[
الصفحة الرئيسية
] [
حول الموقع
] [
تعريف بصاحب الموقع
]
﴿۞ یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ لَا تَتَّخِذُوا۟ ٱلۡیَهُودَ وَٱلنَّصَـٰرَىٰۤ أَوۡلِیَاۤءَۘ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِیَاۤءُ بَعۡضࣲۚ وَمَن یَتَوَلَّهُم مِّنكُمۡ فَإِنَّهُۥ مِنۡهُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا یَهۡدِی ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّـٰلِمِینَ ٥١ فَتَرَى ٱلَّذِینَ فِی قُلُوبِهِم مَّرَضࣱ یُسَـٰرِعُونَ فِیهِمۡ یَقُولُونَ نَخۡشَىٰۤ أَن تُصِیبَنَا دَاۤىِٕرَةࣱۚ فَعَسَى ٱللَّهُ أَن یَأۡتِیَ بِٱلۡفَتۡحِ أَوۡ أَمۡرࣲ مِّنۡ عِندِهِۦ فَیُصۡبِحُوا۟ عَلَىٰ مَاۤ أَسَرُّوا۟ فِیۤ أَنفُسِهِمۡ نَـٰدِمِینَ ٥٢ وَیَقُولُ ٱلَّذِینَ ءَامَنُوۤا۟ أَهَـٰۤؤُلَاۤءِ ٱلَّذِینَ أَقۡسَمُوا۟ بِٱللَّهِ جَهۡدَ أَیۡمَـٰنِهِمۡ إِنَّهُمۡ لَمَعَكُمۡۚ حَبِطَتۡ أَعۡمَـٰلُهُمۡ فَأَصۡبَحُوا۟ خَـٰسِرِینَ ٥٣﴾ [المائدة ٥١-٥٣]
(67) سافر معي في المشارق والمغارب
::
66- سافر معي في المشارق والمغارب
::
(34) دور المسجد في تربية الأحداث ووقايتهم من الانحراف
::
(033) دور المسجد في تربية الأحداث ووقايتهم من الانحراف.
::
(067) سافر معي في المشارق والمغارب
::
(066) سافر معي في المشارق والمغارب
::
(031) دور المسجد في تربية الأحداث ووقايتهم من الانحراف
::
(065) سافر معي في المشارق والمغارب
::
(030) دور المسجد في التربية وعلاج انحراف الأحداث
::
::
::
::
::
::
::
::
::
::
جملة البحث
جميع محتويات الموقع
المقالات العامة
مقالات الحدث
الجهاد في فلسطين
2 أثر التربية الإسلامية في أمن المجتمع المسلم
المقالات العامة
الإيمان هو الأساس
غيث الديمة الجزء الأول
غيث الديمة الجزء الثاني
حوارات مع أوربيين مسلمين
حوارات مع أوربيين غير مسلمين
الحدود و السلطان
حكم زواج المسلم بالكتابية
رحلة هونج كونج
جوهرة الإسلام
كتاب الجهاد
المسئولية في الإسلام
دور المسجد في التربية
كتاب سبب الجريمة
كتاب الشورى في الإسلام
كتاب السباق إلى العقول
الإيمان إصطلاحاً و أثره سلوكاً
كتاب طل الربوة
كتاب الوقاية من المسكرات
الكفاءة الإدارية
معارج الصعود إلى تفسير سورة هود
مقدمة سلسلة في المشارق و المغارب
المجلد الأول : رحلات الولايات المتحدة الأمريكية
المجلد الثاني : رحلات المملكة المتحدة (بريطانيا) و آيرلندا
المجلد الثالث : رحلات اليابان وكوريا وهونغ كونغ
المجلد الرابع:رحلات إندونيسيا الجزء الأول 1400هـ ـ 1980م
المجلد الخامس : الرحلة إلى إندونيسيا الجزء الثاني 1410هـ ـ 1990م
المجلد السادس : رحلات إندونيسيا الجزء الثالث 1419هـ ـ 1989م
المجلد السابع : رحلات أستراليا و نيوزيلاندا و سريلانكا
المجلد الثامن : رحلات كندا و إسبانيا
المجلد التاسع : رحلات سويسرا و ألمانيا و النمسا
المجلد العاشر : رحلات بلجيكا و هولندا و الدنمارك
المجلد الحادي عشر:رحلات السويد و فنلندا و النرويج
المجلد الثاني عشر : رحلات فرنسا و البرتغال و إيطاليا
المجلد الثالث عشر : رحلات سنغافورة و بروناي و تايوان
المجلد الرابع عشر : رحلات باكستان و الهند
المجلد الخامس عشر : رحلات تايلاند (بانكوك)
المجلد السادس عشر : الرحلة إلى ماليزيا
المجلد السابع عشر : رحلات الفلبين
المجلد الثامن عشر : رحلة كينيا
الفهرس
المبحث الرابع: وسائل حب الصغار للمسجد.
