﴿۞ یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ لَا تَتَّخِذُوا۟ ٱلۡیَهُودَ وَٱلنَّصَـٰرَىٰۤ أَوۡلِیَاۤءَۘ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِیَاۤءُ بَعۡضࣲۚ وَمَن یَتَوَلَّهُم مِّنكُمۡ فَإِنَّهُۥ مِنۡهُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا یَهۡدِی ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّـٰلِمِینَ ۝٥١ فَتَرَى ٱلَّذِینَ فِی قُلُوبِهِم مَّرَضࣱ یُسَـٰرِعُونَ فِیهِمۡ یَقُولُونَ نَخۡشَىٰۤ أَن تُصِیبَنَا دَاۤىِٕرَةࣱۚ فَعَسَى ٱللَّهُ أَن یَأۡتِیَ بِٱلۡفَتۡحِ أَوۡ أَمۡرࣲ مِّنۡ عِندِهِۦ فَیُصۡبِحُوا۟ عَلَىٰ مَاۤ أَسَرُّوا۟ فِیۤ أَنفُسِهِمۡ نَـٰدِمِینَ ۝٥٢ وَیَقُولُ ٱلَّذِینَ ءَامَنُوۤا۟ أَهَـٰۤؤُلَاۤءِ ٱلَّذِینَ أَقۡسَمُوا۟ بِٱللَّهِ جَهۡدَ أَیۡمَـٰنِهِمۡ إِنَّهُمۡ لَمَعَكُمۡۚ حَبِطَتۡ أَعۡمَـٰلُهُمۡ فَأَصۡبَحُوا۟ خَـٰسِرِینَ ۝٥٣﴾ [المائدة ٥١-٥٣]
(67) سافر معي في المشارق والمغارب :: 66- سافر معي في المشارق والمغارب :: (34) دور المسجد في تربية الأحداث ووقايتهم من الانحراف :: (033) دور المسجد في تربية الأحداث ووقايتهم من الانحراف. :: (067) سافر معي في المشارق والمغارب :: (066) سافر معي في المشارق والمغارب :: (031) دور المسجد في تربية الأحداث ووقايتهم من الانحراف :: (065) سافر معي في المشارق والمغارب :: (030) دور المسجد في التربية وعلاج انحراف الأحداث :: :: :: :: :: :: :: :: :: ::
   
جملة البحث



السابق

الفهرس

التالي

المبحث الأول: الإمام.
لقد كان الإمام الأول للمسجد في الإسلام، هو ولي أمر المسلمين الأول: الرسول القدوة، والحاكم العادل، والقائد الشجاع، والمعلم المزكي، والمفتي الفقيه في الدين، والخطيب المؤثر، والرؤوف الرحيم، إنه رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم تبعه على ذلك خلفاؤه الراشدون، الذين كانوا يجتهدون في الاقتداء به في كل نشاطهم المتعلق بأنفسهم أو بغيرهم، ثم تغير الحال بعد ذلك، فاختص الأمراء بالسياسة، واختص العلماء بالتعليم والإفتاء والقضاء وإمامة المساجد، وخطبها، مع وجود تعاون بين الفريقين: فريق العلماء: ينصح ويبيِّن الحق. وفريق الأمراء: ينفِّذ. ثم حصلت فجوة واختلاف بين العلماء والأمراء، تبع ذلك انفصام نكد بين العلماء والحكام في العالم الإسلامي، وتمكن الشقاق بين المسلمين بسبب افتراق التوجيه الديني، والقيادة السياسية. قال ابن تيمية رحمه الله: "وقد كانت السنة أن الذي يصلي بالمسلمين الجمعة والجماعة، ويخطب بهم، هم أمراء الحرب، الذين هم نواب ذي السلطان على الأجناد، ولهذا لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر في الصلاة، قدمه المسلمون في إمارة الحرب وغيرها، وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا بعث أميراً على حرب، كان هو الذي يؤمِّره للصلاة بأصحابه، وكذلك إذا استعمل رجلاً نائباً على مدينة، كما استعمل عتاب بن أسيد على مكة، وعثمان بن أبي العاص على الطائف، وعلياً ومعاذاً وأبا موسى على اليمن، وعمرو بن حزم على نجران، كان نائبه هو الذي يصلي بهم، ويقيم فيهم الحدود وغيرها، مما يفعله أمير الحرب. وكذلك خلفاؤه بعده، ومَن بعدهم من الملوك الأمويين، وبعض العباسيين، وذلك لأن أهم أمر الدين الصلاة والجهاد". [1]. إن المقصود من هذا هو: بيان رتبة إمام المسجد في المجتمع الإسلامي، إمام المسجد كان الآمر الناهي، ثم ضعفت صلة السلطان بالمسجد، في فترة من الفترات، وقويت صلة العلماء به، فأصبح أئمة المساجد الناصحين الأمناء، والسلطان هو المنفذ لأحكام الدين، ثم ازداد الضعف بين السلطان والمسجد، حتى شيد معاهد وجامعات، يضع هو مناهجها، ويوظف أساتذتها والقائمين بأعمالها الإدارية والمالية، ويضع المتخرجين في تلك المعاهد والجامعات في أرقى وظائف الدولة، ليستغني بهم عن علماء المساجد وأئمتها. فأصبح لعلماء المساجد توجيه، وللمتخرجين في المعاهد والجامعات توجيه آخر، يؤيد علماء المساجد طلبتُهم وأتباعُهم الذين لا حول ولا طول لهم، ويؤيد علماءُ المعاهد والجامعات السلطان. [2]. فقويت بذلك الفرقة، واشتدَّ الخلاف، واضطر طلاب العلم أن ينصرفوا عن المساجد إلى غيرها من المعاهد والجامعات، لينالوا الحظوة والجاه، حتى أصبحت إمامة المسجد ليست ذات بال عند كثير من المسمين. وأصبح القصد منها أن يسترزق إمام المسجد من ورائها، فضعفت وظيفة المسجد، وقلت أهمية الإمام، فأصبح العلماء الكبار لا يرغبون في إمامة المسجد، إلا إذا كانت ذات بال في نفسها عند الناس، كالحرمين، وبيت المقدس والجامع الأزهر، وبعض الجوامع التي بقي فيها حلقات لطلبة العلم. لذلك صار