﴿۞ یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ لَا تَتَّخِذُوا۟ ٱلۡیَهُودَ وَٱلنَّصَـٰرَىٰۤ أَوۡلِیَاۤءَۘ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِیَاۤءُ بَعۡضࣲۚ وَمَن یَتَوَلَّهُم مِّنكُمۡ فَإِنَّهُۥ مِنۡهُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا یَهۡدِی ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّـٰلِمِینَ ۝٥١ فَتَرَى ٱلَّذِینَ فِی قُلُوبِهِم مَّرَضࣱ یُسَـٰرِعُونَ فِیهِمۡ یَقُولُونَ نَخۡشَىٰۤ أَن تُصِیبَنَا دَاۤىِٕرَةࣱۚ فَعَسَى ٱللَّهُ أَن یَأۡتِیَ بِٱلۡفَتۡحِ أَوۡ أَمۡرࣲ مِّنۡ عِندِهِۦ فَیُصۡبِحُوا۟ عَلَىٰ مَاۤ أَسَرُّوا۟ فِیۤ أَنفُسِهِمۡ نَـٰدِمِینَ ۝٥٢ وَیَقُولُ ٱلَّذِینَ ءَامَنُوۤا۟ أَهَـٰۤؤُلَاۤءِ ٱلَّذِینَ أَقۡسَمُوا۟ بِٱللَّهِ جَهۡدَ أَیۡمَـٰنِهِمۡ إِنَّهُمۡ لَمَعَكُمۡۚ حَبِطَتۡ أَعۡمَـٰلُهُمۡ فَأَصۡبَحُوا۟ خَـٰسِرِینَ ۝٥٣﴾ [المائدة ٥١-٥٣]
(67) سافر معي في المشارق والمغارب :: 66- سافر معي في المشارق والمغارب :: (34) دور المسجد في تربية الأحداث ووقايتهم من الانحراف :: (033) دور المسجد في تربية الأحداث ووقايتهم من الانحراف. :: (067) سافر معي في المشارق والمغارب :: (066) سافر معي في المشارق والمغارب :: (031) دور المسجد في تربية الأحداث ووقايتهم من الانحراف :: (065) سافر معي في المشارق والمغارب :: (030) دور المسجد في التربية وعلاج انحراف الأحداث :: :: :: :: :: :: :: :: :: ::
   
جملة البحث



السابق

الفهرس

التالي

من هنا بدأت المحاضرة الرابعة والثلاثون في 8/9/1384هـ
فهؤلاء قد سمعوا النص من الرسول صلى الله عليه وسلم مباشرة، واختلفوا فيه على حسب ما أعطيت كل طائفة من الفهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومما لا شك فيه أنهم اختلفوا اختلافاً متناقضاً، لأن إحدى الطائفتين صلت في الوقت، والأخرى صلت في خارج الوقت، فالأولى على وجود والأخرى على عدم، والنسبة بين الطائفتين من نسبة النقيض إلى نقيضه، كما قيل:

