[
الصفحة الرئيسية
] [
حول الموقع
] [
تعريف بصاحب الموقع
]
﴿۞ یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ لَا تَتَّخِذُوا۟ ٱلۡیَهُودَ وَٱلنَّصَـٰرَىٰۤ أَوۡلِیَاۤءَۘ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِیَاۤءُ بَعۡضࣲۚ وَمَن یَتَوَلَّهُم مِّنكُمۡ فَإِنَّهُۥ مِنۡهُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا یَهۡدِی ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّـٰلِمِینَ ٥١ فَتَرَى ٱلَّذِینَ فِی قُلُوبِهِم مَّرَضࣱ یُسَـٰرِعُونَ فِیهِمۡ یَقُولُونَ نَخۡشَىٰۤ أَن تُصِیبَنَا دَاۤىِٕرَةࣱۚ فَعَسَى ٱللَّهُ أَن یَأۡتِیَ بِٱلۡفَتۡحِ أَوۡ أَمۡرࣲ مِّنۡ عِندِهِۦ فَیُصۡبِحُوا۟ عَلَىٰ مَاۤ أَسَرُّوا۟ فِیۤ أَنفُسِهِمۡ نَـٰدِمِینَ ٥٢ وَیَقُولُ ٱلَّذِینَ ءَامَنُوۤا۟ أَهَـٰۤؤُلَاۤءِ ٱلَّذِینَ أَقۡسَمُوا۟ بِٱللَّهِ جَهۡدَ أَیۡمَـٰنِهِمۡ إِنَّهُمۡ لَمَعَكُمۡۚ حَبِطَتۡ أَعۡمَـٰلُهُمۡ فَأَصۡبَحُوا۟ خَـٰسِرِینَ ٥٣﴾ [المائدة ٥١-٥٣]
(67) سافر معي في المشارق والمغارب
::
66- سافر معي في المشارق والمغارب
::
(34) دور المسجد في تربية الأحداث ووقايتهم من الانحراف
::
(033) دور المسجد في تربية الأحداث ووقايتهم من الانحراف.
::
(067) سافر معي في المشارق والمغارب
::
(066) سافر معي في المشارق والمغارب
::
(031) دور المسجد في تربية الأحداث ووقايتهم من الانحراف
::
(065) سافر معي في المشارق والمغارب
::
(030) دور المسجد في التربية وعلاج انحراف الأحداث
::
::
::
::
::
::
::
::
::
::
جملة البحث
جميع محتويات الموقع
المقالات العامة
مقالات الحدث
الجهاد في فلسطين
2 أثر التربية الإسلامية في أمن المجتمع المسلم
المقالات العامة
الإيمان هو الأساس
غيث الديمة الجزء الأول
غيث الديمة الجزء الثاني
حوارات مع أوربيين مسلمين
حوارات مع أوربيين غير مسلمين
الحدود و السلطان
حكم زواج المسلم بالكتابية
رحلة هونج كونج
جوهرة الإسلام
كتاب الجهاد
المسئولية في الإسلام
دور المسجد في التربية
كتاب سبب الجريمة
كتاب الشورى في الإسلام
كتاب السباق إلى العقول
الإيمان إصطلاحاً و أثره سلوكاً
كتاب طل الربوة
كتاب الوقاية من المسكرات
الكفاءة الإدارية
معارج الصعود إلى تفسير سورة هود
مقدمة سلسلة في المشارق و المغارب
المجلد الأول : رحلات الولايات المتحدة الأمريكية
المجلد الثاني : رحلات المملكة المتحدة (بريطانيا) و آيرلندا
المجلد الثالث : رحلات اليابان وكوريا وهونغ كونغ
المجلد الرابع:رحلات إندونيسيا الجزء الأول 1400هـ ـ 1980م
المجلد الخامس : الرحلة إلى إندونيسيا الجزء الثاني 1410هـ ـ 1990م
المجلد السادس : رحلات إندونيسيا الجزء الثالث 1419هـ ـ 1989م
المجلد السابع : رحلات أستراليا و نيوزيلاندا و سريلانكا
المجلد الثامن : رحلات كندا و إسبانيا
المجلد التاسع : رحلات سويسرا و ألمانيا و النمسا
المجلد العاشر : رحلات بلجيكا و هولندا و الدنمارك
المجلد الحادي عشر:رحلات السويد و فنلندا و النرويج
المجلد الثاني عشر : رحلات فرنسا و البرتغال و إيطاليا
المجلد الثالث عشر : رحلات سنغافورة و بروناي و تايوان
المجلد الرابع عشر : رحلات باكستان و الهند
المجلد الخامس عشر : رحلات تايلاند (بانكوك)
المجلد السادس عشر : الرحلة إلى ماليزيا
المجلد السابع عشر : رحلات الفلبين
المجلد الثامن عشر : رحلة كينيا
الفهرس
( 3 ) دعوة نوح قومه وموقفهم المتعنت منه ومن المؤمنين به..
