﴿۞ یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ لَا تَتَّخِذُوا۟ ٱلۡیَهُودَ وَٱلنَّصَـٰرَىٰۤ أَوۡلِیَاۤءَۘ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِیَاۤءُ بَعۡضࣲۚ وَمَن یَتَوَلَّهُم مِّنكُمۡ فَإِنَّهُۥ مِنۡهُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا یَهۡدِی ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّـٰلِمِینَ ۝٥١ فَتَرَى ٱلَّذِینَ فِی قُلُوبِهِم مَّرَضࣱ یُسَـٰرِعُونَ فِیهِمۡ یَقُولُونَ نَخۡشَىٰۤ أَن تُصِیبَنَا دَاۤىِٕرَةࣱۚ فَعَسَى ٱللَّهُ أَن یَأۡتِیَ بِٱلۡفَتۡحِ أَوۡ أَمۡرࣲ مِّنۡ عِندِهِۦ فَیُصۡبِحُوا۟ عَلَىٰ مَاۤ أَسَرُّوا۟ فِیۤ أَنفُسِهِمۡ نَـٰدِمِینَ ۝٥٢ وَیَقُولُ ٱلَّذِینَ ءَامَنُوۤا۟ أَهَـٰۤؤُلَاۤءِ ٱلَّذِینَ أَقۡسَمُوا۟ بِٱللَّهِ جَهۡدَ أَیۡمَـٰنِهِمۡ إِنَّهُمۡ لَمَعَكُمۡۚ حَبِطَتۡ أَعۡمَـٰلُهُمۡ فَأَصۡبَحُوا۟ خَـٰسِرِینَ ۝٥٣﴾ [المائدة ٥١-٥٣]
(67) سافر معي في المشارق والمغارب :: 66- سافر معي في المشارق والمغارب :: (34) دور المسجد في تربية الأحداث ووقايتهم من الانحراف :: (033) دور المسجد في تربية الأحداث ووقايتهم من الانحراف. :: (067) سافر معي في المشارق والمغارب :: (066) سافر معي في المشارق والمغارب :: (031) دور المسجد في تربية الأحداث ووقايتهم من الانحراف :: (065) سافر معي في المشارق والمغارب :: (030) دور المسجد في التربية وعلاج انحراف الأحداث :: :: :: :: :: :: :: :: :: ::
   
