﴿۞ یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ لَا تَتَّخِذُوا۟ ٱلۡیَهُودَ وَٱلنَّصَـٰرَىٰۤ أَوۡلِیَاۤءَۘ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِیَاۤءُ بَعۡضࣲۚ وَمَن یَتَوَلَّهُم مِّنكُمۡ فَإِنَّهُۥ مِنۡهُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا یَهۡدِی ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّـٰلِمِینَ ۝٥١ فَتَرَى ٱلَّذِینَ فِی قُلُوبِهِم مَّرَضࣱ یُسَـٰرِعُونَ فِیهِمۡ یَقُولُونَ نَخۡشَىٰۤ أَن تُصِیبَنَا دَاۤىِٕرَةࣱۚ فَعَسَى ٱللَّهُ أَن یَأۡتِیَ بِٱلۡفَتۡحِ أَوۡ أَمۡرࣲ مِّنۡ عِندِهِۦ فَیُصۡبِحُوا۟ عَلَىٰ مَاۤ أَسَرُّوا۟ فِیۤ أَنفُسِهِمۡ نَـٰدِمِینَ ۝٥٢ وَیَقُولُ ٱلَّذِینَ ءَامَنُوۤا۟ أَهَـٰۤؤُلَاۤءِ ٱلَّذِینَ أَقۡسَمُوا۟ بِٱللَّهِ جَهۡدَ أَیۡمَـٰنِهِمۡ إِنَّهُمۡ لَمَعَكُمۡۚ حَبِطَتۡ أَعۡمَـٰلُهُمۡ فَأَصۡبَحُوا۟ خَـٰسِرِینَ ۝٥٣﴾ [المائدة ٥١-٥٣]
(67) سافر معي في المشارق والمغارب :: 66- سافر معي في المشارق والمغارب :: (34) دور المسجد في تربية الأحداث ووقايتهم من الانحراف :: (033) دور المسجد في تربية الأحداث ووقايتهم من الانحراف. :: (067) سافر معي في المشارق والمغارب :: (066) سافر معي في المشارق والمغارب :: (031) دور المسجد في تربية الأحداث ووقايتهم من الانحراف :: (065) سافر معي في المشارق والمغارب :: (030) دور المسجد في التربية وعلاج انحراف الأحداث :: :: :: :: :: :: :: :: :: ::
   