{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (25) أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ (26) فَقَالَ الْمَلأ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَراً مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِي الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ (27) قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ (28) وَيَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالاً إِنْ أَجْرِي إِلاَّ عَلَى اللَّهِ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ (29) وَيَا قَوْمِ مَنْ يَنصُرُنِي مِنْ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (30) وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمْ اللَّهُ خَيْراً اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنفُسِهِمْ إِنِّي إِذاً لَمِنْ الظَّالِمِينَ (31) قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنتَ مِنْ الصَّادِقِينَ (32) قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شَاءَ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (33) وَلا يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (34) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنْ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ(35) }
. قوله تعالى:
{ولقد أرسلنا نوحاً إلى قومه}
. من هنا بدأت المحاضرة التاسعة في 8/7/1384هـ. بدأ الله تعالى بقصص الأنبياء في هذه السورة تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم، وبيان أن الشدة التي لاقاها من قومه قد لاقها إخوانه من الأنبياء قبله.. كما قال تعالى:
{مَا يُقَالُ لَكَ إِلاَّ مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ}
[فصلت:43]..
{إني لكم نذير مبين}
الجملة مقول قول محذوف، وحذف القول وإبقاء مقوله كثير جداً، بخلاف حذف المقول وإبقاء القول، ومنه قول الشاعر:
ففي قصص الأنبياء تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم، لأنه لم يقع له إلا ما وقع لإخوانه الرسل من قبل، كما أن فيه تهديداً للمشركين، لأنه يهددهم بأنه سينزل بهم ما أنزل بإخوانهم الكفار الأولين. وإنما بدأ بنوح عليه السلام، لأنه أول رسول أرسل إلى أهل الأرض حينما انتشر الشرك بينهم، ويسمى نوح عليه السلام "آدم الأصغر" لأن البشرية كلها بعده من ذريته، كما قال تعالى:
{وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ (75) وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنْ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (76) وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمْ الْبَاقِينَ}
. [الصافات: 75-77].. والله تعالى لم يسم قوم نوح في القرآن، وكذا قوم لوط، وسمى قوم صالح ـ وهم ثمود ـ وقوم هود ـ وهم عاد ـ وقوم شعيب ـ وهم مدين ـ كما سيأتي ذلك في هذه السورة.. واللام في قوله "ولقد" موطئة للقسم، أي والله، وجيء بضمير الجمع في قوله: "أرسلنا" للتعظيم، وقد فصل الله تعالى قصة نوح مع قومه في سور عديدة من القرآن الكريم، ومنها هذه السورة وخصه تعالى بسورة كاملة سميت باسمه والقوم اسم جمع لا واحد له من لفظه، وهو في الأصل للرجال ويدخل فيه النساء تبعاً، والدليل على إطلاقه ـ في الأصل ـ على الرجال قوله تعالى:
{يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم ..... خيراً منهن}
[الحجرات:11]..
ومما يدل على دخول النساء تبعاً في لفظ قوم قوله تعالى:
{وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ}
[النمل:43]..
{إني لكم منه نذير مبين}
. هذا تأكيد للنذارة لهم، لأنهم ادعوا أن نوحاً عليه السلام كان مجنوناً وساحراً.. والنذير بمعنى منذر والإنذار الإعلام المقترن بالتهديد. أي أعلمكم مهدداً لكم بعذاب الله إن لم تنتهوا عن تكذيبكم وكفركم وافترائكم الاتهامات الكاذبة ومعنى: مبين، بين الإنذار واضحه، ويطلق أبان وبيَّن لازمين ومتعديين، ومبين هنا لازم، ومن إطلاق أبان بمعنى ظهر لازماً قول الشاعر:
وبعضهم يجعل قوله: "مبين" متعدياً ومفعوله محذوف، تقديره: مبين كل ما ينفع ليعمل بهن وكل ما يضر ليجتنب، وجملة "إني لكم.." في محل نصب مقول قول محذوف، وقد سبق..
{أن لا تعبدوا إلا الله}
. المصدر متعلق بقوله: نذير، والأظهر أن أنْ مفسرة، أي منذركم عن عبادة غير الله، وقيل حرف الجر مقدر قبل أن والتقدير: عن أن لا تعبدوا إلا الله..
{إني أخاف عليكم}
. في هذا الحرف "إني" قراءتان: الأولى بفتح الياء والثانية بإسكانها..
{عذاب أليم}
أي إن عبدتم غير الله. وهنا سؤال، وهو: كيف يعبر بالخوف عليهم مع أنهم واقع عليه العذاب لا محالة؟ والجواب: أن محل الخوف هو خشية الاستمرار في الكفر والضلال فيقع ويحل عليهم العذاب الذي هو جزاء كفرهم، وقيل لا مانع من إطلاق الخوف مع اليقين من وقوع ما يخاف منه، ومنه قوله تعالى:
{إِلاَّ أَنْ يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ}
. [البقرة:229].. وقول الشاعر:
وقوله: "أليم" نعت للعذاب، وهو مجرور، ففيه شاهد للخفض بالمجاورة، وهو ظاهر، وقد بينا هذا المبحث في سورة المائدة عند الكلام على آية الوضوء. [تجده أضواء البيان (2/7) وما بعدها].. وبعضهم يجعله نعتاً ليوم والعرب تنعت الظروف والأيام بالشدة لما يقع فيها من الشدة العظيمة، ومنه قول الشاعر:
{فقال الملأ}
الملأ هم الأشراف والسادة، ولم يصب من أطلقه على القوم من حيث هم، لأنه خاص بالرؤساء، وهم هنا الرؤساء العتاة المتمردون وسموا ملأ، لأنهم يتمالؤون كلهم على من يعادون دفاعاً عن عقيدتهم، وقيل لأنهم يملأون العيون، وقيل لأنهم يملأون صدور المجالس..