إذا أراد المسلمون أن يتربى أبناؤهم في المسجد تربية صالحة، وأن يغرس في نفوسهم الإيمان الذي يقيهم الانحراف، وإذا أرادوا أن يعالجوا انحراف مَن انحرف منهم في المسجد، إذا أرادوا ذلك، فلا بد أن يُوجِدوا الوسائل الشرعية التي تحبب إليهم المساجد، وتجعلهم يرتادونها، وأصول تلك الوسائل المشروعة مدونة في كتب السنة وكتب التاريخ، فما على المسلمين إلا أن يبحثوا عنها ويطبقوها في المساجد، بما يناسب العصر الذي يعيشون فيه، وبالوسائل المباحة المشابهة لتلك الوسائل التي وجدت في عهد الرسول، صلى الله عليه وسلم. وأذكر ـ هنا ـ ما تيسر من تلك الوسائل باختصار، تاركاً للباحثين والمهتمين بهذا الأمر التفصيل والتطبيق: الوسيلة الأولى: أن يرى الصغير إجابة المجتمع نداء المؤذن سريعة ومستمرة، بحيث يشاهد أباه وإخوانه الكبار، وأفراد أسرته، يستعدون للمسجد بالوضوء ولبس ثيابهم قبل الأذان، فإذا بدأ المؤذن في أذانه، انطلق هؤلاء فوراً إلى المسجد، إن هذا المنظر عندما يتكرر على عين الصغير يؤثر فيه تأثيراً قوياً، حتى إنه إذا رأى والده أو أحد إخوانه الكبار يتأخر عن القيام إلى المسجد نبهه، بأن يقول له: أذَّن، فإذا أصبح قادراً على المشي تعلق بأبيه، ليخرج معه لرؤية ما يحدث في المسجد، وهكذا حتى يصبح ذلك عادة عنده من صغره.. بخلاف ما إذا رأى بَلادَةً في أفراد الأسرة، يسمعون صوت المؤذن فلا يتحركون، فإنه هو يألف صوت المؤذن ولا يتحرك له، وهكذا عندما يكون في المدرسة، أو الروضة أو السوق، أو أي مكان في المجتمع، كالمكاتب الحكومية، إذا رأى الناس يسارعون لإجابة النداء، تأثر بذلك المنظر، وإن رآهم لا يبالون، تأثر بعدم المبالاة. وإن هذا المعنى ليرى واضحاً في قول الله سبحانه وتعالى:
{فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ (36) رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ}
. [النور: 36-37]. فالمجتمع الإسلامي لا يؤخره أي شيء من أمور الدنيا، عن إجابة الداعي إلى الصلاة والفلاح، وهو بذلك يكون مجتمعاً إسلامياً يقتفي صغارُه كبارَه. وكذلك قوله تعالى:
{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ}
. [الجمعة:9]. وإذا كان هذا الأمر بترك البيع والشراء والتجارة، فما بالنا بما يلهي الكبار والصغار، من وسائل اللهو المحرمة المفسدة للأمة في وسائل الإعلام وغيرها، أليس ذلك أوجب في الترك؟! الوسيلة الثانية: أن يسمع الصغير من أبيه وأفراد أسرته، وبخاصة أمه، فضائل المساجد، والثناء على المصلين فيها، وما أعد الله لهم من الثواب وذم المتخلفين عن صلاة الجماعة، وأنهم عرضة للنفاق، فإنه إذا سمع ذلك، مع ما يرى من الإسراع إلى المسجد من أسرته وجيرانه ومجتمعه كله، أحب المسجد وأحب المترددين إليه، وكره ما يشغل عن الصلاة، كما يكره المتخلفين عن الصلاة. الوسيلة الثالثة: أن يصطحبه كبار أسرته معهم إلى المسجد، كأبيه وأمه وإخوانه الكبار، حتى يألف المصلين، ولا يستوحش منهم ومن كثرتهم غير المعتادة في منزله، وإذا كان بعض أفراد الأسرة يحضر حلقات علمية في المسجد، أمكنه أن يحضره معه كذلك، لترتسم في ذهنه حلقات المسجد فيرغب في حضورها. الوسيلة الرابعة: أن يعامله أهله، وإمام المسجد، والمؤذن والعاملون في المسجد، والمصلون معاملة حسنة ويلاطفوه، ولا يغلظوا له القول، أو يصوبوا أنظارهم إليه، إذا أنكروا شيئاً من تصرفاته في المسجد، فإن ملاطفته والتبسم في وجهه واللين معه، يجعله يألف المصلين ويحب أن يتردد معهم إلى المسجد، بخلاف ما إذا عاملوه بعنف، فإنه يحب أن يلجأ إلى منزله الذي وجد فيه حرية أكثر، ولا يرغب في حضور المسجد الذي تطارده فيه النظرات، وتقذفه فيه الألسن، كما يفعل بعض الناس في معاملة الطفل إذا تحرك في المسجد. وإن في معاملة الرسول صلى الله عليه وسلم لأُمامة، والحسن والحسين، وتخفيفه الصلاة من أجل بكاء الصبيان، لقدوة حسنة للمسلمين في معاملة الأطفال في المسجد، لا بل إن في معاملة رسول الله صلى الله عليه وسلم للكبار الذين تصرفوا تصرفات غير لائقة بالمسجد، ورؤية صغار الصحابة تلك المعاملة اللطيفة، لدروساً للمسلمين في معاملة الصغار.. وهذا أنس بن مالك، رضي الله عنه يروي مشهداً عجيباً ـ وكان أنس صغيراً ـ قال: "بينما نحن في المسجد مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم إذ جاءه أعرابي، فقام يبول في المسجد، فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: مَهْ مه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((
لا تزرموه، دعوه
)) فتركوه حتى بال، ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم دعاه، فقال له: ((
إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول والقذر، إنما هي لذكر الله والصلاة وقراءة القرآن
)) قال: "وأمر رجلاً من القوم، فجاء بدلو من ماء، فشنه عليه".
[
1
]
. وهذا الرجل هو الذي صلى ركعتين في المسجد عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: اللهم ارحمني ومحمداً، ولا ترحم معنا أحداً، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((
لقد حجرت واسعاً
)).
[
2
]
. إن المساجد في حاجة إلى أئمة من هذا الصنف الذي يقتدي بالرسول صلى الله عليه وسلم، فيأمر بالمعروف وينهي عن المنكر بلطف، ولا يعنف أحداً، وبخاصة الصغار الذين ينفرون من التعنيف غاية النفور. وإن الصغير الذي يرى هذه المعاملة الحسنة في المسجد، لِرجل أتى فيه بما تتقزز منه النفوس، ليتأثر بذلك هو وأترابه أيما تأثر. ومن المعاملة الحسنة التي يتأثر بها الناس من إمام المسجد، وبخاصة الصغار، هو أن يكون الإمام خفيف الروح طلق الوجه، يمازح الصغار والكبار في خارج المسجد، المزاح الحق المباح، ليجلب قلوبهم إليه فيحبونه. بخلاف الرجل العبوس الذي لا ترى أسنانه، إلا إذا كشر في وجوه الناس مخاصماً مغاضباً، فإن الناس لا يرغبون في مقابلته، لا في المسجد ولا في خارجه، ولقد ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم القدوة الحسنة في ذلك مع هيبته واحترامه، وهذا أنس بن مالك رضي الله عنه خادمه الصغير، يروي عنه شيئاً من ممازحاته اللطيفة معه ومع غيره. فقد روى أن امرأة أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسول الله احملنا على بعير، فقال صلى الله عليه وسلم: ((
أحملكم على ولد الناقة
)) قالت: وما نصنع بولد الناقة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((
وهل تلد الإبل إلا النوق
)).
[
3
]
. وروى أنس أيضاً، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: ((
يا ذا الأذنين، يمازحه
)).
[
4
]
. وروى أيضاً أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أحسن الناس خلقاً، وكان لي أخ، يقال له أبو عمير ـ وهو فطيم ـ كان إذا جاءنا قال: ((
يا أبا عمير ما فعل النغير
)) لنغير كان يلعب به، وربما حضرت الصلاة، وهو في بيتنا، فيأمر بالبساط الذي تحته فيكنس ثم ينضح، ثم يقوم ونقوم خلفه، فيصلي بنا.
[
5
]
. الوسيلة الخامسة: أن يحمل ولى الصغير صغيرَه، على الصلاة إذا ميز، فيأمره بها أمراً ويحثه عليها حثاً، ويحضره معه إلى المسجد إذا بلغ السابعة من عمره، ليتعود ذلك قبل البلوغ بوقت مبكر، فيستمر معه في الأمر ثلاث سنوات، والغالب أنه إذا واظب على أمره هذه المدة، يستجيب ويألف حضور الصلاة في المسجد، ولكن حضور الطفل في هذا العمر غير واجب عليه، فلا يرغمه على ذلك في كل الأوقات بل يرغبه ويحبب ذلك إليه. فإذا بلغ عشر سنوات ولم يستجب للأمر، فإنه عندئذ يؤدبه بالضرب الذي لا يقصد به كسر العظم ولا شق الجلد، وإنما هو ضرب خفيف للتخويف، وليس معنى هذا أن الصلاة أصبحت واجبة على الصغير قبل بلوغه، فقد ورد ما يدل على عدم وجوب شيء عليه من العبادة حتى يبلغ. كما في حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((
رفع القلم عن ثلاثة، عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يعقل
)).
