﴿۞ یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ لَا تَتَّخِذُوا۟ ٱلۡیَهُودَ وَٱلنَّصَـٰرَىٰۤ أَوۡلِیَاۤءَۘ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِیَاۤءُ بَعۡضࣲۚ وَمَن یَتَوَلَّهُم مِّنكُمۡ فَإِنَّهُۥ مِنۡهُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا یَهۡدِی ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّـٰلِمِینَ ۝٥١ فَتَرَى ٱلَّذِینَ فِی قُلُوبِهِم مَّرَضࣱ یُسَـٰرِعُونَ فِیهِمۡ یَقُولُونَ نَخۡشَىٰۤ أَن تُصِیبَنَا دَاۤىِٕرَةࣱۚ فَعَسَى ٱللَّهُ أَن یَأۡتِیَ بِٱلۡفَتۡحِ أَوۡ أَمۡرࣲ مِّنۡ عِندِهِۦ فَیُصۡبِحُوا۟ عَلَىٰ مَاۤ أَسَرُّوا۟ فِیۤ أَنفُسِهِمۡ نَـٰدِمِینَ ۝٥٢ وَیَقُولُ ٱلَّذِینَ ءَامَنُوۤا۟ أَهَـٰۤؤُلَاۤءِ ٱلَّذِینَ أَقۡسَمُوا۟ بِٱللَّهِ جَهۡدَ أَیۡمَـٰنِهِمۡ إِنَّهُمۡ لَمَعَكُمۡۚ حَبِطَتۡ أَعۡمَـٰلُهُمۡ فَأَصۡبَحُوا۟ خَـٰسِرِینَ ۝٥٣﴾ [المائدة ٥١-٥٣]
(67) سافر معي في المشارق والمغارب :: 66- سافر معي في المشارق والمغارب :: (34) دور المسجد في تربية الأحداث ووقايتهم من الانحراف :: (033) دور المسجد في تربية الأحداث ووقايتهم من الانحراف. :: (067) سافر معي في المشارق والمغارب :: (066) سافر معي في المشارق والمغارب :: (031) دور المسجد في تربية الأحداث ووقايتهم من الانحراف :: (065) سافر معي في المشارق والمغارب :: (030) دور المسجد في التربية وعلاج انحراف الأحداث :: :: :: :: :: :: :: :: :: ::
   
