﴿۞ یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ لَا تَتَّخِذُوا۟ ٱلۡیَهُودَ وَٱلنَّصَـٰرَىٰۤ أَوۡلِیَاۤءَۘ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِیَاۤءُ بَعۡضࣲۚ وَمَن یَتَوَلَّهُم مِّنكُمۡ فَإِنَّهُۥ مِنۡهُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا یَهۡدِی ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّـٰلِمِینَ ۝٥١ فَتَرَى ٱلَّذِینَ فِی قُلُوبِهِم مَّرَضࣱ یُسَـٰرِعُونَ فِیهِمۡ یَقُولُونَ نَخۡشَىٰۤ أَن تُصِیبَنَا دَاۤىِٕرَةࣱۚ فَعَسَى ٱللَّهُ أَن یَأۡتِیَ بِٱلۡفَتۡحِ أَوۡ أَمۡرࣲ مِّنۡ عِندِهِۦ فَیُصۡبِحُوا۟ عَلَىٰ مَاۤ أَسَرُّوا۟ فِیۤ أَنفُسِهِمۡ نَـٰدِمِینَ ۝٥٢ وَیَقُولُ ٱلَّذِینَ ءَامَنُوۤا۟ أَهَـٰۤؤُلَاۤءِ ٱلَّذِینَ أَقۡسَمُوا۟ بِٱللَّهِ جَهۡدَ أَیۡمَـٰنِهِمۡ إِنَّهُمۡ لَمَعَكُمۡۚ حَبِطَتۡ أَعۡمَـٰلُهُمۡ فَأَصۡبَحُوا۟ خَـٰسِرِینَ ۝٥٣﴾ [المائدة ٥١-٥٣]
(67) سافر معي في المشارق والمغارب :: 66- سافر معي في المشارق والمغارب :: (34) دور المسجد في تربية الأحداث ووقايتهم من الانحراف :: (033) دور المسجد في تربية الأحداث ووقايتهم من الانحراف. :: (067) سافر معي في المشارق والمغارب :: (066) سافر معي في المشارق والمغارب :: (031) دور المسجد في تربية الأحداث ووقايتهم من الانحراف :: (065) سافر معي في المشارق والمغارب :: (030) دور المسجد في التربية وعلاج انحراف الأحداث :: :: :: :: :: :: :: :: :: ::
   
