﴿۞ یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ لَا تَتَّخِذُوا۟ ٱلۡیَهُودَ وَٱلنَّصَـٰرَىٰۤ أَوۡلِیَاۤءَۘ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِیَاۤءُ بَعۡضࣲۚ وَمَن یَتَوَلَّهُم مِّنكُمۡ فَإِنَّهُۥ مِنۡهُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا یَهۡدِی ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّـٰلِمِینَ ۝٥١ فَتَرَى ٱلَّذِینَ فِی قُلُوبِهِم مَّرَضࣱ یُسَـٰرِعُونَ فِیهِمۡ یَقُولُونَ نَخۡشَىٰۤ أَن تُصِیبَنَا دَاۤىِٕرَةࣱۚ فَعَسَى ٱللَّهُ أَن یَأۡتِیَ بِٱلۡفَتۡحِ أَوۡ أَمۡرࣲ مِّنۡ عِندِهِۦ فَیُصۡبِحُوا۟ عَلَىٰ مَاۤ أَسَرُّوا۟ فِیۤ أَنفُسِهِمۡ نَـٰدِمِینَ ۝٥٢ وَیَقُولُ ٱلَّذِینَ ءَامَنُوۤا۟ أَهَـٰۤؤُلَاۤءِ ٱلَّذِینَ أَقۡسَمُوا۟ بِٱللَّهِ جَهۡدَ أَیۡمَـٰنِهِمۡ إِنَّهُمۡ لَمَعَكُمۡۚ حَبِطَتۡ أَعۡمَـٰلُهُمۡ فَأَصۡبَحُوا۟ خَـٰسِرِینَ ۝٥٣﴾ [المائدة ٥١-٥٣]
(67) سافر معي في المشارق والمغارب :: 66- سافر معي في المشارق والمغارب :: (34) دور المسجد في تربية الأحداث ووقايتهم من الانحراف :: (033) دور المسجد في تربية الأحداث ووقايتهم من الانحراف. :: (067) سافر معي في المشارق والمغارب :: (066) سافر معي في المشارق والمغارب :: (031) دور المسجد في تربية الأحداث ووقايتهم من الانحراف :: (065) سافر معي في المشارق والمغارب :: (030) دور المسجد في التربية وعلاج انحراف الأحداث :: :: :: :: :: :: :: :: :: ::
   
