|
هذا السؤال: (ما المخرج؟) وقع في عهد أصحاب رسول الله ‘، عندما حصلت الفتنة في عهد عثمان رضي الله عنه ، وجوابه حصل في ذلك الوقت، والفتن التي نزلت بالمسلمين بعد ذلك أشد وأخطر مما حصل في عهد الصحابة، وكان جوابها قولاً أو عملاً هو نفس الجواب.
وها هي الفتن اليوم تتوالى علينا، كقطع الليل المظلم كما قال الرسول ‘، وأمر أمته أن تبادرها بالعمل على درئها قبل حدوثها، كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه ، أنه صلى الله عليه و سلم قال: (بَادِرُوا بِالأَعْمَالِ فِتَناً كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ. يُصْبِحُ الرَّجُلُ فِيْهَا مُؤْمِناً وَيُمْسِي كَافِراً. أَوْ يُمْسِي مُؤْمِناً وَيُصْبِحُ كَافِراً. يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا)[1].
ولا زال نفس السؤال (ما المخرج؟) يتردد ولا جواب له إلا ذلك الجواب الشافي الكافي، لو عقلنا واعتبرنا.
روى عبد الله بن عبد الرحمن بن أبزى حدث عن أبيه، قال: "لما وقع الناس في أمر عثمان رضي الله تعالى عنه، قلت لأُبي بن كعب: أبا المنذر ما المخرج من هذا الأمر؟ قال كتاب الله وسنة نبيه، ما استبان لكم فاعملوا به، وما أشكل عليكم فكلوه إلى عالمه" [2].
فالالتزام بمنهاج الله الذي أنزله لخلقه، في كتابه تعالى وأبانه رسوله ‘، هو الذي يحقق للمسلمين المخرج من الضيق والضنك، والبعد عن ذلك المنهج يسد عليهم باب المخرج مما ينزل بهم من المصائب والمضايق.
والمراد بالمخرج اليوم خروج المسلمين من المحن التي حلت بهم وببلدانهم من الهجمات الظالمة التي تقوم بها أمريكا وحلفاؤها من الدول الغربية ومن ظاهرهم من المنافقين في البلدان الإسلامية المحتلة.
وأنبه قبل الدخول في الحديث عن المخرج المقصود على أمرين:
الأمر الأول: أن ما يقوم به كثير من الشباب من تفجير أنفسهم في أي بلد إسلامي، غير محتل من الأعداء عسكرياً، لقتل أنفسهم وقتل غيرهم من المسلمين مدنيين كانوا أو عسكريين، أو إحداث خسائر في المرافق والثروات والمنشآت، كل ذلك محرم شرعاً معتبر من الكبائر التي تجب 5 منها والإقلاع عنها، وليست داخلة في أي نوع من أنواع الجهاد المشروع، ولا يقوم بها من فقه في دينه فقهاً ينجيه عند الله تعالى.
الأمر الثاني: أن جميع سكان أي بلد من البلدان الإسلامية احتل العدو أرضهم وعاث فيها فساداً، فرض على كل عاقل قادر منهم، رجلاً وامرأة، كبيراً وصغيراً أن يجاهد العدو بأي نوع من أنواع الجهاد الذي يقدر عليه بالنفس والمال والرأي، ويدخل في ذلك العمليات الاستشهادية، التي يضطرون إليها لضعف إمكاناتهم الجهادية وتفوق عدوهم في السلاح، واعتدائه على كل ضرورات حياتهم من الدين والنفس والنسل والعقل والمال، كما يشاهد ذلك في البلدان المحتلة.
وأسوق هنا ما ذكره الإمام الجصاص في كتابه "تفسير آيات الأحكام" من مشروعية ما يشبه العمليات الاستشهادية المعاصر:
قال رحمه الله: "وقوله تعالى: {وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ(195)} [3].