ومع ذلك اجتمعوا عند الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم في الأيام التي ينـزل عليه الملك فيها بالوحي من السماء، وأقر كل طائفة على ما فهمت، وهو لا يقر على باطل. [راجع قصة اختلاف الصحابة هذه في صحيح البخاري (5/50)، وصحيح مسلم (3/1391) إلا أنه في مسلم بلفظ : (لا يصلين أحد الظهر) بدل العصر، وراجع فتح الباري (7/407) وما بعدها]. وفي هذا دليل واضح في الرد على بعض المتنطعين الذين يحملون على الأئمة، ويطبقون هذه الآية وأمثالها عليهم، ويقولون نفي الرحمة عن المختلفين يدل على أنهم ضلال، وغالب هؤلاء المتحاملين تشبعوا بفكرة محمد بن حزم التي يتحامل فيها على العلماء، وهو وإن كان عالماً جليلاً، فإنه أخطأ في استدلاله على الأئمة بتلك النصوص، وقد دلت الشريعة الإسلامية أن للضلال أصلين، وأن للحق أصلاً واحداً، وهو الوسط بين ذينك الأصلين. فالأصلان اللذان ينشأ عنهما الضلال هما: ( 1 ) الإفراط: كما حدث من النصارى، بالنسبة لعيسى عليه السلام، حيث قالوا: المسيح ابن الله، أو الله، أو ثالث ثلاثة، وكما وقع من اليهود حيث قالوا: عزير ابن الله، وكما وقع في القدرية ـ منكري القدر ـ من الإفراط في أفعال العبد، حيث جعلوا العبد مستقلاً بكل ما يفعل، وليس ذلك بمشيئة الله ولا قدره. ( 2 ) التفريط: كما فعل اليهود بالنسبة لعيسى عليه السلام، حيث قالوا إنه ابن زنا، وأنكروا نبوته، وكما وقع من الجبرية، حيث زعموا أن العبد لا فعل له، بل هو مجبور من قبل الله، لا مشيئة له في حركة ولا سكون. أما الأصل ـ الذي هو الوسط بين الإفراط والتفريط ـ الذي ينبني عليه الحق، فهو ترك إفراط الْمُفْرطين، وتفريط المفرِّطين، فإن الحق بينهما، كما اعتقد المسلمون أن عيسى عليه السلام عبد الله ـ لا الله ولا ابن الله ولا ثالث ثلاثة ـ ورسوله ـ فأقروا برسالته ـ وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه ـ لا ولد زنا كما زعم اليهود عليهم لعائن الله. وكما اعتقدوا أن العبد فاعل حقيقة، وفعله ومشيئته تابعان لمشيئة الله، لا يفعل إلا ما شاء الله. كما قال تعالى: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ}. [التكوير:29].. فأثبت أن للعباد مشيئة تابعة لمشيئته التي يصرف بها مشيئة العبد إلا ما يطابق ما سبق به الأزل. إذا عرفت هذه الأصول الثلاثة، وأن الأولين منهما عنهما نشأ الضلال، وأن الثالث هو الذي ينبني عليه الحق، فاعلم أن الناس في الأئمة الفقهاء الإسلاميين رحمه الله ثلاثة أقسام: قسم أفرط فيهم حتى لو جيء بآية محكمة من كتاب الله تعالى أو حديث ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لم يُعارضه نص من النصوص، وهو يدل على خلاف ما نص عليه إمامه، لم يقبله، بل يعرض عنه إعراضاً كلياً. ويقول: أنا تابع للإمام الفلاني، فلا آخذ إلا بما نص عليه، وأهل هذا القسم قوم ضلال، ولو كان الأئمة أحياء لتبرءوا منهم، فهم منهم براء، وقد حذروا رحمهم الله من أن يأخذ أحد برأيهم بلا دليل، فضلاً عن أن يكون مخالفاً للدليل. وقسم فرَّط في حقهم، رحمهم الله فحكموا عليهم بأنهم ضالون وأن أقوالهم ضالة، ولم يراعوا لهم حرمة، ولا لما بذلوا من جهود في سبيل الدين والشريعة الإسلامية، فالأولون شابهوا النصارى الذين أطروا في عيسى عليه السلام واليهود الذين أطروا في عزير. وهؤلاء شابهوا اليهود الذين فرطوا في عيسى كما مضى. وقسم اعتدلوا، وهم الوسط بين المفرطين والمفرطين، فعرفوا للأئمة فضلهم، ولم يهضموهم حقهم، ولم يجعلوا أقوالهم بمنـزلة قول الشارع، بل رأوا أنهم مجتهدون، وإصابتهم أكثر من خطأهم، كما قال الإمام مالك، رحمه