﴿۞ یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ لَا تَتَّخِذُوا۟ ٱلۡیَهُودَ وَٱلنَّصَـٰرَىٰۤ أَوۡلِیَاۤءَۘ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِیَاۤءُ بَعۡضࣲۚ وَمَن یَتَوَلَّهُم مِّنكُمۡ فَإِنَّهُۥ مِنۡهُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا یَهۡدِی ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّـٰلِمِینَ ۝٥١ فَتَرَى ٱلَّذِینَ فِی قُلُوبِهِم مَّرَضࣱ یُسَـٰرِعُونَ فِیهِمۡ یَقُولُونَ نَخۡشَىٰۤ أَن تُصِیبَنَا دَاۤىِٕرَةࣱۚ فَعَسَى ٱللَّهُ أَن یَأۡتِیَ بِٱلۡفَتۡحِ أَوۡ أَمۡرࣲ مِّنۡ عِندِهِۦ فَیُصۡبِحُوا۟ عَلَىٰ مَاۤ أَسَرُّوا۟ فِیۤ أَنفُسِهِمۡ نَـٰدِمِینَ ۝٥٢ وَیَقُولُ ٱلَّذِینَ ءَامَنُوۤا۟ أَهَـٰۤؤُلَاۤءِ ٱلَّذِینَ أَقۡسَمُوا۟ بِٱللَّهِ جَهۡدَ أَیۡمَـٰنِهِمۡ إِنَّهُمۡ لَمَعَكُمۡۚ حَبِطَتۡ أَعۡمَـٰلُهُمۡ فَأَصۡبَحُوا۟ خَـٰسِرِینَ ۝٥٣﴾ [المائدة ٥١-٥٣]
(67) سافر معي في المشارق والمغارب :: 66- سافر معي في المشارق والمغارب :: (34) دور المسجد في تربية الأحداث ووقايتهم من الانحراف :: (033) دور المسجد في تربية الأحداث ووقايتهم من الانحراف. :: (067) سافر معي في المشارق والمغارب :: (066) سافر معي في المشارق والمغارب :: (031) دور المسجد في تربية الأحداث ووقايتهم من الانحراف :: (065) سافر معي في المشارق والمغارب :: (030) دور المسجد في التربية وعلاج انحراف الأحداث :: :: :: :: :: :: :: :: :: ::
   
