﴿۞ یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ لَا تَتَّخِذُوا۟ ٱلۡیَهُودَ وَٱلنَّصَـٰرَىٰۤ أَوۡلِیَاۤءَۘ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِیَاۤءُ بَعۡضࣲۚ وَمَن یَتَوَلَّهُم مِّنكُمۡ فَإِنَّهُۥ مِنۡهُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا یَهۡدِی ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّـٰلِمِینَ ۝٥١ فَتَرَى ٱلَّذِینَ فِی قُلُوبِهِم مَّرَضࣱ یُسَـٰرِعُونَ فِیهِمۡ یَقُولُونَ نَخۡشَىٰۤ أَن تُصِیبَنَا دَاۤىِٕرَةࣱۚ فَعَسَى ٱللَّهُ أَن یَأۡتِیَ بِٱلۡفَتۡحِ أَوۡ أَمۡرࣲ مِّنۡ عِندِهِۦ فَیُصۡبِحُوا۟ عَلَىٰ مَاۤ أَسَرُّوا۟ فِیۤ أَنفُسِهِمۡ نَـٰدِمِینَ ۝٥٢ وَیَقُولُ ٱلَّذِینَ ءَامَنُوۤا۟ أَهَـٰۤؤُلَاۤءِ ٱلَّذِینَ أَقۡسَمُوا۟ بِٱللَّهِ جَهۡدَ أَیۡمَـٰنِهِمۡ إِنَّهُمۡ لَمَعَكُمۡۚ حَبِطَتۡ أَعۡمَـٰلُهُمۡ فَأَصۡبَحُوا۟ خَـٰسِرِینَ ۝٥٣﴾ [المائدة ٥١-٥٣]
(67) سافر معي في المشارق والمغارب :: 66- سافر معي في المشارق والمغارب :: (34) دور المسجد في تربية الأحداث ووقايتهم من الانحراف :: (033) دور المسجد في تربية الأحداث ووقايتهم من الانحراف. :: (067) سافر معي في المشارق والمغارب :: (066) سافر معي في المشارق والمغارب :: (031) دور المسجد في تربية الأحداث ووقايتهم من الانحراف :: (065) سافر معي في المشارق والمغارب :: (030) دور المسجد في التربية وعلاج انحراف الأحداث :: :: :: :: :: :: :: :: :: ::
   
