﴿۞ یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ لَا تَتَّخِذُوا۟ ٱلۡیَهُودَ وَٱلنَّصَـٰرَىٰۤ أَوۡلِیَاۤءَۘ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِیَاۤءُ بَعۡضࣲۚ وَمَن یَتَوَلَّهُم مِّنكُمۡ فَإِنَّهُۥ مِنۡهُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا یَهۡدِی ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّـٰلِمِینَ ۝٥١ فَتَرَى ٱلَّذِینَ فِی قُلُوبِهِم مَّرَضࣱ یُسَـٰرِعُونَ فِیهِمۡ یَقُولُونَ نَخۡشَىٰۤ أَن تُصِیبَنَا دَاۤىِٕرَةࣱۚ فَعَسَى ٱللَّهُ أَن یَأۡتِیَ بِٱلۡفَتۡحِ أَوۡ أَمۡرࣲ مِّنۡ عِندِهِۦ فَیُصۡبِحُوا۟ عَلَىٰ مَاۤ أَسَرُّوا۟ فِیۤ أَنفُسِهِمۡ نَـٰدِمِینَ ۝٥٢ وَیَقُولُ ٱلَّذِینَ ءَامَنُوۤا۟ أَهَـٰۤؤُلَاۤءِ ٱلَّذِینَ أَقۡسَمُوا۟ بِٱللَّهِ جَهۡدَ أَیۡمَـٰنِهِمۡ إِنَّهُمۡ لَمَعَكُمۡۚ حَبِطَتۡ أَعۡمَـٰلُهُمۡ فَأَصۡبَحُوا۟ خَـٰسِرِینَ ۝٥٣﴾ [المائدة ٥١-٥٣]
(67) سافر معي في المشارق والمغارب :: 66- سافر معي في المشارق والمغارب :: (34) دور المسجد في تربية الأحداث ووقايتهم من الانحراف :: (033) دور المسجد في تربية الأحداث ووقايتهم من الانحراف. :: (067) سافر معي في المشارق والمغارب :: (066) سافر معي في المشارق والمغارب :: (031) دور المسجد في تربية الأحداث ووقايتهم من الانحراف :: (065) سافر معي في المشارق والمغارب :: (030) دور المسجد في التربية وعلاج انحراف الأحداث :: :: :: :: :: :: :: :: :: ::
   
جملة البحث



السابق

الفهرس

التالي

السؤال الرابع: حول الخندق الواسع بين الجماهير وعلماء الأمة:
نص السؤال: الذي يتابع الشارع الإسلامي يجد خندقاً واسعا بين الجماهير وطبقة العلماء والمفكرين والدعاة؟؟ لماذا فقدت الجماهير جزءً كبيراً من المصداقية في هذه الطبقة؟؟ وبالتالي أصبحت الأفعال ارتجالية وبدون مرجعية. الجواب: يجب الاعتراف بتقصير هذه الطبقة ـ طبقة العلماء والمفكرين والدعاة ـ في التحامها بالناس في الجملة، ولكنها تختلف في درجات هذا التقصير، ويمكن أن يجمعها كلها، عزوف غالبها عن الاختلاط بعامة الناس في مواقع تجمعاتها: في الأسواق والمصانع، والنوادي الأدبية والثقافية والرياضية، والمدارس والمعاهد والجامعات، بل أماكن اللهو كالمسارح وغيرها.. فنشر الخير بين الناس، من فقه ودعوة وتزكية وأمر بمعروف ونهي عن منكر، يجب أن يصل إلى كل من يحتاج إليه من البشر، وليس خاصاً بالمساجد والمدارس والجامعات.. بل إن المواقع الأخرى أحوج إلى نشر هذا الخير من المساجد؛ لأن المساجد لا يحضرها في الغالب إلا من يطلب الخير ويتأثر به. وقد كان الرسول صلى الله عليه و سلم ، يقصد الناس بدعوته في أماكن تجمعاتهم، في الأسواق والمخيمات والمنتديات، واتخذ كل وسيلة أتيحت له في إيصال دعوته إلى الناس، وهذه الأمور مفصلة في السيرة النبوية، وكثير من كتب التفسير