جملة البحث



السابق

الفهرس

التالي

المبحث الخامس: أساس الاستقامة، وأساس الانحراف.
لقد بدأ الانحراف عن منهج الله من زمن طويل، وامتدت يد الإجرام من الأخ إلى أخيه من عهد آدم عليه السلام، حيث قَتل أحدُ أبنائه الآخرَ، وكلما جاء عصر من العصور وكثر فيه الانحراف وكثر الإجرام، اهتم الناس ـ وبخاصة المفكرين منهم ودعاة الإصلاح على اختلاف اتجاهاتهم ـ بأسباب الانحراف اهتماماً بالغاً، وذهبوا في اكتشاف تلك الأسباب كل مذهب، وهاموا في كل واد، ولكنهم لم يفلحوا، بل كثر تخبطهم، وناقضت نظرياتُ بعضهم نظرياتِ الآخرين. حتى في هذا العصر الذي يقال فيه: إن علوم الإنسان قد تقدمت تقدماً مذهلاً، ومنها علم الإجرام، لم يقفوا على حقيقة الداء، ولم يشخصوه، حتى يضعوا العلاج الناجع لاستئصاله والتخفيف منه، والسبب في ذلك أنهم لم يَسقطوا على الخبير به، بل طلبوه من غير أهله، وهم يظنون في كل نظرية تَجِدُّ أنهم على الخبير بها سقطوا، ثم يتضح لهم بعد ذلك أنهم على الجاهل بها وقعوا. والذي يطلع على كتب علم الجريمة التي ملأت المكتبات في الآونة الأخيرة، يعلم علم اليقين أن القوم سلكوا لمعرفة سبب الجريمة غير سبيلها، وأتوا البيوت من غير أبوابها، ومما يدل على عدم وقوفهم على سبب الاستقامة وسبب الانحراف، ارتفاع نسبة الانحراف في كل البلدان عن نسبة الاستقامة فيها، إلا من هدى الله، وقليل ما هم. والذي يتصفح جرائد وصحف العالم شرقيه وغربيه، يتبين له أن الجرائم بأنواعها المختلفة في ازدياد، وبخاصة في الدول المتقدمة في الحضارة المادية. فما سبب الاستقامة؟ وما أساس الانحراف؟ للجواب على ذلك نقول: إن خالق الإنسان أعلم به، فالخالق أعلم بخلقه، وعلمه محيط بكل شيء، كما قال تعالى: {وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}. [الحديد:3]. وقال: {أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ}. [الملك: 14]. وهو أعلم بالمهتدي من الضال ـ ويعلم أسباب الهداية وأسباب الضلال ـ قال تعالى: {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ اهْتَدَى}. [النجم: 30]. وإذا كان الأمر كذلك فالواجب الرجوع إلى الخالق، لمعرفة أساس الاستقامة، وأساس الانحراف. وحيث إن الله سبحانه وتعالى قد أكمل لنا الدين، بكتابه وسنَّة رسوله صلى الله عليه وسلم، فإن الواجب الاهتداء بهما في كل أمر من الأمور في الدنيا والآخرة، وكمال الدين يقتضي أن نجد الجواب فيهما إما نصاً أو استنباطاً، والعلماء المجتهدون هم الذين يغوصون في أعماق الكتاب والسنَّة، ليبينوا ما خفي على الناس. ولقد رجعنا إلى الكتاب والسنَّة، فوجدنا فيهما إيضاحاً كاملاً لكلا الأساسين: أساس الاستقامة، وأساس الانحراف. أما أساس الطاعة والاستقامة فهو الإيمان الحق، الإيمان المبنى على الحجة واليقين، وهذه بعض النصوص توضح ذلك: قال تعالى: {الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاة وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (3) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآخرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4) أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ}. [البقرة: 1ـ5]. فالمؤمنون بالغيب، وهو الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، هم أهل التقوى، وهم المهتدون الذين يؤدون حق الله، كالصلاة، وحق عباده كالزكاة، وهم المختصون بالفلاح، ومن عداهم ليس بمفلح إنما هو خاسر. وبين سبحانه وتعالى أن الإيمان الحق يمنع صاحبه من الاعتداء والإجرام، فإذا حصل من المؤمن الصادق الإيمان معصية، فالأصل فيه أن لا يكون متعمداً، وإنما يكون مخطئاً، قال تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَأً}. [النساء: 92]. ولو أردنا تتبع الآيات الواضحة في هذا المعنى، لطال بنا المقام. أما السنَّة فقد بينت أيضاً أن الإيمان هو أساس الاستقامة، ومن ذلك ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت)) . [1]. ومن ذلك حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه)). [2]. والإسلام إذا أطلق شمل الإيمان، كما أن الإيمان إذا أطلق شمل الإسلام، ففي هذا الحديث بيان أن الإسلام أساس لسلامة الناس من صاحبه. وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم)). [3]. لماذا كان الإيمان الحق هو أساس الاستقامة؟ وإنما كان الإيمان الحق، هو أساس الاستقامة؛ لأن المؤمن بالله واليوم الآخر، يَثبت في نفسه حبُّ الله تعالى، فلا يُقَدِّم على حب الله حبَّ أي شيء سواه، والله يحب الطاعة والاستقامة التي هي في اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما قال تعالى: { قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ}. [آل عمران: 31]. ولأن المؤمن يخاف الله تعالى خوفاً يجعل في قلبه عليه رقيباً في السر والعلن، فلا يقدم على شيء يسخط الله، والذي يسخط الله هو الاعتداء على حقوقه تعالى وحقوق خلقه، وهو يعلم أن الله يعلم ما يأتي وما يذر، فليس عنده وقت يكون فيه بدون رقيب. كما قال تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (16) إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنْ الْيَمِينِ وَعَنْ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (17) مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ}. [ق:16-18]. وقال تعالى: {قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (29) يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً وَيُحَذِّرُكُمْ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ}. [آل عمران: 29-30]. وقد كان خوف الله مانعاً لابن آدم المقتول، من أن يبسط يده إلى أخيه القاتل، كما أن عدم خوف القاتل ربه كان سبباً في إقدامه على قتل أخيه. كما قال تعالى: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنْ الآخَرِ قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنْ الْمُتَّقِينَ (27) لَئِنْ بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِي إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (28) إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (29) فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنْ الْخَاسِرِينَ}. [المائدة: 27-30]. وفي الحديث: ((سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله)) ومنهم: ((رجل دعته امرأة ذات منصب وجمال إلى نفسها، فقال: إني أخاف الله)) . [4]. وإذا عُلم أن الإيمان الحق هو أساس الاستقامة، فليُعلم أن الكفر أو ضعف الإيمان، هما أساس الانحراف والإجرام. فما حارب الأنبياءَ إلا الكفارُ وإخوانهم المنافقون ـ وهم أشد كفراً ـ وكان آخر الأنبياء الذين حوربوا من قبل الكفار، هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما قال تعالى: { وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ}. [الأنفال:30]. وقال تعالى عن زعيم المنافقين في عهده ـ ابن أبي ـ: {هُمْ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ (7) يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ}. [المنافقون: 7-8]. ودلَّت السنَّة النبوية على أن المنحرف لا ينحرف إلا إذا فقد الإيمان الحق، كأن يكون كافراً أو منافقاً أو ضعيف الإيمان، روى أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشرب وهو مؤمن ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن)). [5]. فأساس الاستقامة عند الله وعند رسوله: الإيمان، وأساس الانحراف والإجرام هو الكفر أو ضعف الإيمان، وإذا عُلم ذلك فإن الواجب على كل المؤسسات: الأسرة والمدرسة والمجتمع والدولة والمسجد وغيرها، أن يكون أساس مناهج تعليمها وتربيتها، هو غرس الإيمان في النفوس ومحبة الله وخشيته، وما تفرع عن ذلك. وأي أساس آخر غير ذلك، لا يحقق لها ما تريد من الاستقامة والعمل الصالح، والبعد عن الكفر والفسوق والعصيان والانحراف. وإن الأمة الإسلامية إذا أرادت أن يكون مجتمعها مجتمعاً مستقيماً سليماً من الانحراف، فعليها أن تغرس الإيمان في نفوس أبنائها وتقويه على منهج الله تعالى، في كتابه وسنَّة رسوله صلى الله عليه وسلم، ليكون حاكمها قدوة لمحكومها في الصلاح والخير، ويكون المحكوم عند حُسن ظن حاكمه من الصلاح والخير. ومن كان عنده شك في هذه القاعدة، وهي أن الإيمان الحق هو أساس الاستقامة، والكفر أو ضعف الإيمان هما أساس الانحراف، فليعد إلى تاريخ المسلمين في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وما تلاه من القرون المفضلة، ليطلع على صفات ذاك المجتمع وما كان ينعم به من تقوى وعدل واستقامة، وكيف كان الانحراف شاذاً يرفضه المجتمع كله إذا وجد من بعض أفراده. ثم ليتدرج في تصفح التاريخ، فسيجد أنه كلما ابتعد الناس عن القرون المفضلة، زاد بعدهم عن الدين والإيمان، وكلما زاد بعدهم عن الإيمان، زاد فيهم الظلم والانحراف والإجرام، حتى بلغ أقصاه في هذا العصر الذي تراكمت فيه ظلمات الإجرام والانحراف