جملة البحث



السابق

الفهرس

التالي

المبحث الرَابع: المسجد تطبيق عملي للدعوة إلى الإيمان والعمل الصالح والجهاد في سبيل الله.
إن الكاتب مهما تحدث عن مكانة المسجد، ومهما أورد من النصوص في ذلك، فإن وظائف المسجد أكثر إظهاراً لمكانته في الإسلام، فعلى سمائه ترتفع الدعوة إلى الإيمان والعمل الصالح، وفي صحنه يُؤخذ الإيمان، ويُؤدى العمل الصالح، ومن على منبره يُعَلَّم الإيمان والعمل الصالح، وفيه يُدعى إلى الجهاد في سبيل الله، وفيه تُنظم كتائب الجهاد في سبيل اللّه، ومنه تنطلق جحافل الإيمان تحت راية الجهاد في سبيل اللّه. فمن المسجد ينطلق صوت المؤذن مدوياً في كل حي من أحياء مدن المسلمين وقراهم، وكل ما يعمل في المسجد من الخير، إنما هو استجابة لنداء الحق الذي اشتملت عليه ألفاظ الأذان. إن الأذان يبدأ بتعظيم الخالق، ووحدة المعبود ((اللّه أكبر.. أشهد أن لا إله إلا الله)). ثم يتبعه وحدة المتبوع: ((أشهد أن محمداً رسول اللّه)). ثم تأتي الدعوة إلى إقامة أعظم ركن بعد الشهادتين: ((حي على الصلاة)). ثم الدعوة إلى الفلاح، وهو الفوز العام برضا المعبود واتباع المتبوع: ((حيّ على الفلاح)). ثم يختم بما افتتح به، وهو التعظيم والتوحيد: ((اللّه أكبر.... لا إله إلا اللّه)). وبنحو ذلك تأتي الإقامة لكل صلاة. إنها دعوة فورية إلى الإيمان والعمل الصالح، وتطبيق فوري للإِيمان والعمل الصالح، فالأذان والصلاة بجميع أذكارها وقراءتها، قيامها وركوعها وسجودها، وقعودها، وحركاتها وسكناتها هي تثبيت للإيمان، وهى تعظيم وتوحيد للإله المعبود، وهي إتباع للرسول الكريم صلى الله عليه وسلم. ينطلق صوت المؤذن في اليوم والليلة خمس مرات في كل أرجاء الأرض، فيستجيب له ملايين الناس، تاركين كل شيء وراءهم، ليُقَوُّوا صلتهم بربهم، ويُؤدوا له ما فرض عليهم في بيوته التي أذن أن ترفع، ويذكر فيها اسمه. إن أوقات الراحة التي يصعب على غير المسلم الصادق فيها أن يفارق مضجعه، تجد المسلم يثب فيها مُلبياً نداء الحق، ولا يتكاسل عن حضور صلاة الجماعة في تلك الأوقات إلا من يتهم بالنفاق ـ ما لم يكن معذوراً شرعاً ـ ولهذا روى أبو هريرة رضي اللّه عنه، قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: ((إن أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوا، ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم آمر رجلاً ليصلي بالناس، ثم انطلق معي برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة، فأحرق عليهم بيوتهم بالنار)). [1]. فالمسجد هو مقر إقامة الصلاة المفروضة، والذي يتخلف عنه بدون عذر يسم نفسه بسمة النفاق، ويجب على ولي الأمر أن يحمل رعيته على حضور صلاة الجماعة في كل وقت، وأن يتخذ الوسائل المناسبة، من الترغيب والترهيب، غير ما تركه الرسول صلى الله عليه وسلم وهو الإحراق بالنار، لحضور المساجد لأداء الصلوات المفروضة. وهذا ما فهمه أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، بأنه لا يتأخر عن حضور صلاة الجماعة بدون عذر إلا المنافق، وكانوا من شدة خشيتهم على أنفسهم من النفاق، يحضرون صلاة الجماعة، وهم مرضى يهادي الرجل منهم بين الرجلين، ويرون أن من لم يحضر الصلاة وهو قادر، ضال عن سبيل اللّه وهداه. قال ابن مسعود رضي اللّه عنه: "من سرَّه أن يلقى اللّه غداً مسلماً، فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث ينادى بهن، فإن اللّه شرع لنبيكم سنن الهدى، وإنهن من سنن الهدى، ولو أنكم صليتم في بيوتكم، كما يصلي هذا المتخلف في بيته، لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم، وما من رجل يتطهر فيحسن الطهور، ثم يعمد إلى مسجد من هذه المساجد، إلا كتب اللّه له بكل خطوة يخطوها حسنة، ويرفعه بها درجة، ويحط عنه بها سيئة، ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق، ولقد كان الرجل يؤتي به يهادي بين الرجلين، حتى يقام في الصف)). [1]. وللمسلمين عيد أسبوعي يجتمع فيه أهل كل مدينة في أكبر مساجدهم، وهم في غاية النظافة، وبأجمل اللباس، وبأطيب الروائح، أفضلهم أجراً من جاء مبكراً إلى المسجد، وذلك لحضور صلاة الجمعة، والإنصات لخطبتيها قبل الصلاة. إن المسلمين في هذا اليوم، يخرجون من بيوتهم لصلاة الجمعة، وسماع خطبتيها فرضاً وليس ندباً، وليس هناك خطبة يجب الإنصات لها بدون لغو ولا عبث كخطبتي الجمعة، لذلك يستطيع الخطيب في يوم الجمعة أن يتعرض لأي أمر يرى المسلمين يحتاجون إلى بيانه، ويستطيع المسلم بسماعه خطب الجمعة، أن يتعلم كثيراً من أمور دينه وما يحل له وما يحرم عليه. إن خطب الجمعة يمكن أن تستمر في سلسلة طويلة عن معنى الإيمان، وما يقويه وما يضعفه، وأخرى عن بيان فروض العين، وما يتعلق بها، وسلسلة أخرى عن بيان فروض الكفاية، ورابعة عن الجهاد في سبيل اللّه، وخامسة عن أساليب الدعوة إلى اللّه، وسادسة