جملة البحث



السابق

الفهرس

التالي

المبحث السادس: المؤسسات المعادية للمسجد وخطرها عليه.
إن هذا المبحث وحده، لو أريد التوسع فيه لكان جديراً بكتاب مستقل، فالمؤسسات المعادية للإسلام هي المؤسسات المعادية للمسجد، ومعسكراتها معروفة من قديم الزمان، وهي باختصار أربعة معسكرات: المعسكر المشرك؛ ويشمل كل الوثنيين والملحدين. المعسكر اليهودي؛ بكل مؤسساته وجمعياته ونواديه. المعسكر النصراني؛ كذلك بكل مؤسساته ومُنصريه. معسكر النفاق؛ وهو أخطر على المسلمين ومساجدهم من المؤسسات الكافرة الصريحة؛ لأنه يتعاون مع المعسكرات الأخرى، وهو في صفوف المسلمين، يدل على عوراتهم وضعفهم وينفذ مخططات الكفر وهو يدَّعي الإسلام. وقد حذرنا الله سبحانه وتعالى من تلك المعسكرات كلها في كتابه، وسجل لنا التاريخ أنهم مهما اختلفوا فيما بينهم، فإنهم متفقون على حرب الإسلام والمسلمين. وتتلخص مؤامرات الأعداء كلهم في السعي الجاد للصد عن دين الله بكل الوسائل المتاحة لهم، فإن وجدوا القدرة على قتل المسلمين بالسلاح وتشريدهم من ديارهم، قَتَلوا وشَرَّدوا وهدموا على المصلين مساجدهم، وضيقوا الخناق على من بقي منهم وأذلوه غاية الإذلال، وهذا واضح في العدوان العسكري أو الحروب العسكرية في جميع عصور الإسلام. وتآمر اليهود على الإسلام والمسلمين معروف، وكان أول تآمرهم عندما نقضوا الميثاق الذي تم بينهم وبين المسلمين، بقيادة الرسول صلى الله عليه وسلم، عندما هموا بقتله غدراً، وهو إمام المسلمين في المسجد وغيره. قال ابن القيم، رحمه الله: "وسبب ذلك أنه صلى الله عليه وسلم خرج إليهم ـ أي إلى بني النضير ـ في نفر من أصحابه، وكلمهم أن يعينوه في دية الكلابيين، اللذين قتلهما عمرو بن أمية الضمري، فقالوا: نفعل يا أبا القاسم، اجلس ههنا حتى نقضي حاجتك. وخلا بعضهم ببعض، وسول لهم الشيطان الشقاء الذي كتب عليهم، فتآمروا بقتله صلى الله عليه وسلم، وقالوا: أيكم يأخذ هذا الرحا ويصعد فيلقيها على رأسه، يشدخه بها؟ فقال أشقاهم عمرو بن جحاش: أنا، فقال لهم سلام بن مشكم: لا تفعلوا، فوالله ليُخبَرَنَّ بما هممتم به، وإنه لنقض العهد الذي بيننا وبينه، وجاء الوحي على الفور إليه من ربه تبارك وتعالى بما هموا به، فنهض مسرعاً وتوجه إلى المدينة، ولحقه أصحابه فقالوا: نهضت ولم نشعر بك، فأخبرهم بما همت يهود به". [1]. وكذلك بنو قريظة. نقضوا العهد وألَّبوا المشركين على رسول الله صلى الله عليه وسلم، من قريش وغطفان، وغيرهم من مشركي الجزيرة، وأخذوا يسبون رسول الله صلى الله عليه وسلم. [2]. وقبلهم نقضت العهد قبيلة بني قينقاع، وحاربوا رسول الله صلى الله عليه وسلم. [3]. وقد أخزاهم الله جميعاً فأجلى صلى الله عليه وسلم بنى قينقاع وبنى النضير، وقتل مقاتلة بنى قريظة وسبي نساءهم وذراريهم. واستمر اليهود في عدائهم للإسلام ومؤامراتهم على المسلمين، مع أنهم لم يجدوا من يؤويهم ويحميهم من إذلال العالم وتشريده لهم، إلا المسلمين، ولا يخفي على أحد ما فعله اليهود في هذا العصر بالمسلمين، ليس في فلسطين فحسب، بل تآمر عام في كل مجال من مجالات النشاط الإسلامي: السياسى، والاقتصادي والعسكري والدينى، فهم يغزون المسلمين في عقر دارهم، ويحطمون منشآتهم العسكرية الخطيرة في وضح النهار، ويمزقون شمل المسلمين، حتى يتقاتلوا أو يتباغضوا فيما بينهم، ويجذبون الدول الكافرة وبعض الدول المنتسبة إلى الإسلام إلى صفهم، ويسعون جاهدين لإزالة بيت المقدس، وقد أحرقوه فأنقذه الله، ولا زالوا يحومون حوله بحجة التنقيب عن الآثار، ولا يستبعد أن يهدموه في يوم من الأيام ما داموا لا يرون غيرة صادقة عليه من المصلين في مساجد العالم الإسلامي، غيرة ترفع راية الجهاد، وليس الشكوى والنواح، وهكذا