الله: كل كلام راد ومردود إلا كلام صاحب هذا القبر صلى الله عليه وسلم. فهم رحمهم الله يخطئون، ولكن عن اجتهاد، لا يذمون عليه بل يثبت لهم مع الخطأ أجر الاجتهاد، ومع الصواب أجر الاجتهاد وأجر الإصابة، وفيما مضى من قصة الصحابة الذين انتدبهم الرسول صلى الله عليه وسلم إلى بني قريظة الدليل الواضح على أن المختلفين قد يكون كل منهما على هدى، وقد دلت النصوص على أن للعالم أن يجتهد ويبذل وسعه، فإن وفق فيها ونعمت وله أجران، وإن أخطأ غفر له خطؤه وأُجِر على اجتهاده، كما ثبت في الحديث: (إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد وأخطأ فله أجر واحد) أو كما قال صلى الله عليه وسلم.. [انظر نص الحديث في صحيح البخاري (8/157)، ومسلم (3/1342)].. ويروى عن الحسن البصري، رحمه الله أنه قال: "لولا آية في كتاب الله لأشفقت على المجتهدين". وهي قوله تعالى: {وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (78) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً}. [الأنبياء: 78-79].. فبين أن داود وسليمان حكما في الحرث وأنه تعالى فهم سليمان الحكم وسكت عن داود، فدل على أنه لم يفهم الحكم، وما ذالك إلا لأنه باجتهاد منه، إذ لو كان بوحي لم يخطئ، فاجتهد كل منهما وأصاب واحد، ولم يصب الثاني. ثم قال تعالى: {وكلاً آتينا حكماً وعلما} فأثنى على سليمان في حكمه، كما أثنى على داود في علمه واجتهاده. وقد ثبت في الصحيحين أيضاً عن أبي هريرة أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (مثلي ومثل الناس كمثل رجل استوقد ناراً فجعل الفراش وهذه الدواب تقع في النار)، وقال: كانت امرأتان معهما ابناهما، فجاء الذئب فذهب بابن إحداهما، فقالت صاحبتها: إنما ذهب بابنك، وقالت الأخرى: إنما ذهب بابنك، فتحاكما إلى داود، فقضى به للكبرى، فخرجتا على سليمان بن داود عليهما السلام فأخبرتاه، فقال ائتوني بالسكين أشقه بينهما، فقالت الصغرى: لا تفعل يرحمك الله، هو ابنها، فقضى به للصغرى).. [البخاري (4/136) ومسلم (3/1344) وقد نقلت الحديث نصاً من صحيح البخاري لفوات بعض ألفاظه عليّ عندما كنت أكتبه مع الشيخ].. ويذكر في التأريخ أن امرأة جميلة في زمن داود وسليمان عليهما السلام جاءها أربعة نفر يريدون أن يفعلوا فيها ما لا ينبغي، فمنعت نفسها، فاشتوروا أن يرموها عند داود، فجاءوا إليه وقالوا له: إن هذه المرأة تُربي لها كلباً وتُمكنه من نفسها، وكان في شريعتهم أن المرأة إذا مكنت الكب من نفسها ترجم، فرجمها داود عليه السلام، بناء على شهادتهم. فلما علم سليمان عليه السلام بذلك، وكان يلعب مع الصبيان، فأحضر خمسة ممن كانوا معه، وسمى أحدهم باسم المرأة وسمى الأربعة الباقين، كل واحد باسم أحد الشهود، فقال للأربعة: ما تقولون؟ فقالوا: إنها مكنت الكلب من نفسها، فأمر بهم فأخذوا متفرقين، ثم طلب كل واحد منهم على حدة، فسأله ما لون الكلب؟ فقال الأول: أبيض، وقال الثاني: أسود، وقال الثالث: أحمر، وقال الرابع: أغبر، فقال: ارموهم فإنهم قتلوا ظلماً. فعلم أبوه داود بذلك، فأرسل من فوره أن يؤتى بالأربعة الذين شهدوا على المرأة قبل أن يطلعوا على ما حدث من سليمان، ففرقوا ثم جيء بهم كل واحد على حدة، فاستجوبهم عن صفة الكلب فاختلفوا فيه، فأمر بهم فقتلوا جميعاً.. [ذكر القصة ابن كثير، رحمه الله في تفسيره (3/187)].. ويذكر في تأريخ علي بن أبي طالب، رضي الله عنه في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أن رجلاً غنياً سافر مع قوم فقراء، ثم رجع الفقراء أغنياء والغني غير موجود، فقام أخو الغني يُطالبهم عند عمر ويقول: إن أخي سافر معهم وهو غني وهم فقراء، فرجعوا هم أغنياء، وليس أخي معهم ـ ولعل أخاه مات ـ فطلب منه البينة فلم يجد، فأمر له باليمين، فطلب منه أن يحيله وإياهم على عليٍّ، فأحالهم، فأمر بهم علي ففرقوهم، فطلب الأول منهم، فسأله فأنكر، فطلب الثاني، فقال عندما أقبل: الله أكبر قد ظهر الحق، فظن أن صاحبه أقرَّ، فاعترف، وهكذا فعل الثالث.. حتى أقروا كلهم، وهذا حكم عقلي وفراسة ظاهرة. [ذكر القصة ابن القيم رحمه الله في كتابه: الطرق الحكمية في السياسة الشرعية (ص:49) وما بعدها، ولكنه ذكر أن القاضي في المسألة هو شريح وأن الذي اشتكى هو ابن الغني، فلعلي وهمت أو أن القصة رويت حسب ما ذكر الشيخ في مصدر آخر]. فليس في قوله تعالى: إلا من رحم ربك ، الذي هو استثناء من قوله تعالى: ولا يزالون مختلفين .. دليل لمن تكلم في الأئمة الفقهاء رحمهم الله، لأن الاختلاف الذي تُنفي الرحمة عن صاحبه ليس هو من قبيل ما اختلف فيه الأئمة، رحمهم الله، فإنهم إنما اختلفوا في المسائل الفرعية التي تؤخذ من نصوصٍ للمجتهد فيها مجال في الإيراد والإصدار. كما أن الأنبياء عليهم السلام دينهم الواحد، ويختلفون في تفاصيل الشرائع، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إنا معاشر الأنبياء أولاد علات ) أي أبناء أمهات مختلفة ( وديننا واحد ) [سبق تخريج الحديث، وذكر نصه عند تفسير الآية: 59 من هذه السورة].. أي الأصل واحد وهو التوحيد والدعوة إلى الله، فالأئمة متفقون في الأصول، مختلفون في بعض الفروع على حسب ظهور الدليل عند كل واحد منهم. [قد يقال: فرق بين اختلاف الأنبياء في الشرائع، لأن شريعة كل نبي وحي من الله بخلاف الأئمة فإن اختلافهم ناتج عن اجتهاد كل منهم، ولكن هذا الفرق لا يؤثر، لأن الاجتهاد في الفقه الإسلامي مأذون فيه شرعاً مأجور عليه في حال الإصابة وحال الخطأ وما كان مأذوناً فيه شرعاً لا يمكن أن تنفي الرحمة عمن أذن له فيه]. ولا يرد على ما ذكر أن الطائفة التي على الحق مختلفة أيضاً فيما بينها ومع غيرها لأن الخلاف يتداخل، فاليهود مثلاً، مختلفون مع النصارى، وكل من طائفة اليهود وطائفة النصارى فرق كثيرة تختلف هذه عن هذه، وأمة محمد صلى الله عليه وسلم أيضاً مختلفة في الجملة مع غيرها، وهي كذلك فرق في ذاتها، ومنها فرقة لا تختلف في الحق، وهي التي رحمها الله، وهذا لا يُنافيه اختلافها في بعض الفروع، كما مر في قصة الصحابة الذين انتدبهم الرسول صلى الله عليه وسلم إلى بني قريظة. {ولذلك خلقهم}. التحقيق أن الإشارة راجعة إلى الاختلاف، لا إلى قوله: إلا من رحم ربك. كما ذهب إليه بعض المفسرين، أي خلقهم لأن يختلفوا إلى مؤمن وكافر وبر وفاجر وشقي وسعيد، ليصرف كلاً إلى ما كتب له في الأزل، ولتظهر فيهم آثار صفات الله تعالى وأسمائه، من رحمة ورضا وثواب للمطيعين، وقهر وجبروت وشدة عذاب للعاصين. كما قال تعالى: {فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ}. [الشورى:7].. وقال تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ}. [التغابن:2].. فهو سبحانه قد كتب على كل واحد من الناس ما هو واقع به من شقاء أو سعادة، وخير أو شر، قبل أن يخلقهم بخمسين ألف سنة. [راجع صحيح مسلم (4/2042-2044)].. وهنا سؤال مستحكم، وهو: أن الله تعالى صرح في هذه الآية أنه تعالى خلقهم للاختلاف ليكون فريق منهم في الجنة وفريق في السعير، وصرح في سورة الذاريات أنه إنما خلقهم لعبادته. كما قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ}. [الذاريات:56].. فما وجه المعنى في ذلك وظاهره التعارض؟ والجواب: أن الإرادة نوعان: كونية قدرية، وهي مشيئة الله وقوع الشيء أو عدم وقوعه، وإرادة شرعية دينية، بحيث يطلب المراد باعتبار الشرع، بحيث لو أدى الإنسان ما أريد منه شرعاً أثيب، وإن لم يؤدِّ ذلك استحق العقاب والنكال والعذاب. والإرادة الشرعية لا تستلزم الإرادة الكونية القدرية، لأن النفوذ وعدمه يتعلق بالإرادة القدرية، ولا يتعلق بالإرادة الشرعية، فالشيء الذي يُراد إرادة شرعية مطلوب شرعاً وديناً، لكن قد يريده الله كوناً وقد لا يريده كوناً وقدراً، فلا يقع. إذا عرفت هذا فاعلم أن قوله تعالى هنا في سورة هود: {ولذلك خلقهم} أي أراد ذلك منهم قدراً عند وجودهم، فوجد كما أراد الله سبحانه وتعالى. كما قال تعالى: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [يس:82].. وقال تعالى: {وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا} [السجدة: 13].. وقال تعالى: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى} [الأنعام: 35].. أما الآية التي في سورة الذاريات {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} فاللام فيها تدل على إرادة، وهذه الإرادة هي الدينية الشرعية، ولا يلزم من كونها أريدت شرعاً أن تكون مرادة كوناً وقدراً، فمعنى: {وما خلقت الإنس والجن إلا ليعبدون} أي ما خلقتهم إلا لأطلب منهم على ألسنة رُسُلي العبادة، يوضحه قوله تعالى في سورة الملك: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً}. [الملك: 2].. وإحسان العمل أخص من مطلق العبادة المذكورة في قوله: إلا ليعبدون .. ومعنى الآية: ليطلب ذلك منكم شرعاً، ويوفق من يشاء، يوضحه قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ}. [النساء: 64].. فقوله: إلا ليطاع يدل على أن ذلك إرادة شرعية، وقوله: بإذن الله يدل على الإرادة الكونية، فالطاعة مطلوبة شرعاً، ولكنها لا تقع إلا إذا أرادها الله قدراً. فالدعوة عامة، والتوفيق خاص. وذهب بعض المفسرين أن المراد بقوله: ولذلك خلقهم أنه خلقهم حنفاء فاجتالتهم الشياطين، ولكن الصواب ما ذكرنا بدليل قوله قبل ذلك: {ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة}. وقوله بعد ذلك: {وتمت كلمة ربك لأملأن جنهم من الجنة والناس أجمعين}. التمام ضد النقصان، أي صارت تامة لا نقص فيها ولا تخلف، بل هي نافذة على أحسن الوجوه. والكلمة في القرآن لا تطلق إلا على الكلام المفيد، فما قاله ابن مالك "وكلمة بها كلام قد يؤم" المشعر بالقلة، كما هي قاعدته في الألفية إذا جاء بقد مع المضارع، ليس المراد في اصطلاح القرآن، فإنه مطرد فيما ذكرنا. [سبق للشيخ أن تكلم على ذلك في تفسير الآية رقم: 110]. والصحيح أن الكلمة التي تمت هي ما ذكر بعدها، وهو قوله تعالى: {لأملأن جنهم من الجنة والناس أجمعين} وثبت في بعض الأحاديث أن النار لا يزال الله يلقي فيها وتقول: هل من مزيد، فيضع رب العزة قدمه عليها، فتقول: قط قَط [راجع صحيح البخاري (6/47) ومسلم (4/2186) وما بعدها]. وهذه صفة لله تعالى لائقة بجلاله تثبت كغيرها على أساس التنـزيه. والمراد بالجِنَّة الشيطان وأتباعه، والناس معروفون، ورئيس أهل جهنم كلهم هو إبليس لعنه الله. كما قال تعالى: {فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ (94) وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ}. [الشعراء: 94-95].. وقال تعالى: {لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ}. [ص:85].. قوله تعالى: {وَكُلاًّ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ}. أظهر الأقوال أن كلاً مفعول مقدم لـنقص و ما في قوله: ما نثبت بدل من أنباء فمحلها الخفض، أو