عن مكر أعداء اللّه ووسائل الوقوف ضدهم، وهكذا يبدو جلياً أن خطب الجمعة وحدها، مدرسة مستمرة إلى يوم القيامة، لو أحسن القيام بها، ووجد الخطيب الكفء في جوامع المسلمين. وهناك صلوات النوافل التي تسن إقامتها في المسجد، منها تحية المسجد التي يسن أن يصليها ركعتين قبل جلوسه، وصلاة التراويح التي أقامها رسول اللّه صلى الله عليه وسلم في بعض ليالي رمضان، ثم تركها خشية أن تفرض على أمته، ولما توفى صلى الله عليه وسلم، وانتفت العلة أقامها أصحابه، رضي اللّه عنهم جماعة وراء إمام واحد اقتداء به صلى الله عليه وسلم. وكذلك صلاة ركعتين بين الأذان والإقامة من كل صلاة، ولا مانع من أداء النوافل الراتبة قبل الصلاة، وبعدها في المسجد، وإن كان الأفضل أداؤها في المنازل. وكذلك صلاة العيدين، يجوز أداؤها في المسجد، وإن كان الأفضل أن تقام في الصحراء، وكذلك صلاة الاستغاثة، وفي المسجد تقام صلاة الكسوف لكسوف الشمس، وصلاة الخسوف لخسوف القمر، ومع كل تلك الصلوات، يسن أن يخطب الإمام الناس خطبة فيها تناسب المقام. ومن الأعمال الصالحة التي تؤدى في المسجد قراءة القرآن بتدبر وخشوع، وحفظه والاجتماع لتدارسه، كما روى أبو هريرة رضي اللّه عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثاً، وفيه: ((وما اجتمع قوم في بيت من بيوت اللّه، يتلون كتاب اللّه، ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليه السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم اللّه فيمن عنده)). [3]. وتدارس كتاب الله شامل لقراءته وتعليمه للصغار وللعامة من الكبار وغير ذلك مما يتعلق بكتاب الله، كتجويده وتفسيره استنباط أحكامه، وهذا ما كان يحصل في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته رضي الله عنهم ولا زالت بعض المساجد، وبخاصة المسجد الحرام و ومسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، تقام فيها حلقات القرآن الكريم للتلاوة المجردة ولتفسيره أحياناً، ولعل طلاب العلم الذين يحفظون كتاب الله وهم كثر، يجتهدون في دراسة تفسيره على أيدي العلماء الذي اهتموا بتفسير كتاب الله، سواء كانوا يقومون بذلك في المساجد أو في خارجه، ليجمعوا بين حفظه وفهم معانيه ويجتهدوا في قراءة كتب التفسير المتنوعة، وكتب علوم القرآن كأصول التفسير وعلوم اللغة العربية التي تعينهم على فهم كتاب الله، ثم ينتشروا في المساجد في بلدانهم ليعقدوا فيها حلقات يدرسون طلاب العلم القرآن الكريم وما يتصل به، لتبقى هذه الحلقات مستمرة. وإن طالب العلم الذي يرزقه الله حفظ كتابه، لا يليق به أن يحفظ ألفاظه ولا يفقه معانيه، وينشر فقهها بين من هو أقل منه علماً من شباب المسلمين. ومِنْ ذلك ذكر اللّه سبحانه، ما كان مقيداً منه بعدد ووقت، كالذكر أدبار الصلوات من تسبيح وتحميد وتكبير وتهليل، وما كان غير مقيد وهو الذكر المطلق الذي شرع اللّه الإكثار منه، ومنه التهليل والصلاة على رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وغيرها. [4]. ومن ذلك الاعتكاف المشروع في المسجد، وبخاصة في العشر الأخيرة من شهر رمضان، كما كان الرسول صلى الله عليه وسلم يفعله، وفعله أصحابه من بعده. ومن ذلك الصلاة على الجنائز التي اعتادها المسلمون، لكثرة المصلين، ويرجى من الخير للميت مع وجود الكثرة، ما لا يرجى مع القلة في الغالب. وهكذا كان المسجد منبراً للدعوة إلى الإيمان والعمل الصالح، كما كان تطبيقاً عملياً لتلك الدعوة السامية، من عهد رسول اللّه صلى الله عليه وسلم إلى أن تقوم الساعة، وإن مرت فترات ضَعُف فيها عمل الخير العام في المسجد، لبعد الناس عن تطبيق هدي المصطفى صلى الله عليه وسلم وهكذا كان صلى الله عليه وسلم يدعو الناس إلى الجهاد في مسجده، ويشاورهم في ذلك في مسجده، ويلبس سلاحه ويخرج إلى أصحابه في مسجده، وكان ينطلق بهم للجهاد من مسجده، كما كان ينطلق بهم للحج منه. [5]. وكان ينعي صلى الله عليه وسلم الشهداء من المجاهدين على منْبره. [6]. وعندما ارتدَّت العرب بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، وخشي أبو بكر أن يَغْزُوا المدينة، جعل على أنقابها ـ مداخلها ـ حراساً، وألزم الناس بحضور المسجد، ولما علم بغارة العدو خرج في أهل المسجد على النواضح، واتبعوا العدو حتى هزموهم. [7].
1 - مسلم (1/452)
2 - مسلم (1/452)
3 - صحيح مسلم (4/20074)وانظر جامع العلوم والحكم لابن رجب ص295
4 - وقد فصل ذلك ـ أي الذكر المقيد والمطلق ـ في كتب الأذكار، راجع منها: كتاب الأذكار للنووي، والكلم الطيب لابن تيمية رحمهما الله
5 - راجع البداية والنهاية لابن كثير (4/12ـ13)
6 - البداية والنهاية (4/255)
7 - نفس المرجع السابق (6/312ـ313)



السابق

الفهرس

التالي


12293681

عداد الصفحات العام

1214

عداد الصفحات اليومي

جقوق الطبع محفولموقع الروضة الإسلامي 1446هـ - 2025م