﴿۞ یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ لَا تَتَّخِذُوا۟ ٱلۡیَهُودَ وَٱلنَّصَـٰرَىٰۤ أَوۡلِیَاۤءَۘ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِیَاۤءُ بَعۡضࣲۚ وَمَن یَتَوَلَّهُم مِّنكُمۡ فَإِنَّهُۥ مِنۡهُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا یَهۡدِی ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّـٰلِمِینَ ۝٥١ فَتَرَى ٱلَّذِینَ فِی قُلُوبِهِم مَّرَضࣱ یُسَـٰرِعُونَ فِیهِمۡ یَقُولُونَ نَخۡشَىٰۤ أَن تُصِیبَنَا دَاۤىِٕرَةࣱۚ فَعَسَى ٱللَّهُ أَن یَأۡتِیَ بِٱلۡفَتۡحِ أَوۡ أَمۡرࣲ مِّنۡ عِندِهِۦ فَیُصۡبِحُوا۟ عَلَىٰ مَاۤ أَسَرُّوا۟ فِیۤ أَنفُسِهِمۡ نَـٰدِمِینَ ۝٥٢ وَیَقُولُ ٱلَّذِینَ ءَامَنُوۤا۟ أَهَـٰۤؤُلَاۤءِ ٱلَّذِینَ أَقۡسَمُوا۟ بِٱللَّهِ جَهۡدَ أَیۡمَـٰنِهِمۡ إِنَّهُمۡ لَمَعَكُمۡۚ حَبِطَتۡ أَعۡمَـٰلُهُمۡ فَأَصۡبَحُوا۟ خَـٰسِرِینَ ۝٥٣﴾ [المائدة ٥١-٥٣]
(67) سافر معي في المشارق والمغارب :: 66- سافر معي في المشارق والمغارب :: (34) دور المسجد في تربية الأحداث ووقايتهم من الانحراف :: (033) دور المسجد في تربية الأحداث ووقايتهم من الانحراف. :: (067) سافر معي في المشارق والمغارب :: (066) سافر معي في المشارق والمغارب :: (031) دور المسجد في تربية الأحداث ووقايتهم من الانحراف :: (065) سافر معي في المشارق والمغارب :: (030) دور المسجد في التربية وعلاج انحراف الأحداث :: :: :: :: :: :: :: :: :: ::
   
