﴿۞ یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ لَا تَتَّخِذُوا۟ ٱلۡیَهُودَ وَٱلنَّصَـٰرَىٰۤ أَوۡلِیَاۤءَۘ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِیَاۤءُ بَعۡضࣲۚ وَمَن یَتَوَلَّهُم مِّنكُمۡ فَإِنَّهُۥ مِنۡهُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا یَهۡدِی ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّـٰلِمِینَ ۝٥١ فَتَرَى ٱلَّذِینَ فِی قُلُوبِهِم مَّرَضࣱ یُسَـٰرِعُونَ فِیهِمۡ یَقُولُونَ نَخۡشَىٰۤ أَن تُصِیبَنَا دَاۤىِٕرَةࣱۚ فَعَسَى ٱللَّهُ أَن یَأۡتِیَ بِٱلۡفَتۡحِ أَوۡ أَمۡرࣲ مِّنۡ عِندِهِۦ فَیُصۡبِحُوا۟ عَلَىٰ مَاۤ أَسَرُّوا۟ فِیۤ أَنفُسِهِمۡ نَـٰدِمِینَ ۝٥٢ وَیَقُولُ ٱلَّذِینَ ءَامَنُوۤا۟ أَهَـٰۤؤُلَاۤءِ ٱلَّذِینَ أَقۡسَمُوا۟ بِٱللَّهِ جَهۡدَ أَیۡمَـٰنِهِمۡ إِنَّهُمۡ لَمَعَكُمۡۚ حَبِطَتۡ أَعۡمَـٰلُهُمۡ فَأَصۡبَحُوا۟ خَـٰسِرِینَ ۝٥٣﴾ [المائدة ٥١-٥٣]
(67) سافر معي في المشارق والمغارب :: 66- سافر معي في المشارق والمغارب :: (34) دور المسجد في تربية الأحداث ووقايتهم من الانحراف :: (033) دور المسجد في تربية الأحداث ووقايتهم من الانحراف. :: (067) سافر معي في المشارق والمغارب :: (066) سافر معي في المشارق والمغارب :: (031) دور المسجد في تربية الأحداث ووقايتهم من الانحراف :: (065) سافر معي في المشارق والمغارب :: (030) دور المسجد في التربية وعلاج انحراف الأحداث :: :: :: :: :: :: :: :: :: ::
   