[
6
]
. وإنما الواجب على ولي أمره أن يمرنه ويؤدبه، ليؤدي الصلاة في وقت مبكر، حتى إذا بلغ يكون قد ألف أداءها، فلا يفوته شيء منها بعد بلوغه، ولهذا ورد الأمر بذلك كما في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((
مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر، وفرقوا بينهم في المضاجع
)).
[
7
]
. الوسيلة السادسة: أن يُعنى بالصغير في خارج المسجد، فيمرن على أداء بعض النوافل في المنزل، لما في ذلك من تقوية عزيمته، ولكن لا يُكره على ذلك، وإنما يشجع، كما روى ابن عباس، وهو من صغار الصحابة رضي الله عنهم، قال: "بت عند خالتي ميمونة، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل، فقمت عن يساره، فأخذ بذؤابتي فجعلني عن يمينه.
[
8
]
. فظاهر الحديث أن أنساً قام يصلي بنفسه ولم يأمره الرسول صلى الله عليه وسلم، بذلك وإنما أقره وشجعه. وروى أنس ـ أيضاً ـ رضي الله عنه قال: "صليت أنا ويتيم في بيتنا خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأم سليم خلفنا".
[
9
]
. وهذا فيه مشروعية تمرين الآباء أبناءهم على قيام الليل معهم، بلا تضييق عليهم ولا حرج. الوسيلة السابعة: أن يُعنى بالصغير فيُمرن على بقية العبادات غير الصلاة، ليشعر بحلاوة العبادات كلها؛ لأن إقباله على جملة من العبادات يقيه من الانحراف مع المنحرفين، كالحج والصوم، فقد روى ابن عباس رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم لقي ركباً بالروحاء فقال: ((
من القوم؟
)) قالوا: المسلمون. فقالوا: من أنت؟ قال: ((
رسول الله
)). فرفعت إليه امرأة صبياً، فقالت: ألهذا حج؟ قال: ((
نعم ولكِ أجر
)).
[
10
]
. وفي حديث الرُّبَيِّع بنت معوذ، رضي الله عنها، قالت: "أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم غداة عاشوراء إلى قرى الأنصار: ((
من أصبح مفطراً فليتم بقية يومه، ومن أصبح صائماً فليصم
)) قالت: فكنا نصومُه ونُصُوِّم صبياننا، ونجعل لهم اللعبة من العهن، فإذا بكى أحدهم على الطعام، أعطيناه ذاك، حتى يكون عند الإفطار".
[
11
]
. ومعلوم أن الصبي يتعود على ما تعوده عليه أسرته، وبخاصة أمَّه وأباه، ومن يكبره من إخوانه. الوسيلة الثامنة: أن يجد الصغير ما يشبع رغباته الروحية والعقلية والجسمية في المسجد، كما كان الحال في العصور المفضلة. أما رغباته الروحية: فيحققها ذكر الله، وتلاوة القرآن وإقام الصلاة وسماع الخطب والمواعظ، ونحوها. وأما رغباته العقلية: فيحققها التعلم في حلقات المسجد، بحيث يتدرج في تعليمه بحسب قدرته العقلية، حتى يتقن في صغره مبادئ العلوم ومفاتيحها، ولا يزال يترقى على أيدي علماء ذوى أساليب جذابة متخصصين في تلك العلوم، حتى يصبح فيما بعد معلماً في نفس المسجد. وأما رغباته الجسمية: فإنها تتحقق بالفروسية، من ركوب الخيل والدراجات العادية والنارية، ثم السيارات، وكذا التعليم على الرماية الممكنة، والسباق على الأقدام والمصارعة، وغيرها مما يفيد من التمارين الرياضية. وقد يقول قائل: إنك تريد أن تحول المسجد من مكان للعبادة، إلى ميدان للألعاب الرياضية، ومن مكان هادئ يؤدي فيه المصلون عبادتهم بدون تشويش، إلى مكان للصخب والتشويش. وللجواب على هذا أقول: إنه لا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها، وإن ما شرعه الله ورسوله، هو مشروع في حقنا، وهو العلاج الناجح للمشكلات التي يعاني منها المسلمون، وهذا هو السبب الذي جعلني أفصِّل بعض التفصيل في وظائف المسجد فيما مضى مع ذكر الأدلة، حتى لا يقال: هذا خروج بالمسجد عن وظائفه. ومع ذلك أزيد هنا شيئاً من التفصيل: إن كون المسجد مكاناً للعبادة أمر لا ينازع فيه، وإن كونه مكاناً للعلم الشرعي، أمر لا ينازع فيه إلا جاهل أو مغرض، لكن قد يقال: إن الطلاب في هذا العصر قد كثروا والمساجد لا تتسع لهم وللمصلين، وقد تعددت مراحل الدراسة حتى أصبحت سبع مراحل من مرحلة الروضة الابتدائية إلى آخر الدراسات العليا "الدكتوراه" وفي كل مرحلة عدد كبير من الطلاب. وأقول: إن هذا الإشكال يورده من لم يفكر في إمكان حله، وحله ميسور جداً، وذلك أن يبني المسجد بمرافق المدرسة المراد إنشاؤها في الحي، بحيث تخصص له أرض واسعة، وتقام بجانبه الفصول الدراسية والمكاتب الإدارية، ودورات المياه، وميادين التدريب الفروسي. ويكون مدير المدرسة هو إمام المسجد، ووكيله في المدرسة نائبه في المسجد، ويكون المسؤول عن حضور الطلبة وغيابهم، وهو ما يسمى بالمراقب مؤذن المسجد، والمسؤول عن توعية الطلبة وحثهم على حضور صلاة الجماعة في المسجد، ويكون العاملون في المدرسة من المنظفين وغيرهم، هم العاملين في المسجد أيضاً، ويقوم المدرسون في الفصول الدراسية، بالمحاضرات المناسبة في المسجد للطلبة ويقومون بتدريس الطلاب الضعفاء في دروس إضافية في المسجد في الأوقات المناسبة. والمدربون الذين يشرفون على تدريب الطلاب في الميادين، يكونون من ذوي الدين والخلق والدعوة إلى الله، فيدربون الطلاب على الفروسية، من ركوب خيل ودراجات وسيارات ورماية ومصارعة وسباق على الأقدام، وإذا جاء وقت الصلاة انطلقوا بهم إلى المسجد ليصلوا جماعة فيه. وهكذا جميع المدارس يمكن أن ترافق المسجد، وتتعاون معه على تربية الطلاب، وتسمى المدرسة باسم مسجد الحي الذي أنشئت معه، وهذا يشمل كل المراحل الدراسية من الروضة إلى الكليات والدراسات العليا. وينبغي أن يُلحق بالمساجد بعض المرافق التي يحتاج إليها المجتمع، كالمستوصفات، ويسمى كل مستوصف بمستوصف المسجد، وتكون على مستوى عال من الخدمة الطبية، بها أطباء متخصصون للأطفال، وفي الأمراض المنتشرة في البلد وصيدلية مجانية، أو بثمن رخيص إن كان في دولة لا تستطيع صرفه مجاناً. ويلحق به دار للضيافة (رباط) تجهز بالأثاث الممكن، ومطعم يستقبل الناس في أوقات الوجبات الرئيسة، يبيع بالسعر المناسب والذي لا يوجد عنده ما يشتري به الطعام، يخصص له وقف تابع للمسجد، كالدكاكين والعمارات السكنية التي تؤجر، وينفق على المحتاجين منها.