مفهوم المسجد عند الناس، محلاً للدعوة إلى الصلاة، ثم أداءَ الفرائض لمن شاء، وشيئاً من النوافل، وتلاوة القرآن في بعض الأوقات، ثم تغلق أبوابها إلى أن يحين الوقت الآخر، وهكذا.. فإذا أراد المسلمون الآن أن يعيدوا للمسجد مكانته في المجتمع الإسلامي ليؤدي فيه وظيفته، كما كان يؤديها من قبل، فلا بد أن يجتهدوا في إيجاد الأسباب التي ترفعه كما أراد الله تعالى: { فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ (36) رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ}. [النور: 36ـ37]. ومن ذلك إيجاد الإمام الكفء لكل مسجد بحسب موقعه، وكفاءة الإمام إنما تؤخذ من سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم الفعلية، وسنته القولية. فالإمام لا بد أن يكون حافظاً لكتاب الله، أو لشيء كاف منه يؤم الناس به، ويسمعهم إياه في الصلوات الجهرية؛ لأن تلاوة القرآن على الناس وقت الصلاة نفعها عظيم جداً، وهو في زمن إمامته الطويل في الغالب، يستطيع أن يعظ الناس ويذكر لهم الأحكام في تلاوته بحسب المناسبات، أما إذا كان لا يحفظ إلا بعض السور القصيرة، فإن المصلين يحرمون الخير الكثير. ولا بد أن يكون على علم بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبخاصة ما يتعلق بأحكام الطهارة والصلاة، وآدابها، وآداب المسجد في الدخول والخروج والجلوس وغيرها. وينبغي أن يكون ذا هيبة ومكانة في المصلين، له من الفضائل ما يكون بها محترماً عند المصلين المحيطين بمسجده. ولهذا جعل صلى الله عليه وسلم الإمامة للأسبق فالأسبق، تلاوة لكتاب الله، وحفظاً وعلماً بالسنَّة النبوية، والأقدمية في الهجرة، وما شابهها من الفضائل، أو السن. كما في حديث أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه قال: قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله وأقدمهم قراءة، فإن كانت قراءتهم سواء، فليؤمهم أقدمهم هجرة ـ وفي رواية: فأقدمهم سلماً، أي إسلاماً ـ فإن كانوا في الهجرة سواء، فليؤمهم أكبرهم سناً، ولا يؤمن الرجلُ الرجلَ في أهله، ولا في سلطانه، ولا تجلس على تكرمته إلا أن يأذن لك)). [3]. وولي أمر المسلمين أحق بالإمامة، وإن وجد من هو أحفظ منه للقرآن الكريم أو أقدم منه هجرة، لتجتمع إمامة الصلاة وإمامة السياسة في رجل واحد، كما كانت على عهده صلى الله عليه وسلم، وعهد خلفائه رضي الله عنهم، ولهذا قال: ((ولا يؤمَّن الرجل الرجل في أهله ولا في سلطانه)). واشتد حرص رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرض موته، أن يصلي بالناس أبو بكر، وغضب من مراجعة عائشة له، وطلبها منه أن يصلي بالناس عمر، لما علمت من رقة أبيها، وأنه يغلبه البكاء. [4]. وينبغي أن يكون الإمام حسن الصوت بالقرآن الكريم، ليرغب الناس في الإنصات إليه، ولا يملوا قراءته، فقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يحب ذلك، وقال لأبي موسى رضي الله عنه: ((يا أبا موسى لقد أوتيت مزماراً من مزامير آل داود)). [5]. وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه، سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((ما أذِنَ الله لشيء، ما أذن لنبي حسن الصوت بالقرآن يجهر به)). [6]. ولهذا ينبغي لمن يوجد من يساويه في الصفات التي يكون الإمام بها كفؤاً للإمامة، ولكنه يزيد عليه بحسن الصوت الذي يرغب الناس في سماعه، أن يؤْثِر حسن الصوت على نفسه، لما في ذلك من المصلحة، وهى ترغيب الناس في حضور الصلاة وراء الإمام الحسن الصوت، ولعل قوله صلى الله عليه وسلم: ((يؤم الناس أقرؤهم لكتاب الله)) يشمل الأفضل في الحفظ وحسن الصوت وغيرهما. ولكن لا ينبغي أن يبالغ المصلون في الحرص على حسن الصوت، مبالغة تلهيهم عن تدبر القرآن والإنصات لقراءة الإمام الذي يكون صوته أقل حسناً من غيره، ما دام يقيم القراءة إقامة صحيحة بحسب قواعدها من التجويد؛ لأنهم إذا أشغلوا نفوسهم في وقت تلاوة مثل هذا الإمام، فاتهم التدبر والخشوع في صلاتهم. وينبغي أن يكون الإمام من المهتمين بحاجات الناس، والحرص على قضاء ما يكون قادراً عليه، سواء كان ذلك في داخل المسجد أو خارجه، كالصلح بين المتخاصمين والشفاعة الحسنة. ولقد تأخر الرسول صلى الله عليه وسلم مرة عن الصلاة، بسبب خروجه إلى قوم متخاصمين، للصلح بينهم، حتى أقام بلال وطلب من أبي بكر أن يؤم الناس ففعل، فلما جاء النبي صلى الله عليه وسلم، رجع القهقرى وتقدم النبي صلى الله عليه وسلم. [7]. وكان صلى الله عليه وسلم يقف مع صاحب الحاجة يناجيه، بعد أن تقام الصلاة، فيمكث معه مدة طويلة، كما روى أنس رضي الله عنه ـ وكان صغيراً ـ قال: "أقيمت الصلاة والنبي صلى الله عليه وسلم يناجي رجلاً في جانب المسجد، فما قام إلى الصلاة حتى نام القوم". [8]. وينبغي أن يتفقد أحوال المصلين، ويواسيهم ويقضي حوائجهم، فيشبع الجائع ويكسو العاري، ويعلم الجاهل،[9]. ويعود المريض. [10]. ومما يدل على تعليم الجاهل، مع الرفق به، قصة معاوية ابن الحكم السلمي، رضي الله عنه قال: بينما أنا أصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ عطس رجل من القوم، فقلت: يرحمك الله فرماني القوم بأبصارهم، فقلت: يرحمك الله، فرماني القوم بأبصارهم، فقلت: واثكل أماه ما شأنكم تنظرون إلى؟ فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم، فلما رأيتهم يصمتونني، لكني سكت، فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فبأبي هو وأمي، ما رأيت مُعلماً قبله ولا بعده أحسن تعليماً منه، فوالله ما قهرني ولا ضربني ولا شتمني، قال: ((إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيءٌ من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن)). [11]. ومن الصفات التي يحتاج إليها الإمام، قدرته على الخطابة المؤثرة في السامعين، وأن يُعنىَ بالأمور التي يحتاج الناس إلى بيانها والتنبيه عليها، وذلك يقتضي أن يخالطهم، ويتعرف على أحوالهم، حتى يكون على بينه مما يدور في المجتمع. فإذا جاء يوم الجمعة كان ملماً بالأحداث، وبالأهم فالمهم منها؛ لأن خطبة الجمعة فرصة، يجتمع المسلمون لسماعها، وينصتون للخطيب فيها إنصاتاً واجباً لا يوجد في سواها من الخطب. فقد روى جابر رضي الله عنه قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خطب احمرت عيناه، وعلا صوته، واشتد غضبه، حتى كأنه منذر جيش يقول: صبحكم ومساكم، ويقول: ((بعثت أنا والساعة كهاتين)) ويقرن بين أصبعيه: السبابة والوسطى، ويقول: ((أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدى هدى محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة)). [12]. إن الإمام الذي لا يختلط بالمصلين في المسجد وخارجه، ولا يسأل عن أحوالهم، وما يطرأ لهم، لا يقدر على إفادتهم؛ لأنه سيتحدث إلى الناس في أمور هم أحوج إلى غيرها منها، وفي ذلك خسارة على الناس أي خسارة، وفوات لوقت من أثمن الأوقات لبيان ما أنزل الله للناس. وكذلك الخطيب العاجز عن التعبير عما في نفسه، أو الذي يميت المعاني بألفاظه الميتة يعتبر نِيْراً على رقاب المصلين، يجب أن يتنحّى، أو يُنَحى، ليحل محله الخطيب الكفء الذي يفيد المصلين والمستمعين. والواقع المشاهد الآن يؤيد ذلك، فإن الناس يتسابقون إلى المسجد الذي يكون خطيبه مؤثراً مهتماً بأحوال الناس، وما يحدث لهم في أمور دينهم ودنياهم، يتركون المساجد القريبة منهم، ويذهبون إلى المسجد الأبعد من أجل ذلك، وكأنهم يقولون بلسان حالهم للخطيب غير المؤثر: ضع نفسك في مكانك، فرداً في صفوف المصلين، ودع المنبر لأهله. الهروب إلى النوم! إن المصلين في كثير من المساجد، يحضرون يوم الجمعة، وقد تتابعت على بلدانهم خلال الأسبوع، مصائب وابتلاءات، يعتدي عليهم المعتدون، فيحتلون أراضيهم، ويسفكون دماءهم، ويخربون بيوتهم، ويخرجون أهلها منها، شيوخاً ونساءً وأطفالاً، يهيمون على وجوههم، لا يجدون المأوى، ولا الطعام ولا الماء، تحصدهم الأمراض حصداً، فلا يجدون مشفى يستقبلهم، ولا دواء يخفف آلامهم. يرى هؤلاء المصلون المنافقين من المنتسبين إلى الإسلام والعروبة، يتعاونون مع أعداء الله من مخابرات اليهود والصليبيين، لقتل واصطياد المجاهدين الغيورين على بلدانهم وبني جلدتهم، يقدمون أرواحهم فداء لدينهم وأمتهم، ويختطفهم الأعداء من منازلهم، من بين أسرهم وأطفالهم، بتحريش من عملائهم الخونة، ليزجوا بهم في السجون والمعتقلات، ويسوموهم سوء العذاب. يرى المصلون من المآسي النازلة بهم وبأمتهم، ما لا تطاق رؤيته، ويسمعون ما لا يستساغ سماعه، تحترق نفوسهم، وتتقطع وتتمزق قلوبهم، يتمنون أن يسمعوا من خطبائهم الذين فرض الله عليهم الإنصات الكامل لخطبهم يوم الجمعة، ما يبين لهم سبل دفاعهم عن دينهم، وأنفسهم، وأعراضهم، وأموالهم، ومقدساتهم، وما يعينهم على الصبر على المحن التي أصابتهم، وما يخفف آلامهم، والوسائل التي يمكنهم بها عون إخوانهم المُعتدى عليهم. فيجدون غالب خطباء الجوامع في غالب البلدان الإسلامية، يسبحون في بحار غير بحارهم، ويخوضون في مشكلات غير مشكلاتهم، فلا يجدون وَزَرًا يحتمون به، ولا ملجأً يفرون إليه، إلا النعاس الخفيف، أو النوم الثقيل، حتى يصحوا على قول المؤذن: ((قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة)). إنهم يرون المدن الفلسطينية، تختفي تحت دخان جرافات اليهود، التي تهدم المنازل فوق سكانها الأحياء، فإذا حضروا لسماع خطبة الخطيب، وجدوه قد أعد لهم كلتا الخطبتين في تحريم التدخين والتنفير منه. ترى أي الدُّخانَينِ أولى بخطبة هذا الخطيب: الدخان الذي يخفي المدن الفلسطينية، وجثث الموتى تحت أنقاض منازلهم، أم تدخين السجائر؟! ويرون المرأة الفلسطينية تقف على أنقاض بيتها الذي هدمه اليهود على أسرتها، ففقدت الزوج والولد والأقارب، تحت الركام، وهي تصيح باكية: وينكم "أين أنتم" يا عرب؟ ويرون امرأة أخرى قد آلمها طلق الولادة، وهي تتوكأ على كتف زوجها، ليوصلها إلى المستشفى، فتجد جنود اليهود المدججين بالسلاح، على الحواجز يمنعونها من ركوب سيارة الإسعاف، فتلد على حافة الشارع، أو تموت هي وجنينها، فيجدون الخطيب يتكلم عن أحكام الحيض والنفاس! وقد بلغني أن امرأة حضرت خطبة الجمعة في أحد الجوامع، فخرجت ساخطة على ذلك الخطيب، وقالت لزوجها: أين يعيش هذا الإمام؟ فقال لها زوجها: ماذا تقصدين؟ قالت: اليهود يقتلون الفلسطينيات ويهدمون بيوتهن، وهو يخطب عن الحيض؟ لما ذا لا يحث الناس على بذل المال للمجاهدين وأسرهم؟ ونحن لدينا هواتف المشايخ، إذا أشكل علينا شيء سنتصل بهم ونسألهم. نعم! لقد هدت الفطرة والواقع المر الذي يعيشه المسلمون، هذه المرأة إلى الإنكار على أمثال هذا الخطيب الذي لم يهتم بأخطر ما تواجهه الأمة الإسلامية، وما أكثر الخطباء من أمثاله، الذين ملَّ المصلون من خطبهم وتململوا! تُرى هل يرجى من هؤلاء الخطباء وأمثالهم، أن تؤثر خطبهم ودروسهم إن وجدت في شباب الأمة ووقايتهم من الانحراف؟ ومن أعاجيب الأمور ما يحصل في بعض الشعوب الإسلامية التي لا ينطق أهلها اللغة العربية، ولا يفهمون الحديث بها، من التزام كثير من خطباء الجمع بقراءة خطبة الجمعة من كتب أكل عليها الدهر وشرب باللغة العربية، والناس لا يفهمون شيئاً مما يقول، ولا يترجم لهم ما يقول، لعجزه في الغالب عن ذلك، حتى لقد بلغني أن بعض الخطباء لا زالوا يدعو ببعض الدعاء الوارد في الخطبة الثانية في بعض الكتب للسلطان ابن السلطان، خليفة المسلمين في عاصمة الخلافة "اسطنبول"! إن الرسول صلى الله عليه وسلم، هو الذي يجب أن يكون قدوة أئمة المساجد وخطبائها، فيتحلوا بما تحلى به من فقه في الدين، وعمل ودعوة، وقضاء حاجات، وتفقد أحوال المصلين، والأخلاق الفاضلة، والتأثير في أهل المسجد، في التعليم والتزكية. وعلى ولاة أمور المسلمين، وقد ابتعدوا عن هذه الوظيفة، إمامة المساجد وخطب الجمعة، من زمن طويل، أن يجتهدوا في وضع الإمام الكفء في مكانه، وأن لا يمكنوا من لا كفاءة عنده من الإمامة أو الخطابة، وأن يعيدوا للأئمة مكانتهم لتعود للمسجد مكانته. وهذا لا يتأتى إلا إذا كان إمام المسجد وخطيبه من العلماء العاملين وأن تكون وظيفة إمام المسجد، لا تقل عن وظيفة أساتذة الجامعات، أو أعلى رتبة، وبخاصة في المساجد التي يحضرها جمع غفير في الجمع والجماعات، وأن لا تكون وظائف الأئمة في المساجد الأقل جَمْعاً حقيرة، لا يتقدم لها إلا المحتاج، بل ينبغي أن تكون وظائف جيدة، تغنى الإمام عن الوظائف التي يرغب فيها غيره. ويجب على غير الأكفاء أن لا يقحموا أنفسهم، فيما لا يقدرون عليه، فإنهم يصيرون بذلك آثمين لعدم تمكينهم الكفء من القيام بما يقدر عليه، ولا يقدرون هم عليه، ولظلمهم المصلين بذلك. وإمام المسجد هو المشرف على كل شؤونه والعاملين فيه من مؤذن، وواعظ ومصل، ومنظف، وغيرهم... مشروع تنسيق بين أئمة المساجد المحلية والدولية: إن المساجد تنتشر في كل مدينة وقرية وحارة، في البلدان الإسلامية، كما أنها تنتشر في كثير من البلدان غير الإسلامية، وبعضها من الجوامع الكبيرة، ولو وجد فيها الأئمة والخطباء الأكفاء علماً، وعملاً، ودعوةً، وحكمة، لكان لها شأن عظيم في توعية الناس وهدايتهم. والمقصود هنا إيضاح أمر مهم، وهو إيجاد تنسيق بين أئمة المساجد وخطبائها، في جميع أنحاء الأرض التي يمكن اتصال بعض الأئمة فيها ببعض، تنسيق بين أئمة المساجد في أحياء المدن، وفي مساجد القرى المتجاورة، وبين أئمة الجوامع وخطبائها في كل مدينة، و أئمة المساجد في مدن كل بلد، وبين أئمة المساجد الكبيرة وخطبائها في كل بلد من البلدان، ولهذا التنسيق أهداف مهمة، لو تمت لعم نفعها المسلمين.. ومن هذه الأهداف ما يأتي: الهدف الأول: تعارف الأئمة والخطباء، واستفادة بعضهم من بعض، من خبراتهم، ومن علمهم. الهدف الثاني: تعاونهم على اتخاذ الوسائل التي تجعل الناس يواظبون على حضور المساجد. الهدف الثالث: معرفة أحوال المصلين في الحارات والقرى والمدن، من حيث التزامهم بالإسلام أفراداً وأسراً، وما يعانونه من خلافات، أو فقر... ومحاولة حلها بالوسائل الممكنة. الهدف الرابع: الاتفاق على إعداد خطبة الجمعة أسبوعياً، في موضوع