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: قَدْ قِيلَ فِيهِ وُجُوهٌ: أَحَدُهَا مَا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُد ـ وساق الجصاص بسنده إلى أَسْلَمَ أَبِي عِمْرَانَ ـ قَالَ: غَزَوْنَا بِالْقُسْطَنْطِينِيَّةِ وَعَلَى الْجَمَاعَةِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْوَلِيدِ وَالرُّومُ مُلْصِقُو ظُهُورِهِمْ بِحَائِطِ الْمَدِينَةِ، فَحَمَلَ رَجُلٌ عَلَى الْعَدُوِّ، فَقَالَ النَّاسُ: مَهْ مَهْ، لا إلَهَ إلا اللَّهُ، يُلْقِي بِيَدَيْهِ إلَى التَّهْلُكَةِ، فَقَالَ أَبُو أَيُّوبَ: إنَّمَا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِينَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ، لَمَّا نَصَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ وَأَظْهَرَ دِينَهُ الإِسْلامَ قُلْنَا: هَلُمَّ نُقِيمُ فِي أَمْوَالِنَا وَنُصْلِحُهَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَةِ}[ 3: 195.] فَالإِلْقَاءُ بِالأَيْدِي إلَى التَّهْلُكَةِ أَنْ نُقِيمَ فِي أَمْوَالِنَا فَنُصْلِحَهَا وَنَدَعَ الْجِهَادَ...
فَأَمَّا حَمْلُهُ عَلَى الرَّجُلِ الْوَاحِدِ يَحْمِلُ عَلَى حَلْبَةِ الْعَدُوِّ، فَإِنَّ مُحَمَّدَ بْنَ الْحَسَنِ ذَكَرَ فِي السِّيَرِ الْكَبِيرِ أَنَّ رَجُلاً لَوْ حَمَلَ عَلَى أَلْفِ رَجُلٍ وَهُوَ وَحْدَهُ لَمْ يَكُنْ بِذَلِكَ بَأْسٌ إذَا كَانَ يَطْمَعُ فِي نَجَاةٍ أَوْ نِكَايَةٍ، فَإِنْ كَانَ لا يَطْمَعُ فِي نَجَاةٍ وَلا نِكَايَةٍ فَإِنِّي أَكْرَهُ لَهُ ذَلِكَ لأَنَّهُ عَرَّضَ نَفْسَهُ لِلتَّلَفِ مِنْ غَيْرِ مَنْفَعَةٍ لِلْمُسْلِمِينَ.., فَإِنْ كَانَ لا يَطْمَعُ فِي نَجَاةٍ وَلا نِكَايَةٍ وَلَكِنَّهُ يُجْزِئُ الْمُسْلِمِينَ بِذَلِكَ حَتَّى يَفْعَلُوا مِثْلَ مَا فَعَلَ فَيُقْتَلُونَ وَيُنْكُونَ فِي الْعَدُوِّ فَلا بَأْسَ بِذَلِكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ لأَنَّهُ لَوْ كَانَ عَلَى طَمَعٍ مِنْ النِّكَايَةِ فِي الْعَدُوِّ وَلا يَطْمَعُ فِي النَّجَاةِ لَمْ أَرَ بَأْسًا أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهِمْ، فَكَذَلِكَ إذَا طَمِعَ أَنْ يُنْكَى غَيْرُهُ فِيهِمْ بِحَمْلَتِهِ عَلَيْهِمْ فَلا بَأْسَ بِذَلِكَ، وَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ فِيهِ مَأْجُورًا؛ وَإِنَّمَا يُكْرَهُ لَهُ ذَلِكَ إذَا كَانَ لا مَنْفَعَةَ فِيهِ عَلَى وَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ وَإِنْ كَانَ لا يَطْمَعُ فِي نَجَاةٍ وَلا نِكَايَةٍ، وَلَكِنَّهُ مِمَّا يُرْهِبُ الْعَدُوَّ، فَلا بَأْسَ بِذَلِكَ لأَنَّ هَذَا أَفْضَلُ النِّكَايَةِ وَفِيهِ مَنْفَعَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ. وَاَلَّذِي قَالَ مُحَمَّدٌ مِنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ صَحِيحٌ لا يَجُوزُ غَيْرُهُ.. وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلا يَنْبَغِي أَنْ يُتْلِفَ نَفْسَهُ مِنْ غَيْرِ مَنْفَعَةٍ عَائِدَةٍ عَلَى الدِّينِ وَلا عَلَى الْمُسْلِمِينَ. فَأَمَّا إذَا كَانَ فِي تَلَفِ نَفْسِهِ مَنْفَعَةٌ عَائِدَةٌ عَلَى الدِّينِ فَهَذَا مَقَامٌ شَرِيفٌ مَدَحَ اللَّهُ بِهِ أَصْحَابَ النَّبِيِّ صلى الله عليه و سلم فِي قَوْلِهِ: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ (111)} [5]. وَقَالَ: {وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169)} [6]. وَقَالَ: {وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللهِ..(207)}[3]. فِي نَظَائِرِ ذَلِكَ مِنْ الآيِ الَّتِي مَدَحَ اللَّهُ فِيهَا مَنْ بَذَلَ نَفْسَهُ لِلَّهِ". انتهى.