[
12
]
. الوسيلة التاسعة: أن يتعاون أهل كل مسجد على تزويج الشباب من الذكور والإناث، ويكون هذا التعاون بسلوك سبيلين: الأولى: أن يخبر آباءُ البنات الصالحات للزواج إمامَ المسجد بذلك، وتكون عنده قائمة خاصة، لا يطلع عليها غيره باسم البنت، وعمرها وثقافتها، ووصف مجمل لها، وحالة أسرتها الاجتماعية، ويخبر آباءُ البنين الإمامَ أيضاً بأبنائهم، مع المعلومات التي لا بد منها، والإمام يسعى إلى تزويج كل شاب بمن تناسبه من الشابات، بعد التشاور مع أسرة كل منهما. الثانية: أن يشترك أعضاء المسجد في إيجاد صندوق للزواج، ليُعان منه المحتاج، إما قرضاً مقسطاً، وإما تبرعاً، ليتمكن من الزواج الذي هو من أهم أسباب علاج الانحراف، بل الوقاية منه قبل أن يقع. وقد روى ابن مسعود رضي الله عنه، قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: ((
من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء
)).
[
13
]
. إن الأحداث عندما يرون المسجد يُعنىَ بهم، في كل جانب من جوانب حياتهم، ولا سيما هذا الجانب الخطير الذي يقع الانحراف بسببه عند كثير من الأحداث، إنهم عندما يرون ذلك سيكون للمسجد عندهم منزلة عالية جداً. ولا ينبغي أن يحجم الآباء ـ سواء آباء البنين أم آباء البنات ـ عن مثل هذا المرفق خجلاً من العادات السائدة عند كثير من الناس اليوم، فإن الحق أحق أن يُتبع، والمصلحة العامة أولى من العادات التي لم تَجُرَّ وراءها إلا الوبال، وأي الأمرين خير، هذا الأمر الذي يوصل إلى ما يرضي الله، أم ترك الشباب يتصرف على حسب هواه وإمكاناته الخفية التي أصبحت تقلق الغيورين في العالم الإسلامي؟! هذا مع العلم أن لهذا الأمر أصلاً، وهو تزويج رسول الله صلى الله عليه وسلم من وهبت نفسها له فلم يرغب فيها، فإنه زوجها لبعض أصحابه وهو ـ وإن كان ولى أمر المسلمين العام ـ فهو إمام مسجدهم أيضاً. روى سعد بن سهل الساعدي، رضي الله عنه، قال: "جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسول الله جئت أهب نفسي لك، فنظر إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصعد النظر فيها وصوبه، ثم طأطأ رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه، فلما رأت المرأة أنه لم يقض فيها شيئاً جلست. فقام رجل من أصحابه، فقال: يا رسول الله إن لم يكن لك بها حاجة فزوجنيها. فقال: ((
فهل عندك من شيء؟
)). فقال: لا والله يا رسول الله. فقال: ((
اذهب إلى أهلك فانظر هل تجد شيئاً؟
)). فذهب ثم رجع، فقال: لا والله ما وجدت شيئاً. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((
انظر ولو خاتماً من حديد
)). فذهب ثم رجع، فقال: لا والله يا رسول الله، ولا خاتماً من حديد، ولكن هذا إزاري.. فلها نصفه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((
ما تصنع بإزارك، إن لبسته لم يكن عليها منه شيء، وإن لبسته لم يكن عليك منه شيء
)). فجلس الرجل حتى إذا طال مجلسه قام، فرآه رسول الله صلى الله عليه وسلم مولياً، فأمر به فدعي فلما جاء قال: ((
ماذا معك من القرآن؟
)). قال: معي سورة كذا، وسورة كذا ـ عددها ـ. قال: ((
تقرؤهن عن ظهر قلبك؟
)). قال: نعم. قال: ((
اذهب فقد ملكتكها بما معك من القرآن
)).
[
14
]
. فإذا جاز للمرأة أن تعرض نفسها لمن ترغب في الزواج منه، فإن عرض ولى أمرها أولى. ولقد عرض عمر بن الخطاب بنته حفصة، حين توفي زوجها، على كلٍّ من أبي بكر وعثمان رضي الله عنهم، فلم يجيباه على عرضه، لعلمهما بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان يريدها، كما روى ذلك عبد الله بن عمر، رضي الله عنهما، قال: "إن عمر بن الخطاب حين تأيمت حفصة بنت عمر من خنيس بن حذافة السهمي، وكان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، قد شهد بدراً توفي بالمدينة، قال عمر: فلقيت عثمان بن عفان فعرضت عليه حفصة، فقلت: إن شئت أنكحتك حفصة بنت عمر، قال سأنظر في أمري، فلبثت ليالي، فقال: قد بدا لي أن لا أتزوج يومي هذا. قال عمر: فلقيت أبا بكر، فقلت: إن شئت أنكحتك حفصة بنت عمر. فصَمَتَ أبو بكر فلم يرجع إليَّ شيئاً، فكنت عليه أوجَدَ مني على عثمان. فلبثت ليالي، ثم خطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنكحتها إياه، فلقيني أبو بكر، فقال: لعلك وجدت عليَّ حين عرضت عليَّ حفصة فلم أرجع إليك؟ قلت: نعم. قال: فإنه لم يمنعني أن أرجع إليك فيما عرضت، إلا أني قد علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ذكرها، فلم أكن لأفشي سر رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو تركها لقبلتها". وقد أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بعقد النكاح في المساجد وفي ذلك إشارة إلى صلة الزواج بالمسجد.