{الذين كفروا}
. [قال الشوكاني: وفيه دليل على أن بعض أشراف قومه لم يكونوا كفرة، فتح القدير (2/470) يعني أن وصف الملأ بالكافرين، يفهم منه أن هناك بعض الملأ ليسوا كفاراً]..
{ما نراك إلا بشراً مثلنا}
. زعموا أن البشرية مانعة من الرسالة، وهي أكثر ما ابتلاهم الله به وأكبر الموانع من إيمانهم بالرسل، كما قال تعالى:
{وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمْ الْهُدَى إِلاَّ أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَراً رَسُولاً}
بالإسراء:94].. وقال تعالى:
{كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ (23) فَقَالُوا أَبَشَراً مِنَّا وَاحِداً نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذاً لَفِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ}
[القمر:24].. وقال تعالى:
{وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذاً لَخَاسِرُونَ}
[المؤمنون:34].. وقال تعالى:
{وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ لَوْلا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً}
[الفرقان:7].. وهذه شبهة فاسدة وقياس فاسد، فإن الله تعالى لم يرسل رسولاً إلى أمة إلا وهو من جنس البشر، ليتم الابتلاء. كما قال تعالى:
{وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى}
[يوسف:109].. ولو أن الله تعالى أرسل إليهم ملائكة لما أطاقوا ذلك.. ولاضطروا أن يطلبوا رسولاً منهم، ولاختلط عليهم الأمر. كما قال عـز وجل:
{وَقَالُوا لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكاً لَقُضِيَ الأَمْرُ ثُمَّ لا يُنظَرُونَ (8) وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكاً لَجَعَلْنَاهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ}
. [الأعراف:8-9].. وقد حكى الله تعالى عن قوم كل الرسل أنهم يحتجون بهذه الشبهة الفاسدة، حيث قال تعالى:
{أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ اللَّهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (9) قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (10) قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ}
[إبراهيم:9-11].. فكون الرسل بشراً سبب مانع عندهم من قبول دعوتهم وداعٍ إلى تكذيب ما جاؤوا به من عند الله، وقد أقر لهم الرسل أنهم بشر ولكنهم ردوا عليهم بأن الله جـل وعلا يمن على من يشاء من عباده، وقد من عليهم فلا اعتراض عليه.. والبشر الإنسان، سمي بشراً لأن بشرته بادية لا يسترها شعر ولا وبر هذه هي الشبهة الأولى للكفار، وهي كون الرسل بشراً مثل عامة الناس..
{وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي}
. وهذه هي الشبهة الثانية، وهي أنهم يقولون: لو كان ما عند الرسل فيه فائدة وذا أهمية لما كان المبادرون إليه هم الأراذل والضعفاء العقول الذين لا يستحقون أن تكون لهم درجة وميزان عند الله. وهذه الشبهة من الأمور التي يتعجب منها ومن سخافة أهلها كما قال تعالى:
{أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنَالُهُمْ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ}
[الأعراف:49].. وقد أجرى الله العادة في عباده أن أول المسارعين لطاعة رسله هم الفقراء والضعفاء فيهم، وهم أكثر أهل الجنة، وإن أول ما يبادر إلى التكذيب هم الأشراف والرؤساء، لأنهم يحبون الرئاسة والشرف وأن يكونوا متبوعين لا تابعين، وهم أكثر أهل النار يوم القيامة. قال تعالى:
{وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ}
[سبأ:34].. ولما سأل هرقل أبا سفيان عن أتباع النبي صلى الله عليه وسلم، قال له: "أشراف الناس يتبعونه أم ضعفاؤهم، قال: بل ضعفاؤهم ـ ظناً من أبي سفيان أن ذلك يطعن في رسالة النبي صلى الله عليه وسلم، فقال هرقل: وكذلك أتباع الرسل". [راجع قصة أبي سفيان مع هرقل في صحيح البخاري (1/4-7) وصحيح مسلم (3/1393-1397)].. والأراذل جمع أرذل، أي الأشد رذالة، والرذالة التفاهة والدناءة وسقوط القيمة، فالأراذل معناه الأسافل الدنيئون الساقطوا القيمة، كما قالوا في موضع آخر مستنكرين إيمانهم برسل الله وقد اتبعهم الأراذل في زعمهم.
{قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الأَرْذَلُونَ}
[الشعراء:111].. ومرادهم أن الأشراف لم يتبعوكم يا من تدعون أنكم رسل الله، وهم الذين عندهم عقل وروية، وإنما اتبعكم الأسافل الذين لا عقول عندهم ولا روية..
{بادي الرأي}
أي عند أول فكرة تعرض يتبعونها ولا يتبثتون حتى ينظروا ما يصلح وما يضر، والأصح في إعراب "بادي" أنه ظرف العامل فيه قوله: "اتبعك"..
{وما نرى عليكم علينا من فضل}
. أصل الفضل الزيادة، أي ليس لكم علينا ميزة وشرف زائدين يجعلانكم بمنزلة الرسالة حتى نتبعكم، لا أنت يا نوح ولا أتباعك.
{بل نظنكم كاذبين}
. أي مخبرين بخلاف الواقع، وأصح الأقوال في تعريف الكذب أنه الإخبار بخلاف الواقع..
{قال يا قوم}
. أصله يا قومي، حذفت ياء المتكلم، وبقيت الكسرة، وهي إحدى خمس لغات في المنادي الصحيح الآخر المضاف إلى ياء المتكلم، وقد عقدها ابن مالك في الخلاصة بقوله:
{أرأيتم إن كنت على بينة من ربي}
. أي أخبروني، والمراد بطلب هذا الإخبار تعجيزهم، وإلقامهم الحجر وإلجاؤهم إلى الإقرار بعدم الحجة على تكذيبهم.. أي أخبروني "إن كنت على بينة" أي برهان وحجة واضحة أني على إيمان وحق..
{من ربي}
.. أي إن البينة صادرة من الله تعالى، وليست مني أنا..
{فعميت عليكم}
يجعل هذا بعض العلماء من القلب، والقلب على نوعين: النوع الأول: في المعاني، والثاني في البديع، وضابطه في البديع أن يقرأ الكلام من آخره كما يقرأ من أوله، مثل قوله تعالى: وربك فكبر أي فكبر ربك، وليس كلامنا الآن في هذا النوع بل في النوع الأول، وهو القلب في المعاني، وفيه خلاف: فالبلاغيون لا يجوز عندهم إلا إذا تضمن إشارة لطيفة أو نكتة بلاغية، كالتشبيه المقلوب، كما في قول الشاعر:
وقول الآخر:
والنكتة فيه بيان أن المشبه صار في قوة هي فوق المشبه به.. والنحيون يجيزون ذلك ويرون أنه أسلوب عربي، وأكثرهم على أنه سماعي، ومن ذلك قلب المفعول فاعلاً، والفاعل مفعولاً، لأن ذلك يورد طارفة في الكلام، ومنه قوله تعالى هنا: فعميت عليكم بالتخفيف [والتشديد أيضاً كما في رواية حفص المعروفة في مصاحفنا، ولعل الشيخ أشار إلى القراءتين وفاتتني إحداهما].. والأصل فعميتم عنها.. ومنه قول الشاعر:
والأصل: وقد تلفع بالعساقيل القور، لأن القور الحجارة والعساقيل السراب.. وبعض العلماء لا يرى في الآية قلباً، لأن من أساليب العرب أن يقال: عميت الطريق، إذا ندرست وخفيت، والأولى أولى، ومنه قوله تعالى: وَآتَيْنَاهُ مِنْ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ [القصص:76].. والأصل أن العصبة هي التي تنوء بالمفاتيح لثقلها لأن العصبة هي التي تحمل المفاتيح.. فعميت أي انطمست وخفيت لطمس بصائركم، لما جعل الله عليها من الغشاوة، ولما طبع على قلوبكم بسبب كفركم. أنلزمكموها وأنت لها كارهون . يقول هذا على وجه الأسف، أي أنجبركم على أن تأخذوا بهذه البينة وتنقادوا لها، في حال أنكم صادون عنها مبغضون لها، فكأنه يقول لهم: لا حيلة لي إلى قهركم، ويتضح ذلك في قوله لهم فيما يأتي: وَلا يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ .. [في الآية: 34].. وفي هذه الآية شاهد نحوي على أن الوصل للضمير المنصوب بالفعل الذي من باب سأل أولى من الفصل، فإن "نلزم" من هذا الباب وقد وصل، ولم يقل: نلزمكم إياها، وإلى ذلك أشار ابن مالك في الخلاصة بقوله: وصل أو افصل هاء سلنيه= أشبهه،،،،،،،،،،،،،،،، (تقديم ابن مالك لوصل يؤذن بترجيحه عنده).. والظاهر أن الضمير في قوله تعالى: لها راجع إلى البينة، وقيل يعود إلى الرحمة..
{ويا قوم لا أسألكم عليه مالاً إن أجري إلا على الله}
.. الضمير في: "عليه" يعود إلى ما دعاهم إليه من عبادة الله وفضله ورحمته وغيرها من الخير المعلوم من السياق، أي لا أطلب منكم جعلاً على ما أبلغكم إياه وأدعوكم إليه من الإيمان بالله وطاعته، والذي يطلب جعلاً وأجراً على ما يدعو إليه هو الذي قد يظن به السوء، أنه إنما دعا لمصلحة لنفسه. وهذه الآية تدل على أن الرسل عليهم الصلاة والسلام لا يأخذون عوضاً على دعوتهم للناس، والآيات في هذا المعنى كثيرة جداً. من ذلك قول الله جـل وعلا:
{وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (20) اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْأَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُهْتَدُونَ}
[يس:20-21]. وقوله تعالى: أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ [القلم: 46].. وقوله تعالى: قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِي إِلاَّ عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [سبأ:47].. ومعنى قوله تعالى:
{قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ}