جملة البحث



السابق

الفهرس

التالي

الفصل الخامس : الاعتصام بحبل الله
ومن أعظم ما يؤهل للمسلمين لتحقيق وعد الله تعالى لهم بالمخرج من الضيق والحرج، اجتماع كلمتهم على الحق، والبعد عن الأسباب التي تحدث بينهم التفرق والتنازع المؤديين إلى الفشل، ونصوص القرآن والسنة صريحة في وجوب هذا الاجتماع، ودلَّ واقع تاريخ المسلمين أنهم عندما ينفذون أمر الله فيجتمعون ويعتصمون بحبله تعالى تكون لهم العزة والنصر على أعدائهم، وأنهم عندما ينسون أمره فتفرقهم الأهواء ويصدعهم التنافس في الدنيا، والتحاسد فيما بينهم، تذهب ريحهم ويصيبهم الضعف، ويذلهم الله لأعدائهم.. يقول تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا ...(103)} [1]. فقد أمر الله تعالى المسلمين جميعا بالاعتصام؛ لأن الأمر جاء بصيغة الجمع {اعْتَصِمُوا} وأكد ذلك بأمرين الأول: قوله: {جَمِيعاً} وهي من ألفاظ التوكيد المعنوية، كما هو معروف في اللغة العربية، والثاني: نهيه تعالى لهؤلاء المخاطبين عن التفرق، ومعلوم عند علماء الأصول أن الأمر يفيد وجوب فعل المأمور به، وبخاصة مثل هذا الأمر المؤكد، وأن النهي يفيد التحريم، فالاعتصام بحبل الله فرض على المسلمين، والتفرق محرم عليهم، وهذا يوجب عليهم السعي في اتخاذ الأسباب التي تحقق لهم الاعتصام بحبل الله، والبعد عن الأسباب التي تحدث بينهم الفرقة والنزاع. ومعلوم أن المراد بحبل الله الذي يجب الاعتصام والتمسك به، هو كتابه وسنة رسوله، وهذا يعني أن المسلمين لا يقيهم من التفرق والتنازع إلا العمل بكتاب الله وسنة رسوله ‘، فإذا اعتصموا به كلهم ظاهراً وباطناً حقق الله لهم الاجتماع على الحق، وحقق لهم المخرج من الضيق والحرج، واستحقوا النصر على أعدائهم، وإن اعتصم به بعضهم واتبع بعضهم الهوى وخطوات الشيطان، فلا بد أن يختلفوا ويتفرقوا؛ لأن المعتصم بحبل الله سيتخذ الإسلام منهاجاً لحياته، وغيره سيتخذ ما يهواه من الأنظمة سبيلاً آخر، سواء وافق شيء منها منهاج الإسلام أو خالفه، وهذا الاختلاف سيؤدي بهم إلى التنازع ثم الفشل، ويحرمهم به الله المخرج الذي وعد به من اتقاه؛ لأنهم لم يحققوا كلهم تلك التقوى التي أمرهم جميعاً بتحقيقها وهي الاعتصام بحبله، ونهاهم جميعاً عن الاختلاف في ذلك. فكيف إذا كان من يريد الاعتصام بحبل الله صدقاً نادر، كما هو حال المسلمين اليوم الذين نرى آثار تنازعهم قد دمر شعوبهم شر تدمير! انظر إلى كل دولة على حدة هل تجد غالبها قائمة على الاعتصام بحبل الله حكومتها وشعبها وعلماءها وعامة طوائفها التي تكون أحزاباً متناحرة سواء سميت باسم الأحزاب أو الجماعات أو غيرها من الأسماء، يكيد بعضهم لبعض، في العلن أو الخفاء؟ ثم انظر لكافة الدول في الشعوب الإسلامية هل تجد دولة وأخرى على انسجام تام وتعاون فيما يحقق مصالحهما، أو تجدهما كل ما اقتربت دولة من الأخرى جغرافيا اشتد النزاع بينهما بسبب التنافس والحسد وعدم الثقة بينهما، وخوف إحداهما من خديعة الأخرى، وإرادة هذه السيطرة على تلك؟ المسلمون يشتركون في عدة منظمات: الجامعة العربية، دول عدم الانحياز، منظمة المؤتمر الإسلامي، هيئة الأمم المتحدة، هل رأيت كلمة دولهم اجتمعت على موضوع ضروري واحد من مئات الموضوعات وحققوه في الواقع أو سعوا في تحقيقه سعياً صادقاً. إن اجتماعاتهم في كل المنظمات المذكورة وغيرها، لم تخلُ من تباين بينهم، يحول بينهم وبين الاتفاق على ما يحقق مصالح شعوبهم، بل إن اختلافهم في الموضوع الذي اجتمعوا من أجله يصبح بعد تفرقهم أشد منه قبل اجتماعهم له، على خلاف غير المسلمين