فاليهود جادون في تحطيم المساجد الأخرى كمسجد الخليل. ولو تمكن اليهود من السيطرة الكاملة، فإنهم لا يكتفون بهدم المسجد الأقصى، بل لهم مطامع مبنية على أحقاد في مساجد أخرى هي أخطر من بيت المقدس بالنسبة للمسلمين. وقد حطموا مساجد المسلمين في المناطق التي اغتصبوها في عام 1948م، وحولوا بعضها إلى أماكن للرقص والخمر والفساد، كما اعتدوا على مقابر المسلمين هاتكين حرمة موتاهم، وحولوها إلى ما يريدون من مبان ومؤسسات، مع وجود ما يغنيهم عنها من الأراضي المغتصبة. ولو أن حكومات الشعوب الإسلامية كلها أذنت للمصلين في مساجدها، وعلمائها ليستثيروا حماس المسلمين ضد أعدائهم اليهود، وأزالوا الحواجز الظالمة بين الشعوب العربية وإخوانهم المسلمين في العالم، وإخوانهم المجاهدين في الأرض المباركة، برفع راية الجهاد في سبيل الله، لأنقذت مساجد المسلمين في كل أنحاء الأرض، المسجد الأقصى وغيره من المساجد المهددة بالزوال أو السيطرة عليها، ولكن القوميات الجاهلية، كالقومية العربية التي اتخذت في فترة من الزمن، شعاراً يحارب به الإسلام وغيرها، هي من فروع المؤسسات المعادية للإسلام، تتآمر مع اليهود ضد الإسلام، لذلك لا ترضى باجتماع المسلمين كلهم، في ظل كلمة لا إله إلا الله محمد رسول الله، ولا ترضى للمسجد أن يأخذ مكانته اللائقة به. ولقد فعل النصارى كما فعل اليهود وأنكى، في كل عصور الإسلام أيضاً، والمحور الذي يدورون حوله ويريدون تحطيمه، هو القرآن الكريم والكعبة المشرفة، إمام مساجد المسلمين في أنحاء الأرض، حتى قال قائلهم: "متى توارى القرآن ومدينة مكة عن بلاد العرب، يمكننا حينئذ أن نرى العربي يتدرج في سبيل الحضارة التي لم يبعده عنها إلا محمد وكتابه". [4]. ولقد أفزعت النصارى أكواخ صغيرة، اتخذها المسلمون الضعفاء مساجد في أفريقيا، فقالت إحدى المنصرات: إنها كانت تجد مساجد صغيرة حيثما مرت، وفي بعض الأوقات كانت ترى مساجد بشكل أكواخ صغيرة، إلا أن هذه أكواخ بمثابة مراكز للتبشير الإسلامي، ويرى المبشرون أن الخصم الوحيد لهم في هذه الجهات هو المسلم. [5]. ماذا فعلوا بالمصلين ومساجدهم قبل هذا في الأندلس؟ لا تخفي محنة المسلمين في الأندلس، وكان من أهم أسبابها عدم وحدة المصلين، بل تفرقوا فأُكِلُوا، ولا نريد الإطالة في هذا ولكن نذكر جملاً قصيرة تعرضت لما فعلوه بالمساجد: "فلما رأى الطاغية ـ أحد طغاة النصارى الذين وقعوا مع المسلمين بعض العهود ـ أن الناس قد تركوا الجواز وعزموا على الاستيطان والمقام في الوطن، أخذ في نقض جميعها، وزالت حرمة المسلمين، وأدركهم الهوان والذلة، واستطال عليهم النصارى، وفرضت عليهم المغارم الثقيلة، وقطع عنهم الأذان في الصوامع، وأمرهم بالخروج من غرناطة والقرى، فخرجوا أذلة صاغرين، ثم بعد ذلك دعاهم إلى التنصر وأكرههم عليه، وذلك سنة أربع وتسعمائة، فدخلوا فيه كرهاً، وصارت الأندلس كلها دار كفر، ولم يبق من يجهر بكلمة التوحيد والأذان، وجعلت في المساجد والمآذن النواقيس والصلبان، بعد ذكر الله وتلاوة القرآن". [6]. أما ما فعلوه فيما يسمى بالحروب الصليبية، فسل عنه أحد إخوانهم الذين بقى عندهم شيء من الإحساس، لينبئك عن تلك الوحشية التي كافؤا بها المسلمين عندما دخل عمر بن الخطاب القدس وحفظ لهم كرامتهم، قال غوستاف لوبون: "وكان سلوك الصليبيين حين دخلوا القدس، غير سلوك الخليفة الكريم عمر بن الخطاب، حين دخلها منذ بضعة قرون، قال كاهن مدينة لوبوي ريموند داجيل: حدث ما هو عجيب بين العرب، عند ما استولى قومنا على أسوار القدس وبروجها، فقد قطعت رؤوس بعضهم، فكان هذا أقل ما يمكن أن يصيبهم، وبقرت بطون بعضهم، فكانوا يضطرون إلى القذف بأنفسهم من أعلى الأسوار، وحرق بعضهم في النار، فكان