جملة البحث



السابق

الفهرس

التالي

مقدمة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا.. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، واًشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ } [آل عمران:102]. { يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً } [النساء:1]. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً }[الأحزاب:70 ،71]. أما بعد.. فإن خير الكلام كلام رب العالمين، وخير الهدي هدي رسوله الأمين، وكل كلام خالف كلام الله فهو الباطل، وكل هدي خالف هدي محمد صلى الله عليه وسلم فهو الضلال المبين. لذلك كانت السعادة كل السعادة في سلوك صراط الله المستقيم الذي لا سبيل إليه إلا بالعلم النافع والعمل الصالح اللذين تضمنهما هذا القرآن الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد. كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير، تحدى الله به الخلق كلهم إنسهم وجنهم أن يأتوا بآية مثله فعجزوا.. أخبر عن الغيب في الماضي والمستقبل فكانت أخباره كلها صدقاً، وشرع للخلق أحكاماً تضبط حياتهم وسلوكهم فكانت كلها صلاحا و خيراً وعدلاً.. ولفت أنظار الخلق إلى عجائب الكون وأسراره في كل عصر وجيل فأدهشت عقولهم وأودعت في قلوب المنصفين الإيمان الحق بالبرهان والدليل.. لذلك قال تعالى لأعداء الملة القائمة على الحجج والبراهين: { وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} . [البقرة:23]. وقال تعالى: { أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} . [هود:13]. وقال تعالى: { أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لا يُؤْمِنُون * فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ} . [الطور:33-34]. وقال تعالى: {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً }. [الإسراء:88]. وأكد سبحانه وتعالى أن هذا القرآن يرشد إلى السبيل التي هي أقوم وأصوب السبل، وبها يتميز الناس في الدنيا وفي الآخرة. فمن سلكها كان من ذوي الأعمال الصالحة مستحقاً للبشرى بثواب الله الجزيل في دار كرامته ومن صد عنها وحاد كان من المجرمين الذين نزل القرآن لينذرهم عذاب الله الأليم.. قال تعالى: { إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً * وَأَنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً } . [الإسراء:9-10]. وقد أشار شيخنا المفسر رحمه الله تعالى إلى أن هذه الآية الكريمة - آية الإسراء - قد شملت كل ما في كتب الله من الهدي إلى خيري الدنيا، والآخرة.. فقال رحمه الله: "وهذه الآية الكريمة أجمل الله جل وعلا فيها جميع ما في القرآن من الهدي إلى خير الطرق وأعدلها وأصوبها، فلو تتبعنا تفصيلها على وجه الكمال لأتينا على جميع القرآن العظيم لشمولها لجميع ما فيه من الهدي إلى خيري الدنيا الآخرة...".. ثم ذكر أمثلة لذلك للتنبيه بها على غيرها ولبيان ضعف عقول من كابر في الإيمان بها أو طعن فيها.. [أضواء البيان في تفسير القرآن بالقرآن (3/409-457)]. ومما لاشك فيه أن السبيل الموصل إلى العلم بهدي القرآن العظيم للتي هي أقوم هم علماء الأمة الإسلامية الذين مكنهم الله والمثابرة على قراءته بتدبر وتعقل.. لفهم مراد الله منه والعمل به والدعوة إليه وتفسير معانيه وبيان أحكامه والغوص في بحار علومه.. قال تعالى: { أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً * وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلا قَلِيلاً }. [النساء:82-83]. وقال تعالى: وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِر . [القمر: 