في الغرب، كما في المحاولة الأوربية التي وصلت الآن إلى الاقتراب من "الولايات المتحدة الأوربية" وهي لم تبدأ المحاولة إلا بعد تأسيس الجامعة العربية! وإنه لعجب أن نختلف ونتنازع تنازعاً يحقق لنا الفشل بعد أن أمرنا الله تعالى في كتابه، وأمرنا رسوله صلى الله عليه و سلم في سنته بالاعتصام بحبله، ونهانا تعالى في كتابه وسنة رسوله صلى الله عليه و سلم عن الاختلاف والتنازع، وتَبَيَّن لنا ضرر تلك المخالفة للأمر والنهي في واقع حياتنا، ثم نصر على اختلافنا وتنازعنا، وكأن ليلتنا هي بارحة من سبقنا من أهل الكتاب: {وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمْ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ...(19)} [1]. وأقبح من ذلك كله ما يحصل من خلاف بين جماعة إسلامية واحدة متفقة نظرياً على هدف واحد، ووسائل متفقة ثم ترى في قيادة الجماعة ما يحزن من الاختلاف الذي يبدد الطاقات، ويخشى أن يؤدي اختلافهم إلى الفشل، ومثل هذا الاختلاف الذي لا يوجد له سبب جوهري، يخشى أن يفقد أهله الإخلاص لله تعالى في عملهم ودخول وساوس الشيطان إلى صدورهم فيصبغون أهدافا شخصية، بصبغة الغيرة على الإسلام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فيحبطون بذلك عملهم، فتكون حالهم كحال الثلاثة الذين يسحبون يوم القيامة على وجوههم في النار بسبب الرياء[3]. ويزيد عقابهم عند الله على الثلاثة بسبب نزاعهم مع إخوانهم المخالف لأمر الله بالطاعة التي تجمعهم على الحق، ولتحذيره من التفرق المؤدي إلى الفشل: {وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ(6)} [4]. ما يحقق للأمة الاعتصام: إن الاعتصام الذي أمر الله به ونهى عما يعود عليه بالنقض وهو التفرق، قد بين الله تعالى لنا الأسباب التي يتحقق بها، وكل ما يضادها وأن كل ما يخالفها ويضادها هو سبب للتفرق والتنازع، وأذكر من ذلك الأمور الآتية: الأمر الأول: طاعة الله ورسوله: كما قال تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (46)} [4]. فطاعة الله وطاعة رسوله، تحقق لهذه الأمة الاعتصام بحبل الله واجتماع كلمتها على الحق، وعدم هذه الطاعة سبب رئيس للتنازع والفشل. الأمر الثاني: الرجوع إلى الكتاب والسنة عند الاختلاف: إن طاعة الله ورسوله ‘، لا يلزم منها عدم اختلاف هذه الأمة مطلقاً؛ لأنها مع طاعتها لله ورسوله ‘، قد تختلف في فهم نصوص كتاب الله وسنة رسوله، وقد تختلف في كيفية تطبيق تلك النصوص وتنزيلها منازلها وإسقاط كل نص منها على حكم معين من الأحكام، وجوباً أو ندباً أو تحريماً أو كراهةً أو إباحةً، كما هو معلوم. ولهذا كثر اختلاف العلماء رحمهم الله تعالى في كثير من فروع الشريعة الإسلامية، وبيَّنوا أسباب اختلافهم فيها في كتب أصول الفقه وأصول التفسير وأصول الحديث، وكل منهم بيَّن وجهة نظره في كل مسألة خالفه فيها غيره من العلماء. وصنفوا كتباً خاصة في هذا الموضوع وضَّحوا فيها أسباب الخلاف، مع اتفاقهم على أجر المختلفين المجتهدين، للمصيب منهم أجران، وللمخطئ أجر واحد، ولا حرج عليهم جميعاً في ذلك ما داموا مجتهدين قصدهم الوصول إلى الحق. ومن الكتب التي صنفت في ذلك كتاب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "رفع الملام عن الأئمة الأعلام" ورسالة الشيخ العلامة ولي الله الدهلوي الهندي: "أسباب الخلاف"، وفي كتب الفقه المقارن كثير من المسائل التي اختلف فيها العلماء وتباينت فيها الأفهام، ووضحت فيها وجوه الخلاف والاستدلال. والواجب عند الاختلاف أن يجتهد المختلفون اجتهاداً يراد