ذلك بعد عذاب طويل، وكان لا يرى في شوارع القدس وميادينها، سوى أكداس من رؤوس العرب وأيديهم وأرجلهم، فلا يمر المرء إلا على جثث قتلاهم.. ولكن كل هذا لم يكن سوى بعض ما نالوا، وروى ذلك الكاهن الحليم، خبر ذبح عشرة آلاف مسلم في مسجد عمر رضي الله عنه، فعرض الوصف اللطيف الآتي: لقد أفرط قومنا في سفك الدماء في هيكل سليمان، وكانت جثث القتلى تعوم في الساحة هنا وهنالك، وكانت الأيدي والأذرع المبتورة تسبح، كأنها تريد أن تتصل بجثث غريبة عنها، فإذا اتصلت ذراع بجسم لم يعرف أصلها، وكان الجنود الذين أحدثوا تلك الملحمة، لا يطيقون رائحة البخار المنبعثة من ذلك إلا بمشقة". [7]. ولا نريد الإطالة في حقد النصارى على الإسلام والمسلمين، وما فعلوه في الغزو الصليبي ببلدان المسلمين، في مصر وشمال أفريقيا، والقارة الهندية والفلبين، وسوريا والعراق وجنوب الجزيرة العربية، من سفك للدماء، واعتداء على الأعراض، وتهديم للمساجد وقتل للمصلين، وحرب فكرية ممثلة في المدارس والمعاهد التي أقاموها ضد المساجد، حتى خرجوا منها أعداء للمسجد من أبناء المصلين فيه، ولا زال أثر ذلك يتجرعه المسلمون إلى هذه اللحظة. ويكفى أن نشير إلى ما يقومون به من حلف سافر مع اليهود، ضد المسلمين في قلب العالم الإسلامي، ويكفى ما يلقاه المسلمون في لبنان وفلسطين، ويكفي ما يعانيه المسلمون في الفلبين والحبشة والهند، إن ذلك كله عداء للمسجد وآثاره التي لا يحول بينهم وبين مآربهم غيره، والدليل على ذلك واقع التاريخ. ولم يستقر لهم قرار، هم واليهود حتى أسقطوا آخر رمز للخلافة الإسلامية، وأوجدوا لهم من يهدم المسجد حساً ومعنى من أبناء المصلين فيه. [8]. وقد رأى العالم كله قبل سنين، ما ظهر على الفضائيات العالمية العربية وغيرها، كيف كانت مآذن مساجد المسلمين في البوسنة والهرسك، هدفاً لصواريخ الصرب، ومدافعهم التي كانت تقصفها من الجو والأرض، مع قصف بيوتهم ومكتباتهم، ومدارسهم، وأجسادهم، وكان قادة الصرب يصرحون بأن المسلمين مخيرون، بين دخولهم في النصرانية، وبين القضاء عليهم، وأن الصرب إنما يدافعون عن أوربا النصرانية، بقتلهم للمسلمين... ولا زالت مقابر المسلمين الجماعية التي خلفتها جرائم الصرب، تكتشف إلى اليوم. [9]. وهؤلاء قادة الصليبية الجديدة من الأمريكان والإنجليز وغيرهم من دول الغرب يهدمون مساجد العراق وأفغانستان على رؤوس المسلمين وهم يصلون فيها ويتلون كتاب الله ويستغيثون به، ويدوسون بنعالهم كتاب الله أمام أعين العالم كما تنقل ذلك بعض الفضائيات!!! أما المشركون من الوثنيين والملحدين، فحدث عن حقدهم ولا حرج، فمشركو العرب هم الذين صدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، أن يعبدوا الله عند أول بيت وضع للناس بإذن الله، عند الكعبة المشرفة، التي كانت الأصنام المعبودة من دون الله تحيط بها من كل جهة. وهم الذين صدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، عن الطواف به بعد الهجرة عام الحديبية، كما قال تعالي: { هُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ..} . [الفتح:25]. بل عذبوا المؤمنين واعتدوا عليهم وعلى رسولهم صلى الله عليه وسلم، في المسجد الحرام هذا الذي جعله الله مثابةً وأمنا، والسيرة النبوية حافلة بالقصص والحوادث. وما فعله التتار بالمسلمين في بغداد، وبخاصة أئمة المساجد وخطباءها، يوضح العداء السافر من المشركين للمسلمين ومساجدهم. قال ابن كثير رحمه الله: "ومالوا على البلد فقتلوا جميع من قدروا عليه من الرجال، والنساء والولدان، والمشايخ والكهول والشبان، ودخل كثير من الناس في الآبار وأماكن الحشوش، وقني الوسخ، وكان الجماعة من الناس يجتمعون إلى الخانات، ويغلقون عليهم الأبواب، فتفتحها