معين، يكون أبرز ما يحتاج الناس إلى بيانه في القرى أو الأحياء أو المدن، بحيث يخرج المصلون جميعاً من المساجد، وقد تبين لهم ما يتعلق بذلك الموضوع. الهدف الخامس: اتفاق أئمة المساجد في البلد الواحد، على توحيد موضوع خطبهم كل شهر، بحيث يختارون أهم موضوع يرون أن له الأولوية ببلدهم في هذا الشهر، ليخرج المصلون من أهل البلد من جميع الجوامع، وقد استفادوا في هذا الموضوع. الهدف السادس: اتفاق جميع أئمة الجوامع الكبرى في البلدان الإسلامية، وغير الإسلامية على توحيد خطبهم في أهم موضوع يهم المسلمين، بحيث يخرج المصلون في العالم كله، وقد تلقوا رسالة الموضوع... الهدف السابع: توحيد خطب الجوامع الكبرى، في موضوع معين، يخاطبون فيه غير المسلمين، من دول العالم، وبخاصة الدول الغربية، ليتلقوا رسالة من المسلمين فيما يخص ذلك الموضوع.. مثل قضية فلسطين، أو قضية عدوان يدبر لبلدٍ مَّا من بلدان المسلمين... إن هذه الأهداف لو تحققت في القرى، وأحياء المدن، وفي مدن البلد الواحد، ثم في مدن بلدان المسلمين كلها، ورتب لها ترتيباً حكيماً مناسباً، سيكون لها أثر عظيم يحقق للمسلمين، ما لا تحققه كثير من وسائل الإعلام، مع العلم أن وسائل الإعلام في كثير من البلدان الإسلامية، لا تؤدي واجبها الإسلامي، بل قد يكون نشاط كثير منها، يهدم ما يبنيه دعاة الإسلام. كيف يتم التنسيق؟ قد يقال: إنك تطلب ما يصعب تحقيقه من هذا التنسيق، إذا أمكن تحقيقه في مساجد بعض القرى وبعض أحياء المدن المتقاربة، فكيف يمكن تطبيقه في جوامع المدينة الواحدة، مع تباعد جوامعها وكثرة مشاغل الناس في هذا العصر؟ ومن باب أولى كيف يتم تطبيقه بين مدن البلد الواحد؟ والأشد غرابة تطبيقه بين جوامع جميع البلدان في العالم؟ والجواب: أن هذا الأمر أصبح في هذا الزمن، ميسوراً، كما يتضح في الأمور الآتية: الأمر الأول: معرفة الموضوع الذي يراد توحيد الخطبة فيه، على أي مستوى من المستويات المذكورة. 1- في القرى والأحياء والمدن، ينبغي أن يتلمس الأئمة والخطباء، أحوال الناس في قراهم وأحيائهم خلال الأسبوع، لمعرفة ما يجري في القرية أو الحي، من أحداث مفيدة أو ضارة، ثم يختاروا ما يرونه أجدر بتخصيصه بخطبة الجمعة في القرية أو الحي، دعماً لما هو مفيد، أو إنكاراً لما هو ضار. 2- الجوامع الكبيرة في مدن البلد الواحد، يَتَتَبَّع الأئمة والخطباء الأحداث الجارية في البلد، الضار منها والنافع كذلك، ويتفقوا على أهم الموضوعات ـ بعد التشاور بينهم ـ ويكون هو موضوع الخطبة الموحدة. 3- الجوامع الكبرى في البلدان الإسلامية وغيرها، يقوم الأئمة والخطباء، بتتبع الأحداث العالمية التي تهم المسلمين، واختيار أهم تلك الموضوعات، ليكون موضوع الخطبة الموحدة في تلك الجوامع. وسائل الاتصال والتنسيق: من السهل الميسور على خطباء القرى والأحياء المتجاورة، وخطباء الجوامع الكبيرة في كل مدينة، اجتماعهم مرة في الأسبوع، وليكن يوم الخميس الذي يسبق الجمعة، حيث يكونون قد عرف كل منهم أهم حدث حصل في قريته أو حيه، خلال الأسبوع، ثم يختارون أهم تلك الأحداث ليكون موضوع خطبهم جميعاً. ومعنى هذا أن الخطباء في مساجد الأحياء والقرى، يوحدون خطبهم في أحداث قراهم وأحيائهم، وخطباء الجوامع في المدينة، يوحدون خطبهم في أحداث المدينة. ومن السهل الميسور على خطباء جوامع كل مدينة في البلد، الاتصال والتنسيق مع زملائهم في بقية المدن، وذلك بتتبع أهم الأحداث التي تظهر على مستوى البلد، ثم يختار كل واحد منهم أهم حدث يراه جديراً بتوحيد الخطبة. ويتم اتصال بعضهم ببعض، عن طريق واحد منهم يتفقون عليه، يرسلون إليه بوساطة الفاكس، أو الهاتف أو البريد الإلكتروني، يعين كل واحد منهم في رسالته الحدث الذي يراه صالحاً لتوحيد الخطبة، والغالب في خطباء الجوامع الكبيرة، أن يتفقوا على الحدث الأهم، لما لهم من خبرة، وما عندهم من ثقافة، فإذا لم يتفقوا كلهم، أخذ برأي الأغلبية منهم... وصار هو موضوع توحيد الخطبة... أما الجوامع الكبرى في العالم، فتوحيد الخطبة فيها يتعلق بأهم موضوع على مستوى العالم، وأقصد بالجوامع الكبرى ـ هنا ـ أكبر الجوامع في كل بلد، مثل المسجدين العظيمين في الجزيرة العربية: المسجد الحرام، والمسجد النبوي، والجامع الأزهر في مصر، والجامع الذهبي في إندونيسيا.. ومسجد المركز الإسلامي في واشنطن... وهكذا... فهذه هي التي توحد خطبتها على مستوى العالم، وليس كل جوامع البلدان الإسلامية، ولهذا أطلقت على هذه الجوامع الكبيرة، وعلى تلك الجوامع الكبرى. ولخطر المساجد العظيمة وأثرها في الأمة، فرق بعض العلماء بينها وبين المساجد الصغيرة، فجعل أمر الأولى إلى خليفة المسلمين، فهو الذي ينصب أئمتها وخطباءها، استحساناً