والحديث.. وما يعلل به بعض العلماء لعزوفهم عن قصد الناس في الأسواق والمقاهي ونحوها، بأنها لا تليق بمقاماتهم، ليس مسوغاً لذلك العزوف، ولهم في الرسول صلى الله عليه و سلم قدوة حسنة في ذلك. وما يقال اليوم بأن وسائل الإعلام قد انتشرت وأصبح في إمكان الناس كلهم أن يتلقوا ما يفيدهم مما ينشر فيها من نصائح وندوات وخطب وغيرها، وهي كافية عن متابعة الناس في غير المساجد ودور التعليم ونحوها، حجة غير مقنعة؛ لأن كثيراً من الناس لا يقبلون إلى تلك الوسائل لمتابعة ما ينشر فيها من الخير، غفلة منهم واشتغالاً بغيره. ولسنا نعفي أولئك الناس من تقصيرهم وعدم إقبالهم إلى التفقه في دينهم، ومعرفة ما يحل لهم وما يحرم عليهم والعمل به؛ لأن ذلك واجب عليهم، ولكن لقاء العلماء والدعاة لهم مباشرة، يوقظهم من غفلتهم، ويجعلهم يفكرون فيما يسمعون ممن يقصدهم.. أمثلة معاصرة تدل على نجاح الدعوة المباشرة: والتجارب تدل على نجاح الدعاة والعلماء والجماعات التي تجعل من وسائل دعوتها الاتصال المباشر بالناس، سواء كانت الدعوة فردية أو جماعية. وأذكر لذلك ثلاثة أمثلة في هذه الحقبة التي نعيش فيها: المثال الأول: ما قام به الأستاذ البنا رحمه الله، عندما قصد تجمعات الناس في المقاهي وغيرها، فقد كان لتجربته أثر كبير في عامة الناس الذين لم يكن غالبهم يعرفون المساجد ولا يؤدون الصلاة، بل كانوا يرتكبون المعاصي وفي غفلة عن الله، فقادهم من المقاهي إلى المسجد. ولهذا تجد أتباعه من فئات الشعب كله: علماء إسلام وعمال غير مثقفين، وأغنياء وفقراء، وأدباء وكتاب، ومهندسين وأطباء.. المثال الثاني: الجماعة الإسلامية في القارة الهندية من أتباع الأستاذ المودودي رحمه الله، فقد كانت دعوتهم في أول الأمر قاصرة على فئات معينة من الشعب، كالطلاب والأساتذة، وذوي التخصصات المهمة والمثقفين.. فترتب على ذلك خسارتهم عامة الشعب الذي يستحق الاهتمام كغيره، فخططوا للاهتمام بالعمال وغيرهم من عامة الشعب، وترتب على ذلك كثرة أنصارهم الآن كما تبين من الانتخابات في العام الماضي القريب "2002م". المثال الثالث: ما تقوم به جماعة التبليغ، مع ما يُوَجِّهه إليهم بعض العلماء والجماعات من انتقاد ـ ولست هنا بمؤيد بإطلاق ولا معارض بإطلاق فلكل جماعة إيجابياتها وسلبياتها ـ فقد اجتهدوا في الاتصال بعامة الناس في المساجد والمدارس وفي الأسواق والنوادي، وفي المدن والقرى، وفي المنازل وأماكن العمل، وفي كل مكان استطاعوا الوصول فيه إلى الناس جماعات كانوا أم أفراداً، بل لقد طرقوا أبواب مسؤولين في بعض السلطات، ولم تخل من دعوتهم بلدان الأرض، سواء كانت بلاداً إسلامية أو غير إسلامية، ولقد اختصوا بطرقِ أبوابٍ لم يطرقها غيرهم من الدعاة، كالمراقص والخمارات وتجمعات متعاطي المخدرات، واستطاعوا أن يخرجوا أعداداً كثيرة من مجتمعات الفسوق والمنكرات من المسلمين ومن غير المسلمين، إلى