التتار.. ثم يدخلون عليهم فيهربون إلى أعالي الأمكنة، فيقتلونهم بالأسطحة، حتى تجري الميازيب من الدماء في الأزقة، فإنا لله وإنا إليه راجعون، وكذلك في المساجد والجوامع والربط، ولم ينج منهم أحد.. وقتل الخطباء والأئمة وحملة القرآن، وعطلت المساجد والجماعات والجمعات مدة شهور ببغداد. [10]. ويصعب على الباحث تتبع حوادث الوثنيين مع المسلمين في العصور المختلفة وفي أعمال الهندوك في هذا العصر ما يكفي للتدليل على عداوتهم للمسلمين ولا سيما أئمتهم وخطباءهم ومساجدهم التي يقتلونهم وهم يؤدون الصلاة فيها. ومعلوم ما قام به المتعصبون الهنود، من هدم الجامع البابري، يوم 6 ديسمبر من عام 1992م في منطقة أيوديا، الواقعة في ولاية أتار براديش، حيث شاهد العالم جموع الهندوس الوثنيين، وهم يحطمون بناء المسجد من كل الجهات، بل صعدوا إلى سطحه بمعاولهم ومساحيهم، يهدمون قبابه ومآذنه، ويقتلون المسلمين، ويحرقون بيوتهم، على مرأى ومسمع من الحكومة الهندية المتعصبة الظالمة! ولا ننسى ما فعله الروس الشيوعيون الملحدون بالمسلمين في بلادهم وتهديم مساجدهم أو تحويلها إلى نواد وملاه، بلغ عدد ما هدم أو حول 80% من عدد المساجد الكلي، [11] ولا حاجة إلى التدليل على أعمال الشيوعيين فإن العالم كله يسمع ويشاهد قصف المسلمين في مساجدهم وإبادتهم في أفغانستان الآن. [12]. أما المنافقون، فإن خطرهم، كما ذكرت، أشد من خطر غيرهم من الكفار، لوجودهم في صفوف المسلمين، ومعاملتهم معاملة المسلمين، واطلاعهم على عورات المسلمين، على قوتهم وضعفهم، وعلمهم بتحركاتهم، وهم يظهرون أنهم معهم، ولكنهم يتآمرون مع الكفار من المشركين وأهل الكتاب من اليهود والنصارى على المسلمين، وقد عني القرآن الكريم ببيان مكايدهم وصفاتهم، ونزلت فيهم سورة سميت باسمهم، والمقام ليس مقام تفصيل لذلك. والمقصود أنهم من أشد أعداء المساجد، ومن علاماتهم عدم حضورهم الصلوات التي قد يخفون فيها على المسلمين، وهي صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولقد كانوا أول من عارض المسجد وحاربه بمثله، ليخفوا على المسلمين كيدهم ويفرقوا بينهم باسم المسجد. قال الله تعالى عنهم: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِرَاراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَاداً لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (107) لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (108) أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (109) لا يَزَالُ بُنْيَانُهُمْ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلاَّ أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}. [التوبة: 107ـ110]. وكان أبو عامر الراهب (الفاسق) وهو الذي حفر الحفرة التي وقع فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد، وذهب بعد ذلك إلى هرقل ملك الروم يستنصره على النبي صلى الله عليه وسلم، فوعده ببعث جيش يقاتل به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمر أبو عامر بعض المنافقين أن يبنوا له مسجداً قرب مسجد قباء، ليتخذه معقلاً لمحاربة الله ورسوله، فبنوه قبل سفر الرسول صلى الله عليه وسلم إلى تبوك، وطلبوا منه أن يصلي فيه، ليحتجوا بإقراره لهم، ولكن الرسول اعتذر بسفره، ووعدهم بالصلاة فيه إذا رجع، فلما قفل راجعاً من تبوك، نزل الوحي ينبئه بأن هذا المسجد إنما بني مضارة للمسلمين، فبعث صلى الله عليه وسلم من هدمه قبل وصوله إلى المدينة. [13]. وإذا كان المنافقون في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بنوا مسجداً ضد مساجد المسلمين، فإن المنافقين في هذا العصر قد يبنون مدارس وجامعات وملاجئ أيتام