك أفصح، وإلى هذه المسائل أشار ابن مالك في الخلاصة بقوله:

أو فاصل ما ======= ومما جاء فيه الفصل بلا وحدها قوله تعالى: {ما أشركنا ولا آباؤنا}. [الأنعام:148].. أي ما كنت أنت ولا قومك تعلمون هذه القصص قبل أن نوحي إليك.. {فاصبر إن العاقبة للمتقين}. الفاء فاء السببية، والمراد ليتسبب على يقينك أنك على حق وأن أهل الحق منصورون، ليتسبب على ذلك صبرك على ما يصيبك من قومك، والعاقبة مصدر، جيء به على زنة اسم الفاعل، ومجيء المصادر على زنة اسم الفاعل أو اسم المفعول مسموع، ومعناه هنا العقبى، ومثله العافية بمعنى المعافاة.. ومن مجيء اسم المفعول مراداً به المصدر قولهم: فلان يجود في الميسور والمعسور، وقولهم: ماله معقول ولا مجلود، أي لا عقل ولا جلد، والعاقبة هي ما يؤول إليه الأمر في ثاني حال، وهي هنا العاقبة الحسنة، فهي للمتقين الذين يتقون الله بفعل طاعته وترك معصيته، ويفهم من دليل خطابها أن غير المتقين لهم العاقبة الوخيمة والسيئة..



السابق

الفهرس

التالي


12006527

عداد الصفحات العام

3674

عداد الصفحات اليومي

جقوق الطبع محفولموقع الروضة الإسلامي 1446هـ - 2025م