جملة البحث



السابق

الفهرس

التالي

المبحث السابع: المسجد مصدر أمن واطمئنان.
إن أعداء الإسلام لا يُخفُون حقدهم على المسجد وخوفهم منه، وقد سبق قول بعضهم: "متى توارى القرآن، ومدينة مكة عن بلاد العرب يمكننا حينئذٍ أن نرى العربي يتدرج في سبيل الحضارة، التي لم يبعده عنها إلا مُحمد وكتابه". وليس المقصود بمكة مبانيها، وإنما المقصود الكعبة التي يستقبلها المسلمون بصلاتهم في كل أنحاء العالم فرضاً أو نفلاً، والتي تهفو إليها قلوب المسلمين من كل مكان، للصلاة في صحنها والطواف بها، وأداء مناسك الحج والعمرة فيها وحولها، وهي من أعظم العوامل الموحدة للمسلمين، وقد جمع هذا العدو ثلاثة أمور: الأمر الأول: القرآن، وهو منهج المسلمين الذي ينظم لهم حياتهم ويهديهم للتي هي أقوم. الأمر الثاني: المسجد الذي تمثله الكعبة المشرفة، وهو يعنى إبعاد المسلمين عن الإسلام بتركه كلياً، حتى لا تكون لهم قبلة، ولا يتجهون إلى الله بعبادة. الأمر الثالث: الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو أن لا يكون للمسلمين إمام متبوع واحد يجمع كلمتهم بتوجيهه، ولهذا حاولوا ولا يزالون يحاولون النيل من جنابه صلى الله عليه وسلم في وسائل إعلامهم ومراكز بحثهم ومناهج مدارسهم وجامعاتهم وكتبهم. وهذه هي الأصول الثلاثة التي لا دين للمسلمين إذا ذهب أحدها، وهى: المنهج الذي هو القرآن، والإسلام الذي رمز له بمكة، والرسول الذي هو الواسطة الوحيدة بين المسلمين وربهم. ويعلل هذا العدو تمنيه هدم دين الله بأنه يريد أن يتدرج المسلمون في سبيل الحضارة الغربية، والمقصود بالحضارة التمسك بمذاهب الغرب الفكرية، والاجتماعية والأخلاقية، والتسليم المطلق للتوجيه الغربي اليهودي النصراني، وليس المقصود استفادة المسلمين من التقدم المادي الصناعي والإداري، بل ولا السياسي، فإنهم لا يريدون أن يتقدم المسلمون في المجال الصناعي؛ لأن تقدمهم في نظرهم، يعنى القضاء على الحضارة الغربية بمفهومها الشامل ـ أي العقائد والأفكار ـ كما قال بعض مفكريهم ناصحاً لهم من عودة القوة الإسلامية: "وسيعيد التاريخ نفسه، مبتدئاً من الشرق عوداً على بدء، من المنطقة التي قامت فيها القوة العالمية الإسلامية في الصدر الأول للإسلام، وستظهر هذه القوة التي تكمن في تماسك الإسلام ووحدته العسكرية، وستثبت هذه القوة وجودها إذا ما أدرك المسلمون كيفية استخراجها والاستفادة منها، وستقلب موازين القوى؛ لأنها قائمة على أُسس لا تتوافر في غيرها من تيارات القوى العالمية" إلى أن قال: "إن انتفاضة العالم الإسلامي صوت نذير لأوروبا، وهتاف يجوب آفاقها، يدعو إلى التجمع والتساند الأوروبي، لمواجهة هذا العملاق الذي بدأ يصحو وينفض النوم عن عينيه، هل يسمع أحد؟ ألا من مجيب؟". [1]. ويقول آخر محذراً من تقدم المسلمين الصناعي وخطره على أوروبا: "وفرصتهم ـ يعني المسلمين ـ في تحقيق أحلامهم، هي في اكتساب التقدم الصناعي الذي أحرزه الغرب، فإذا أصبح لهم علمهم، وإذا تهيأت لهم أسباب الإنتاج الصناعي في نطاقه الواسع، انطلقوا في العالم يحملون تراثهم الحضاري الغني، وانتشروا في الأرض يزيلون منها قواعد الروح الغربية، ويقذفون رسالتها إلى متاحف التاريخ".. ثم اقترح على بني قومه ما يحول بين المسلمين والتقدم الصناعي، فقال: "فلنعط هذا العالمَ ما يشاء، ولنقوِّ في نفسه عدم الرغبة في الإنتاج الصناعي والفني، فإذا عجزنا عن تحقيق هذه الخطة، وتحرر العملاق من قيود جهله، وعقدة الشعور بعجزه عن مجاراة الغرب في الإنتاج، فقد بُؤنا بالإخفاق الذريع، وأصبح خطر العالم العربي، وما وراءه من الطاقات الإسلامية الضخمة، خطراً داهماً يتعرض به التراث الحضاري الغربي لكارثة تاريخية، ينتهي بها الغرب وتنتهي معه وظيفته القيادية". [2]. وإذا كان التقدم الصناعي للمسلمين وما وراءه من الطاقات الإسلامية، يهدد أهل الغرب ويخيفهم، وأنه لا بد من إغراق العالم الإسلامي بما يحتاج إليه من الإنتاج الصناعي من الغرب، حتى لا يفكر في الصناعة، فأيُّ سبيلِ حضارةٍ يريدونه أن يتدرج فيها من الحضارة الأوروبية؟ أتراهم يرغبون أن ينهج منهجهم في أصول السياسة التي يدعون أنهم يطبقونها ويمدحونها، كالديمقراطية؟ إنهم لا يريدون للعالم الإسلامي ذلك، لأن الديمقراطية تعطي الشعوب حرية اختيار النظام، والشعوب الإسلامية لا ترضى عن الإسلام بديلاً. [3]. وإذا كانوا لا يريدون لنا التقدم الصناعي، ولا التقدم السياسي، فما الحضارة التي حرصوا على أن نتدرج فيها؟ إنها تقليدهم في الأخلاق الفاسدة، والنظام الاجتماعي، وترك المسجد والقرآن وتوجيهات رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم. ولشدة خوفهم من المسجد، أخذوا ينفثون في روع المثقفين بثقافاتهم، أن المسجد والقرآن والتمسك بمبادئ الإسلام، خطر على العالم الإسلامي، ويعللون ذلك مرة بأن ذلك يسبب للمسلمين التواكل ويصدهم عن التقدم الحضاري، وتارة بأن التمسك بالإسلام، معناه التطرف والتشدد ضد الطيبات وضد النظم الحضارية المعاصرة. ووجدوا من كثير من أولئك المثقفين ومن تربعوا على كراسي الحكم في الشعوب الإسلامية، آذناً صاغية، فانتابهم الخوف من المسجد كما انتاب أساتذتهم، وجبنوا عن التقدم الصناعي الذي لا يريد أعداء الإسلام تقدمهم فيه. فهل في المسجد ومبادئ الإسلام ما يخيف أعداء الإسلام، من الكفار على مصالحهم في الدنيا والآخرة؟ أو في المسجد ما يخيف الذين يريدون الصلاح لشعوبهم من حكام المسلمين؟ الواقع أن المسجد ووظائفه، إنما هي مصدر أمن للعالم كله لو أنصف مفكروه؛ لأن الإسلام لا يريد للبشر إلا سعادتهم في الدنيا والآخرة، وهو إنما يخيف الظلمة الذين يهربون من ثبات العدل في الأرض؛ لأنهم ألفوا أن لا يعيشوا إلا مع الظلم، ولا شك أن العدل إذا قوي جانبه لم يترك الظلمة يعيثون في الأرض فساداً، سواءً كانوا كفاراً أم منتسبين إلى الإسلام. أما الذين يريدون للعدل أن يثبت في الأرض، ويحاربون الظلم والاستبداد، فإن المسجد ووظائفه لا تخيفهم. ولذلك فإن عودة المسجد إلى مكانته في العالم الإسلامي، لا تخيف إلا أعداء العالم الإسلامي، الحريصين على الظلم والاستبداد واستعباد الشعوب، والواجب على المسلمين أن يَطمَئِنُّوا ويأمنوا مساجدهم، وأن يعيدوا لها مكانتها، لتكون عوناً لهم على صراعهم مع أعدائهم، فإن القوة التي يحصلون عليها من شعوبهم عن طريق المساجد، لا يمكن أن يحصلوا عليها من دولة أجنبية، مهما صدقت في مواثيقها، وهي في الغالب لا تصدق إلا لمصلحة تعود عليها. وهناك شبهة يتذرع بها من يخافون المساجد، وهي تطرف الشباب وخروجه على الأوضاع السائدة، وإيجاد قلاقل في البلدان الإسلامية، وقد يصفونه بالانحراف الفكري. وهذه الشبهة لها منشآن: المنشأ الأول: أن المساجد قد أقفرت من العلماء الذين عندهم فقه في الدين، ونصح لعامة المسلمين وأئمتهم، وأكثر الذين يتولون الإمامة والخطابة والوعظ في تلك المساجد، إما قليلو الفقه، وإما منغمسون في تيار تحريف الإسلام وتشويهه، فيحدث عند الشباب المحب للإسلام رد فعل، فيعتمد على قراءاته الخاصة، ويجد بعض الآراء التي يسمعها في المساجد لا يدعمها الدليل، فلا يثق في أولئك، وقد يجد آراء أخرى شاذة يستدل أصحابها ببعض ظواهر النصوص القرآنية والأحاديث النبوية، دون تمحيص للأدلة وما يعارضها وما يجب من الجمع بينها، فيعتقد تلك الآراء الشاذة فيصاب بداء العجب والغلو والوقوف ضد الآخرين بعنف. ولو أن هؤلاء الشباب وجدوا العلماء العاملين، الذين عندهم فقه في دين الله، يشرحون لهم مبادئ الإسلام على حقيقتها، ويبينون لهم الأدلة، ويجمعون بين ما قد يظهر منه التعارض، ويوضحون لهم الطريق الوسط التي لا إفراط فيها ولا تفريط، لما وقعوا في الإفراط والغلو، أو في الإرجاء والتفريط. المنشأ الثاني: أن الشباب الإسلامي الذي يتجه لقراءة القرآن والسنَّة وبعض الكتب الإسلامية، يجد فيما يقرأ تحريم بعض ما يراه يُتَعاطى في المجتمع، كشرب الخمر والسفور، والاختلاط المحرم، والحكم بغير ما أنزل الله، فيصطدم عنده ما تعلمه نظرياً، مع ما يراه مُقَرراًّ في المجتمع، فيسلك بسبب ذلك مسلك العداء للمجتمع، وبخاصة عندما يفقد التوجيه الشرعي السليم. والواجب أن يسعى أولياء أمور المسلمين إلى تصحيح الأوضاع في بلدانهم، بحيث يكون المجتمع سائراً على توجيه الشرع الحنيف عن طريق علمائه ومفكريه الذين لا يخافون في الله لومة لائم، وإلا فسوف يبقى الصراع بين الشباب المتمسك بدينه، وبين المعتدي على شرع الله، مستمراً سواء كان منطلق الشباب المسجد أم الجامعة أم غيرهما، وأرى أن المسجد هو خير عون على تلافي الأخطار، إذا أعيدت له مكانته وأخذ المجتمع بتوجيهاته من قبل مَن هم أهل للمسؤولية عن المساجد. والخلاصة أن المسجد مصدر أمن لأهل الإسلام، ومصدر قلق لمحاربي الإسلام، الذي يحاربون المسجد كما يحاربون القرآن والسنة وكل ما ينبثق عنهما من شرع الله.
1 - الإسلام قوة الغد العالمية ص322ـ324
2 - جند الله ثقافة وأخلاقاً، لسعيد حوا ص20ـ21
3 - راجع نفس الكتاب السابق ص28ـ29



السابق

الفهرس

التالي


12302198

عداد الصفحات العام

4262

عداد الصفحات اليومي

جقوق الطبع محفولموقع الروضة الإسلامي 1446هـ - 2025م