[
15
]
. الوسيلة العاشرة: أن تعقد في المسجد ندوات لشعراء المسلمين، الذين سَخَّروا شعرهم للدعوة إلى الله والذب عن دينه، لحض الشباب على العبادة وحَسَنِ الأخلاق، ولتحميسه ودفعه إلى الجهاد في سبيل الله، وأن تنظم الأناشيد الخفيفة ذات المعاني الجميلة، التي تتضمن حب الله ورسوله وحب دين الإسلام وعباد الله الصالحين، وتلقن للصغار حتى يحفظوها ثم ينشدوها في المسجد أمام زملائهم. إن الأناشيد من أهم المرغبات للأحداث لحضور المكان الذي تنشد فيه. وإنشاد الشعر الذي فيه دعوة إلى الله، أو المباح الذي لا يتعارض مع الآداب الإسلامية، مأذون فيه شرعاً في المسجد وخارج المسجد. وقد تشدَّدَ من يجهلون أو يتجاهلون هذه المشروعية في هذا العصر، أو اجتهدوا في ذلك اجتهاداً مخالفاً لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكرهوا إنشاد الشعر في خارج المسجد فما بالك بالمسجد؟ ولكن جهل الجاهل أو اجتهاد المخطئ، لا يجوز أن يغير من شرع الله شيئاً. أدلة مشروعية إنشاد الشعر في المساجد: والأدلة على جواز إنشاد الشعر في المسجد وخارجه، صحيحة وصريحة، وها أنا أسوق شيئاً منها. فقد مدح الرسول صلى الله عليه وسلم الشعر، كما روى أُبي بن كعب رضي الله عنه، قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((
إن من الشعر حكمة
)).
[
16
]
. دلَّ هذا الحديث على أن من الشعر ما هو ممدوح؛ لأن الحكمة صفة مدح، والله تعالى يقول:
{ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً}
. [البقرة:269]. وقد كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم، حادٍ حسُن الصوت يحدو له في أسفاره، يقال له أنجشة، وقال له ذات مرة: ((
ويحك يا أنجشة رويدك سوقك بالقوارير
)).
[
17
]
. وارتجز هو صلى الله عليه وسلم عندما أصيبت إحدى أصابعه بسبب عثوره من إصابة حجر، فقال:
[
18
]
وكان في بعض أسفاره يطلب من رفيقه أن ينشده شيئاً من أشعار الجاهليين الذين يوافق شعرهم الإسلام، روى الشريد بن سويد الثقفي رضي الله عنه، قال: "ردفت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً، فقال: ((
هل معك من شعر أمية بن أبي الصلت شيء؟
)) قلت: نعم. قال: ((
هيه
)) فأنشدته بيتاً، فقال: ((
هيه
)) ثم أنشدته بيتاً، فقال: ((
هيه
)) حتى أنشدته مائة بيت. وفي رواية: أنه قال صلى الله عليه وسلم: ((
فلقد كاد يُسلم في شعره
)).
[
19
]
. وهذا جابر بن سمرة رضي الله عنه، وهو من صغار الصحابة، يقول: "شهدت النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من مائة مرة، في المسجد وأصحابه يتذاكرون الشعر، وأشياء من أمر الجاهلية، فربما تبسم معهم.
[
20
]
. والظاهر، من هذا الحديث أن كثيراً من هذه المجالسة، كان في مسجده صلى الله عليه وسلم، بدليل حديث سماك بن حرب، قال: قلت لجابر بن سمرة: أكنت تجالس رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم، كثيراً، كان لا يقوم من مصلاه الذي يصلي فيه الصبح، حتى تطلع الشمس، فإذا طلعت الشمس قام، وكانوا يتحدثون، فيأخذون في أمر الجاهلية، فيضحكون ويبتسم.
[
21
]
. وكان عبد الله بن رواحه ينشد بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، في عمرة القضاء، فيقول:
فقال له عمر: يا ابن رواحة بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي حرم الله تقول الشعر؟! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((
خل عنه يا عمر، فلهي أسرع فيهم من نضح النبل
)).
[
22
]
. لقد أراد عمر رضي الله عنه، أن يجعل من الأدب أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي حرم الله عدم إنشاد الشعر، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أمره أن يترك الشاعر وما يقول، ليبين له أن الشعر النافع لا ضير أن ينشد في أي مكان، بل قد يكون إنشاده أولى، كما هو الحال أمام أعداء الله. ولعل عمر نسي هذا الدرس من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنكر على حسان بن ثابت إنشاد الشعر في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعاد حسان إلى تذكيره. كما روى أبو هريرة رضي الله عنه: "أن عمر مر بحسان وهو ينشد الشعر في المسجد، فلحظ إليه شزراً، فقال: قد كنت أنشد فيه، وفيه من هو خير منك، ثم التفتَ إلى أبي هريرة، فقال: أنشدك الله أسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((
أجب عني اللهم أيده بروح القدس
)) فقال: اللهم نعم".
[
23
]
. بل روت عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، يضع لحسان منبراً في المسجد، يقوم عليه قائماً يفاخر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو ينافح، ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((
إن الله يؤيد حسان بروح القدس ما نافح أو فاخر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
)).
[
24
]
. أفبعد هذه النصوص الصحيحة الصريحة، يجوز لمتشدد أن يمنع الشعر وإنشاده في المسجد أو في غيره، ما دام لا خروج فيه عن طاعة الله، وفيه مصلحة تحبيب الصغار إلى المسجد، وفي المسجد يعلمون مبادئ الإسلام وقراءة القرآن والسنَّة، وإقام الصلاة والتحلي بمكارم الأخلاق؟ أترون إنشاد الشعر في المسجد الذي يجلب الصغار والأحداث إليه، خير أم تركهم يتسكعون في الشوارع مع زمر المتشردين، أو يقعدون أمام أجهزة التلفاز والفيديو أو في دور السينما الداعية إلى سوء الأخلاق، ينظرون إلى ما يقودهم إلى الانحراف؟ وهل الشعر إلا كلام كالنثر يمدح صالحه ويذم طالحه؟ مع ما في الشعر من إثارة العواطف وتهييج المشاعر؟! ذم الرسول صلى الله عليه وسلم الشعر لا ينافي مشروعيته: ولا يظن ظان أن الباحث نسي أو جهل ذم الله ورسوله للشعر والشعراء، فهو على علم وذكر بذلك، فقد ثبت عن الرسول صلى الله عليه وسلم من حديث أبي هريرة ـ الذي شهد لحسان بالثناء عليه ـ ذم الشعر، فقد روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((
لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحاً حتى يريه ـ أي يصيبه بمرض في رئته ـ خير له من أن يمتليء شعراً
)).
[
25
]
. وروى حكيم بن حزام، رضي الله عنهما، قال: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يُستقاد في المسجد، وأن تنشد فيه الأشعار، وأن تقام فيه الحدود".
[
26
]
. وأقول: إن الذي مدح الشعر وأذن للشعراء في الإنشاد في المسجد وخارجه، هو الذي ذم الشعر ونهى عن إنشاده في المسجد، فأي شعر أذن فيه، وأي شعر نهى عنه وذمه؟! لا بد أن يكون المضمون مختلفاً، فالممدوح هو الذي يقصد به نصر دين الله ولا يخالف شرعه، والمذموم هو الشعر المعارض لدين الله، أو الذي يبالغ فيه حتى يلهي عن ذكره ولو كان مباحاً. وإن القرآن الكريم، لهو الفيصل في هذا الأمر فقد فرق بين ممدوح الشعر ومذمومه، قال تعالى:
{وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمْ الْغَاوُونَ (224) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (225) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ (226) إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً وَانتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ}
. [الشعراء: 224-227]. وقال الإمام الشافعي رحمه الله: "الشعر كلام، فحسنه حسن، وقبيحه قبيح".