أو وجوباً. قال ابن خلدون رحمه الله: "وإذا ثبت ذلك فاعلم أن المساجد في المدينة صنفان: مساجد عظيمة كثيرة الغاشية معدة للصلوات المشهودة، وأخرى دونها مختصة بقوم أو محلة وليست للصلوات العامة. فأما المساجد العظيمة، فأمرها راجع إلى الخليفة أو من يفوض إليه من سلطان أو من وزير أو قاض، فينصب لها الإمام في الصلوات الخمس والجمعة والعيدين والخسوفين والاستسقاء. وتعين ذلك إنما هو من طريق الأولى والاستحسان، ولئلا يفتات الرعايا عليه في شيء من النظر في المصالح العامة، وقد يقول بالوجوب في ذلك من يقول بوجوب إقامة الجمعة، فيكون نصب الإمام لها عنده واجباً... ولقد كان الخلفاء الأولون لا يقلدونها لغيرهم من الناس، وانظر من طُعن من الخلفاء في المسجد عند الأذان بالصلاة وترصدهم لذلك في أوقاتها، يشهد لك ذلك بمباشرتهم لها وأنهم لم يكونوا يستخلفون فيها". [13]. وما أسهل الاتصال اليوم بين خطباء هذه الجوامع، فقد أصبح الاتصال بين الناس عن طريق، وسائل الاتصال الحديثة، أسرع من الاتصال العادي بين الأب وأولاده في حارة واحدة! فالجوال ولهاتف والفاكس، والماسنجر، والبريد الإلكتروني.. قربت البعيد في لحظات من الزمن. والمهم الاتفاق على كيفية الاتصال، وتحديد الزمن الذي يتم فيه، والحرص على استغلال هذه الوسائل، في التعاون على إقامة دين الله من قبل علماء الإسلام ودعاته. عقبات لا بد من اقتحامها: وتقف أمام هذا التنسيق عقبات يصعب اقتحامها، ولكن التوكل على الله، وقوة الإرادة، ومواصلة السير الحكيم، قد تذلل للمسلمين أصعب العقبات وأشدها: العقبة الأولى: تباين آراء كثير من الأئمة والخطباء، في الأولويات، بسبب اختلافهم في المذاهب والاتجاهات العقدية والسياسية. وهذه الأمور متأصلة في كثير من العلماء، ومع المحاولات الكثيرة من قبل بعض المصلحين، لجمع الكلمة على الحق، بناء على أمر الله تعالى بالاعتصام بحبله، لا زال التنازع المؤدي إلى الفشل، يخيم على كثير من العلماء، بسبب التعصب الأعمى الذي يعمي عن الحق الذي أهمه وجوب الاعتصام بحبله، والتعاون على البر والتقوى، مع العلم أن ما يمكن أن يجمع علماء المسلمين، أكثر مما يفرقهم. ولكنا لا نيأس من رحمة الله وتوفيقه لعلمائنا وخطباء جوامعنا الكبرى في العالم، ليتعاونوا على البر والتقوى، ويحاولوا اتخاذ أسباب جمع الكلمة، وتجنب أسباب التنازع، والاتفاق على جلب المصالح الكبرى، ودفع المفاسد الكبرى، عن هذه الأمة... ومعلوم أن من أهم ما يتفق عليه عقلاء المسلمين اليوم، هو عدوان أعداء الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها، وفي مقدمة هذا العدوان محاربة تطبيق شريعة الله، في أي بلد إسلامي، بضغط أعداء الإسلام على حكومات الشعوب الإسلامية التي تعزم على ذلك، سياسياً واقتصادياً وعسكرياً ودبلوماسياً، بل إن هؤلاء الأعداء أصبحوا يحاربون الالتزام بالإسلام بمعناه الشامل، ويضغطون على حكومات الشعوب الإسلامية، لتغيير مناهج التعليم، وحذف كل ما لا يرضون به، مما يقوي الإيمان في قلوب أبنائنا، ويبث في نفوسهم العزة والكرامة، ورفع راية الجهاد في سبيل الله، الذي تُحفَظ به ضرورات حياتنا، وهي الدين، والنفس، والنسل، والعقل، والمال، التي استباحها أعداء الحق بالقوة والقهر. إن تدبر خطباء الجوامع الكبرى في البلدان الإسلامية، لتداعي أعداء الإسلام على هذه الأمة، يسهل عليهم تجاوز عقبة اختلافهم في بعض الأمور، ليتفقوا على وقوفهم صفاً واحداً ضد هجوم أعداء الأمة الإسلامية. وما أكثر الموضوعات التي تحتاج من الخطباء إلى بيانها للأمة، من دعوتهم إلى التمسك بدينهم، والحذر من مخالفته، وحثهم على التعاون والتناصر فيما بينهم، تحقيقاً للأخوة الإسلامية التي لا يُسْلم الأخ فيها أخاه ولا يخذله، بل يعينه وينصره، بالنفس والمال، و التبادل التجاري والاقتصادي، والإعلامي والثقافي، والعسكري بين حكومات الشعوب الإسلامية، وغير ذلك من الموضوعات التي تستغرق من خطباء المساجد الكبرى، أوقات كثيرة. وهناك موضوعات كثيرة تجمع هؤلاء الخطباء، وهي مخاطبة المعتدين على هذه الأمة، مخاطبة تقيم عليهم الحجة، وتبين لهم سوء عواقب عدوانهم على المسلمين، حيث يزرعون بعدوانهم حقد الشعوب الإسلامية عليهم، وشدة غيظهم الذي ليس في مصلحتهم ولا في مصلحة شعوبهم، وأن ذلك يعَرِّض مصالحهم السياسية والاقتصادية، والدبلوماسية والعسكرية، لمخاطر عظيمة، وأنهم إذا كانوا اليوم أقوياء تمكنهم قوتهم من العدوان على المسلمين، فقد تتبدل الأحوال، وتتغير، فيصبح الضعيف قوياً، والقوي ضعيفاً، وعندئذ سيأخذ المظلوم حقه من المعتدي، والبادئ أظلم: {إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ}. [آل عمران: 140].