صفوف المصلين في المساجد، تائبين إلى الله تعالى.. وقد رأيت نماذج كثيرة لذلك في كثير من البلدان، من اليابان إلى أمريكا، هذا بصرف النظر عما يُوجَّه إليهم من انتقاد كما ذكرت. حصار مفروض يحول بين علماء الإسلام ودعاته وبين عامة الناس: إنه مع الاعتراف بالتقصير الحاصل من علماء الإسلام ودعاته، في الاتصال بجماهير الأمة والالتحام بها، يوجد حاجز مفروض متعمد من قبل غالب الحكام في الشعوب الإسلامية، لِلْحَوْلِ بين القادرين على التأثير من طبقة العلماء والمفكرين، وبين عامة الناس، خشية من وصول حقائق الإسلام إلى عقول العامة، وهي الحقائق التي يفضح ظهورها مواقف أولئك الحكام من هذا الدين، وحرمان الأمة مما يحقق لها سعادتها بتطبيقه، ويقيها من الاستعباد الذي أفقدها حريتها وعاد بالنقض على مصالحها. فقد حُظِرَ على العلماء والمفكرين القادرين على التأثير، المجالات التي يمكنهم الاتصال بالأمة، ومن أهمها المواقع الآتية: (1) حلقات العلم في المساجد: هذه الحلقات هي التي كان الرسول صلى الله عليه و سلم يعقدها لأصحابه، ويتلو عليهم آيات الله، ويفسر لهم تلك الآيات، ويفقههم في دينهم، ويزكيهم ويهيِّئَهم للجهاد في سبيل الله، وهي التي كان يعقدها بعده أصحابه، وعلماء الأمة بعدهم، ومنها انتشر الفقه في دين الله، وارتبطت الأمة بعلمائها[1] وهذه الحلقات من أعظم الوسائل التي تربط الأمة بعلمائها ومفكريها.. وإذا جلت اليوم في البلدان الإسلامية، وألقيت نظرة على جوامعها ومساجدها، وجدت غالبها معطلاً من هذه الحلقات، و ما يوجد به حلقات منها، لا تجد على كراسيها ـ في الغالب ـ إلا من يحمل بطاقة إذن من أجهزة الأمن في ذلك البلد، وهي لا تمنح تلك البطاقات، إلا لمن تعلم التزامه بتوجيهاتها فيما يبين وما يكتم.. أما من علمت أنه يبين حقيقة الإسلام، ولا يخاف في الله لومة لائم، فليس له في تلك الحلقات من نصيب، بل ربما يكون ممن يقيمون إقامة جبرية في منازلهم، أو في إحدى زنزانات السجون.. فكيف يصل أمثال هؤلاء إلى عامة الناس، وبينهم وبَينهم تلك الحجب المستورة؟! (2) محاريب الجوامع ومنابرها: ومما يتيح لعلماء الإسلام ودعاته الاجتماع بعامة الناس والالتحام بهم، إمامة الجوامع والمساجد وخطابتها في الجمع والأعياد والمناسبات، وهذه كسابقتها، لا يقف في محاريبها، ليؤم المصلين، إلا من نجح في مقابلات تعقد له من موظفين يشرفون على المساجد من قبل الحكومات. ولهذا تجد قلة المصلين في كثير من تلك المساجد، لعدم شعورهم بكفاءة أئمتها، الذين لا يقرؤون لهم الآيات المناسبة للأحداث في صلواتهم، كالآيات المتعلقة بالجهاد في سور البقرة وآل عمران والأنفال والتوبة والحج والأحزاب والحشر والمجادلة والممتحنة.. وغيرها من الآيات المناسبة للأحداث النازلة. كما تجد غالب من يحضرون خطب الجمعة لأمثال أولئك الخطباء، ما بين ناعس ونائم، وغافل؛ لأنهم يسمعون خطباً بعيدة عما يعيشون فيه من نوازل وأحداث: يسمعون في الفضائيات نواح النساء المسلمات الثكلى اللاتي فقدن الأزواج والآباء والأمهات بعدوان اليهود والصليبيين، وهن ينادين: أين عمر بن الخطاب؟ وأين صلاح الدين، ويسمعون صراخ الأطفال الذين ينتشلون من تحت الأنقاض التي هدمها عليهم اليهود والنصارى في البلدان الإسلامية، وأقربها اليوم فلسطين والعراق، ويرون كثرة القتلى والمجروحين، ودماؤهم تسيل كالجداول، ويرون كثرة نعوش المسلمين التي التقت الجماهير المسلمة لتشييعها إلى مثواها، ويسمعون الخطيب وهو يتحدث عن بعض الأحكام التي يمكن تأخيرها لوقت آخر، كإعفاء اللحية وتقصير الثوب وشرب الدخان وزيارة القبور.. ونحو ذلك، ولا يتعرضون للنازلة التي أقضت مضاجع الأمة.. صليت الجمعة ذات يوم أحد المساجد في بلد إسلامي، في الأيام التي يقصف فيها اليهود، الفلسطينيين بطائرات الأباتشي من الجو، وتدك دباباتها المنازل على أهلها في الأرض، وتجمع مئات الشباب في ساحات مدنهم، وتكبل أيديهم إلى الوراء، وتدفعهم دفعاً في الشاحنات لاعتقالهم، ومن بين المعتقلين بعض الفتيات. فإذا إمام المسجد يهدي إلى السامعين خطبته الأولى من على المنبر، بعض أحكام الحيض، التي قدم لها بغفلة كثير من خطباء المساجد عن هذه الأحكام التي تمس الحاجة إلى معرفتها. ولقد ضاق صدري من بقائي في هذا المسجد الذي لو كنت أعرف مسجداً قريباً منه أستطيع أن أدرك صلاة الجمعة فيه، لأسرعت الذهاب إليه. والغريب أنني عندما خرجت من المسجد، سمعت صوت امرأة كانت قريبة مني، تخاطب ولي أمرها الذي لا أدري ما صلتها به بصوت مرتفع، قائلة ما خلاصته: "وَيْ! أين يعيش هذا الخطيب؟! عندنا هواتف العلماء نستطيع الاتصال بهم لنسألهم عن أحكام الحيض، المرأة الفلسطينية تهان وتُقتل، وتُقتل أسرتها، وهو يتكلم عن أحكام الحيض؟!". والأعجب من ذلك أن الخطباء في بعض البلدان الإسلامية، ألزمتهم الوزارات المسؤولة عن المساجد، بقراءة خطب الجمعة في أوراق معدة معتمدة، ومنعهم من الخروج عنها.. استجابة لتوجيهات الصليبيين واليهود الذين تضيق صدورهم من بعض الخطباء المؤثرين الذين يبلغون رسالات الله، ولا يخافون في الله لومة لائم، مع قلتهم.. أما العلماء والدعاة الأكفاء المهتمون بشؤون الأمة وما ينزل بها من كوارث وعدوان، القادرون على تبيين المخاطر التي تحيط بهم من قبل أعدائهم، وتبصيرهم بما يجب عليهم القيام به ليدفعوا عن أنفسهم عدوان المعتدين، فقد كممت أفواههم وحرموا من تلك المحاريب والمنابر، وحرمت من خطبهم النافعة الأمة، لتبقى عقولهم مخدرة بالخطب الْمُنَوِّمة! فما السبيل إلى لقاء رجال العلم والدعوة المؤثرين والتحامهم بجماهير الأمة، وتلك حالهم؟ (3) وسائل الإعلام: ومما يتيح للعلماء والمفكرين الأكفاء الاجتماع بعامة المسلمين والالتحام بهم، تمكينهم من المشاركة في وسائل الإعلام، كتابة في الصحف والجرائد وغيرها، كتسهيل طبع كتبهم ومنشوراتهم، وصوتاً مسموعاً في الإذاعات، وإتاحة الفرصة لهم في إلقاء محاضرات مسجلة في أشرطة "الكاسيت" وأشرطة "الفيديو" ونشرها وتوزيعها، صوتاً وصورة في الفضائيات مباشرة، كما يتاح ذلك لغيرهم.. ومع اعترافنا بوجود نوافذ ضيقة في بعض وسائل الإعلام في بلدان إسلامية، لبعض العلماء والمفكرين، فالأصل هو الانتقاء، إضافة إلى استبعادهم في الأوقات التي تشتد فيها حاجة الأمة إلى توجيههم، كما حدث في الحملة الأمريكية الظالمة على العراق. فقد عُطلت برامج أسبوعية كانت تبث في بعض الفضائيات، بحجة التغطية الإخبارية للحرب، وقد كانت الأمة في أشد الحاجة إلى توجيه أولئك العلماء المفكرين في تلك الفترة الحرجة.. وإذا حظرت وسائل الإعلام على العلماء والمفكرين الذين تستفيد منهم جماهير الأمة، فما السبيل إلى اجتماعهم بهم وردم الخنادق التي تفصل بينهم؟! (4) دُورُ التعليم: ومما يتيح للعلماء والدعاة والمفكرين الاتصالَ بجماهير الأمة، قاعاتُ التعليم في المدارس والمعاهد والجامعات، التي يمثل فيها الطلاب أسر الأمة كلها، والاتصال بهم هو اتصال بتلك الأسر كلها. وسبيل هذا المرفق هو سبيل المرافق الأخرى التي يحال فيها بين العلماء والدعاة والمفكرين، وبين جماهير الأمة، فلا يمكنون من الانخراط في سلك التعليم ابتداء. وإذا تمكنوا من ذلك على غفلة من الرقابة، فصلوا من وظائفهم، أو أحيلوا إلى وظائف تبعدهم عن هذا المرفق، أو أحيلوا إلى التقاعد المبكر، أو منحوا إجازات تفرغ إجبارية، مع أن الأنظمة واللوائح، تنص على أن الأساتذة لا يمنحون إجازات تفرغ إلا بشروط معينة، منها طلبهم ذلك، وهي غير متوفرة في هذه الحالة. وقد حصل هذا في كثير من المدارس والمعاهد والجامعات، في الشعوب الإسلامية. ولا سبب لهذا التصرف إلا الخوف من تأثيرهم المفيد لهذه الشعوب، والحرص على بقاء الغشاوة على أبصار الأمة حتى لا ترى إلى أي هاوية تقاد، وكيف تتقي السقوط في تلك الهاوية. وإذا كان الأمر كذلك فما السبيل التي تمكن العلماء والدعاة وقادة الرأي الصائب من الاختلاط بجماهير هذه الأمة؟! (5) دُورُ الفتوى: ومن وسائل اتصال الجماهير بالعلماء العاملين الملتزمين بكتاب الله وسنة رسوله، وعدم كتمان الحق أو لبسه بالباطل، دور الفتوى التي تلجأ الشعوب إلى المفتين فيها لمعرفة الحق الذي يدينون لله تعالى به، وهذه كسابقاتها في الغالب، لا يوضع فيها إلا من رضي عنه الحكام، ليكونوا شبيهين بمسجلات الصوت، تفتح وتغلق عند الحاجة. ويحظر على من سواهم التصدر للفتوى، وإذا تجرأ أحد فأفتى أو اعترض على فتاواهم، تعرض للمساءلة أو المحاكمة، لهذا نجد بعض المفتين يصرحون بتحليل ما حرم الله في كتابه، وحرمه رسوله صلى الله عليه و سلم في سنته، وأجمع العلماء على ذلك، مثل ربا الفضل.. ومن عجائب الأمور أن تسمع الأمة تحاكم بعض قادة المؤسسات الإسلامية إلى