ومستشفيات، ونواديَ ومراكز ثقافية واجتماعية ورياضية، ويربون فيها أبناء المسلمين، تربية تُكَرِّه عليهم الإيمان والعمل الصالح، وتبغض إليهم المسجد وأهله. وقد لا يحتاجون في بعض البلدان إلى بناء مساجد ضرار، ولا بناء شيء من تلك المؤسسات، بل يتخذون لمضارة المساجد التي بنيت لعبادة الله، وسائل أخرى يعطلون بها وظائفها التي بنيت من أجلها، وهي التفقه في دين الله، والعمل الصالح، والدعوة إلى الله، والجهاد في سبيل الله. ومن تلك الوسائل منع الأئمة والخطباء والعلماء الأكفاء، الذين عندهم مقدرة على إيصال حقائق الإسلام، إلى رواد المساجد للصلاة أو سماع الخطب والمحاضرات والدروس، يمنعونهم من تولي إمامة المساجد وخطابتها، وإقامة الحلقات العلمية في تلك المساجد. ويوظفون فيها أئمة وخطباء من قليلي العلم أو كاتميه، فهذا ضرار للمساجد، وحرمان للمسلمين من بيان الحق والدعوة إليه. فمنع الأئمة والخطباء الأكفاء من الوقوف في محاريب المساجد، واعتلاء منابرها، ومنع العلماء الناصحين الذين يبينون للناس كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، من أعظم أنواع الضرار؛ لأن في ذلك صداً عن سبيل الله، بمنع من يبين للناس ما أنزل الله. ومانع من يقوم ببيان ما أنزل الله في مساجد الله، يدخل في قوله تعالى: {إنَّ الَّذيِنَ يَكْتُمُونَ مَا أنزَلْنَا مِنَ الْبَيناتِ وَالهُدى مِنْ بَعْدِ مَا بينَاهُ لِلنَّاس في الْكِتَابِ أولئِك يَلْعَنُهُمُ الّله وَيَلعنهُمُ الّلاعِنُونَ، إلا الَّذِينَ تابُوا وَأصْلَحُوا وَبَينوا فَأولَئِك أتوبُ عَلَيْهِمْ وَأنا التَّوابُ الرَّحِيمُ}. [البقرة: 159ـ160]. ومن تلك الوسائل، مضايقة أعداء تطبيق الشريعة الإسلامية، لشباب المسلمين الذين يرتادون المساجد للصلاة، وبخاصة صلاة الفجر، حيث يعتقلون من يواظب منهم على الصلاة في هذا الوقت ويعذبونهم، بحجة أنهم متطرفون، ينتظمون في الأحزاب التي تسعى لإقامة حكم الله في تلك البلدان... وهذا العمل الذي يحدث في بعض بلدان المسلمين، لا يحدث مثله في كثير من بلدان الكفر، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وإنما أشرت إلى أعداء المسجد في هذا المبحث، ليحذرهم المسلمون من أن يوهموهم ـ وقد فعلوا ـ بأن المسجد يجب أن يكون فقط مكاناً للصلاة والذكر وقراءة القرآن، وأن وظائفه التي كانت قائمة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم،لم تعد قائمة لوجود مؤسسات أخرى تقوم بذلك بنظام وعلى مستوى ممتاز، ويحذروا من أن يربوا أبناءهم تربية معادية للمسجد ووظائفه. فالذين يسعون لسلب المسجد من وظائفه من المنافقين، هم من أولئك الذين اتخذوا مسجداً ضراراً.
1 - زاد المعاد (3/127ـ128)
2 - نفس المرجع (3/130)
3 - نفس المرجع (3/126)
4 - الغارة على العالم الإسلامي ص93-94
5 - نفس المرجع ص215-216
6 - التاريخ الأندلسي ص570-571 عبد الرحمن علي الحجي
7 - حضارة العرب، ترجمة عادل زعيتر (326ـ327)
8 - وهم الآن ينافسون المسجد في البلدان الإسلامية ببناء الكنائس. راجع رسالة "التغلغل الصليبي في منطقة الخليج" تأليف أحمد فون دنفر، ترجمة الدكتور سالم الولي
9 - كتابة هذه السطور في يوم السبت الثامن من شهر رجب، لعام 1423هـ ـ 15/9 /2002م
10 - البداية والنهاية (13/200ـ203)
11 - الإسلام قوة الغد، لباول شمتز، ترجمة محمد شامة، صفحة 239
12 - كانت كتابة هذه السطور في أيام الحرب الطاحنة بين المجاهدين الأفغان والاتحاد السوفييتي
13 - راجع تفسير القرآن العظيم لابن كثير (2/387ـ388) وغيره من كتب التفسير



السابق

الفهرس

التالي


12301799

عداد الصفحات العام

3863

عداد الصفحات اليومي

جقوق الطبع محفولموقع الروضة الإسلامي 1446هـ - 2025م