15، 17، 22، 32، 40]. وعلماء الهدى هم الذين غرست في قلوبهم خشية الله لجمعهم بين العلم بأسرار شريعته وتدبر أسرار عجائب خلقه في هذا الكون العظيم، وتأثير ذلك في قلوبهم تأثيرا يورثهم تقوى الله التي تقربهم إلى الله بفعل طاعته، وترك معصيته، وحبه وحب دينه ورسوله وحب ما يحبه الله ورسوله، وتكره إليهم الكفر والفسوق والعصيان، و كل من يكرهه الله ورسوله ومن يكرهه الله ورسوله من الشيطان ومن تبعه من المغضوب عليهم والضالين. قال تعالى: { أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ * وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُور * إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُور * لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ }. [فاطر:27-30]. لذلك كان العلماء هم ورثة الأنبياء، وكانت الخسارة الفادحة بموت أحدهم أعظم بأضعاف مضاعفة من موت أحد الصالحين من غيرهم؛ لأن العلم يقبض بموتهم.. كما في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، رضي الله عنهما قال: "سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالماً اتخذ الناس رؤساء جهالاً فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا )". [البخاري (1/33،34)]. والناظر في التاريخ الإسلامي يجد السبق لعلماء القرون المفضلة: الأسبق فالأسبق، إذا ما قاس فضلهم بفضل نتائج علمهم وثماره التي تصلح أحوال المجتمعات في دينها ودنياها بتحقيق مصالحها ودرء مفاسدها.. وتجعل المجتمع الإسلامي قائماً بوظيفته التي كلفه الله إياها من هداية الناس بنور الإيمان ورفع كلمة الحق وإرساء أسس العدل، وقيادة البشرية إلى شاطيء الأمان وبر السلام.. إن الناظر في ذلك بهذا المقياس يجد هرماً له قمة عالية يقف عليها الخلفاء الراشدون ومن التف حولهم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.. ويجد في وسطه أمثال أئمة الحديث والفقه والتفسير، كالبخاري ومسلم وأبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجة، والإمام أبى حنيفة والإمام مالك والإمام الشافعي والإمام أحمد بن حنبل، وابن جرير الطبري ونحوهم من أئمة الإسلام الأوائل. وهكذا حتى يصل الناظر إلى سفح ذلك الهرم فيجد في العصور المتأخرة كثرة من المنتسبين إلى العلم، ولكن كثيراً منهم غثاء كغثاء السيل.. غير أنه يرى عدداً من الرايات المرفوعة مشيرة إلى أعلام علم وهدى منح الله بهم الأمة الإسلامية يُذكِّرون بمن سبقهم من أئمة الإسلام من أمثال ابن تيمية وابن القيم وابن كثير والعز بن عبد السلام وغيرهم.. كما يجد في هذا العصر قلة ممن جمع الله في صدورهم من الهدي النافع زبدة علوم الأوائل وخلاصتها من أمثال شيخنا العلامة الكبير المفسر الشيخ محمد الأمين بن محمد المختار الشنقيطي.. آية عصره في حفظ كتاب الله والتبحر في علومه والاطلاع الواسع على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والإحاطة بدقائق الفقه وأصوله، وسعة الاطلاع باللغة العربية وكل ما يتصل بها، ومعرفة أنساب العرب والقبائل وكثير من أعلام الإسلام من الصحابة وغيرهم.. ويمتاز شيخنا المفسر، رحمه الله باستخدامه كل علوم العربية وغيرها من العلوم الإسلامية في تفسير كتاب الله ومحاكمة الآراء والمعاني التي تقال في الكلمة أو الآية إلى ما غلب في القرآن نفسه.. ثم تفسيره بالسنة، ثم بما ورد عن السلف، مع التعمق في فهم ذلك بالأساليب العربية.. ولقد أسعدني الله سبحانه وتعالى بتلقي العلم على يديه - وهو من نوادر المشايخ الذين اًعتز بهم - خلال أربع سنوات دراسية في كلية الشريعة بالجامعة الإسلامية من سنة 1382هـ إلى 