به طاعة الله ورسوله والوصول إلى الحق كما سبق، لا المغالبة والتعصب للرأي كيفما اتفق، وأن يكون مرجع اجتهادهم هو كتاب الله وسنة رسوله، كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً(59)}[6]. فقد أرست هذه الآية لهذه الأمة قاعدة عظيمة تمكنها من الاعتصام بحبل الله وتحفظها من الاختلاف والتنازع المؤدي إلى الفشل، وهي قاعدة شاملة لكل اختلاف يحصل بين اثنين أو جماعة بين رعية وولاة أمر، ولا شك أن خطر الخلاف بين الرعية وولاة الأمر أشد من غيره؛ لأن الآثار المترتبة عليه قد تحدث من الاضطراب والفساد والتدمير ما يشمل الأمة كلها، ويجعلها عرضة للضعف وطمع الأعداء في العدوان عليها والاستيلاء على كل مرافقها وخيراتها، وللذل والهوان والاستخذاء، ولهذا كرر تعالى الفعل في الأمر بطاعته وطاعة رسوله، وعَطَف طاعة أولي الأمر بدون تكرار لفظ {أطيعوا} وأتبعه برد الاختلاف إلى الله والرسول، إيذاناً بأن طاعة ولي الأمر مقيدة بما فيه طاعة الله ورسوله، وأنه لا طاعة له في غير معروف كما بينت ذلك أحاديث صحيحة عن الرسول ‘، منها حديث ابن عمر رضي الله عنه ـما، عن النبي ‘؛ أنه قال: (على المرء المسلم السمع والطاعة. فيما أحب وكره. إلا أن يؤمر بمعصية. فإن أمر بمعصية، فلا سمع ولا طاعة)[7]. قال الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى عند تفسير هذه الآية: "ثم أمر بطاعته وطاعة رسوله وذلك بامتثال أمرهما، الواجب والمستحب، واجتناب نهيهما. وأمر بطاعة أولي الأمر وهم: الولاة على الناس، من الأمراء والحكام والمفتين، فإنه لا يستقيم للناس أمر دينهم ودنياهم إلا بطاعتهم والانقياد لهم، طاعةً لله ورغبة فيما عنده، ولكن بشرط ألا يأمروا بمعصية الله، فإن أمروا بذلك فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. ولعل هذا هو السر في حذف الفعل عند الأمر بطاعتهم وذكره مع طاعة الرسول، فإن الرسول لا يأمر إلا بطاعة الله، ومن يطعه فقد أطاع الله، وأما أولو الأمر فشرط الأمر بطاعتهم أن لا يكون معصية". انتهى. الأمر الثالث: الرجوع فيما لا تعلم حقيقته إلى أهل التخصص: إن الأمة كثيراً ما تحدث لها أحداث وتنزل بها نوازل، ويكون منها ما هو معلوم المصالح أو المفاسد لجماهيرها، ومنها ما لا يعلمه إلا أهل الاختصاص منها، وهم أولو الأمر فيها من العلماء والأمراء والحكام، فما كان معلوماً للعامة، لا يحتاج فيه إلى عرضه على أهل التخصص إلا لمن عرضت له شبهة من الناس، فعليه أن يٍسأل عنها ليتبين له أمرها. ومن النوازل ما يكون عَصِيَّ التصور على أولي الأمر من الأمراء وعلماء الشريعة، ولا يمكن تصورهم له إلا عن طريق أهل التخصص، كبعض المعاملات الاقتصادية والشئون الحربية أو الشئون السياسة ونحوها، فهنا لا يحق لعامة الناس الخوض فيما يحدث أو ينزل وإذاعته وإفشاؤه؛ لأن خوضهم في ذلك تترتب عليه آثار تضر بالأمة، بل يجب رد الأمر إلى أهله الذين يَزِنونه بميزان تخصصهم، ويبينون لولاة الأمر من العلماء والأمراء حقيقته حتى يتضح لهم تصوره، ثم يصدرون فيه حكمهم، وهذا ما دلت عليه الآية الآتية: {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوْ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمْ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً (83)} [6]. قال الشيخ السعدي رحمه الله عند تفسيره للآية: "هذا تأديب من الله لعباده عن فعلهم هذا غير اللائق. وأنه ينبغي لهم إذا جاءهم أمر من الأمور المهمة والمصالح العامة ما يتعلق بالأمن وسرور المؤمنين، أو بالخوف الذي فيه