[الشورى: 34].. أي أن تراعوا مودتي في القربى التي بيني وبينكم، فلا تؤذوني، وليس هذا جعلاً، لأن مراعاة المودة بالقربى أمر عادي مبذول للأسود والأحمر، وقيل معنى الآية: أن توادوني في قرابتي بعدي، والأول أوضح.. ويؤخذ من هذه الآية الكريمة وأمثالها أن ورثة الرسل عليهم السلام لا ينبغي لهم أن يأخذوا جعلاً على تعليمهم القرآن والدين، بل يعملون مجاناً، وقد بينا في أول سورة هود هذه في كتابنا "أضواء البيان" اختلاف العلماء في ذلك وما جاء في هذه المسألة من النهي.. [أضواء البيان (3/20-25)].. وعلوم الوحي موروثة عن الأنبياء فلا يؤخذ عنها عوض. وقال بعض العلماء: إن أخذ الأجر ليس ممنوعاً بل هو جائز وقد نص عليه الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله: (إن أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله). [صحيح البخاري (7/23) وراجع نفس المصدر أيضاً (3/53)].. قالوا: والحديث ـ وإن كان ورد في سبب خاص، وهو الرقية، فلا عبرة بخصوص السبب، بل العبرة بعموم اللفظ فهو ـ يتناول السبب وغيره، كالتعليم، بدليل العموم.. ومن أدلتهم أيضاً حديث سهل بن سعد الساعدي، رضي الله عنه، في المرأة التي عرضت نفسها ولم يتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فطلب بعض الصحابة منه أن يزوجه إياها فزوجه بما معه من القرآن.. [ونص الحديث عن سهل: أن امرأة عرضت نفسها على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له رجل: يا رسول الله زوجنيها، فقال: (ما عندك؟) قال: ما عندي شيء، قال: (فاذهب فالتمس ولو خاتماً من حديد) فذهب ثم رجع، فقال: لا والله ما وجدت شيئاً ولا خاتماً من حديد، لكن هذا إزاري، ولها نصفه، قال سهل: وماله رداء، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (وما نصنع بإزارك إن لبستَه لم عليها منه شيء، وإن لبستْه لم يكن عليك منه شيء) فجلس الرجل حتى إذا طال مجلسه قام فرآه النبي صلى الله عليه وسلم، فدعاه أو دعي له، فقال له: (ماذا معك من القرآن؟) فقال له: معي سورة كذا وسورة كذا.. لسور يعددها.. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أملكناكها بما معك من القرآن).. صحيح البخاري (6/196-130)].. وقيل: إن المراد إكرام ذلك الرجل بسبب ما يحفظه من القرآن، والواقع أن الحديث يدل على أخذ العوض في الجملة.. أما ما يجعله ولاة الأمور للعلماء من المساعدة على تسهيل مهمتهم والتفرغ لما ينفع الناس، فليس من الأجر الممنوع، بل هو من الإعانة على الخير، لأنه إذا لم يُجعل لهم شيء فسيضطرون إلى ترك الاشتغال بما لا يقوم به غيرهم، ليكدحوا على أنفسهم.. ولهذا حينما ولي أبو بكر رضي الله عنه، وأراد أن يذهب إلى السوق ليبيع بعض الثياب ويتجر فيها لكسب رزقه منعه الصحابة من ذلك وأشاروا عليه أن يأخذ ما يكفيه من بيت مال المسلمين؛ لأنه محبوس في خدمتهم، فمثل هذا ليس فيه حرج.. [راجع قصة أبي بكر المشار إليها في تاريخ الخلفاء للسيوطي ص:78].. وبعض العلماء يرون المنع مطلقاً بحجة أنه لا يخلوا أخذه عوضاً من تناول الأجر على ما يجب عليه تبليغه.. كالرسل عليهم السلام.. والتحقيق إن شاء الله أن التعفف لمن رزقه الله تعالى ما يكفيه أفضل من الأخذ، سواء كان من بيت المال أو من غيره، وأن المحتاج الذي لو لم يأخذ شيئاً لما استطاع القيام بالواجب الذي لا يقوم به غيره لا مانع من أخذه ما يكفيه.. قوله تعالى: إن أجري إلا على الله . الأجر جزءا العمل، أي ما جزاء عملي وتحملي المشاق ومكابدتي في التبليغ إلا عند الله جـل وعلا، وقد ذكر الله تعالى عن بقية الرسل كلهم أنهم قالوا كما قال نوح هنا في سورة الشعراء.. [آية: 110، وما بعدها].. وإنما عبر بعلى في قوله: "على الله" المفيدة للالتزام، لأن الله تعالى أوحى إليه أنه التزمه وجعله على نفسه. وفي الكلام حذف دل عليه المقام، كأنهم قالوا: إذا كنت تقول: إنك رسول وتريدنا أن نتبعك، فاطرد هؤلاء الأراذل الأسافل من عندك، فقال الله تعالى عنه، رداً عليهم.. وما أنا بطارد الذين آمنوا .. وقد عبر نبي الله نوع عليه السلام تعبيراً يرفع قدر الذين وصفوهم بأنهم أراذل بقوله: الذين آمنوا إنهم ملاقو ربهم .. مقابلة لما وصفوهم به ومضادة لكلامهم فيهم وإكراماً لأتباعه المسلمين. و"طارد" يجوز أن يكون محلها النصب، على أن ما حجازية وأن تكون مجرورة بالباء، على أنها تميمية، والباء هنا مؤكدة للنفي، والإسناد الخبري المنفي يؤكد بالباء: كما يؤكد الإسناد الخبري المثبت باللام، وقد، وإن، ونحوها، والطرد الإبعاد والتنحية، وكأن نبي الله نوحاً عليه السلام يقول لهم: وصفهم يقتضي تقريبهم، وليس إبعادهم.. ملاقو ربهم .. ملاقو على وزن مفاعو، لأن لامه التي هي الياء محذوفة، وأصله ملاقيو، ولما حذفت الياء جعلت كسرة القاف ضمة، مجانسة للواو، وحذف الياء مطرد في جمع التصحيح، وهو مضاف إلى رب من "ربهم" من إضافة اسم الفاعل إلى مفعوله.. قوله تعالى:
{ولكني أراكم قوماً تجهلون }
. أي من صفاتكم الذميمة الجهل الذي يجعلكم لا تفرقون بين حق من باطل، والجهل قيل عدمي وقيل وجودي، وبعضهم يفرق بين الجهل المركب والجهل البسيط.. والصحيح أن الجهل عدم العلم بما من شأنه أن يعلم.
