[
الصفحة الرئيسية
] [
حول الموقع
] [
تعريف بصاحب الموقع
]
﴿۞ یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ لَا تَتَّخِذُوا۟ ٱلۡیَهُودَ وَٱلنَّصَـٰرَىٰۤ أَوۡلِیَاۤءَۘ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِیَاۤءُ بَعۡضࣲۚ وَمَن یَتَوَلَّهُم مِّنكُمۡ فَإِنَّهُۥ مِنۡهُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا یَهۡدِی ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّـٰلِمِینَ ٥١ فَتَرَى ٱلَّذِینَ فِی قُلُوبِهِم مَّرَضࣱ یُسَـٰرِعُونَ فِیهِمۡ یَقُولُونَ نَخۡشَىٰۤ أَن تُصِیبَنَا دَاۤىِٕرَةࣱۚ فَعَسَى ٱللَّهُ أَن یَأۡتِیَ بِٱلۡفَتۡحِ أَوۡ أَمۡرࣲ مِّنۡ عِندِهِۦ فَیُصۡبِحُوا۟ عَلَىٰ مَاۤ أَسَرُّوا۟ فِیۤ أَنفُسِهِمۡ نَـٰدِمِینَ ٥٢ وَیَقُولُ ٱلَّذِینَ ءَامَنُوۤا۟ أَهَـٰۤؤُلَاۤءِ ٱلَّذِینَ أَقۡسَمُوا۟ بِٱللَّهِ جَهۡدَ أَیۡمَـٰنِهِمۡ إِنَّهُمۡ لَمَعَكُمۡۚ حَبِطَتۡ أَعۡمَـٰلُهُمۡ فَأَصۡبَحُوا۟ خَـٰسِرِینَ ٥٣﴾ [المائدة ٥١-٥٣]
(67) سافر معي في المشارق والمغارب
::
66- سافر معي في المشارق والمغارب
::
(34) دور المسجد في تربية الأحداث ووقايتهم من الانحراف
::
(033) دور المسجد في تربية الأحداث ووقايتهم من الانحراف.
::
(067) سافر معي في المشارق والمغارب
::
(066) سافر معي في المشارق والمغارب
::
(031) دور المسجد في تربية الأحداث ووقايتهم من الانحراف
::
(065) سافر معي في المشارق والمغارب
::
(030) دور المسجد في التربية وعلاج انحراف الأحداث
::
::
::
::
::
::
::
::
::
::
جملة البحث
جميع محتويات الموقع
المقالات العامة
مقالات الحدث
الجهاد في فلسطين
2 أثر التربية الإسلامية في أمن المجتمع المسلم
المقالات العامة
الإيمان هو الأساس
غيث الديمة الجزء الأول
غيث الديمة الجزء الثاني
حوارات مع أوربيين مسلمين
حوارات مع أوربيين غير مسلمين
الحدود و السلطان
حكم زواج المسلم بالكتابية
رحلة هونج كونج
جوهرة الإسلام
كتاب الجهاد
المسئولية في الإسلام
دور المسجد في التربية
كتاب سبب الجريمة
كتاب الشورى في الإسلام
كتاب السباق إلى العقول
الإيمان إصطلاحاً و أثره سلوكاً
كتاب طل الربوة
كتاب الوقاية من المسكرات
الكفاءة الإدارية
معارج الصعود إلى تفسير سورة هود
مقدمة سلسلة في المشارق و المغارب
المجلد الأول : رحلات الولايات المتحدة الأمريكية
المجلد الثاني : رحلات المملكة المتحدة (بريطانيا) و آيرلندا
المجلد الثالث : رحلات اليابان وكوريا وهونغ كونغ
المجلد الرابع:رحلات إندونيسيا الجزء الأول 1400هـ ـ 1980م
المجلد الخامس : الرحلة إلى إندونيسيا الجزء الثاني 1410هـ ـ 1990م
المجلد السادس : رحلات إندونيسيا الجزء الثالث 1419هـ ـ 1989م
المجلد السابع : رحلات أستراليا و نيوزيلاندا و سريلانكا
المجلد الثامن : رحلات كندا و إسبانيا
المجلد التاسع : رحلات سويسرا و ألمانيا و النمسا
المجلد العاشر : رحلات بلجيكا و هولندا و الدنمارك
المجلد الحادي عشر:رحلات السويد و فنلندا و النرويج
المجلد الثاني عشر : رحلات فرنسا و البرتغال و إيطاليا
المجلد الثالث عشر : رحلات سنغافورة و بروناي و تايوان
المجلد الرابع عشر : رحلات باكستان و الهند
المجلد الخامس عشر : رحلات تايلاند (بانكوك)
المجلد السادس عشر : الرحلة إلى ماليزيا
المجلد السابع عشر : رحلات الفلبين
المجلد الثامن عشر : رحلة كينيا
الفهرس
( 9 ) دعوة شعيب قومه إلى طاعة الله، وعدم الاعتداء على عباده، وموقفهم منه، وعاقبة الفريقين..
{وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلا تَنقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ (84) وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ (85) بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (86) قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ (87) قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (88) وَيَا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ (89) وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ (90) قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيراً مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفاً وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ (91) قَالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنْ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيّاً إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (92) وَيَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ (93) وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْباً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتْ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (94) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلا بُعْداً لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ(95)}
. قوله تعالى:
{وإلى مدين أخاهم شعيباً قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره}
معطوف على قوله تعالى: ولقد أرسلنا نوحا .. أي: ولقد أرسلنا إلى مدين أخاهم شعيباً.. ومدين اسم أحد أولاد إبراهيم.. وشعيب من ذريته.. وإنما منع من الصرف ـ يعني مدين لأن المراد به هنا القبيلة، وكانوا يسكنون الأيكة، وهي بين الشام ومصر، والظاهر أن شعيباً أخوهم في النسب، وأنهم من ذرية مدين بن إبراهيم. وكان شعيب خطيب الأنبياء، وكانت دعوته كغيره من الأنبياء والرسل، يدعو إلى عبادة الله وحده، وينهي عن الإشراك به، أي وحدوا الله بعبادتكم، فلا معبود لكم سواه، وهذا هو معنى: لا إله إلا الله التي قامت من أجلها السموات والأرض، وخلقت الجنة والنار، وأرسل الرسل، وأنزلت الكتب، ولهذا حصر الوحي كله في معناها. كما قال تعالى:
{قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}
[الأنبياء: 108].. وذلك لأنها شاملة لكل الشرائع مركبة من نفي كل معبود غير الله وكل عبادة لغيره، وإثبات العبادة لرب السماوات والأرض، فدخل في ذلك كل أمر ونهي، عملاً واعتقاداً وتركاً.. وقد ذكر الله تعالى دعوة الرسل إلى توحيده جملة وتفصيلاً، فمن الإجمال قوله تعالى:
{وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ}
[الأنبياء: 25]. وقوله تعالى:
{وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنْ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ}
[النحل: 36].. ومن التفصيل ما سبق في هذه السورة من دعوة نوح وهود وصالح وشعيب، وكذلك في غيرها من السور، كسورة الأعراف ويونس والحجر والشعراء. وهنا سؤال: وهو: ما وجه رفع "غير" مع أنه تابع لمجرور، وهو "إله"؟ والجواب: أن "من" في قوله: من إله زائدة، و"إله" محله الرفع، لأنه مبتدأ وغير أتبع على المحل، فهو من باب ما أشار إليه ابن مالك في الألفية بقوله:
وقد سبق [في تفسير آية:50] أن النكرة في سياق النفي ظاهرة في العموم، وإذا زيدت "من" قبلها تجعلها نصاً في ذلك، كما هنا، وأن زيادة "من" تطرد في ثلاثة مواضع: الأول: قبل المبتدأ كما في هذه الآية:
{ما لكم من إله غيره}
الثاني: قبل المفعول به، كقوله تعالى:
{وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ}
[الأنبياء: 25].. الثالث: قبل الفاعل، كقوله تعالى:
{أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ}
[المائدة: 19]..