بعضها فوق بعض. وإذا كان هناك من عنده شك في التاريخ الماضي ـ ولا يشك فيه عاقل، حتى الكفار من أعداء الإسلام تيقنوا ذلك ـ إذا كان هناك من عنده شك في التاريخ الماضي، فإنا نحيله إلى واقع ملموس وجد في هذا العصر الذي عم فيه الإجرام كل الأرض، ومنها الجزيرة العربية، حتى جاء الملك عبد العزيز رحمه الله، فأقام دولته في الجزيرة العربية على أساس الإيمان وطبق مقتضاه في العبادة والشريعة والسلوك، وإذا البلد الجاهلُ أهلُه الذي عمَّ فيه الفسق والظلم والإجرام، يصبح أكثر بلاد العالم أمناً واطمئناناً، لتطبيق ما شرعه الله للجزاء على الجريمة والوقاية منها، وأصبح القريب والبعيد يضرب به المثل قي ذلك. البلد المترامي الأطراف الذي لا تضاهي قوتُه المادية تلك القوى العظمى ولا تقرب منها، يجوب فيه الإنسان من أقصاه إلى أقصاه أعزل فرداً، يبيت حيث يشاء، ويقيل حيث يريد، فلا يجد ما يخيفه أو يطمع فيما عنده. وإني ـ هنا ـ أنقل مقطعاً فيه طول لأحد رجال القانون المعاصرين، ولكنه آمن بشريعة الله التي أثبتت التجربة أنه لا استقامة للبشر بدونها، وهو الأستاذ عبد القادر عودة، رحمه الله. قال: "فأما التجربة الكلية فقد بُدىء بها في مملكة الحجاز من حوالي عشرين عاماً، حيث طبقت الشريعة الإسلامية تطبيقاً تاماً، ونجحت نجاحاً منقطع النظير في القضاء على الإجرام وحفظ الأمن والنظام، ولا يزال الناس يذكرون كيف كان الأمن مختلاً في الحجاز، بل كيف كان الحجاز مضرب الأمثال في كثرة الجرائم وشناعة الإجرام، فقد كان المسافر فيه كالمقيم، لا يأمن على ماله، ولا على نفسه، في بدو أو حضر في نهار أو ليل، وكانت الدول ترسل مع رعاياها الحجاج قوات مسلحة، لتأمين سلامتهم ورد الاعتداء عنهم. وما كانت هذه القوات الخاصة، ولا القوات الحجازية بقادرة على إعادة الأمن وكبح جماح العصابات ومنعها من سلب الحجاج أو الرعايا الحجازيين وخطفهم والتمثيل بهم، وظل حماة الأمن في الحجاز عاجزين عن حماية الجمهور، حتى طبقت الشريعة الإسلامية فانقلبت الحال بين يوم وليلة، وساد الأمن بلاد الحجاز وانتشرت الطمأنينة بين المقيمين والمسافرين، وانتهى عهد الخطف والنهب وقطع الطريق، وأصبحت الجرائم القديمة أخباراً تروى، فلا يكاد يصدقها من لم يعاصرها أو يشهدها. وبعد أن كان الناس يسمعون أبشع أخبار الإجرام عن الحجاز، أصبحوا يسمعون أعجب الأخبار عن استتباب الأمن والنظام، فهذا يَفقِد كيسَ نقوده في الطريق العام، فلا يكاد يذهب إلى دار الشرطة ليبلغ، حتى يجد كيسه كما فقد منه معروضاً للتعرف عليه، وهذا يترك عصاه في الطريق فتنقطع حركة المرور، حتى تأتي الشرطة لرفع العصا من مكانها، وهذا يفقد أمتعته وييأس من ردها ولا يبلغ عنها، ولكنه يجد الشرطة يبحثون عنه، ليردوا إليه ما فقد منه، وبعد أن كان الأمن يعجز عن حفظه قوات عسكرية عظيمة من الداخل، وقوات عسكرية كبيرة من الخارج، أصبح الأمن محفوظاً بحفنة من الشرطة المحليين". [التشريع الجنائي الإسلامي (1/712ـ813، 740) هذا الكلام قاله الأستاذ عبد القادر قبل أكثر من نصف قرن من الزمن، لأن عبد الناصر قتله سنة 1954م، وكان قد أتم كتابه المذكور http://www.jimsyr.com/01ikhwansyria/oodah.htm]. ولا زالت المملكة العربية السعودية ـ في الجملة ـ إلى الآن هي الرائدة في الأمن وحفظ النظام، على الرغم من تغير الأحوال، من حيث كثرة الوافدين وتيسر المواصلات، التي تمكن أهلها من الانتقال إلى البلدان الأجنبية وتطور أجهزة الإعلام، وما تجلب معها من شرور. وإنا لنرجو الله بكل إخلاص، وندعوه من أعماق القلوب، أن يوفق الله أولياء أمور هذه البلاد لحفظ دين الله وإعلاء رايته بالحرص المستمر على تربية أجيال هذا البلد على حقائق دينهم، ومحاربة كل ما يؤثر عليه، وقمع من يحاول إضعاف الدين من حاسدي هذه البلاد من الكافرين والمنافقين في داخل البلاد وخارجها، والله وحده المستعان.
1 - البخاري (7/78) ومسلم (1/68)
2 - البخاري (1/8)
3 - الترمذي (5/17) وقال هذا حديث حسن صحيح
4 - صحيح البخاري (3/37،38) وصحيح مسلم (2/715)
5 - البخاري (8/13) ومسلم (1/76)
6 - التشريع الجنائي الإسلامي (1/712ـ813، 740) هذا الكلام قاله الأستاذ عبد القادر قبل أكثر من نصف قرن من الزمن، لأن عبد الناصر قتله سنة 1954م، وكان قد أتم كتابه المذكور http://www.jimsyr.com/01ikhwansyria/oodah.htm



السابق

الفهرس

التالي


12301362

عداد الصفحات العام

3426

عداد الصفحات اليومي

جقوق الطبع محفولموقع الروضة الإسلامي 1446هـ - 2025م