{ويا قوم من ينصرني من الله إن طردتهم أفلا تذكرون }
هذا تفسير لما قبله من ملاقاة أتباعه لربهم، أي لأني إن طردتهم بغير ذنب من يدفع عني عذابه بسبب تلك الجريمة لو حصلت مني عند ملاقاته أفلا تذكرون أي تتعظون. من هنا بدأت المحاضرة العاشرة في 11/7/1384هـ. قوله تعالى:
{ ولا أقول لكم عندي خزائن الله }
. الخزائن أمكنة خزن الأرزاق، أي ليست عندي ولا أنا أدعيها، حتى تكذبوني بسبب عدم وجودها..
{ولا أعلم الغيب}
الغَيب يطلق على كل ما غاب من المعلومات وعلم الغيب مختص بالله تعالى، ولا يعلم أحد من خلقه شيئاً منه إلا ما أطلع الله عليه رسله.. وقد بين الله عـز وجل أن أشرف خلقه كلهم، وهم رسله وملائكته لا يعلمون الغيب، كما قال تعالى هنا عن أول الرسل، نوح عليه السلام: ولا أعلم الغيب. وقد كان نوح لا يعلم أن ابنه ليس من أهله الناجين حتى قال:
{رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي}
[كما سيأتي في الآية: 45 من هذه السورة].. فأخبره الله جـل وعلا أنه ليس من أهله بقوله: قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلا تَسْأَلْنِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ.. [الآية: 46 من هذه السورة].. وكذلك الملائكة حينما عرضت عليهم الأسماء أقروا أنهم لا يعلمون إلا ما علمهم الله تعالى، كما قال جـل وعلا:
{وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاء إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ (31) قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ}
[البقرة: 31-32].. وآخر الرسل نبينا محمد صلى الله عليه وسلم رميت أحب أزواجه إليه بالفاحشة وكان لا يعلم براءتها حتى كان يقول: (كيف تيكم) [راجع قصة عائشة في هذا في صحيح البخاري (6/5-9) وصحيح مسلم (4/2129-2136)].. حتى أنزل الله تعالى:
{أُوْلَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ}
. [النور:26].. وإبراهيم الخليل عليه السلام ذبح للملائكة العجل وهو لا يدري أنهم ملائكة، ولما لم يأكلوا أوجس منهم خيفة، حتى أخبروه أنهم ملائكة، كما قال تعالى:
{وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلاماً قَالَ سَلامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (69) فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ}
[الآيتان: 69-70 من هذه السورة].. ولوط عليه السلام ظن الملائكة شباباً مرداً من البشر، وخاف أن يفعل فيهم قومه الفاحشة، ولم يعلم أنهم ملائكة، حتى أخبروه هم بذلك، كما قال تعالى:
{ولما جاءت رسلنا لوطاً إلى قوله: لن يصلوا إليك}
. [الآيات: من 77-81 من هذه السورة].. وقد أرجع الله جبرائيل عليه السلام في صورته الأصلية حينما أراد قوم لوط أن يقتحموا الباب لأضيافه، فسلطه الله عليهم فمسح وجوههم بأحد أجنحته فأعماهم، كما قال تعالى:
{وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ}
[القمر: 37].. وسليمان عليه السلام على ما آتاه اله من ملك، ما كان يدري عن جغرافية مأرب وملكة سبأ شيئاً، حتى إنه لما هدد الهدهد بسبب غيبته، وقال لأعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً أَوْ لأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ.. لم يبال الهدهد بتهديده، لما عنده من العلم الغريب الذي يدري أن سليمان لا يعلمه، فقال متبجحاً أمامه:
{فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ}
ولم يزد سليمان على أن قال:
{سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنْ الْكَاذِبِينَ}
. [النمل: 20-27].. وكل الأنبياء لا يعملون إلا ما أطلعهم الله عليه، كما قال تعالى:
{عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً (26) إِلاَّ مَنْ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ}
[الجن: 26-27].. وقد أطلع الله جـل وعلا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم على أمور كثيرة من المغيبات، حتى إنه قام ذات يوم يخطب في قومه من بعد صلاة الفجر حتى الظهر، ثم صلى الظهر وقام يخطب فيهم حتى صلى العصر، ثم قام يخطب حتى صلى المغرب، وذكر أموراً كثيرة هائلة في ذلك اليوم، حفظها من حفظ ونسي من نسي.. [راجع صحيح مسلم (4/2217)].. وقد أخبر الله جـل وعلا أنه هو المختص بعلم الغيب، حيث نفاه عن كل أحد سواه وأثبته لنفسه، كما قال سبحانه:
{قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ}