بدل من قوله: كلا فمحلها النصب. والأنباء الأخبار التي لها شأن، وقد مضى الكلام على ذلك [في تفسير الآية رقم: 100].. أي من أخبار الرسل الماضين. ووجه تثبيت فؤاد الرسول صلى الله عليه وسلم بذلك، أنه صلى الله عليه وسلم، يكون مستاء مستوحشاً، لكونه أتى قومه بكتاب سماوي عظيم ومعجزات تبهر العقول، وعنده لقومه من الشفقة والعطف والرحمة ما يوجب عليهم أن يطيعوه، ثم مع ذلك كله يناصبونه العداوة وهو يعلم عاقبتهم ونصيبهم عند الله من العذاب، فيشق عليه صلى الله عليه وسلم ذلك. فيقص الله سبحانه وتعالى عليه من أنباء الرسل ليخبره أنهم وقع لهم مثل ما وقع له من قومهم فيرتاح لذلك ويستأنس ولا يستوحش، لأن من أعظم ما يرتاح إليه الإنسان إذا كان متعباً في دعوته هو أن تذكر له أن مثله قد لاقى مثل ما لاقى هو وأن العاقبة كانت له على قومه، فإنه يتسلى بذلك ويرتاح ويذهب عنه القلق الذي يؤلمه. كما قال تعالى: وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ [فاطر: 4].. وقال تعالى:{مَا يُقَالُ لَكَ إِلاَّ مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ} [فصلت: 43].. والإشارة في قوله: وجاءك في هذه الحق، تعود إلى السورة. أي جاءك في هذه السورة، وفي هذا منقبة عظيمة لسورة هود، ولا يرد كون القرآن كله حقاً، لأن المراد التنويه بشأن هذه السورة وبعضهم يفسر مرجع الضمير بالأنباء، والأول أولى، لأن الأنباء من الحق. وفي هذه السورة آيات عظيمة لا يستبعد معها أن تخص بقوله: {وجاءك في هذه الحق} ففيها قوله تعالى: فاستقم كما أمرت. والوعظ هو الكلام الذي تلين به القلوب، والذكرى مصدر بمعنى التذكير، وهي بمعنى الموعظة، ولا مانع من ورود ألفاظه مختلفة لمعنى واحد، فالذكرى ـ هنا ـ توكيد. وقوله: للمؤمنين متعلق بموعظة، والقرآن، وإن كان موعظة وذكرى لعموم الناس، لكن خصوص المؤمنين هم الذين ينتفعون به، ولذلك خصوا في عدة مواضع، وقد سبق الكلام على هذا. [عند تفسير الآية: 114].. قوله تعالى: {وقل للذين لا يؤمنون اعملوا على مكانتكم إنا عاملون}. أي قل للقسم الخبيث، وهم المختلفون، والأمر في قوله: اعملوا للتهديد، أي اعملوا على قدر تمكنكم من السوء، يُقال: مكن إذا كان ذا تمكن، أي ابذلوه في مساخط الله، إنا عاملون أي على مكانتنا، بما أقدرنا الله عليه، مما يرضيه، وسترون غب عملكم المخالف لنا. من هنا بدأت المحاضرة الخامسة والثلاثون في 10/9/1384هـ. {وانتظروا إنا منتظرون}. أي انتظروا عاقبة أمرنا، فإنا ننتظر عاقبة أمركم، وهو النصر لنا والهزيمة لكم. والانتظار التربص والاستمهال، أي تربصوا واستمهلوا بنا، ونحن نتربص ونستمهل بكم، وستجدون العاقبة الوخيمة كما أننا ـ إن شاء الله ـ سنجد العاقبة الحسنة. ولله غيب السماوات والأرض وإليه يرجع الأمر كله فاعبده {وتوكل عليه وما ربك بغافل عما تعملون}. ختم الله هذه السورة الكريمة بهذه الخاتمة العظيمة، فكأنه يقول: الذي يأمركم وينهاكم جدير بأن يُطاع فلا يُعصى، وأن يُذكر فلا يُنسى، لأنه متصف بصفات عظيمة تستوجب أن يُفرد بالطاعة، وأن لا يُعصى له أمر، فإنه يعلم السر وأخفى. قال بعض المفسرين: أي ويعلم شهادتهما، ولا شك أنه عالم الغيب والشهادة، فهو كقوله تعالى: {وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ}. [الأنعام: 13] أي وما تحرك. وقوله تعالى: وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمْ الْحَرَّ [النحل: 81] أي والبرد. والغيب مصدر أريد به الذات، أي ما غاب فيهما فهو تعالى مالك كل شيء عالم بكل شيء. {وإليه يرجع الأمر كله}. أي كل الأمور راجعة إليه تعالى، ومن