مع الشيخ عبد الرحمن بن عبد البصير:
كنا على موعد مع الشيخ "عبد الرحمن بن عبد البصير" في الساعة العاشرة، ولكن عندما طرقنا الباب بقينا عشر دقائق تقريباً دون أن يظهر لنا أحد، ثم فتحت الباب امرأة كبيرة السن ـ ظهر فيما بعد أنها زوجة الشيخ ـ وعندما أخبرها الأخوان أننا على موعد مع الشيخ، قالت: إن الشيخ نائم ومتعب، لأنه ما نام إلا بعد الفجر بسبب تجهيز جنازة أحد المسلمين، فقالا لها ما قالاه للشيخ العبادي: هذا أستاذ من المدينة المنورة، ووقته قصير، قد لا يتمكن من لقاء الشيخ مرة أخرى، فدخلت وأيقظت الشيخ وأخبرته بذلك، فأمرها أن تفتح لنا المجلس حتى يتجهز ويخرج، ففعلت.
الكاتب مع الشيخ عبد الرحمن بصير في منـزله
وكنت حريصاً على لقاء الشيخ لما ذكر لي من اطلاعه الواسع على تاريخ المسلمين في هذا البلد. وخرج الشيخ -ـ طويل القامة - يبدو عليه أثر الإرهاق، واعتذرنا له عن إزعاجنا له، واعتذر هو عن التأخر بسبب ما ذكرت امرأته.
معلومات مختصرة عن الشيخ
ولد الشيخ عبد الرحمن سنة (1923م) في كيب تاون، وأصل أجداده من ماليزيا. تعلم مبادئ الإسلام على بعض علماء كيب تاون، وكان منهم الشيخ "إسماعيل حنيف" والشيخ "أحمد بهاء الدين". وهو إمام لـ(مسجد برهان الإسلام) من سنة 1962م إلى الآن، مضى له في إمامته 37 سنة. ويقوم بتدريس أبناء المسلمين في المسجد. وقد كان والده عبد البصير إماماً لنفس المسجد 52 عاماً. ويقوم بالدعوة إلى الإسلام، وله نشاط اجتماعي. وكان يمتهن الخياطة.
صورة رقم (76) الشيخ عبد الرحمن بصير في منزله يهدي للكاتب تاريخ تنابارو
وسألته عن علماء البلد؟ فقال: العلماء كثيرون، ومنهم:
الشيخ صالح العبادي. والشيخ محمد شاكر جميل الدين، مؤسس مجلس الشورى. والشيخ محمد طيب ياسين. ووالده ـ أي والد الشيخ عبد الرحمن ـ والشيخ بهاء الدين. والشيخ محمد صالح حجي هِنْدِرِكْسْ وأولاده. والشيخ حَمَد طِلاب الدين. والشيخ إسماعيل طالب. والشيخ إسماعيل تَارِن. وعدد المسلمين في كيب تاون: (1,4 مليون) [تختلف تقديرات الذين قابلتهم في عدد السكان، كما سيرى ذلك القارئ، وأنا أثبت ما يدلي به كل شخص في هذا وفي غيره من المعلومات].
حالة أبناء المسلمين في كيب تاون:
سألت الشيخ عن حالة أبناء المسلمين في تطبيق دينهم؟ فقال: عندما تربينا في الصغر كان الجو إسلامياً، مع قلة الجمعيات الإسلامية. والآن مع كثرة الجمعيات والمدارس الإسلامية، أصبح كثير من الشباب لا يبالون بدينهم. ولذلك أسباب، ومن أهمها ما يأتي:
1 ـ زيادة عدد المسلمين، ولذلك تصعب التربية. 2 ـ كان المسلمون من قبل يسكنون في أحياء متجاورة والآن تفرقوا في أحياء متباعدة.
3 ـ كانوا من قبل محصورين في أماكن معينة لا يختلطون بغيرهم في السكن بسبب التفرقة العنصرية، والآن يختلطون كثيراً بغيرهم.
4 ـ الحالة الاقتصادية وتأثير المجتمع في أولاد المسلمين، كل ذلك يؤدي إلى الإجرام، وأعظم الأسباب المؤثرة تأثيراً سيئاً: المخدرات.
أمور لها أثر طيب في تخفيف الشر على المسلمين
ولكن هنالك بعض الأمور الطيبة التي لها تأثير طيب في التخفيف من الشر ونشر الوعي: الأمر الأول: الجهود الجيدة من قبل العلماء والدعاة التي قويت الآن، ولم تكن كذلك من قبل. الأمر الثاني: الاحتفالات في المناسبات الإسلامية والأذكار. الأمر الثالث: كثرة المدارس الإسلامية في المساجد. الأمر الرابع: وجود مدارس خاصة تجمع مناهجها بين المواد الإسلامية ومواد وزارة التربية والتعليم.
وصول الإسلام إلى كيب تاون:
لم يكن في البلد ـ حسب علمنا بالتاريخ ـ دين سماوي، بل كانت توجد أديان وثنية، وأول ما عرفت المسيحية عن طريق الهولنديين الذين أسسوا الكنيسة الهولندية. أول عالم مسلم وصل إلى كيب تاون من "مكاسا" في إندونيسيا، هو العلامة: "الشيخ يوسف" سنة: ( 1694م) وقد اشتهر بأنه أول مسلم جاء إلى هذا البلد، وهذا غير صحيح، بل جاء قبله مسلمون من جزر إندونيسيا، ولكنه أول عالم وصل إلى هذا البلد.