[النمل: 65].. وهنا سئل فضيلة شيخنا المفسر السؤال الآتي: أيجوز إطلاق علم الغيب على أحد من الرسل الذين أطلعهم الله على بعض المغيبات كما يطلق على الذي يعلم مسائل الفقه أنه فقيه أم لا يجوز؟ فأجاب: إن ذلك لا يجوز أبداً لأن علم الغيب صفة مختصة بالله تعالى، وقد نفاها عن كل خلقه، وكونه يطلع بعض خلقه على بعض الغيب لا يقتضي أن يوصفوا بما وصف به، وليس هذا من تعظيم الرسل كما يزعم بعضهم، بل إن تعظيم الرسل في نفي علم الغيب عنهم، لأنهم هم الذين أخبرونا أن علم الغيب مختص بالله تعالى، وأنهم لا يعلمون إلا ما علمهم به هو.. وفرق بعيد بين ما ذكر من كون من يعلم بعض المسائل الفقهية يطلق عليه أنه فقيه، وبين من أطلعه الله على بعض الغيب، فإن الأول علم مسائل الفقه بملكه راسخة فيه يستطيع أن يتوصل بها إلى علم المسائل باستمرار.. أما الثاني فلا طريق له إلى الوصول إلى علم الغيب فيه إلا ما أخبره الله به. وهذا آخر الرسل وأفضلهم، نبينا محمد صلى الله عليه وسلم يقول الله تعالى عنه:
{قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرّاً إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنْ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِي السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}
[الأعراف: 188].. والله جـل وعلا يخاطب خلقه بقوله: وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الرُّوحِ
{قُلْ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً}
[الإسراء:85].. فهل فطن الذين يزعمون أن الرسول صلى الله عليه وسلم علم كل المغيبات لهذه الآيات وأمثالها مما يصعب حصره، ثم هو صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع في آخر حياته يقول: (لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي ولجعلتها عمرة).. [سبق تخريج الحديث في تفسير الآية الأولى من السورة].. وقد سبق أن الله سبحانه وتعالى أطلعه على كثير من المغيبات، ومما أخبر به ووقع ما جاء في صحيح مسلم أنه صلى الله عليه وسلم، قال: (والذي نفسي بيده لتتركن القلاص فلا يسعى عليها).. [صحيح مسلم (1/136) من حديث أبي هريرة، ذكره شيخنا رحمه الله بالمعنى ولفظه: (والله لينزلن ابن مريم حكماً عدلاً، فليكسرن الصليب، وليقتلن الخنزير، وليضعن الجزية، ولتتركن القلاص فلا يسعى عليها، ولتذهبن الشحناء والتباغض والتحاسد، وليدعون إلى المال فلا يقبله أحد) والشاهد هو: "ولتتركن القلاص"، وهي الإبل فإنها قد تركت في هذا الزمان بسبب وجود المراكب الحديثة، وندر استعمال الإبل].. ومن أكثر الناس حفظاً ورواية لما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم من المغيبات حذيفة بن اليمان وأبو هريرة رضي الله عنهما. قوله تعالى:
{ولا أقول إني ملك}
أي لم أدع أني ملك حتى تكذبونني فيما جئتكم به وتقولوا أنت بشر، وقد اعتراف الأنبياء كلهم أنهم بشر، وإنما من الله عليهم بالرسالة، كما قال تعالى عنهم:
{إِنْ نَحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ}
[إبراهيم:11].. وقد سبق إبطال ادعائهم أن البشرية تنافي الرسالة. [عند الكلام على قوله تعالى:
{ما نراك إلا بشراً مثلنا}
..الآية: 27]..
{ولا أقول للذين تزدري أعينكم لن يؤتيهم الله خيراً }
. تزدري: على وزن تفتعل أصل داله تاء، قلبت دالاً لوقوعها بعد الزاي، كما قال ابن مالك في الخلاصة:
ويقال: زراه إذا احتقره وغمطه وعابه، ومن مجيء زرى بهذا المعنى قول الشاعر:
وقول الآخر:
وإنما نسب الازدراء إلى العين، لأنها آلة النظر الذي يتسبب عنه الازدراء، والضمير الرابط العائد إلى الموصول محذوف، تقديره: تزدريهم، أين تنبو وتعدو عنهم لحقارتهم وهو كقوله تعالى:
{وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ}
[الكهف:28]..
{لن يؤتيهم الله خيراً}
كان الكفار يقولون: الله أجل وأعظم من أن يهتم بمثل هؤلاء، يعنون المسلمين الفقراء، وقد أنكر الله عـز وجل عليهم حيث قال:
{أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنَالُهُمْ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ}
[الأعراف: 49].. وهنا يقول نبي الله نوح عليه السلام: لا أقول كما تقولون: إن الله لا يؤتيهم خيراً.. بل لي ظاهرهم، وظاهرهم يدل أن يؤتيهم الله خيراً عظيماً على ما يعملون من الأعمال الصالحة المبنية على إيمانهم بالله..
{الله أعلم بما في أنفسهم}
. أي إني لم أكلف معرفة بواطنهم وما تنطوي عليه ضمائرهم، بل لي الظاهر، وقد رأيته حسناً.. والذي في النفس هو الذي لم يبده الإنسان لغيره، وهذا دليل على أن الإيمان الصحيح هو الذي يقوم بالقلب.