الأمور الراجعة إليه بنو آدم وأعمالهم، فيجازي كلاً منهم بما يستحق من خير أو شر. وفائدة الترتيب بالفاء في قوله تعالى: فاعبده الإشارة إلى نكتة، وهو أنه لا ينبغي أن يعبد ويخضع ويذل إلا لمن اتصف بهذه الصفات العظيمة، ومثله قوله تعالى: {رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً} [المزمل: 9].. ويفهم من مفهوم المخالفة أن الجاهل الذي لا يعلم الغيب لا ينبغي أن يخضع له، لأنه مربوب محتاج إلى الله تعالى، وقد حقق الرسول صلى الله عليه وسلم ما أمره به ربه، فعبده وحده، ودعا إلى ذلك، وقد أمره الله تعالى بقوله: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ}. [آل عمران: 64].. وقد فعل الرسول صلى الله عليه وسلم ما أمره به ربه، فإنه لما كتب إلى هرقل عظيم الروم، قال له في كتابه: (من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد: فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم، وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين، وإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين).. [أي الفلاحين الذين يتبعونك]. وقال {ويا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضها بعضاً أرباباً من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون}. [البخاري (1/5-7) ومسلم (3/1393-1397)].. والتوكل على الله الثقة به وإسناد الأمور وتفويضها إليه مع تعاطي الأسباب، لأن الله أمر بها، ولا بد مع تعاطيها من الثقة بأنه لا يقع إلا ما أراد الله سبحانه وتعالى، وكان يعقوب من أعلم الناس بربه وقد وصفه الله سبحانه وتعالى بالعلم، فقال: {وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ} [يوسف: 68].. ومع ذلك فقد أخذ بالأسباب مع الثقة بالله وتفويض أمره إليه حيث قال لبنيه: {يَا بَنِي لا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ}. فهذا أخذ بالأسباب.. ثم قال: {وَمَا أُغْنِي عَنكُمْ مِنْ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنْ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُتَوَكِّلُونَ}. وهذا اعتماد على الله. والغفلة تطلق على زوال العلم بالشيء، أو تشاغل الإنسان عنه وقد نفى الله سبحانه وتعالى ذلك عن نفسه، فهو تعالى إنما يمهل ولا يهمل.. كما قال تعالى: {وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ}. [إبراهيم: 42].. وفي قوله : يعملون قراءتان سبعيتان: بالياء التحتية والمراد تهديد الكفار، وبالتاء الفوقية والمراد تحذير المُخاطبين من المسلمين وغيرهم. [إلى هنا انتهى ما كتبته عن فضيلة شيخنا المفسر الشيخ محمد الأمين بن محمد المختار الجكني الشنقيطي في تفسير سورة هود، وكان الفراغ من ذلك في يوم الثلاثاء الموافق العاشر من شهر رمضان المبارك عام 1384هـ أي قبل وفاته بتسع سنوات تقريباً، لأنه توفي في سنة 1393هـ رحمه الله رحمة واسعة. وفرغت من كتابته وتبييضه وترتيبه في 27/5/1405هـ أي بعد وفاته باثنتي عشرة سنة تقريباً.]. وقد راجعته مرة أخرى بعد إدخاله في "الكمبيوتر" وفرغت من مراجعته في يوم الإثنين الموافق 29 من شهر ربيع الآخر، سنة 1426هـ ـ السادس من شهر يونيو من سنة 2005م في منزلي بالمدينة المنورة. وصلى الله وسلم على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه. وسبحانك اللهم وبحمدك، نستغفرك ونتوب إليك. عبدالله بن أحمد قادري الأهدل. الكاتب عن الشيخ رحمه الله.



السابق

الفهرس

التالي


12006233

عداد الصفحات العام

3380

عداد الصفحات اليومي

جقوق الطبع محفولموقع الروضة الإسلامي 1446هـ - 2025م