[
27
]
. وقال الحافظ ابن حجر، رحمه الله ـ وهو يتكلم على ما يظهر من تعارض بين الأحاديث الناهية عن إنشاد الشعر في المساجد والأحاديث الدالة على جواز إنشاده فيها ـ قال: "فالجمع بينها وبين حديث الباب أن يحمل النهي على تناشد أشعار الجاهلية والمبطلين، والمأذون فيه ما سلم من ذلك".
[
28
]
. وقال ابن عبد البر رحمه الله: " وأما قوله صلى الله عليه وسلم: ((
لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحاً، خير من أن يمتلئ شعراً
)) فأحسن ما قيل في تأويله والله أعلم، أنه الذي قد غلب الشعر عليه، فامتلأ صدره منه دون علم سواه، ولا شيء من الذكر غيره، ممن يخوض به في الباطل ويسلك به مسالك لا تحمد له، كالمكثر من الهذر واللغط والغيبة وقبيح القول، ولا يذكر الله كثيراً، وهذا كله مما اجتمع العلماء على معنى ما قلت منه، ولهذا قلنا فيما روي عن ابن سيرين والشعبي ومن قال بقولهما من العلماء: الشعر كلام فحسنه حسن وقبيحه قبيح، أنه قول صحيح وبالله التوفيق".
[
29
]
. وقال النووي رحمه الله: "قوله: إن حسَّان أنشد الشعر في المسجد، بإذن النبي صلى الله عليه وسلم، فيه جواز إنشاد الشعر في المسجد إذا كان مباحاً، واستحبابه إذا كان في ممادح الإسلام وأهله، أوفي هجاء الكفار والتحريض على قتالهم أو تحقيرهم ونحو ذلك، وهكذا كان شعر حسَّان، وفيه استحباب الدعاء لمن قال شعراً من هذا النوع، وفيه جواز الانتصار من الكفار ويجوز أيضاً من غيرهم بشرطه، وروح القدس جبريل صلى الله عليه وسلم، قوله ينافح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أي يدافع ويناضل".
[
30
]
. وقال القرطبي رحمه الله: "قلت: أما تناشد الأشعار فاختلف في ذلك: فمن مانع مطلقاً، ومن مجيز مطلقاً، والأولى التفصيل وهو أن ينظر إلى الشعر، فإن كان مما يقتضى الثناء على الله عز وجل، أو على رسوله صلى الله عليه وسلم، أو ذب عنهما، كما كان شعر حسَّان، أو يتضمن الحض على الخير والوعظ والزهد في الدنيا والتقلل منها، فهو حسن في المساجد وغيرها.. وما لم يكن كذلك لم يجز؛ لأن الشعر في الغالب لا يخلو عن الفواحش والكذب والتزين بالباطل، ولو سلم من ذلك، فأقل ما فيه اللغو والهذر، والمساجد منزهة عن ذلك، لقوله تعالى:
{ فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ}
.
[
31
]
. وقال الترمذي: "وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث رخصة في إنشاد الشعر في المسجد كحديث جابر بن سمرة".
[تحفة الأحوذي (2/232) قال العراقي في شرحه: "ويجمع بين أحاديث النهي وبين أحاديث الرخصة فيه بوجهين: أحدهما أن يحمل النهي على التنزيه وتحمل الرخصة على بيان الجواز. والثاني أن يحمل أحاديث الرخصة على الشعر الحسن المأذون فيه، كهجاء المشركين ومدح النبي صلى الله عليه وسلم والحث على الزهد ومكارم الأخلاق، ويحمل النهي على التفاخر والهجاء والزور وصفة الخمر ونحو ذلك".
[عون المعبود (3/293)]
ويمكن مراجعة كلام المفسرين على قوله تعالى:
{وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمْ الْغَاوُونَ}
. فتلك نصوص من القرآن والسنة تدل على جواز الإنشاد أو استحبابه في المسجد أو غيره إذا تضمن ما هو خير، وأخرى تدل على ذمه إذا تضمن شراً، وهذه أقوال علماء الأمة من المفسرين والمحدثين والفقهاء تبين التفصيل في إباحة الشعر أو استحبابه، أو تحريمه وكراهته، بحسب مضمونه، مثله مثل النثر حسنه حسن وقبيحه قبيح. فالقول بتحريم الشعر وإنشاده في المسجد مطلقاً، بدعوى احترام المسجد وتنزيهه، مخالف لنصوص السنة الثابتة، وكلام أهل العلم مخالفة واضحة. أما التفصيل في ذلك، والقول بمشروعية ما فيه مصلحة، وعدم مشروعية ما فيه مفسدة، فهو الصواب الذي لا يجوز اعتماد غيره... وإذا كان في الشعر وإنشاده ما يحبب الصغار في المسجد، فإن المصلحة نقتضي جوازه، بل ندبه. هذه بعض الوسائل المقترحة التي أرى أنها تحبب الصغار في المسجد، وتجلبهم إليه وتفيدهم منه، وإن أهل الحل والعقد في الشعوب الإسلامية لو فكروا في هذه الوسائل وفي غيرها، وأرادوا فعلاً تربية إيمانية، صحيحة في المسجد لأبنائهم وقاية أو علاجاً لهم، من الانحراف، لاستطاعوا بما لهم من سلطة وإمكانات، تحقيق ذلك وغيره مما قد يقترحه رجال الفكر والدعوة والاختصاص.
[راجع بحوث مؤتمر رسالة المسجد (رسالته ودوره) للدكتور محمد ناصر الإندونيسي صفحة 401 وما بعدها]
. الكلام في المساجد بغير ذكر الله: إن الأصل في المساجد أن تكون محلاً لذكر الله؛ لأن الله شرع إقامتها لذلك، وذكر الله شامل لتلاوة كتابه، وتعليمه للناس تحفيظاً وتفهيماً وتفسيراً، وتعليم سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحكام شريعته وسيرته المطهرة، ومذاكرة كل علم من العلوم الإسلامية أو ما يعين على فهمها كاللغة العربية وقواعدها، وعلوم التفسير وعلوم الحديث وعلوم الفقه لأن للوسيلة المطلوبة شرعاً حكم الغاية وبخاصة إذا تعذر الوصول إلى الغاية إلا بتلك الوسيلة، ولهذا كان علماؤنا الأكابر يعلمون الناس كل ذلك في الجوامع والمساجد. ويدخل في ذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإرشاد المسلمين إلى مصالحهم في الدنيا والآخرة، وتحذيرهم مما يعود عليهم بالمفاسد والمضار في الدارين. ولكن ينبغي أن يعرف أنه لا ينبغي لهم التوسع في كثرة الكلام في المساجد بغير ذكر الله تعالى من أمور الدنيا، كما يفعل بعض الناس اليوم في الكلام عن الصفقات التجارية والمخططات العقارية وبيع وشراء الأراضي وتداول الأسهم ونحو ذلك مما يمكنهم الخوض فيه في خارج المساجد.. قال تعالى:
{فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ (36) رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ (37) لِيَجْزِيَهُمْ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ}
. [النور: 36-38]. وفي الحديث عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: قالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((
لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله فإن كثرة الكلام بغير ذكر الله قسوة للقلب وإن أبعد الناس من الله القلب القاسي
)).