جملة البحث



السابق

الفهرس

التالي

المبحث الثالث: إعداد الشباب لأهداف عليا ـ كالجهاد ـ تشغلهم بالطاعة عن المعصية.
إن الشاب الذي ينشأ في أمة وضعت لنفسها أهدافاً سامية، تُسَخِر كل إمكاناتها وطاقاتها، لتكون وسيلة لتحقيق تلك الأهداف العليا، يُشرب قلبُه حَب تلك الأهداف، وتلك الوسائل، فيسلك سبيل أمته حرصاً على تحقيق تلك الأهداف، بكل ما أوتي من قوة وفي ذلك حفظ لطاقاته من أن تتبدد، ولنفسه من أن تنحرف، إلى ما لا يرضاه اللّه سبحانه وتعالى وعباده المؤمنون. وإن من أعظم الأهداف التي يجب على ولاة الأمور أن يضعوها نصب أعين رعيتهم وشبابهم، هي إعدادهم للجهاد في سبيل اللّه، بمعناه الشامل، لإعلاء كلمة اللّه، فإن الأمة المجاهدة لا تجد فراغاً من الوقت لتنحرف، ولا يجد شبابها مجالاً للانحراف، بل يجدون المجتمع يِقودهم إلى جهاد أنفسهم وأهوائهم، وشيطانهم، مجتهدين في التعلم والتعليم، ومساعدة المحتاجين، وييممون وجوهم شطر الرجولة والفروسية، وإعداد العدة بكل معانيها عدة الإيمان بالتقرب إلى اللّه، وعدة المصانع الجهادية من صناعة نعل الجندي إلى صناعة قوافل المقاتلات الأرضية والبحرية والجوية، إلى تقوية الأجسام التي تُعَد للمعارك الفاصلة، تحقيقاً لقول اللّه سبحانه وتعالى: {وَأعدوا لَهُم مَا اسْتَطعتُمْ مِنْ قوة وَمِنْ رِبَاطِ الخيل ترهبونَ بِهِ عدو الله وعدوكم وَآخرِينَ مِنْ دُونهِمْ لا تعلَمُونهُم الله يَعْلمهم، وَمَا تنفقُوا مِنْ شَيءٍ فِي سَبيِلِ اللّهَ يوف إليكم وَأنتم لا تظْلَمُونَ}. [الأنفال: 60]. ولما كان هذا الهدف قائماً في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم على وجه الكمال، كانت الاستقامة كاملة ـ والشذوذ لا يخالف القاعدة العامة ـ وهكذا في عهد خلفائه الراشدين، وإذا قلبتَ صفحات التاريخ، وجدت أن الأمة المجاهدة، قليلة الانحراف، كثيرة الخير والهدى، وأن الأمة القاعدة عن الجهاد كثيرة الانحراف، قليلة الخير والهدى. والشاب الذي ينشأ في أمة وضعت له أهدافاً هابطة، ووسائل تلائم تلك الأهداف، يُشْرَب قلبه حبَّ تلك الأهداف وتلك الوسائل، فيسلك سبيل أمته، في نطاق الهابطين وقد تشغله وقتاً من الزمن، ولكنه يسأمها ويحاول أن يحدد لنفسه أهدافاً غيرها، بوسائل أخرى، ثم يسأم تلك وهذه، فلا يجد أمامه إلا الانحراف الذي يجرفه إلى الهاوية، فيصبح الانحراف هو القاعدة، والاستقامة هي الاستثناء، والأمة المنحرفة تعد لقمة سائغة للأعداء، يهجمون عليها بقوة السلاح، ليحتلوا أرضها، ويستغلوا خيراتها، ويستعبدوا أبناءها، كما يشهد بذلك التاريخ وينطق به الكتاب العزيز: {مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنْ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ (38) إِلاَّ تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}. [التوبة: 38ـ39]. وعذاب الله للأمة عندما تترك الجهاد في سبيل الله وتتوانى عن تنفيذ أمره بالنفير، ليس خاصا بعذاب الآخرة، بل يشمل ـ أيضاً ـ عذاب الدنيا، بما يصيبها من الذل والانحطاط، وسيطرة عدوها على بلدانها وخيراتها، وجعلها تابعة مقودة، بدلاً من كونها متبوعة قائدة، كما هو حالنا اليوم: اغتُصبت بلداننا، وقُتل إخواننا رجالاً ونساءً، شيباً وشباناً، ودُنِّست مقدساتنا، كما هو الحال في الأرض المباركة "فلسطين" وفيها قبلتنا الأولى المسجد الأقصى، ولا توجد بلدة من بلدان المسلمين غير مهددة من أعدائها اليوم، وفي احتلال الصليبيين واليهود للعراق وأفغانستان عبرة، إنه عذاب الدنيا قبل عذاب الآخرة! فكما يعذب الله تعالى أعداءه بأيدينا، إذا قمنا بالجهاد في سبيله، فإنه يعذبنا بأيدي أعدائنا، إذا تركنا الجهاد في سبيله، جزاءً وفاقاً، قال تعالى: { قُلْ هَلْ تَتَربَّصُونَ بِنَا إِلاَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمْ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ }. [التوبة: 52]. ثم إن قوله تعالى: { وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ } دليل كاف على أن الذين يتركون الجهاد في سبيل الله، يستبدل الله بهم قوماً غيرهم، إذ يكونون في حال لا يصلحون لإقامة حياتهم على منهج الله لسيطرة عدوهم عليهم، إضافة إلى ما يبتليهم الله به من التفرق والنزاع؛ لأن الأمة الإسلامية إذا تركت الجهاد تغرق غالباً في النزاع المؤدي إلى الفشل فيما بينها، وهو الذي يهيئها للذلة والاستعباد لها من قبل أعدائها، وأي عذاب يعدل هذا العذاب في الدنيا؟ قال ابن تيمية رحمه الله: وقوله تعالى{ إِلاَّ تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ }: "قد يكون العذاب من عنده، وقد يكون بأيدي العباد، فإذا ترك الناس الجهاد في سبيل الله، فقد يبتليهم بأن يوقع بينهم العداوة، حتى تقع بينهم الفتنة، كما هو الواقع، فإن الناس إذا اشتغلوا بالجهاد في سبيل الله، جمع الله قلوبهم وألف بينهم، وجعل بأسهم على عدو الله وعدوهم، وإذا لم ينفروا في سبيل الله، عذبهم الله بأن يلبسهم شيعاً ويذيق بعضهم بأس بعض". [1]. وقد بين الرسول صلى الله عليه وسلم أن المسلمين، يتركون الجهاد عندما ينصرفون إلى الدنيا، ويشتغلون بطلب الرزق من أي وجه، حلالاً كان، أو حراماً، وأنهم بذلك يزيغون عن دينهم الحق، ويضعف في نفوسهم ضعفاً يدعوهم إلى مراجعته، وينالون الذل الذي لا يفارقهم حتى يرجعوا إلى دينهم، ويرفعوا راية الجهاد في سبيل الله. روى ابن عمر رضي الله عنهما، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: ((إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذلاً، لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم)). [2]. نقل في الترغيب والترهيب عن ابن القطان، أن هذا الحديث غير صحيح، ولكن له طرق أخرى صحيحة، قال: "فالحديث ... لا يصح، ولكن للحديث طريق أحسن من هذا، رواه الإمام أحمد في كتاب الزهد.. عن عطاء بن أبي رباح، عن بن عمر، قال: أتى علينا زمان وما يرى أحدنا أنه أحق بالدينار والدرهم من أخيه المسلم، ثم أصبح الدينار والدرهم أحب إلى أحدنا من أخيه المسلم، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: ((إذا ضن الناس بالدينار والدرهم، وتبايعوا بالعينة، واتبعوا أذناب البقر، وتركوا الجهاد في سبيل الله، أنزل الله بهم ذلاً فلم يرفعه عنهم، حتى يراجعوا دينهم)).. انتهى قال: وهذا حديث صحيح ورجاله ثقات". [3]. ولا يشترط في اشتغالهم بالدنيا، أن تكون وسائل حرثهم البقر، ولا أن يكون الذي يلهيهم عن الدين والجهاد في سبيل الله، الزرع والبيع والشراء، حلالاً كان أو حراماً، فتلك كلها أمثلة لما يشغل المسلمين عن العناية بدينهم، ومنه الجهاد في سبيل الله. فالواجب على ولاة أمور المسلمين أن ينصبوا لشباب الأمة الأهداف العليا، التي نصبت لهم في العصور الإسلامية المفضلة، التي من أهمها رفع راية الإسلام في الأرض بالجهاد في سبيل اللّه إعداداً معنوياً ومادياً، ودعوة إلى اللّه وغزواً في سبيله، وأن لا يصرفوا ذلك الشباب إلى ما يشغله عن تلك الأهداف، بأهداف أخرى هابطة تبعده عن دينه، ورجولته وتَطَّلعه للعزة الربانية، التي ساد بها أجداده الأوائلُ أممَ الأرض بالهدى ودين الحق. ففي نصب الأهداف العليا للشباب وصرفه عن الأهداف الهابطة تكمن العزة والكرامة، وفي عكس ذلك تكمن الذلة والمهانة والخضوع لأعداء اللّه، كما هو حال أكثر الشعوب الإسلامية في هذا العصر، وإن ذلك لمما يؤذن بالدمار الساحق لهذه الأمة، إذا لم تتدارك شبابها بهدى الله، فعليها وعلى ولاتها تدارك الأمر قبل فوات الأوان. ولعل في هذه الإشارات الموجزة في الفصول السابقة التي لا يتسع المقام لأكثر منها، ما يكفي في بيان مسؤولية هذه المؤسسات الأربع في تزكية الشباب ووقاية الأحداث من الانحراف.
1 - زاد المسير (15/44،45)
2 - سنن أبي داود (3/274) وسنن البيهقي (5/316)
3 - نصب الراية (4/16)



السابق

الفهرس

التالي


12292255

عداد الصفحات العام

3321

عداد الصفحات اليومي

جقوق الطبع محفولموقع الروضة الإسلامي 1446هـ - 2025م