{ولا تنقصوا المكيال والميزان}
كان قوم شعيب مع كفرهم خبثاء يأخذون المكوس، ويؤذون الناس الطرق بأخذ حقوقهم، وينقصون إذا باعوا كيلهم ووزنهم، ويزيدون لأنفسهم إذا اشتروا، فنهاهم الله عـز وجل هنا عن التطفيف في الكيل والوزن، كما نهاهم في آية أخرى عن أذية الناس بأخذ المكوس. قال تعالى:
{وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ}
. [الأعراف: 86].. ويدخل في النهي عن نقص المكيال والميزان النهي عن الزيادة لأنفسهم، لأن فيه نقصاً على البائع، إذ يضيع من ماله شيء في غير حق. والمكيال والميزان اسما آلة، واسم الآلة يطرد على مِفْعَل أو مِفْعَال، كما تقرر في فن الصرف، والظاهر أن المراد بهما هنا المكيل والموزون من إطلاق الآلة على ما يعمل بها، والتعبير عن الشيء بآلته بأسلوب عربي كما يقال للكلام لسان، ومنه قوله تعالى:
{وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ}
[الشعراء: 84].. وفي الصحيح أن الرسول صلى الله عليه وسلم حينما نهى عن الربا في الكيل و قال: ( وكذلك الميزان ) [راجع صحيح البخاري (8/156-157) ومسلم (3/1215)]. والمقصود: الموزون، فعبر صلى الله عليه وسلم عن الشيء بآلته. وقال الشاعر:
وهو من المجاز المرسل عند علماء البلاغة.
{إني أراكم بخير}
الصحيح أن المراد بالخير المال الكثير، والثروات الطائلة التي لا يحتاجون معها إلى التعدي على حقوق الناس، ويطلق الخير على المال كثيراً. كما قال تعالى:
{كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ}
[البقرة: 180].. وقال تعالى:
{يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ}
[البقرة:215].. وفي هذه الآية دليل على أن الذي أغناه الله بمال لا يجوز له أن يطمح إلى حقوق الناس، وأنه يغضب الله إن فعل، بخلاف المضطر الجائع الذي لا يجد شيئاً فقد يعذر في الجملة. كما قال تعالى:
{وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ}
[الأنعام:119].. وإن المشددة في قوله: إني أراكم بخير للتعليل، وهي تأتي لذلك كما تقرر في فن المعاني، ولهذا قال: إني أراكم بخير أي: لأني.. وقيل المراد بالخير العافية، ومتاع الدنيا، أي فلا تنقصوا المكيال والميزان، فيغير الله ما بكم من نعمة. كما قال تعالى:
{إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ}
[الرعد:11].. والأول أظهر..
{وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط}
أي إن تماديتم على الكفر بالله والإضرار بالناس، أخاف أن ينالكم عذاب يوم محيط ووجه إطلاق الخوف هنا أنه لا يدري أيموتون على ذلك أم ربما أطاعوا الله قبل الموت، فسببه احتمال الأمرين عنده.. والإحاطة: الإحداق، أي أن يحدق بكم العذاب من جميع الجوانب حتى لا يستطيع أن يفر منه فار.. وقيل: إنه كناية عن الهلاك، فهو كقوله تعالى:
{حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمْ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ}
[يونس:1].. أي أحاط بهم الهلاك، وقوله تعالى:
{وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ}
[الكهف:22]. وأصله من إحداق العدو، كما قال تعالى عن يعقوب عليه السلام:
{قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِي مَوْثِقاً مِنْ اللَّهِ لَتَأْتُونَنِي بِهِ إِلاَّ أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ}
[يوسف:66]. وقال الشاعر:
وإنما أسند الإحاطة إلى اليوم، لأن العرب تسند الهول إلى ظرفه، وهو موجود في القرآن، كما قال تعالى:
{فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْماً يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيباً}
[المزمل: 17].. وقال تعالى:
{وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعاً وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ}
[تقدمت هذه الآية وتقدم تفسيرها ورقمها: 77].. لأن الهول وشدته إنما يقعان في الظرف. وقيل: إن المحيط العذاب؛ فهو من شواهد الخفض بالمجاورة، وهو محتمل للأمرين ولا يلزم تعين الآخر، ولكنه صرح بهما جميعاً اهتماماً بذلك. والإيفاء الإكمال والإتمام، أي كيلوا كيلاً وافياً، وزنوا وزناً وافياً، ولا تنقصوا إن كلتم، ولا تزيدوا إن اكتلتم.. وقد هدد الله سبحانه وتعالى المطففين وبين أن التطفيف يشمل الزيادة والنقص كما قال تعالى:
{وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (1) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (2) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ(3)}
[سورة المطففين] والقسط العدل الذي لا زيادة فيه ولا نقصان، ولا مانع من الزيادة للغير ممن رضيت نفسه، لأنه من عمل البر والإحسان.