[رواه الترمذي، وقال: "قال أبو عيسى هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث إبراهيم بن عبد الله بن حاطب"]
. والحديث كما ترى فيه نهي مطلق عن الإكثار من الكلام في غير ذكر الله، والمساجد أولى بهذا النهي من غيرها. ويفهم من النهي عن الإكثار من الكلام في غير ذكر الله جواز الكلام المباح مع اجتناب الإكثار منه، وكان يقع شيء من ذلك في المسجد في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، كما مضى في ذكر الصحابة رضي الله عنهم بعض شئون الجاهلية وإقراره لهم. وقد ارتفعت أصوات كعب بن مالك وخصمه عبد الله بن أبي حدرد في مسجده، فخرج إليهما من بيته، وأصلح بينهما كما روى ذلك كعب رضي الله عنه، أنه تقاضى ابن أبي حدرد ديناً كان له عليه في المسجد فارتفعت أصواتهما حتى سمعها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في بيته فخرج إليهما حتى كشف سجف حجرته فنادى: ((
يا كعب
)) قال: لبيك يا رسول الله، قال: ((
ضع من دينك هذا
)) وأومأ إليه، أي: الشطر، قال: لقد فعلت يا رسول الله، قال: ((
قم فاقضه
)).
[البخاري، واللفظ له، ومسلم]
. ولكن لا ينبغي للمتحدثين في شؤون الدنيا الاسترسال فيها؛ لأن الاسترسال فيها يعود بالنقض على ما بنيت له المساجد وهو ذكر الله تعالى. وينبغي ـ كذلك ـ لمرتادي المساجد ألا يشوش بعضهم على بعض برفع أصواتهم، ولو كان ذلك بتلاوة كتاب الله أو الذكر، اللهم إلا إذا كانوا كلهم يتلون القرآن بأصوات مرتفعة ارتفاعاً معتدلاً متقارباً، كما يحصل ذلك في أيام الجمع قبل الخطبتين والصلاة في كثير من المساجد، وقبيل إقامة الصلاة في غالب الفرائض؛ لأن اختلاط أصواتهم لا يؤدي إلى تشويش بعضهم على بعض. وقد كانت أصوات الصحابة ترتفع بذكر الله تعالى بعد الصلاة المكتوبة في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، كما أخبر بذلك ابنُ عباس رضي الله عنهما مولاه أبا معبد، فقد أخبره: "أن رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة كان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأنه قال: قَال ابن عباس: كنت أعلم إذا انصرفوا بذلك إذا سمعته" فقوله: كنت أعلم إذا انصرفوا بذلك يدل أنهم كانوا يرفعون أصواتهم به. والحديث في صحيح مسلم. لكن رفع الأصوات ـ ولو بالذكر أو المحاورة في مسائل العلم ـ لا ينبغي وقوعها في المسجد إذا كانت تشوش على المصلين صلاتهم، بدليل ما رواه النعمان بن بشير رضي الله عنه، قال: "كنت عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال رجل: ما أبالي أن لا أعمل عملاً بعد الإسلام. إلا أن أسقي الحاج. وقال آخر: ما أبالي أن لا أعمل عملاً بعد الإسلام. إلا أن أعمر المسجد الحرام. وقال آخر: الجهاد في سبيل الله أفضل مما قلتم. فزجرهم عمر وقال: لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهو يوم الجمعة. ولكن إذا صليت الجمعة دخلت فاستفتيته فيما اختلفتم فيه. فأنزل الله عز وجل:
{ أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ..}
. [التوبة /19] الآية إلى آخرها".. وكان رفع صوتهم في مذاكرة العلم. ولهذا قال النووي رحمه الله في شرحه للحديث: "قوله: أن عمر رضي الله عنه زجر الرجال الذين رفعوا أصواتهم يوم الجمعة عند المنبر، فيه كراهة رفع الصوت في المساجد يوم الجمعة وغيره، وأنه لا يرفع الصوت بعلم ولا غيره عند اجتماع الناس للصلاة لما فيه من التشويش عليهم وعلى المصلين والذاكرين والله أعلم". انتهى. وهذه النصوص تظهر أن تربية المسجد شاملة لكبار المسلمين وصغارهم.
1
- صحيح البخاري (5/2242) وصحيح مسلم (1/236) ومعنى (لا تزرموه) لا تقطعوا عليه بوله
2
- صحيح البخاري (5/2238) وسنن أبي داود وسنن الترمذي (1/103) (1/275)
3
- الترمذي (4/357) وقال: "هذا حديث حسن صحيح" وأبو داود (4/300) وهو في جامع الأصول (11/55)، قال المحشي: وإسناده صحيح
4
- سنن أبي داود (4/301) وسنن الترمذي (4/358) وقال: "وهذا الحديث حديث صحيح غريب"
5
- البخاري (5/2291) ومسلم (3/1692) واللفظ للبخاري. والنغير طائر صغير
6
- الحاكم في المستدرك (4/429) وصححه. وسنن الترمذي (4/32) وقال: "حديث حسن غريب" وسنن أبي داود من حديث عائشة (4/139) والحديث في جامع الأصول (3/611) قال المحشي: وإسناده حسن
7
- أبو داود (1/133)، وهو في شرح السنة للبغوي (2/406) قال المحشي: وراجع فيض القدير (5/521)
8
- البخاري (5/2213) وهو في جامع الأصول (5/700)
9
- مسلم، وهو في جامع الأصول (5/604)
10
- صحيح مسلم (2/974)
11
- البخاري (2/242)
12
- وكل هذه الأمور قد مضى ما يدل على مشروعيتها في المسجد، أو مشروعية ما يشبهها
13
- صحيح البخاري (2/228) وصحيح مسلم (2/1018)
14
- صحيح البخاري (4/1920) وصحيح مسلم (2/1040)
15
- راجع جامع الأصول (11/439)
16
- صحيح البخاري (5/2276)
17
- صحيح البخاري (5/2278) وصحيح مسلم (4/1811) أي تمهل في حدائك بالإبل التي تسرع بالنساء، فيتأثرن من ذلك أو أن صوتك يؤثر عليهن فارفق بهن
18
- صحيح البخاري (3/1031) وصحيح مسلم (3/1421)
19
- صحيح مسلم (4/1766)
20
- مسند أحمد (5/91) الترمذي (5/140) وقال: "هذا حديث حسن صحيح"
21
- مسلم (1/463)
22
- سنن النسائي (5/202) الترمذي (5/139) وقال "حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه"
23
- صحيح البخاري (5/2279) وصحيح مسلم (4/1932) واللفظ له
24
- أبو داود (5/280) الترمذي (5/138) وقال: "هذا حديث حسن صحيح غريب"، وهو في جامع الأصول (5/168)، قال المحشي: ولبعض هذا الحديث شواهد في الصحيحين من حديث البراء بن عازب