من هذه الجمل يتضح لنا أن الرجل الواحد يشرع له إلقاء نفسه في صفوف العدو وحده ولو ظن تلفه بذلك في الحالات الآتية:
الحالة الأولى: أن يطمع في نجاة نفسه والنكاية في العدو.
الحالة الثانية: ألا يطمع في نجاة نفسه ولكنه يطمع في النكاية في العدو.
الحالة الثالثة: ألا يطمع في نجاة نفسه ولا النكاية في العدو، ولكنه يطمع في تشجيع غيره من المسلمين أن يفعلوا كما فعل لإحداث النكاية في العدو.
الحالة الرابعة: ألا يكون في ذلك شيء من الأمور المذكورة في الحالات الثلاث، ولكن في إقدامه إنزال الرعب في نفوس الأعداء.
وخلاصة الحالات الأربع أن يكون في فعله منفعة للإسلام والمسلمين، فإن لم يكن في ذلك منفعة للإسلام والمسلمين، فلا يشرع له ذلك.
ومما لا شك فيه أن العمليات الاستشهادية ضد العدو المحتل اليوم فيها منفعة محققة للإسلام والمسلمين؛ لأن واحداً من المجاهدين يقتل في عملية واحدة العشرات، بل المئات من الأعداء، مع ما تحدثه العمليات من رعب في نفوس الأعداء على كل حال.
وأنبه مرة أخرى أن مشروعية العمليات الاستشهادية إنما تكون ضد العدو المحتل ومَن ظاهره على احتلاله من سكان البلد المحتل، وأن ذلك محرم في غير البلدان المحتلة، لما فيه من قتل المسلمين بغير حق وإحداث للفوضى والاضطراب وفقد الأمن.
فما هو المخرج؟
وبعد هذا التنبيه الذي لا بد منه ليكون كِلا الأمرين الذين كثر فيهما اللغط: التفجيرات التي يقتل الشباب فيها أنفسهم وغيرهم من المسلمين في أي بلد إسلامي آمن من احتلال العدو، والجهاد بشتى وسائله المشروعة ضد المحتل المعتدي لأي بلد من بلدان المسلمين، نشرع في بيان بعض المخرج، لنعلم هل هو موجود أو لا؟ وهل اتجهنا إليه لنخرج من الفتن وننتصر على الأعداء أو لا؟
المخرج موجود:
وقد نص الله تعالى على وجود المخرج في كتابه، ونص عليه رسوله صلى الله عليه و سلمفي سنته، وقصد إليه فعلاً في سيرته، واقتدى به أصحابه من بعده، وفُتح لهم بابه وهم في أشد المآزق والمضايق، كما هو معلوم من حالة الرسول صلى الله عليه و سلموأصحابه عندما كانوا في مكة بعد بعثته ‘، ومعلوم من حالهم عندما هاجروا إلى المدينة والغزوات التي تمت هناك، ومعلوم من حال أصحابه بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى، عندما أطبق على حربهم والسعي في استئصالهم العرب قاطبة في حروب الردة، فجاهدوا المرتدين وانتصروا عليهم ونالوا من الله العزة وهم قليلو العَدَد والعُدَد ثم انتقلوا إلى أعظم إمبراطوريتين في عهدهم من الفرس والروم فانتصروا عليهم وهزموهم شر هزيمة.
|
|