جملة البحث



السابق

الفهرس

التالي

ثالثا: العدل.
والعدل من أسس صفات أهل الحق، وهو مطلوب ضرورة في الحياة عند كل الأمم، ولا تستقيم الحياة بدونه، والأمم كلها مسلمها وكافرها تعلم أنه ضرورة لحياتها، لأن كل فرد وكل أسرة وكل أمة تحرص على أن لا يمسها غيرها بالظلم، بل تحب أن ينصفها المتعامل معها، لكن الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر وشريعة الله العادلة-وهم أهل الباطل-يحرصون على أن يعاملهم الناس بالعدل، والغالب أنهم إذا قدروا على ظلم غيرهم-من غير أن ينالهم ضرر-لا يتورعون عن الظلم، لأنهم لا يخشون جزاء ولا عقابا إلا إذا نالهم القانون والقضاء وما يسمى بأجهزة الأمن-في الدنيا-فإذا أمنوا من ذلك كله، فالأصل عندهم الأثرة وظلم الغير، لأنهم أهل باطل. والذي لا يحب الظلم ويلازمه العدل مع القريب والبعيد والصديق والعدو، هو المؤمن بالله وبرسوله صلى الله عليه وسلم واليوم الآخر الذي يلتزم بشريعة الله وحكمه وينفذهما، وهؤلاء هم أهل الحق، لأن الحق تعالى أمرهم بالعدل ونهاهم عن الظلم، وهم يطمعون في ثوابه على طاعته ويخافون من عقابه على معصيته، ويعلمون أن إيمانهم لا يكمل إلا إذا أحبوا لغيرهم ما يحبون لأنفسهم من الخير، وقد يصل بهم إيمانهم إلى التنازل عن بعض حقوقهم الخاصة، إذا كان التنازل عنها مشروعا، ولكنهم يحرصون على إيفاء الناس حقوقهم بدون نقصان. وقد أكد الله تعالى لعباده أنه يأمر بالعدل والإحسان وينهي عما يناقضهما من الظلم والفساد والمنكر، فقال تعالى: {إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهي عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون}. وقد نهى الله رسوله عن اتباع أهواء أهل الكتاب الذين تفرقوا من بعد ما جاءهم العلم، وأمره أن يعلن للناس إيمانه بما أنزل الله، وأنه أمر بالعدل بينهم، كما قال تعالى: {فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب، وأمرت لأعدل بينكم الله ربنا وربكم لنا أعمالنا ولكم أعمالكم لا حجة بيننا وبينكم الله يجمع بيننا وإليه المصير}. وأمر الله تعالى عباده المؤمنين-كما أمر نبيه-بالعدل ولو كان على أنفسهم ونهاهم عن اتباع الهوى-كما نهى نبيه-كما قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا}. فالهوى كثيرا ما يغري الإنسان بالظلم وترك العدل، إما لجر مصلحة لصاحبه أو لقريب أو صديق، وإما لإنزال ضرر بعدو بغيض. والحق سبحانه وتعالى أراد أن يستأصل هذا الهوى الظالم في كلا الأمرين: محاباة القريب، بل والنفس، كما مضى، وبغض العدو أو الخصم، فقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون}. إنه قمة ما تحتاج إليه الأمم في كل زمان: أن ينصف القادر خصمه ولو على نفسه أو أقربائه وأن يعدل مع أشدّ أعدائه. وقد يرى أعداء الحق أن هذا من المثاليات قد تدور بالخيال ولكن تطبيقها في الواقع بعيد المنال، وهذا الرأي صحيح بالنظر إلى الأوضاع التي يعيش الناس فيها بعيدا عن منهج الحق وتطبيقه: منهج الله الذي أنزله في كتابه ودعا إليه عباده، وقد استجاب لدعوته الرعيل الأول من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فطبقوه تطبيقا تندب البشرية اليوم حظها التعيس لفقده، وتبعهم على ذلك أهل الحق ولا زال منهم من يتمسك به-وإن كانوا قلة في هذا الزمان-ولو عاد المسلمون إلى ذلك المنهج من جديد، لرأت الأمم في الأرض ما تتمناه من العدل الذي أمر الله به على وجه العموم، وأمر به في الحكم كما قال تعالى: {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعمّا يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا}. وأمر به في الشهادة كما قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم}. وأمر به في الصلح بين الناس، بحيث لا يكون في الصلح ظلم لأحد المتخاصمين، بسبب ضعفه وقوة خصمه أو لغير ذلك، كما قال تعالى: {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفئ إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين}. وأمر به في التعامل الأسري، فقال تعالى: {فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت إيمانكم ذلك أدنى أن لا تعولوا}. وكل الحقوق التي أمر الله بها، وكل المظالم التي نهى الله عنها، إنما تتحقق بالعدل الذي هو ملازم لأهل الحق بحسب نصيبهم منه. وصح عن: رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه قال: "إن المقسطين عند الله على منابر من نور". وقد ربى رسوله الله صلى الله عليه وسلم أصحابه-وكل رسول سبقه كذلك-على العدل، حتى اعترف لهم بذلك أعداؤهم من أهل الكتاب كما في حديث ابن عباس رضي الله عنهما، قال: افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر، واشترط أن له الأرض وكل صفراء وبيضاء . قال أهل خيبر: نحن أعلم بالأرض منكم فأعطناها على أن لكم نصف الثمرة، ولنا نصف، فزعم أنه أعطاهم على ذلك، فلما كان حين يصرم النخل بعث إليهم عبد الله بن رواحة، فحرز عليهم النخل، وهو الذي يسميه أهل المدينة الخرص، فقال: في ذِه كذا وكذا، قالوا أكثرت علينا يا ابن رواحة، فقال: فأنا أَلي حزر النخل وأعطيكم نصف الذي قلت. قالوا: هذا الحق (و) به تقوم السماء والأرض قد رضينا أن نأخذه بالذي قلت" . وعن سليمان بن يسار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يبعث عبد الله بن رواحة إلى خيبر، فيخرص بينه وبين يهود خيبر، قال: فجمعوا له حليا من حلي نسائهم، فقالوا له: هذا لك وخفف عنا وتجاوز في القسم، فقال عبد الله بن رواحة: (يا معشر اليهود! والله إنكم لمن أبغض خلق الله إليّ وما ذاك بحاملي على أن أحيف عليكم، فأما ما عرضتم عليّ من الرشوة فإنها سحت، وإنا لا نأكلها). فقالوا: بهذا قامت السماوات والأرض . وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (وأمور الناس تستقيم مع العدل الذي فيه الاشتراك في أنواع الإثم، أكثر مما تستقيم مع الظلم في الحقوق وإن لم تشترك في إثم، ولهذا قيل: إن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا يقيم الظالمة وإن كانت مسلمة، ويقال: الدنيا تدوم مع العدل والكفر ولا تدوم مع الظلم والإسلام، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ليس ذنب أسرع عقوبة من البغي وقطيعة الرحم". فالباغي يصرع في الدنيا وإن كان مغفورا له مرحوما في الآخرة، وذلك أن العدل نظام كل شئ، فإذا أقيم أمر الدنيا بعدل قامت، وإن لم يكن لصاحبها في الآخرة من خلاق، ومتى لم تقم بعد ل لم تقم وإن كان لصاحبها من الإيمان ما يجزى به في الآخرة ...) وإن الذي يتأمل أحوال العالم اليوم، يدرك المآسي التي نزلت به بسبب فقد العدل أو قلته التي تقترب من العدم، فلا نجد ضعيفا ينصفه القوي-إلا ما شاء الله-من الأفراد والجماعات والدول، ولو أردنا أن نضرب أمثلة لذلك لطال بنا المقام. ويكفي أن تقعد قليلا أمام شاشة التلفاز، لترى ماذا يفعل اليهود بأطفال فلسطين وشيوخها ونسائها من قهر وإذلال وقتل وتشريد وسجن واعتقال وهدم منازل بالصواريخ على من فيها. وأن ترى نصارى الصرب وهم يفعلون بالمسلمين في البوسنة والهرسك، أعظم مما فعله اليهود، وذلك في وسط قارة الحرية والعدل والمساواة . والعالم كله يمور بالفتن والمصائب بسبب الظلم وفقد العدل، وهيئة الأمم المتحدة ومنظماتها ومجلسها المسمى بمجلس الأمن، تتصرف فيها دولة واحدة استبدت بالأمر، تحرك تلك الهيئة ومنظماتها ودول العالم كله كما تريد، فإذا رأت أن لها مصلحة من التدخل في أي حدث يقع في العالم أجلبت بخيلها ورجلها وحشدت كل الدول لتحقيق مآربها ولو أهلكت بذلك الحرث والنسل مدعية أنها تنصف المظلوم من ظالمه، وإذا رأت أن عدم التدخل من مصلحتها أحجمت عن التدخل في الحدث وروضت غيرها على الإحجام بأسلوب ماكر مخادع، أو بتهديد شديد ظالم. وكيف يرجى من هيئة الأمم المتحدة خير لضعيف وهي تصدر قراراتها بالإجماع أو الأغلبية، فَتُعَطِّل كُلَّ تلك القرارات دولةٌ واحدة عند التنفيذ؟! بل أين العدل والإنصاف فيما يسمى مجلس الأمن وقد احتشدت بجواره جميع دول العالم، ومع ذلك تستطيع دولة من خمس دول تعطيل أي قرار يصدره . وبهذا يعلم أن العدل-وهو صفة ملازمة لأهل الحق-هو الذي يثبت الحق ويطرد الباطل، وأن الظلم-وهو ملازم لأهل الباطل-هو الذي تشقى به البشرية على مدار التاريخ. وإذا شئت أن تعرف أنموذجا للظلم الغاشم، وبخاصة على المسلمين من أعلى مسؤول في هيئة الأمم المتحدة، فاقرأ عن مواقف أمينها العام العربي النصراني المصري بطرس غالي، من قضية المسلمين في البوسنة والهرسك وإصراره على عدم تدخل الأمم المتحدة لحماية هؤلاء المسلمين الذين يتعرضون لأبشع اعتداء من قبل إخوانه الصرب النصارى .



السابق

الفهرس

التالي


12296490

عداد الصفحات العام

1179

عداد الصفحات اليومي

جقوق الطبع محفولموقع الروضة الإسلامي 1446هـ - 2025م