{إني أذاً لمن الظالمين}
. التنوين في إذاً تنوين عوض، والمحذوف الذي عُوِّض عنه التنوين أعمَّ من أن يكون: إذا قلت: لن يؤتيهم الله خيراً بل إني إذاً، أي إن طردتهم، أو ادعيت أني أعلم الغيب، أو إن عندي خزائن الله، أو ازدريتهم كما تزدرونهم، أو زعمت أني ملك، أي إن حدث مني شيء من ذلك فأنا من الذين يضعون الأمور في غير مواضعها.. قوله تعالى:
{قالوا يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين}
. لما أفحمهم نوح عليه السلام بالحجة أخبروه أنهم سئموا من المجادلة والمحاورة، ونادوه باسمه احتقاراً، والمراد: خاصمتنا فأكثرت مخاصمتنا، وأصل الجدال والمجادلة من الجَدالة وهي الأرض، يقال: تركت الفارس مجدلاً، أي معفراً بالجدالة، وأطلق على الخصومة الجدال، لأن كل واحد من المتخاصمين يريد أن يصرع خصمه بقطع حجته والتغلب عليه. وفي الاصطلاح لا تطلق هذه المادة إلا على المحاجة في الكلام، والمصدر في قوله: "جدالنا" مضاف إلى مفعوله، وفاعله محذوف، تقديره: جدالك إيانا، فهم يقولون لنبي الله نوح عليه السلام: إن كنت صادقاً أنك رسول الله إلينا فلا حاجة إلى الإكثار من الجدال معنا فقد بلغتنا ونحن كذبناك، وسئمنا من كثرة الخصومة معك، فأتنا بما وعدتنا من العذاب ولا تؤخره.
{قال إنما يأتيكم به الله إن شاء وما أنتم بمعجزين}
. هذا هو جواب نوح عليه السلام بقوله، أي إن الذي وعدتكم به لا يلزمني أن آتيكم به أنا، وإنما ذلك إلى الله عـز وجل، فإذا أراد أن يأتيكم به، أنزله بكم في وقته المحدد عنده، أما أنا فوظيفتي البلاغ وقد قمت به..
{وما أنتم بمعجزين}
. أي لستم بفائتين الله ولا منفلتين.. من قهره وتصرفه، فإذا أراد إنزال العقوبة بكم أنزلها فأهلككم. قوله تعالى:
{ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم}
. أي ليس بنافع لكم بذلي النصيحة لكم، والنصيحة من النصح، وهو في الأصل الخياطة، فكما أن الخياطة تلم الثوب حساً، فكذلك النصيحة تلم شعث المنصوح معنى، وتجمع المنصوحين على الخير، والعرب لا تكاد تعدي هذا الفعل إلا باللام.. ولذلك لم يأت في القرآن معدى بغيرها.
{إن كان الله يريد أن يغويكم}
الإغواء الإضلال، وبعضهم يفسره بالإهلاك، وهو تفسير باللازم، لأن من أغواه الله، أي أضله، فلا محالة من إهلاكه..
{وَمَنْ يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ}
. [الزمر:23].. أي إن كان خالقكم يريد إضلالكم فلا حيلة لي في أن أنفعكم بنصحي وأهديكم، وهو كقوله تعالى:
{وَمَنْ يُرِدْ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنْ اللَّهِ شَيْئاً}
[المائدة: 41].. وهو تحسر من نبي الله نوح عليه السلام، ومن عادت الأنبياء التحسر والتحزن على قومهم، حيث ينصحونهم فلا يقبلون نصحهم، وقد قال تعالى في حق النبي صلى الله عليه وسلم مخاطباً له:
{أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ}
[فاطر:8].. وهو ربكم وإليه ترجعون .. هو تعالى مربيكم والقادر على إضلالكم، أو هدايتكم، فأمركم إليه في الدنيا والآخرة، فالإضلال والهداية والجزاء كل ذلك إليه وليس إليْ.. قوله تعالى:
{أم يقولون افتراه قل إن افتريته فعليَّ إجرامي وأنا بريء مما تجرمون}
. أم هذه هي المنقطعة، وضابطها أمران: الأول: ألا تتقدمها همزة التسوية. والثاني: ألا تتقدمها همزة مغنية عن أي. فإن حصل أحد الأمرين قبلها فهي المتصلة، كما عقد ذلك ابن مالك في الخلاصة بقوله:
وهي بمعنى همزة الإنكار، أو بمعنى بل، أو بمعناهما، وهذا هو الأكثر، وعليه فيكون المعنى: بل ـ اضْرب إضراباً انتقالياً عما ذكر قبل ـ أيقولون افتراه، والاستفهام للتوبيخ والإنكار: أي يقولون: إن نوحاً افترى ما دعاهم إليه، والضمير في: افتراه عائد إلى الوحي المفهوم من السياق، وصحيح أن هذه الآية في نوح وقومه، لأن السياق في ذلك، ومن قال: إنها في الرسول صلى الله عليه وسلم وقومه فقد غلط.. قل إن افتريته فعليَّ إجرامي . أي رد عليهم يا نوح بهذا الجواب المفحم، أي إن كنت على سبيل الفرض والتقدير قد اختلقت هذا الوحي كما زعمتم فليس عليكم شيء في اختلاقي، وإنما يكون الذنب العظيم الذي يعذبني الله به إن ارتكبته عليّ أنا. والإجرام مصدر أجرم، بمعنى ارتكب جريمة، ولم يأت إلا بصيغة الرباعي بهذا المعنى، أما جرم الثلاثي فهو بمعنى كسب ومنه بهذا المعنى:
ومثل هذه العبارة يقولها المبرئ، مثل: إن كنت أذنبت فسأنال ذلك عند الله.
{وأنا بريء مما تجرمون}
كعبادة الأوثان، وتكذيب الرسل، وهذا كقوله تعالى:
{وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ}
. [يونس:41]..
الفهرس
12006528
عداد الصفحات العام
3675
عداد الصفحات اليومي
جقوق الطبع محفولموقع الروضة الإسلامي 1446هـ - 2025م