1385هـ في مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث ألقى علينا محاضرات في الأجزاء المقررة في السنوات الأربع في التفسير.. فقد أخذنا في السنة الأولى ما يقارب نصف سورة البقرة وفي السنة الثانية سورة المائدة وجزءً من سورة الأنعام وفي السنة الثالثة سورة هود، وسورة يوسف وسورة الرعد – بتوسع في الأولى، وسرعة في الأخيرتين -.. وفي السنة الرابعة سورة النور وتفسيره لها شبيه بتفسير سورة هود في التوسع وكتبت تفسيرها من إلقائه كما كتبت تفسير سورة هود، وقد فقد مني تفسير سورة النور مدة 15 عاماً وكان طبع كتاب معارج الصعود سبباً في عثوري عليه، فلله الحمد والمنة، وعفا الله عمن تسبب في فقده تلك المدة الطويلة.. [أخذ الكتاب المخطوط أحد الأصدقاء ـ وكان في السنة الرابعة من الكلية ـ بعد تخرجي بثمان سنوات تقريباً، ولم يرده إليَّ في حينه]. كما ألقى علينا محاضرات في أصول الفقه فيما عدا السنة الثالثة فقد حرمنا من محاضراته بسبب تأثره ببعض الأوجاع.. وإذا كنت قد سعدت بتلقي العلم على يديه خلال أربع سنوات فإني قد ندمت ندماً شديداً على ما فاتتني كتابته وتسجيله من علمه الذي كان مثل الدر والجواهر النفيسة التي تلقى في رمال فلاة واسعة فتضيع فيها.. فلم أكتب عنه في السنة الأولى ولا الثانية إلا تعليقات خفيفة على هوامش الكتاب الذي كان بأيدينا في التفسير، وهو فتح القدير للشوكاني. وقد دفعني ذلك الندم إلى العزم على كتابة محاضراته في التفسير في السنتين الباقيتين: الثالثة والرابعة، وكان من ثمار ذلك التفسيران المذكوران. ولم نكن في ذلك الوقت نفكر في إحضار مسجل للصوت لأسباب: منها كبر حجم المسجلات، حيث يستصعب حملها مع حمل الكتب، ومنها أنها تحتاج إلى أشرطة كثيرة قد يصعب على الطالب شراؤها لقلة النفقة. لذلك أعددت لمحاضرات الشيخ كراسات كافية من أول السنة، وكنت أحمل قلمين مملوءين كل يوم بالحبر احتياطاً إذا فرغ أحدهما أو تعثر أخذت الآخر. وقد كان فضيلة شيخنا المفسر رحمه الله يكره أن يرى طالباً يكتب في وقت إلقائه المحاضرة ويغضب غضباً شديداً.. وكان ذلك من الأسباب التي تبطتني عن الكتابة في السنتين السابقتين.. وكنت أضع الكراسة على فخذي وأسارقه النظر وأكتب كل لفظة يقولها بسرعة هائلة، حتى إن بعض سطور الكراسة التي أكتب فيها مباشرة لا تتسع إلا لكلمتين أو ثلاث من شدة السرعة. والذي سوَّغ لي الكتابة مع كراهة الشيخ لها أمور: الأمر الأول: الحرص على هذا العلم الغزير الذي يذهب فور سماعه إلا ما شاء الله، والكتابة قيد العلم، كما أن الحبال قيد الصيد. الأمر الثاني: أنه يختبرنا في آخر السنة وأسئلته تشتمل على فقرات مما ألقاه، ومن الصعب أن يجيب الطالب عنها إجابة سليمة إذا لم يكن ملماً بالمعاني التي ألقاها. الأمر الثالث: علمي بأن سبب كراهة الشيخ للكتابة خشيته من أن يشغل الطالب نفسه عن الاستفادة من محاضراته، ولو علم أن في الكتابة فائدة محققة لما كره ذلك. الأمر الرابع: أنني لم أكن أفكر وقت الكتابة عن الشيخ في أن يكون ما أكتبه يمكن أن يعد على هيئة كتاب يطبع وينشر.. وقد يسر الله لي كتابة تفسير سورة هود بأكملها ما عدا محاضرتين فاتني حضورهما نبهت عليهما في مكانهما. وسيأتي ذكر تاريخ كل محاضرة في مكانها المناسب. وهذا التفسير يعتبر نموذجاً لحالات تفسير فضيلة الشيخ فقد كان لتفسيره ثلاث حالات: الحالة الأولى: الإسهاب والتوسع، وكانت هذه الحالة يحصل في المسجد النبوي في شهر رمضان من كل عام، حيث كان يجلس من بعد صلاة العصر ويجتمع حوله الناس على اختلاف طبقاتهم فيفسر القرآن الكريم إلى أذان المغرب.. وقد كانت بعض الكلمات تأخذ منه