جملة البحث



السابق

الفهرس

التالي

(017) سافر معي في المشارق والمغارب
دعوة ملك الصين إلى الإسلام: ومن هذه المدينة "كاشغر" بعث "قتيبة" رسله إلى ملك الصين يدعوه إلى ما دأب على الدعوة إليه قواد المسلمين ـ امتثالاً لأمر الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو: الدخول في الإسلام، أو دفع الجزية الدال على الخضوع وعدم التمرد والخروج على جند الله من المسلمين، أو القتال الذي يكون النصر فيه غالباً للمسلمين إذا التزموا بتقوى الله وطاعته وتوكلوا عليه. وقد ذكر ابن كثير، رحمه الله، قصة دخول هذا الوفد على ملك الصين وما دار بينهم وبينه، وهي قصة طويلة ولكنها طريفة، تستحق أن تنقل بنصها في هذا الموضع المناسب لها: قال رحمه الله: (وفيها ـ أي سنة 96 ﻫ ـ فتح قتيبة بن مسلم، رحمه الله تعالى "كاشغر" من أرض الصين، وبعث إلى ملك الصين رسلاً، يتهدده ويتوعده، ويقسم بالله لا يرجع حتى يطأ بلاده، ويختم ملوكهم وأشرافهم، ويأخذ الجزية منهم أو يدخلوا في الإسلام. فدخل الرسل على الملك الأعظم فيهم، وهو في مدينة عظيمة، يقال: إن عليها تسعين باباً في سورها المحيط بها، يقال لها: "خان بالق" من أعظم المدن وأكثرها ريعاً ومعاملات وأموالاً، حتى قيل: إن بلاد الهند ـ مع اتساعها ـ كالشامة في ملك الصين، والصين لا يحتاجون إلى أن يسافروا في ملك غيرهم، لكثرة أموالهم ومتاعهم، وغيرهم محتاج إلى ما عندهم من المتاع والدنيا المتسعة، وسائر ملوك تلك البلاد تؤدي إلى ملك الصين الخراج، لقهره وكثرة جنده وعدده. والمقصود أن الرسل لما دخلوا على ملك الصين، وجدوا مملكة عظيمة حصينة، بقدر مدينة كبيرة [الذي يطلع على بعض قصور أباطرة الصين، لا يدهش من هذا الوصف، فقصورهم ـ في عظمها واتساعها ـ مدن، وقد رأيت في القصر الإمبراطوري في بكين ما ينبئ عن تلك القصور، ولذلك يسميها الصينيون أنفسهم (مدناً) إذ يطلقون على القصر المذكور: (المدينة المحرمة)!]. فقال لهم ملك الصين: ما أنتم؟ ـ وكانوا ثلاثمائة رسول، عليهم "هبيرة بن الشمرج الكلابي" ـ فقال الملك لترجمانه: قل لهم: ما أنتم؟ وما تريدون؟ فقالوا: نحن رسل قتيبة بن مسلم، وهو يدعوك إلى الإسلام، فإن لم تفعل فالجزية، فإن لم تفعل فالحرب. فغضب الملك وأمر بهم إلى دار، فلما كان الغد دعاهم، فقال لهم: كيف تكونون في عبادة إلهكم؟ فصلوا الصلاة على عادتهم، فلما ركعوا وسجدوا ضحك منهم، فقال: كيف تكونون في بيوتكم؟ فلبسوا ثياب مهنهم، فأمرهم بالانصراف، فلما كان من الغد أرسل إليهم، فقال: كيف تدخلون على ملوككم؟ فلبسوا الوشي [الوشي: النقش في الثياب]. والعمائم والمطارف ودخلوا على الملك، فقال لهم: ارجعوا فرجعوا، فقال الملك لأصحابه: كيف رأيتم هؤلاء؟ فقالوا: هذه أشبه بهيئة الرجال من تلك المرة الأولى، وهم أولئك. فلما كان اليوم الثالث أرسل إليهم فقال: كيف تلقون عدوكم؟ فشدوا عليهم سلاحهم ولبسوا المغافر والبيض، وتقلدوا السيوف، نكبوا القسي [المغافر جمع (مِغْفَرَة) زَرَدُ يلبسه المحارب تحت القلنسوة، والبيض: السيوف، والقسي النبال]. وأخذوا الرماح وركبوا خيولهم ومضوا، فنظر إليهم ملك الصين فرأى أمثال الجبال مقبلة، فلما قربوا منه ركزوا رماحهم ثم أقبلوا نحوه مشمرين، فقيل لهم: ارجعوا - وذلك لِما دخل قلوب أهل الصين من الخوف منهم - فانصرفوا فركبوا خيولهم واختلجوا رماحهم، ثم ساقوا خيولهم كأنهم يتطاردون بها. فقال لأصحابه: كيف ترونهم؟ فقالوا: ما رأينا كهؤلاء قط. فلما أمسوا بعث إليهم الملك: أن ابعثوا إلي زعيمكم وأفضلكم، فبعثوا إليه (هبيرة) فقال له الملك حين دخل عليه: قد رأيتم عظم ملكي، وليس أحد يمنعكم مني، وأنتم بمنزلة البيضة في كفي، وأنا سائلك عن أمر، فإن تصدقني وإلا قتلتك. فقال: سل! فقال الملك: لم صنعتم ما صنعتم من زي أول يوم والثاني والثالث؟ فقال: أما زينا أول يوم فهو لباسنا في أهلنا ونسائنا وطيبنا عندهم، وأما ما فعلنا ثاني يوم، فهو زينا إذا دخلنا على ملوكنا، وأما زينا ثالث يوم فهو إذا لقينا عدونا. فقال الملك: ما أحسن ما دبرتم دهركم، فانصرفوا إلى صاحبكم ـ يعني قتيبة ـ وقولوا له: ينصرف راجعاً عن بلادي، فإني قد عرفت حرصه وقلة أصحابه، وإلا بعثت إليكم من يهلككم عن آخركم. فقال له هبيرة: تقول لقتيبة هذا؟! فكيف يكون قليل الأصحاب مَن أول خيله في بلادك وآخرها في منابت الزيتون؟! وكيف يكون حريصاً مَن خلَّف الدنيا قادراً عليها وغزا بلادك؟! وأما تخويفك إيانا بالقتل فإنا نعلم أن لنا أجلاً إذا حضر فأكرمها عندنا القتل، فلسنا نكرهه ولا نخافه. فقال الملك: فما الذي يرضي صاحبكم؟ فقال: قد حلف أنه لا ينصرف حتى يطأ أرضك، ويختم ملوكك، ويجبي الجزية من بلادك. فقال: أنا أبر يمينه وأخرجه منها، أرسل إليه بتراب من أرضي، وأربعة غلمان من أبناء الملوك، وأرسل إليه ذهباً كثيراً وحريراً وثياباً صينية لا تُقَوَّم ولا يدرى قدرها. ثم جرت لهم معه مقاولات كثيرة، ثم اتفق الحال أن بعث صِحافاً من ذهب متسعة، فيها تراب من أرضه ليطأه قتيبة، وبعث بجماعة من أولاده وأولاد الملوك ليختم رقابهم، وبعث بمال جزيل ليبر يمين قتيبة، وقيل: إنه بعث أربعمائة من أولاده وأولاد الملوك، فلما انتهى إلى قتيبة ما أرسله ملك الصين قبل ذلك منه، وذلك لأنه كان قد انتهى إليه موت الوليد بن عبد الملك أمير المؤمنين، فانكسرت همته لذلك..) [البداية والنهاية (9/147 ـ 149)]. استمرار علاقات المسلمين بالصين بعد توقف الفتوحات: توقفت فتوحات العرب بعد موت "الوليد بن عبد الملك" وقتل "قتيبة" رحمه الله، بعد خروجه على سليمان بن عبد الملك في "فرغانة" في شهر ذي الحجة من سنة 96ﻫ وعمره (48سنة ) [البداية والنهاية (9/174)]. ولكن العلاقات بين المسلمين والصين لم تنقطع، بل إن بعض أهالي "تركستان الشرقية" وهي ما أطلق عليها الصينيون ـ بعد احتلالهم لها ـ "سينكيانج" وتعرف أيضاً بـ"التركستان الصينية" قد أسلموا ـ على الأرجح ـ في زمن "قتيبة" رحمه الله، ومنهم قوم "أويوغور" [معنى كلمة "أويوغور" في اللغة التركية: المعاهدة أو المرابطة]. الذين أسلموا في آخر القرن الأول الهجري ـ وهم شعب متفرع عن التتار. وفي سنة 754م ثار أحد حكام الولايات الصينية، وهو "آن لوشان An lushan " على ملك الصين "سونج" فاستنجد بالمسلمين "الأويوغور" فأنجدوه وأنقذوا حكمه من الانهيار، واستمر حكم أسرته إلى منتصف القرن العاشر الميلادي، وكان الأصل بين الأويغور والصين الود والصداقة، وقد تسوء - أحياناً - العلاقات بينهم، ولكنهم سرعان ما يرأبون الصدع ويعيدون المياه إلى مجاريها. قلت: وهذه الصلات الحسنة في الغالب، والسيئة أحياناً، تبين مدى العلاقات التي استمرت بين المسلمين من التتار ومن معهم من العرب، وبين الصين إلى أن احتل الصينيون بلاد المسلمين "تركستان الشرقية" وعاملوا أهلها أسوأ معاملة عرفها المسلمون، وبخاصة في عهد الثورة الشيوعية. وستأتي الإشارة إلى ذلك في المكان المناسب من هذا الكتاب. ويقال: إن ملك الصين هذا، طلب النجدة من "أبي جعفر المنصور" فبعث إليه أربعة آلاف من المقاتلين الأشداء، ولما انتصر بهم على عدوه كافأهم على الإذن لهم بالإقامة في الصين وأكرمهم غاية الإكرام، وأنهم هم أصل المسلمين في الصين. ويرى بعض الكتاب الصينيين المعاصرين أن في هذا القول نظراً، لأن الأوضاع في عهد أبي جعفر كان فيها من الاضطرابات الداخلية في تلك الفترة ما يصعب معه بعث جيش للنجدة في خارج البلاد الإسلامية. [راجع: العلاقات بين العرب والصين (ص: 26 ـ 41)]. ويرى بعض الكتاب العرب المعاصرين غير هذا الرأي، إذ يذكرون هذه القصة مؤكدين وقوعها [تركستان الصينية (الشرقية)، محمود شاكر، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1393 ﻫ 1973م (ص: 17). حاضر العالم الإسلامي وقضاياه المعاصرة ـ جميل المصري (ص: 516)]. ويبدو لي أن ما أشار إليه الكاتب الصيني صحيح، فقد قيل: إن أبا جعفر المنصور بعث الجند لنجدة ملك الصين في سنة 139ﻫ/ 756م وقد كانت هذه السنة وما قبلها وما بعدها من أشد الأوقات اضطراباً في عهد المنصور، فقد خرج على المنصور عمه عبد الله بن علي سنة 137ﻫ وبعد أن هُزم عبد الله وسُجِن أظهر أبو مسلم العصيان والخروج على طاعة المنصور، فاستدرجه حتى قدم عليه وقتله في سنة 138ﻫ [البداية والنهاية (10/ 76) وما بعدها]. وإذا كان المنصور قد بعث جيشاً في هذا الوقت العصيب لنجدة ملك الصين، فلا بد أن يكون قد اختار لقيادة ذلك الجيش من يرغب ـ المنصور ـ في نفيه من البلاد حذراً منه، أما الموالون له فهو أشد حاجة إليهم من ملك الصين، ويبعد أن يفرط فيهم ويُؤثر بهم غيره.



السابق

الفهرس

التالي


12396127

عداد الصفحات العام

1932

عداد الصفحات اليومي

جقوق الطبع محفولموقع الروضة الإسلامي 1446هـ - 2025م