وكذلك يرسلون في خطبهم رسائل، إلى الشعوب التي يعتدي حكامها على البلدان الإسلامية، يذكرونهم بمغبة هذا العدوان الذي سيعود عليهم بالخسران؛ لأن حكامهم المعتدين سيزولون، وسترث شعوبهم آثار عدوانهم؛ لأنهم هم الذين يدعمون ذلك العدوان، بالأموال والتأييد السياسي والعسكري، وستحتفظ الشعوب المعتدى عليها، إسلامية كانت أو غير إسلامية، بحقها في القصاص ممن يعتدي عليها، وأن الخسران المبين سيكون وقعه على الشعوب أعظم من وقعه على حكامهم المعتدين. إن التفات خطباء الجوامع الكبرى في العالم إلى هذه المعاني التي لا ينكرها ذو عقل سليم، يسهل عليهم اجتياز هذه العقبة، والاتفاق على التنسيق فيما بينهم، لتوحيد خطبهم في تلك الموضوعات وما أشبهها في أوقاتها المناسبة... العقبة الثانية: وقوف بعض الحكام في من تعاون أئمة الجوامع الكبرى وخطبائها في البلدان الإسلامية، لخوف كثير من تلك الحكومات، من اتصال بعض العلماء في العالم الإسلامي ببعض، بأن هذا الاتصال وهذا التنسيق، سيعود عليهم بالضرر؛ لأن غالب حكام الشعوب الإسلامية يمنعون تطبيق شريعة الله في بلدانهم، وبعضهم يحارب الدعوة إلى تطبيق الشريعة الإسلامية ودعاتها. وهذه العقبة من أصعب العقبات؛ لأن المساجد في غالب البلدان الإسلامية، تسيطر عليها وزارات الأوقاف والأديان، التي تقوم هي بتوظيف الأئمة والخطباء، أو تقيد نشاطهم التعليمي والدعوي، بما لا يخرج عن توجيهها ونظامها، ولا شك أن إحكام سيطرتها على الجوامع الكبرى، أشد من بقية المساجد. وينبغي لتجاوز هذه العقبة، أن يسدد خطباء هذه الجوامع ويقاربوا، وأن تكون عندهم من الحكمة والحنكة وحسن الرأي، ما يمكنهم من التغلب عليها، بملاطفة المسؤولين في دولهم، والثناء على ما يحققون لشعبهم من مصالح، وما يدفعون عنها من مفاسد، والحكمة في إنكار ما يصدر عنهم مما لا ينبغي، باتباع أسلوب: ((ما بال قوم...)) يقولون كذا أو يفعلون كذا، ومحاولة نصحهم سراً، ما أمكن ذلك، وإقناعهم بأن التنسيق مع بقية خطباء الجوامع الكبرى في بلدان المسلمين، إنما يقصد بها تحقيق مصالح هذه البلدان، ودفع الشرور عنها، ويطمئنون أولئك الحكام بعدم التعرض لما يجلب عليهم ضراً... ولا بد أن يقارن الأئمة والخطباء، بين المصالح والمفاسد، في تنسيقهم، فيقدمون على ما يجلب أعلى المصالح، وإن فوتوا مصالح أدنى، ويتركوا أعلى المفاسد، وإن ارتكبوا مفاسد أدنى، وهذا يحتاج إلى موازنة الحكماء، وورع الأتقياء، وخبرة الفقهاء، وسياسة ذوي التدبير والدهاء. العقبة الثالثة: التشويه الإعلامي الذي يسيطر عليه ـ في الغالب ـ المنافقون الذين، يغيظهم انتشار الوعي الإسلامي، الذي يقي عقول المسلمين من باطلهم الذي يضللونها به، قبل وصوله إليها، ويطهرها منه بعد غزوه لها، ويملأها بالحق الذي إذا سكنها، انطلق أهلها بالسبق بهذا الحق إلى جماهير الناس، مؤيداً بالحجة والبرهان والفطرة السليمة، فيدمغ الباطل فإذا هو زاهق، فيكثر بهم سواد المناصرين لهذا الدين، ويقلل من يظاهر المعادين له من أهل الباطل. ولهذا يسلط الإعلاميون المناوئون لانتشار الوعي الإسلامي، وسائل إعلامهم، على العلماء والمفكرين، ويرمونهم بأي نقيصة يستطيعون رميهم بها، ويصورونهم بالرجعيين، والظلاميين، وينسبونهم إلى الإرهاب، والأصولية ـ كلمة الأصولية تطلق عند الغربيين على فرقة من فرق النصارى البروتستانت، تتمسك بنصوص محرفة تمسكاً جامداً، ويحكمون على كل من يخالف ظواهر تلك النصوص عند الفئات الأخرى من النصارى، بأنها على باطل، وهي ترجمة لمعنى كلمة: ESSENTIALISM في اللغة الإنجليزية. مع العلم أن الأصولية عند علماء الإسلام، نسبة إلى الأصول، والأصولي في الشريعة الإسلامية هو الذي يعتقد أصول الإيمان والإسلام ويفقههما فقهاً صحيحاً، وهو العالم بموازين الحكم الصحيح في الشريعة الإسلامية، عن طريق تضلعه في علم أصول الفقه وقواعده، وقواعد الأحكام، وأصول التفسير وأصول الحديث ـ وهم بذلك يشوهون دعوة علماء الإسلام التي يعلمون حقيقة العلم أنها هي الحق، ليحولوا بين الناس ووصول حقائق تلك الدعوة إلى عقولهم. [14]. ولتجاوز هذه العقبة وسائل: الوسيلة الأولى: جماهير المصلين من المسلمين، الذين يحضرون يوم