محاضرة كاملة، بل محاضرتين، وكان كل الناس يستفيدون منه كل واحد بقدر علمه وثقافته، ويستفيد عامة الناس بما يذكره من آداب متعلقة بالآيات.. وله أشرطة تمثل ذلك في مكتبة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة.. [في سور متفرقة غير كاملة، لم يصل فيها إلى سورة هود]. اطلعت بعد ذلك على كتاب"العذب المنير" في خمسة مجلدات اعتنى بجمعه من أشرطة كاسيت بعض طلبة العلم، وفيه جزء قليل من سورة البقرة، ثم سور الأنعام والأعراف والأنفال، والتوبة، وفيه نقص في بعض المواضع كما ذكر جامعه، وقد أكملت قراءته في شهر واحد، لشدة رغبتي في قراءة دروس الشيخ، وفيها علم غزير ذكرني بدروس الشيخ في الفصل الدراسي، حتى كنت أتصوره حال قراءتي كأنه أمامي. الحالة الثانية: التوسط وعدم الإطالة أو الاقتضاب الشديد، ويمثل هذه الحالة تفسير سورة هود هذا. الحالة الثالثة: الاقتضاب الشديد، وهو المرور السريع على بعض المفردات في الآية والإشارة السريعة إلى بعض معانيها، وكان يلجأ إلى هذه الحالة في آخر السنة الدراسية عندما يرى أنه لا يمكن إكمال المنهج المقرر بأسلوب الحالة الثانية. وهاتان الحالتان كان يقتضيها سعة الوقت وضيقه للمنهج الدراسي.. ولقد ترددت كثيرا في إخراج ما كتبته عنه في السورتين المذكورتين في صورة كتاب، ثم أقنعت نفسي بإخراجهما كذلك، وإذا كان فيهما شيء من الخطأ أو النقص فهو بطبيعة الحال منسوب إلى الكاتب وليس إلى المفسر. وقد يتساءل القارئ ما الدليل أن هذا التفسير لفضيلة الشيخ المفسر؟ وللإجابة على ذلك أذكر الأمور الآتية: الأمر الأول: أن الأصل هو إحسان المسلم الظن بأخيه المسلم لأن الأصل فيه الأمانة والصدق، وكاتب هذا التفسير هو أحد هؤلاء المسلمين، وقد أخبرت القارئ بأنني كتبت هذا التفسير عن فضيلة الشيخ، فلا يجوز الشك في هذا الخبر إلا بقرينة. الأمر الثاني: أن كل من قرأ على فضيلة الشيخ أو سمع محاضراته في المسجد النبوي الشريف أو في قاعات الدرس في كلية الشريعة بالجامعة الإسلامية من زملائي في الدراسة أو غيرهم ممن هم قبلنا أو بعدنا، إذا اطلع على هذا التفسير سوف لا يخالجه شك في أنه لفضيلة الشيخ. الأمر الثالث: أن زملائي من جميع أنحاء المعمورة، ومنهم المجدون في طلب العلم كانوا يعلمون أنني كتبت محاضرات الشيخ، وكانوا يتعجبون من قدرتي على متابعة ذلك كتابة.. وكان منهم من يستعير مني كراستي لينقل منها ما يفيده في الامتحان، ولا زال أكثرهم أحياء وسيطلعون على ذلك إن شاء الله. ولا أزال أذكر أن أحد الزملاء ممن لهم صلة قوية بفضيلة الشيخ استعار مني الكراسة لينقل منها شيئاً، وذكر لي في حينه أنه أخبر فضيلة الشيخ بما قمت به وأن الشيخ تعجب من ذلك وسُرَّ به كثيرا [هذا الزميل هو الشيخ حسين بن عبد الرحمن الشنقيطي الذي مضى ذكره قريباً، وقد يسر الله أن كتب ابن فضيلة الشيخ هذه الطبعة بَيَّنَ فيها أن والده رحمه الله ذكر له إنني كتبت عنه، وهذه شهادة وثيقة تدعم ما ذكرت..] وسرور الشيخ بكتابتي عنه دليل على أنه لم يكن يكره الكتابة لذاتها، وإنما يكرهها خشية اشتغال الطال بالكتابة وعدم استفادته من محاضراته، لقلة الإصغاء إليه، أو أنه قد ينسب إليه ما ليس هو مقصوده. عملي في هذا التفسير: أما ما قمت به في هذا التفسير فهو على ثلاث مراحل: المرحلة الأولى: كتابة محاضرة الشيخ في وقتها، وكانت هذه المرحلة شاقة، لأربعة أسباب: السبب الأول: سرعة إلقاء الشيخ الذي كان يتدفق كالسيل المنحدر من رأس جبل. السبب الثاني: كثرة النصوص التي كان يوردها من القرآن والشواهد العربية، وبعض الأحاديث النبوية.. وكنت إذا لم أدرك كل النص آخذ محل الشاهد منه ثم أحاول