25
- البخاري (5/2279) ومسلم (4/1769)
26
- أبو داود (4/167) وقد ضعف الحديث بعض أهل العلم، انظر عون المعبود (12/129)
27
- نيل الأوطار (2/167)
28
- الفتح (1/549)
29
- التمهيد (22/196)
30
- شرح النووي على مسلم (16/45)
31
- الجامع لأحكام القرآن (12/271)
32
- تحفة الأحوذي (2/232) قال العراقي في شرحه: "ويجمع بين أحاديث النهي وبين أحاديث الرخصة فيه بوجهين: أحدهما أن يحمل النهي على التنزيه وتحمل الرخصة على بيان الجواز. والثاني أن يحمل أحاديث الرخصة على الشعر الحسن المأذون فيه، كهجاء المشركين ومدح النبي صلى الله عليه وسلم والحث على الزهد ومكارم الأخلاق، ويحمل النهي على التفاخر والهجاء والزور وصفة الخمر ونحو ذلك". [[عون المعبود (3/293)
33
- عون المعبود (3/293)]] ويمكن مراجعة كلام المفسرين على قوله تعالى: {وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمْ الْغَاوُونَ}. فتلك نصوص من القرآن والسنة تدل على جواز الإنشاد أو استحبابه في المسجد أو غيره إذا تضمن ما هو خير، وأخرى تدل على ذمه إذا تضمن شراً، وهذه أقوال علماء الأمة من المفسرين والمحدثين والفقهاء تبين التفصيل في إباحة الشعر أو استحبابه، أو تحريمه وكراهته، بحسب مضمونه، مثله مثل النثر حسنه حسن وقبيحه قبيح. فالقول بتحريم الشعر وإنشاده في المسجد مطلقاً، بدعوى احترام المسجد وتنزيهه، مخالف لنصوص السنة الثابتة، وكلام أهل العلم مخالفة واضحة. أما التفصيل في ذلك، والقول بمشروعية ما فيه مصلحة، وعدم مشروعية ما فيه مفسدة، فهو الصواب الذي لا يجوز اعتماد غيره... وإذا كان في الشعر وإنشاده ما يحبب الصغار في المسجد، فإن المصلحة نقتضي جوازه، بل ندبه. هذه بعض الوسائل المقترحة التي أرى أنها تحبب الصغار في المسجد، وتجلبهم إليه وتفيدهم منه، وإن أهل الحل والعقد في الشعوب الإسلامية لو فكروا في هذه الوسائل وفي غيرها، وأرادوا فعلاً تربية إيمانية، صحيحة في المسجد لأبنائهم وقاية أو علاجاً لهم، من الانحراف، لاستطاعوا بما لهم من سلطة وإمكانات، تحقيق ذلك وغيره مما قد يقترحه رجال الفكر والدعوة والاختصاص. [[راجع بحوث مؤتمر رسالة المسجد (رسالته ودوره) للدكتور محمد ناصر الإندونيسي صفحة 401 وما بعدها
34
- راجع بحوث مؤتمر رسالة المسجد (رسالته ودوره) للدكتور محمد ناصر الإندونيسي صفحة 401 وما بعدها]]. الكلام في المساجد بغير ذكر الله: إن الأصل في المساجد أن تكون محلاً لذكر الله؛ لأن الله شرع إقامتها لذلك، وذكر الله شامل لتلاوة كتابه، وتعليمه للناس تحفيظاً وتفهيماً وتفسيراً، وتعليم سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحكام شريعته وسيرته المطهرة، ومذاكرة كل علم من العلوم الإسلامية أو ما يعين على فهمها كاللغة العربية وقواعدها، وعلوم التفسير وعلوم الحديث وعلوم الفقه لأن للوسيلة المطلوبة شرعاً حكم الغاية وبخاصة إذا تعذر الوصول إلى الغاية إلا بتلك الوسيلة، ولهذا كان علماؤنا الأكابر يعلمون الناس كل ذلك في الجوامع والمساجد. ويدخل في ذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإرشاد المسلمين إلى مصالحهم في الدنيا والآخرة، وتحذيرهم مما يعود عليهم بالمفاسد والمضار في الدارين. ولكن ينبغي أن يعرف أنه لا ينبغي لهم التوسع في كثرة الكلام في المساجد بغير ذكر الله تعالى من أمور الدنيا، كما يفعل بعض الناس اليوم في الكلام عن الصفقات التجارية والمخططات العقارية وبيع وشراء الأراضي وتداول الأسهم ونحو ذلك مما يمكنهم الخوض فيه في خارج المساجد.. قال تعالى: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ (36) رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ (37) لِيَجْزِيَهُمْ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ}. [النور: 36-38]. وفي الحديث عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: قالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله فإن كثرة الكلام بغير ذكر الله قسوة للقلب وإن أبعد الناس من الله القلب القاسي)). [[رواه الترمذي، وقال: "قال أبو عيسى هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث إبراهيم بن عبد الله بن حاطب"
35
- رواه الترمذي، وقال: "قال أبو عيسى هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث إبراهيم بن عبد الله بن حاطب"]]. والحديث كما ترى فيه نهي مطلق عن الإكثار من الكلام في غير ذكر الله، والمساجد أولى بهذا النهي من غيرها. ويفهم من النهي عن الإكثار من الكلام في غير ذكر الله جواز الكلام المباح مع اجتناب الإكثار منه، وكان يقع شيء من ذلك في المسجد في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، كما مضى في ذكر الصحابة رضي الله عنهم بعض شئون الجاهلية وإقراره لهم. وقد ارتفعت أصوات كعب بن مالك وخصمه عبد الله بن أبي حدرد في مسجده، فخرج إليهما من بيته، وأصلح بينهما كما روى ذلك كعب رضي الله عنه، أنه تقاضى ابن أبي حدرد ديناً كان له عليه في المسجد فارتفعت أصواتهما حتى سمعها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في بيته فخرج إليهما حتى كشف سجف حجرته فنادى: ((يا كعب)) قال: لبيك يا رسول الله، قال: ((ضع من دينك هذا)) وأومأ إليه، أي: الشطر، قال: لقد فعلت يا رسول الله، قال: ((قم فاقضه)). [[البخاري، واللفظ له، ومسلم
36
-
الفهرس
12301030
عداد الصفحات العام
3094
عداد الصفحات اليومي
جقوق الطبع محفولموقع الروضة الإسلامي 1446هـ - 2025م