وقد وفد إليهم للإصلاح بينهم وعندما جاء الشيخ يوسف لم يكن الإسلام معترفاً به من قبل الحكومة العنصرية. وكان أول اعتراف بالإسلام في عهد القاضي "عبد الله بن عبد السلام" وقد اشتهر بالقاضي عبد السلام. وعندما قام بالدعوة إلى الإسلام سجنه الهولنديون في جزيرة: "روبن" التي سجن فيها "مانديلا". وخرج من المسلمون السجن وهو كبير السن، كان عمره (87 عاماً). وبعد خروجه من السجن بنى مدرسة في مقر "أول مسجد" وكان ذلك سنة (1794م) وكانت نواة لـ"أول مسجد" الذي جاهد في الحصول على أرض لبنائه، ومنحته الحكومة واعترفت به في سنة: (1804م) وقد توفي بعد أن جاوز عمره (95 عاماً).
في الكيب يحتفلون بالشيخ أبي بكر أفندي، جاء من تركيا 1862م
صورة لبعض المسلمين الذين كانوا يجهزون الموتى في كيب تاون 1901م في أحد المستشفياتThe Bubonic Plague Hospital
أسس أبناء عبد السلام بعد وفاته مسجدان
وقد أسس أولاد القاضي عبد السلام بعد وفاته مسجدان، هما "مسجد النخلة" وسمي بذلك لأن نخلة كانت توجد في مكانه، وكان بناؤه في عام (1820م). كما أسسوا "مسجد نور الإسلام" سنة (1845م) وأُسِّس فيما بعد "مسجد الجامع" الذي أهدت أرضه للمسلمين الملكة فكتوريا، وكان تأسيسه سنة: (1850م). وأسس "مسجد الشافعي" سنة (1859م). وهذه المساجد كلها بنيت حول الكيب.
صورة من كتاب الفقه للقاضي عبد السلام
محاكمات عجيبة!
وفي تلك الفترة حصل خلاف بين المسلمين ـ من الشافعية والحنفية ـ في مسائل فرعية صغيرة، كانت ترفع إلى المحاكم الرسمية [يعني أن المسلمين يتحاكمون في قضاياهم الفقهية الفرعية إلى النصارى!] فاستُدْعِيَ قاضٍ من تركيا، وهو "أبو بكر أفندي" والمشكلة أن القاضي كان حنفياً، وقد أُسِّسَ بعد مجيء هذا القاضي مسجد سنة (1881م) فرفض الشوافع الصلاة فيه لأنه حنفي.
من دل الأوربيين على رأس الرجاء الصالح؟
سألت الشيخ عمَّن دلَّ الأوربيين على رأس الرجاء الصالح؟ [سبب سؤالي أني قرأت في كتاب ـ يغلب على ظني الآن أنه للأستاذ محمد قطب ـ أن الذي دلهم على ذلك عربي مسم يدعى" ابن ماجد"]. قال الشيخ عبد الرحمن: اكتشف ذلك - حسب علمي"فاسكو دي جاما" ولم يدخل البلد وإنما دلهم على الكيب. ويحتمل أن العرب هم الذين دلوهم عليه، لأنهم كانوا يتجرون في الساحل الأفريقي، في كينيا وغيرها.
وكانت عاصفة جَرَفَت البحارة فدخلوا هذه المنطقة، وهو مكان الميناء الذي تراه من "فندق إنتركونتننتل" ـ وهو الفندق الذي نزلت به ـ ويسمى "خليج المائدة" وهو قريب من جبل المائدة. وهذه المنطقة التي نحن فيها قريبة من "أول مسجد" هي جزء من رأس الرجاء الصالح. والمسلمون والبيض كانوا يسكنون في هذه المنطقة.
شارع أدرلي وتمثال فاسكو دي جاما
مستقبل الإسلام في جنوب أفريقيا:
سألت الشيخ عما يتوقع لمستقبل الإسلام في جنوب أفريقيا؟ فقال: النظام الحالي لا يرعى الدين ولا يمنعه. والمسلمون إذا اجتهدوا في التمسك بدينهم وقاموا بالدعوة إليه، وتوحدوا يمكنهم أن يتقدموا. ومجلس القضاء الإسلامي هو الذي يتبعه غالب المسلمين، فإذا حصل تخطيط للدعوة ينبغي أن يكون عن طريق المجلس، ورابطة العالم الإسلامي في مكة تدعم المؤسسات الإسلامية، والأزهر يبعث من يقوم بتعليم الناس. كانت الحكومة البيضاء في السابق تُنَصِّر السود، وتدعو إلى المسيحية، والآن الحكومة علمانية، وهذا يسهل الدعوة إلى الإسلام.
ومما يساعد على دعوة السود ترجمة معاني القرآن الكريم بلغتهم. ويجب على المؤسسات الإسلامية في الخارج مساعدة المسلمين هنا في الدعوة والتعليم. وأرى أنه يحب على الجمعيات الإسلامية في جنوب أفريقيا أن تتابع تنفيذ برامجها، وأن تتابع المؤسسات الإسلامية في الخارج الجمعيات الإسلامية التي تتعامل معها في جنوب أفريقيا.
|
|