إتمامه فيما بعد. السبب الثالث: إلزام نفسي بكتابة كل كلمة يقولها ما استطعت إلى ذلك سبيلاً. السبب الرابع: كوني أكتب خفية من الشيخ ومحاولتي التوفيق بين الكتابة، وإظهار نفسي أمامه أنني منتبه له. وكان السطر يمتلئ بكلمات قليلة جداً بسبب السرعة وبعض الكلمات قد يصعب أن أقرأها بسهولة، فأضطر للتأمل فيها حتى أتذكرها أو أسأل عنها في محاضرة أخرى.. وكنا نهاب أن نسأله لعلمنا بأنه لا يرغب سماع الأسئلة التافهة ونخشى أن تكون أسئلتنا من هذا النوع.. إضافة إلى أن السؤال في الدرس اللاحق عما مضى في الدرس السابق قد يجعله يفسر ذلك بعدم انتباه السائل. المرحلة الثانية: هي أنني كنت عندما أعود إلى المنزل من قاعة الدرس أباشر بدء تبييض محاضرة ذلك اليوم فأستغرق في ذلك أكثر من ضعف وقت المحاضرة، لأنني أكتب بتأن وأحاول حل ما أشكل وكتابة بعض النصوص التي لم أدرك كتابتها مع فضيلة الشيخ من كتابه أضواء البيان إن وجد، أو من بعض كتب التفسير والحديث والأصول والأدب فيما يتعلق بالشعر. أما المرحلة الثالثة: فهي هذه الأخيرة وهي تتضمن الأمور الآتية: الأمر الأول: تقسيم آيات السورة إلى مجموعات، وكل مجموعة تكون ذات موضوع عام في نظري.. وهي كما يلي: المجموعة الأولى من أول السورة إلى الآية رقم: 11. المجموعة الثانية من الآية رقم: 12 إلى الآية رقم: 24. المجموعة الثالثة من الآية رقم: 25 إلى الآية رقم: 35. المجموعة الرابعة من الآية رقم: 36 إلى الآية رقم: 49. المجموعة الخامسة من الآية رقم: 50 إلى الآية رقم: 60. المجموعة السادسة من الآية رقم: 61 إلى الآية رقم: 68. المجموعة السابعة من الآية رقم: 69 إلى الآية رقم: 76. المجموعة الثامنة من الآية رقم: 77 إلى الآية رقم: 83. المجموعة التاسعة من الآية رقم: 84 إلى الآية رقم: 95. المجموعة العاشرة من الآية رقم: 96 إلى الآية رقم: 99. المجموعة الحادية عشرة من الآية رقم: 100 إلى الآية رقم: 123 آخر السورة. ويتبع كل مجموعة تفسيرها، حيث توضع الآية أو الكلمة من القرآن بين قوسين، ويتلوها تفسيرها. الأمر الثاني: ترقيم الآيات التي استدل بها الشيخ أثناء تفسيره وهي كثيرة وإكمال الآية أو الآيات حسب ما يقتضيه الاستشهاد، وذكر السورة التي فيها الآية أو الآيات. الأمر الثالث: تخريج الأحاديث التي ذكرها الشيخ نصاً أو بالمعنى بذكر المصدر، والدرجة إن لم يكن في الصحيحين. وقد كنت عزمت على عزو الأقوال التي يذكرها الشيخ في تفسير الآية إلى أهلها وذكر مصادرها من كتب التفسير.. ولكني رأيت أن ذلك يحتاج إلى وقت طويل وتتبع لكتب التفسير التي قلما تقرأ كتاباً منها إلا وجدت الشيخ قد رجع إليه وأخذ منه مؤيداً أو ناقداً. فلاشك أنه رجع إلى جميع أمهات كتب التفسير المتداولة، مثل جامع البيان عن تأويل آي القرآن لابن جرير الطبري، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي، وتفسير القرآن العظيم لابن كثير، وهو قوى الصلة به ويتبعه في ترجيح كثير من الأقوال، والبحر المحيط لأبي حيان، والتفسير الكبير للفخر الرازي، والكشاف للزمخشري، وفتح القدير للشوكاني.. ولم يقتصر على كتب التفسير، بل يرجع إلى كتب الحديث كالأمهات وكتب التاريخ، وكتب الأدب، وكتب اللغة ولاسيما النحو.. كما سنرى كثيراً من أبيات ألفية ابن مالك، مفرقة في مواضع عدة للاستشهاد بها على القواعد التي يتعرض لها. وقد لا أجد فيما بين يدي من الكتب تكملة لبعض الشواهد العربية التي لم أتمكن من كتابتها في حينه فأدعه كما هو...



السابق

الفهرس

التالي


12005665

عداد الصفحات العام

2812

عداد الصفحات اليومي

جقوق الطبع محفولموقع الروضة الإسلامي 1446هـ - 2025م