مصيبة عليهم أن يتثبتوا ولا يستعجلوا بإشاعة ذلك الخبر، بل يردونه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم، أهلِ الرأي: والعلم والنصح والعقل والرزانة، الذين يعرفون الأمور ويعرفون المصالح وضدها. فإن رأوا في إذاعته مصلحةً ونشاطاً للمؤمنين وسروراً لهم وتحرزاً من أعدائهم فعلوا ذلك. وإن رأوا أنه ليس فيه مصلحة أو فيه مصلحة ولكن مضرته تزيد على مصلحته، لم يذيعوه، ولهذا قال: {لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} أي: يستخرجونه بفكرهم وآرائهم السديدة وعلومهم الرشيدة. وفي هذا دليل لقاعدة أدبية وهي أنه إذا حصل بحث في أمر من الأمور ينبغي أن يولَّى مَنْ هو أهل لذلك، ويجعل إلى أهله، ولا يتقدم بين أيديهم، فإنه أقرب إلى الصواب وأحرى للسلامة من الخطأ. وفيه النهي عن العجلة والتسرع لنشر الأمور من حين سماعها، والأمر بالتأمل قبل الكلام والنظر فيه، هل هو مصلحة، فيُقْدِم عليه الإنسان؟ أم لا، فيحجم عنه؟". انتهى. الأمر الرابع: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: ومن أعظم القواعد التي بها تجتمع بها كلمة الأمة الإسلامية وتعينها على الاعتصام بحبل الله الذي أمرها الله به، وتجنبها الاختلاف والتفرق اللذين نهاها عنه، قاعدة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر التي تشمل الأمر بكل معروف والنهي عن كل منكر؛ لأن المعروف قد لا يختص ضرره بمن يتركه، والمنكر لا يختص شره بمتعاطيه، ولو اختص به فَرِضَا الأمة به يجعلها عرضةً لسخط الله تعالى، فينزل الله تعالى عقابه بفاعل المنكر وبمن رضي به، كما سيأتي قريباً. فعدم القيام بهذه القاعدة يجلب للأمة الضيق والحرج، ويحرمها ما كانت تستحقه لو قامت به من المخرج والفرج، لسببين: السبب الأول: عصيان الله تعالى في فعل ما به أمرها، وترك ما عنه نهاها. السبب الثاني: أن المعروف الذي يترك قد يكون حقاً لغير تاركه، كمن عنده دَيْن لآخر فيمطله، وصاحب الحق غير قادر على استيفاء حقه منه، وقد يكون المنكر واقعاً على غير فاعله، كمن يغتصب عقار غيره أو يرتكب فاحشة أو ينشرها بينهم، أو ينشر بدعة محضة بين المسلمين تخالف شرع الله تعالى، أو يظلم من لا يقدر على الدفاع عن نفسه بأي ظلم كان. وترك المعروف أو فعل المنكر من فرد أو جماعة، قد تترتب عليه آثار ضارة بالأمة كلها، كما قال تعالى: {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ(25)} [4]. والأصل في هذه القاعدة أنها فرض كفاية، إذا قام بها فرد أو جماعة قياماً كافياً سقط فرضها عن بقية الأمة، فإذا لم يقم به أحد أو قام بها من لا يكفي في الأمر والنهي، وجب على كل قادر في الأمة القيام بها، فإذا لم تفعل أثم القادرون على القيام بها. قال تعالى: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ (104) وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمْ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (105)} [1]. فقد أمر الله تعالى هذه الأمة بالدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ورتب على قيامها بذلك فوزها وفلاحها بصيغة الحصر الذي يفهم منه فقدها للفوز والفلاح إذا لم تفعل ما أمرها الله به، وأتبع ذلك بنهيها عن التشبه بمن سبقها من الأمم الذين تفرقوا واختلفوا ولم يعتصموا بما أنزله على رسله الذين بلغوهم به وبينوه لهم، ومجيء النهي عن التشبه بهم بعد الأمر السابق يدل على أن من أسباب تفرقهم واختلافهم عدم قيامهم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وقال تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ...(110)} [1]. فلما كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الخير الذي أمر الله تعالى به، فالأمة التي تقوم به هي أمة خير، بل هي خير أمة أخرجها الله تعالى للناس في أرضه، ومعنى هذا أنها تستحق أن يجعل الله تعالى لها مخرجاً من الضيق والحرج لكونها حققت تقواه بتنفيذ أمره بهذه القاعدة العظيمة، فإذا لم تنفذ أمره بها فليست جديرة بنيل المخرج المشروط بوجود تقواه؛ لأنها فقدت صفة الخيرية المذكورة في الآية. وقال تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمْ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (71)} [12]. فالرابط الإيماني بين الأمة الإسلامية كلها يوجب عليها أن تحافظ عليه بالصفات التي وصفها الله تعالى بها وأثنى عليها بمحافظتها عليها، ومنها قاعدة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر التي قرنها الله تعالى في الآية بركني الإسلام: الصلاة والزكاة والطاعة الشاملة لله ورسوله، ورتب على قيامهم بذلك نيل رحمته سبحانه، ومن رحمته أن يجعل لها مخرجاً من الحرج والمضايق وكافة المآزق. فإذا فرطت في المحافظة على رابطها الإيماني بترك الصفات التي تؤهلها لرحمة الله ونيل وعده بالمخرج، يخشى عليها أن تنال حظاً مما وصف الله تعالى به المنافقين الذين لا يربط بينهم الإيمان وإن ادعوه، وإنما يربط بينهم النفاق، كما قال تعالى: {الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمْ الْفَاسِقُونَ(67)}[12]. تأمل قول الله تعالى في المؤمنين: { أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمْ اللَّهُ} وقوله في المنافقين: {نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ}، فكما أنهم نسوا الله أي تركوا أمره وطاعته، فإنه تعالى نسيهم أي تركهم فيما هم فيه من الغي والمصائب في الدنيا والآخرة، وحرمهم من التوفيق والثواب في الدنيا والآخرة، ومن الخير الذي يحرمهم الله تعالى منه عدم نيلهم المخرج مما يقعون فيه من الضيق والحرج في الدنيا. ولقد كان من أهم أسباب طرد الله لبني إسرائيل من رحمته ولعنته لهم، ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما قال تعالى: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (78) كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (79)}[14]. مسئولية أولي الأمر عن هذه القاعدة: النصوص الماضية في قاعدة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر شاملة لكل المسلمين، أفراداً وأسراً وجماعات ودولاً، كل فيما يدخل تحت مسئوليته وقدرته، ولكن مسئولية أولي الأمر من العلماء والأئمة والأمراء والحكام أعظم من مسئولية غيرهم؛ لأن الله تعالى مكَّن العلماء من معرفة المعروف والمنكر، ومكَّن أولي الأمر من القدرة على القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بخلاف غير أولي الأمر الذين قد يعجزون عن القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيمن هم تحت مسئوليتهم من أسرهم وغير أسرهم. فأولو الأمر قادرون على القيام بذلك على كل من ولاهم الله تعالى عليهم، لما منحهم الله تعالى من الفقه في الدين والتمكين الذي يؤهلهم للقيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بمراتبه الثلاث، وبخاصة التغيير باليد الذي هو من اختصاص الأمراء والحكام في غالب الأمور، ولهذا خصهم الله تعالى عن سائر خلقه بالذكر، كما قال تعالى: {الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنْ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ (41)} [14]. فمسئولية أولي الأمر أعظم من مسئولية من سواهم، بسبب التمكين الذي به يقدرون على بيان المعروف الذي يجب الأمر به، والمنكر الذي يجب النهي عنه، فقيامهم بذلك سبب لمنح الله تعالى الأمة كلها مخرجاً من الضيق والحرج. وقد وعد الله تعالى من مكنهم في الأرض، فقاموا بمقتضى تمكينه لهم به من الإيمان والعمل الصالح، ومنه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، باستخلافهم ورفع راية دينهم، ورفع ما قد ينزل بهم من الخوف من قبل أعدائهم، ومنحهم بدله الأمن التام، كما قال تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ (55)}[16]. فإذا لم يقوموا بمقتضى هذا الوعد، ومنه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لم يستحقوا تحقيق هذا الوعد، بل استحقوا إنزال الله تعالى بهم الضنك والحرج بدلاً من التمكين والأمن واليسر والمخرج. وها نحن اليوم نرى الضنك والحرج والخوف ينزل بهذه الأمة في غالب بلدانها، تحقيقاً لسنة الله تعالى فيمن تقاعس عن تنفيذ شرع الله تعالى الذي أرسل به رسوله. وقد صور لنا رسول الله صلى الله عليه و سلم كيف يحقق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر المخرج لأمته، كما صور لنا كيف يسد الله تعالى على أمته هذا المخرج عندما تترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما في حديث النعْمانِ بنِ بَشيرٍ رضي الله عنهما عن النبيِّ صلى الله عليه و سلم قال: (مَثَلُ القَائِمِ في حُدودِ اللَّه، والْوَاقِعِ فيها كَمَثَلِ قَومٍ اسْتَهَمُوا على سفينةٍ فصارَ بعضُهم أعلاهَا وبعضُهم أسفلَها وكانَ الذينَ في أسفلها إِذَا اسْتَقَوْا مِنَ الماءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ فَقَالُوا: لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا في نَصَيبِنا خَرْقاً وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا، فَإِنْ تَرَكُوهُمْ وَمَا أَرادُوا هَلكُوا جَمِيعاً، وإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِم نَجوْا ونجوْا جَمِيعاً)[17]. الأمر الخامس: 19: ومن أعظم القواعد الشرعية التي يتحقق به الاعتصام بحبل الله، قاعدة 19 التي أمر الله بها رسوله، ووصف بها عباده المؤمنين، وطبقها الرسول صلى الله عليه و سلم مع أصحابه، واقتدى به في ذلك خلفاؤه الراشدون ومن تبعهم، فحقق الله تعالى لهم بها اجتماع الكلمة؛ لأنها تجرى فيما لا نص فيه، أو فيه نص يحتاج إلى اجتهاد في فهمه وتطبيقه. قال تعالى: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ(159)}[1]. وقال سبحانه: {وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ(38)}[19]. ولا داعي للتفصيل في هذا الأمر، فقد فصلت القول في هذا الموضوع في رسالة مستقلة، بنفس العنوان[كتاب 19، نشر دار الأندلس الخضراء، جدة.].
1 - آل عمران
2 - آل عمران
3 - صحيح مسلم (3/1513) وأخرجه غيره من أهل السنن.
4 - الأنفال
5 - الأنفال
6 - النساء
7 - البخاري (3/1079) دار إحياء التراث العربي ومسلم (12/178) دار الكتب العلمية.
8 - النساء
9 - الأنفال
10 - آل عمران
11 - آل عمران
12 - التوبة
13 - التوبة
14 - الحج
15 - الحج
16 - النور
17 - البخاري (2/882) دار إحياء التراث العربي.
18 - آل عمران
19 - الشورى
20 - كتاب الشورى، نشر دار الأندلس الخضراء، جدة.



السابق

الفهرس

التالي


12297942

عداد الصفحات العام

6

عداد الصفحات اليومي

جقوق الطبع محفولموقع الروضة الإسلامي 1446هـ - 2025م