الجمعة، في كل أقطار الأرض، حضوراً مفروضاً عليهم في شرع الله، لأداء صلاة الجمعة، وسماع خطبتيها، وسماع هاتين الخطبتين واجب على كل المصلين الحاضرين، ويحرم عليهم الكلام أثناءهما لغير حاجة، ولا توجد خطبة يجب على المسلمين حضورها وسماعها والإنصات لها غيرهما. فهذه الجماهير الإسلامية التي تحضر لسماع خطب الجمعة، قادرة على الرد على افتراء المفترين، وتشويه المشوهين؛ لأنهم ينتشرون في كل أنحاء الأرض، وصِلاتهم بالناس واسعة، فهم يتصلون بأسرهم، وجيرانهم، وأصدقائهم، وزملائهم في الأعمال العامة والخاصة، وهذا يمكنهم من التصدي لأعداء الإسلام والرد عليهم. الوسيلة الثانية: انتشار وسائل الاتصال التي يمكن أن يستغلها العلماء، ومنها بعض وسائل الإعلام التي تتيح فرصاً للآراء المتنوعة، إما مباشرة، كما هو الحال في بعض البرامج التي تذاع في بعض المحطات المحلية، أو الفضائيات العالمية، وإما بإرسال رسائل مختصرة، إلى تلك المحطات، وكذلك بعض الصحف التي قد تنشر للعلماء بعض الموضوعات، مجاناً أو بأجر معين. الوسيلة الرابعة: "أشرطة الكاسيت" الميسرة التي يمكن استغلالها ونشرها بوسائل كثيرة، في أماكن بيعها، أو في التجمعات الطلابية، كالمدارس والمعاهد والجامعات، والمصانع والشركات... والمعارض وكذلك "أشرطة الفيديو" ويمكن إرسالها إلى صناديق البريد في كل بلد، إلى من يمكن أن يقوم بنشرها. الوسيلة الخامسة: المؤتمرات المحلية... في المدن، أو القطرية على مستوى البلد، أو الإقليمية على مستوى الأقطار المتقاربة، أو الدولية، وقد تتيسر تحت مظلات بعض المؤسسات الإسلامية الشعبية أو الرسمية. الوسيلة السادسة: ـ وهي جديدة الانتشار ـ الشبكة العالمية "الإنترنت" التي أصبحت في متناول الفرد العادي، في كل أنحاء الأرض، ولو أن العلماء و الأئمة والخطباء، استغلوا هذه الوسيلة، الميسرة السريعة التي توصل الرسائل، إلى المتلقين في لحظة واحدة، في كل مكان في الأرض، لو أنهم استغلوها لتجاوزوا بها كل العقبات، وهي توصل الرسالة بالكتابة والصوت والصورة، بإرسال موضوعات، وبالحوارات المباشرة، وبالبريد الإلكتروني والماسنجر وغير ذلك مما أهمله غالب العلماء والأئمة والخطباء... وعن طريق هذه الوسيلة يمكنهم أن يتواصلوا وينسقوا فيما بينهم وهم في منازلهم، وهي تغنيهم عن كثير من الوسائل. العقبة السابعة: الحملات الظالمة من قبل الدول الغربية، تحت قيادة أمريكا التي نصبت نفسها محاربة للإسلام والمسلمين، باسم القضاء على الإرهاب، فإنها تحاول عرقلة الاتصال بين الأئمة والخطباء في العالم الإسلامي، من أجل توحيد خطبهم في الأحداث المهمة، وتضغط على حكومات الشعوب الإسلامية، لمنعهم من ذلك... ولكن الواجب على العلماء والأئمة والخطباء، ألا يستسلموا لعدوان اليهود والنصارى على حريتهم، وأن يجتهدوا في إقناع حكوماتهم، بعدم الاستجابة لتلك الدول المعتدية، حفاظاً على سيادتها واستقلالها، مع مراعاة ما سبق من التلطف مع دولهم، والحكمة في مخاطبتهم ونصحهم... وبالجملة إذا أغلقت على الأئمة والخطباء والدعاة، سبيل، فليجتهدوا في سلوك سبيل أخرى، والله تعالى يقول: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ }. [الطلاق: 2-3]. والمهم الإرادة والسعي، وعدم الاستسلام للواقع.
1 - الفتاوى (28/260ـ261)
2 - كما هو الحال في بعض البلدان الإسلامية التي استولى عليها الكفار المستعمرون فأفسدوا بعض شبابها وربوهم على بغض الدين ومحاربة مؤسساته
3 - مسلم (1/465)
4 - راجع صحيح البخاري (1/165)
5 - البخاري (6/112)
6 - البخاري (8/214)
7 - راجع صحيح البخاري (3/165)
8 - صحيح البخاري (7/157ـ158) وصحيح مسلم (1/284)
9 - راجع صحيح مسلم (2/597) في قصة الرجل الغريب الذي سأله وهو يخطب، فترك الخطبة وأقبل عليه يكلمه ثم أتم خطبته
10 - راجع صحيح مسلم (2/637)
11 - مسلم (1/381ـ382)
12 - مسلم (2/592)
13 - المقدمة، دار الكتاب اللبناني ومكتبة المدرسة، بيروت، صفحة (388)
14 - الجملة الاعتراضية مأخوذ من كتاب الإيمان هو الأساس للمؤلف



السابق

الفهرس

التالي


12295731

عداد الصفحات العام

420

عداد الصفحات اليومي

جقوق الطبع محفولموقع الروضة الإسلامي 1446هـ - 2025م