المحاكم القانونية في بعض البلدان الإسلامية، بسبب مخالفة بعض العلماء لبعض في بعض الفتاوى، حتى يَضْطَرَ من تدعمه السلطة خَصْمَه إلى التواري عن الأنظار، لينجو من الشرطة التي قد تجره إلى المحكمة عنوة! وإذا كان الأمر كذلك، فما السبيل إلى اتصال علماء الأمة بجماهيرها؟! (6) المؤتمرات والندوات: وهذه إحدى وسائل إظهار أهل العلم والفكر والرأي للأمة بين الجماهير، ومادة هاتين الوسيلتين تكون أكثر تمحيصاً وعناية مما يبث عادة في وسائل الإعلام؛ لأنها تقدم عن طريق بحوث معدة. يضاف إلى ذلك ما يحصل حول كل بحث من حوار ونقاش، ولكنهما أقل انتشاراً مما سبقها، لانحصار المؤتمرات والندوات في أماكن خاصة، إلا إذا بثتها وسائل الإعلام، فإنها تجمع بين المنهجين: منهج المؤتمرات والندوات، والمنهج الإعلامي. هذه الوسيلة قد يكون حضور بعض العلماء والدعاة والمفكرين، أقل صعوبة من الوسائل السابقة، لقصر وقتها وحصر مكانها، وتفرق المشاركين فيها بعد انتهائها.. (7) المشاركة في الشورى: إن أمور الأمة العامة التي تحتاج إلى اجتهاد في وتمحيص قبل البت فيها سلباً وإيجاباً، لا يجوز أن يستبد بالأمر فيها شخص من المسلمين، بل يجب أن يكون لولي الأمر فيها مجلس شورى، يتداولون فيها الأمر ليصلوا إلى ما هو الراجح من الآراء. وإن علماء الإسلام المهتمين بشؤون الأمة، لأولى الناس بالمشاركة في ذلك؛ لأنهم يحملون إرث الرسول صلى الله عليه و سلم الذي آتاه الله، وهو القرآن الكريم وسنة الرسول صلى الله عليه و سلم ، وفقه معانيهما، مع ما جمعوه في ممارساتهم العلمية من استنباط من سبقهم من أئمة الإسلام، فلا يليق بمجلس شورى أن يخلو منهم، بل كل ما كانوا فيه أغلب كان الوصول إلى الصواب أرجى بإذن الله تعالى. وقد كان الرسول صلى الله عليه و سلم ، وهو يتلقى الوحي من ربه، أكثر الناس استشارة لأصحابه، وكان الخلفاء من بعده، أكثر الناس استشارة كذلك، وكان القراء[2] مجلس شورى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ولو كانوا أصغر سناً ممن سواهم، كعبد الله بن عباس، رضي الله عنهـما. ومشاركة علماء الإسلام ورجال الدعوة، و ذوي الفكر والاختصاصات المتنوعة من صالحي هذه الأمة، في الشورى من أهم الوسائل التي تربط عامة الناس بهم، وتمكنهم من الاتصال بهم لاستشارتهم وعرض مشكلاتهم عليهم، أملاً في حل ما أمكن منها، لمعرفتهم أن هؤلاء هم أمناء الأمة والساعين في جلب المصالح لها، ودفع المفاسد عنها. وهذه الوسيلة كغيرها من الوسائل السابقة، لا يألو غالب الحكام جهداً في صدهم عنها وصد الناس عن اختيارهم لها، ويتخذون لذلك شتى الوسائل التي تحول بين العلماء والصالحين من المسلمين، وبين دخولهم فيما يسمى بالمجالس النيابية، من قوانين مجحفة، ومن تزوير في الانتخابات، إن أذن لهم في خوضها، ومن تهم تلفق ضدهم، ليساقوا إلى السجون قبل كل انتخابات. وتفتح أبواب هذه المجالس لكثير من الجهلة بالإسلام والمدمنين على معاصي الله الظاهرة، وممن يتخذون هذه الوسيلة ذريعة للخيانة والسطو على حقوق الناس، متسترين بالحصانة التي يتمتعون بها من هذه الوظيفة. فما السبيل التي تمكن هؤلاء العلماء والمفكرين أن يسلكوها للارتباط بجماهير المسلمين، وتوجيههم وإعانتهم على معرفة مصالحهم، والسعي في تحقيقها، إذا سدت في وجوههم كل هذه السبل؟ (8) الإعداد للجهاد ورفع رايته: ومن أهم الوسائل العملية التي تربط بين العلماء والدعاة والمفكرين وذوي الرأي، وبين جماهير المسلمين، إعداد القوة الشاملة للجهاد في سبيل الله ورفع رايته، على هدي الله ورسوله، وعلى خطى الخلفاء الراشدين ومن تبعهم بإحسان. ومن أهم ما يحتاج إليه الإعداد للجهاد تهيئة الأمة له، بتقوية إيمانهم وربطهم بخالقهم، وتشجيعهم على بذل الأنفس والأموال في سبيل الله، وأهل العلم والدعوة هم المؤهلون للقيام بذلك، فإذا فتحت لهم منابر المساجد، وناقلات الصوت في الإذاعة وغيرها، وشاشات التلفاز، وأماكن التجمعات، وقاموا بواجبهم بين الأمة، تحقق بذلك الرابط القوي بينهم وبين أفراد الأمة، وكان لذلك أثره العظيم في مسيرة الأمة الإسلامية. وكذلك عندما ترفع الراية، ويأمر ولي الأمر بالنفير العام أو الخاص، فإن لعلماء المسلمين أثرهم العظيم في حث المسلمين على الاستجابة لداعي الجهاد، اقتداء بالرسول صلى الله عليه و سلم الذي كان يحض أصحابه على الجهاد عندما يتصافُّون مع عدوهم، وقد كان أبو هريرة رضي الله عنه، يقرأ على جيش المسلمين قبل التحام الصفوف، سورتي الأنفال والتوبة... وهل من وسيلة يمكنها أن تشد رابط المسلمين بعلمائهم مثل هذه الوسيلة؟ ولكن هذه الوسيلة الشريفة التي لا عزة للمسلمين بدونها، قد أجمع على محاربتها ومحاربة دعاتها وأهلها؛ دول الكفر من الصليبيين واليهود والوثنيين، وليس ذلك بغريب فهو الأصل الذي نشأ مع دعوة الرسل عليهم الصلاة والسلام، وبخاصة الرسالة الخاتمة الشاملة التي لم تبق أي رسالة إلهية صحيحة في الأرض غيرها. نعم ليست محاربة اليهود والصليبيين والوثنيين، للجهاد في سبيل الله بغريبة؛ لأن إقامة الجهاد في سبيل الله يعز الله به عباده المؤمنين، ويذل به أعداءه الكافرين، ولكن الغرابة في تواطؤ غالب حكام المسلمين مع أعداء المسلمين، فأهملوا إعداد القوة التي ترهب أعداءهم، وعطلوا أمر الله تعالى بها، كما ضيقوا الخناق على العلماء والدعاة، وحالوا بينهم وبين تحريض جماهير الأمة على القيام به!. والأشد غرابة أن يتعاون غالب حكام المسلمين مع أعداء المسلمين من اليهود والصليبيين، ضد المجاهدين الذين يعتدي عليهم اليهود والصليبيين في بلدانهم، كما هو الحال في الأرض المباركة فلسطين، التي لم يبقِ اليهود أي ضرورة من ضرورات حياتهم إلا اعتدوا عليها، ونحن نشاهد الاستخبارات الأمريكية واليهودية والعربية، بل والشرطة الفلسطينية، تتآمر على رجال الجهاد الذين يدافعون عن أنفسهم! وهذا من أهم الحواجز التي وضعت بين علماء الأمة والشعوب الإسلامية، فما السبيل إلى كسر هذا الحاجز؟ استبعاد شبهة الإثارة والتحريض: ويجب هنا التنبيه إلى أمر بالغ الأهمية، وهو كشف شبهة خطيرة يثيرها من يتعمدون وضع الحواجز بين العلماء العاملين، وبين جماهير المسلمين، وهي ما يزعمون من أنه يحصل من هؤلاء العلماء إثارة الشباب وتحريضهم على القيام بأعمال إرهابية، وإحداث قلاقل في البلدان الإسلامية وغيرها، وهي شبهة غير صحيحة. فالعلماء الذين يفقهون دين الله ويفقهون واقع الأمة، ويرغبون في تحقيق مصالحها، لا يمكن أن يحرضوا على إحداث ما يعود على الأمة بالضرر، بل يقومون بتفقيه الجماهير بأمور دينهم ودنياهم، ويبينون لهم المخاطر التي تحيط بهم من أعدائهم، ويحثونهم على الاعتصام بحبل الله، وعلى تعاونهم مع غيرهم من حكام ومحكومين على البر والتقوى، وينهونهم عن التنازع المؤدي إلى الفشل، ويبصرونهم بحقيقة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وفقهه، وأن الأمر بالمعروف إذا أدى إلى ترك معروف أعظم منه حَرُم، وأن النهي عن المنكر إذا أدى إلى منكر أعظم منه، حُظِر كما دلت على ذلك نصوص من القرآن والسنة، وقرر ذلك علماء الأمة في كتبهم التي ألفوها في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خاصة، وفي كتب قواعد الفقه وكتب التفسير وشروح الحديث. وأن الدعوة إلى الله يجب فيها الاقتداء بالرسول صلى الله عليه و سلم ، من الحكمة والموعظة الحسنة، وأن اللين ما جاء في شيء إلا زانه، والعنف ما جاء في شيء إلا شانه. ويجب أن يعلم أن من أهم أسباب نزوع كثير من الشباب إلى العنف، إنما تعود إلى عدم ارتباطهم بمرجعية تفقه دين الله فقهاً يجعلها تهديهم إلى صراط الله المستقيم المعتدل الذي لا إفراط فيه ولا تفريط، واكتفائهم بقراءاتهم وفهمهم الذي لم يبن على قواعد العلماء المعتبرة. والدليل على ذلك أن الحركات الإسلامية المنظمة التي تمارس في نشاطها الحياة السياسية، من تكوين الأحزاب، وخوض الانتخابات، والدخول في الحكومات إذا تمكنت، لا يوجد في شبابها عنف ولا حمل سلاح ضد الحكام أو غيرهم، مع ما يواجهونه من ظلم وعدوان، يظهر ذلك في كل البلدان الإسلامية التي توجد بها حركات إسلامية منظمة. كما هو الحال في مصر وفي الأردن وفي اليمن وفي الباكستان، وفي تركيا وفي إندونيسيا وغيرها؛ لأن علماء هذه الحركات يربون شبابهم على الحكمة واللين، والبعد عن العنف، ويعلمونهم ما يجب عليهم القيام به من طاعة الله، ويعلمونهم الكيفية التي يسلكونها للقيام بذلك.
1 - يراجع كتاب دور المسجد في التربية للكاتب
2 - وهم الفقهاء في الدين، لا مجرد حفظة لكتاب الله



السابق

الفهرس

التالي


12297641

عداد الصفحات العام

2330

عداد الصفحات اليومي

جقوق الطبع محفولموقع الروضة الإسلامي 1446هـ - 2025م