{ولا تبخسوا الناس أشياءهم}
أي لا تنقصوها، يقال: ثمن بخس، أي منقوص، والمراد بخس حقوقهم بأخذ المكوس منهم، أي الغرامات، ويدل على هذا قوله تعالى:
{وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ}
[الأعراف: 86].. إذ كانوا يخيفون الناس ويرهبونهم في الطرق بأخذ أموالهم. ومن أشعار العرب في إتيان المكس بمعنى البخس والبخس بمعنى المكس قول الشاعر:
ويروى: بخس درهم. وقيل المراد بالبخس التطفيف، أو الظلم، ونحو ذلك، والآية عامة دالة على أنه لا يجوز نقص أي إنسان أي شيء من حقوقه. ولا تعثوا في الأرض مفسدين . العثي هو الإفساد في الأرض.. فالحال: "مفسدين" مؤكدة لعاملها، على حد ما عقده ابن مالك في الألفية بقوله:
والمعنى: لا تفسدوا، لا تفسدوا..
{بقية الله خير لكم إن كنتم مؤمنين}
البقية الشيء الباقي بلا زوال، والأغلب إطلاقه على ما زال بعضه، وبقي هو. وفي تفسير: بقية، أوجه: الوجه الأول: أن المراد بها الشيء القليل الذي يبقى لكم طاهراً، مع تجنب المكوس والتطفيف، فإنه خير مما تأخذونه بلا وجه شرعي، فالبقية الشيء الطاهر من الحلال الذي بقي بعد زوال ما أخذ من وجه حرام وعلى هذا الأكثر. وأضيفت البقية إلى الله، لأنها اكتسبت الوجه اللائق المحمود عنده شرعاً. الوجه الثاني: أن المراد بالبقية طاعته تعالى. الوجه الثالث: أنها وصيته، وهو لا يوصي إلا بطاعته تعالى. وسبب تسمية الطاعة بقية أن الطاعة تبقى والمعصية تضمحل، كما قال تعالى:
{الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً}
[الكهف: 46].. والمراد بها الأعمال الصالحة كالصلوات، والذكر، وكذلك جزاؤها باقٍ مؤبد والقول الأول يدخل في الثاني.
{وما أنا عليكم بحفيظ}
في تفسيرها وجهان: الوجه الأول: أنني لا أحفظكم عن المعاصي، ولا أمنعكم من الكفر والتطفيف وبخس الناس أشياءهم، وإنما أمركم إلى الله، كما قال تعالى:
{وَمَنْ يُرِدْ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنْ اللَّهِ شَيْئاً}
[المائدة: 41].. وقال تعالى:
{وَلا يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ}
[هود:34].. والمراد لا أملك هدايتكم ولا إضلالكم، وإنما الله هو الذي يهدي من يشاء ويضل من يشاء.. الوجه الثاني: معناه: ما أنا برقيب عليكم، أحصي أعمالكم وأجازيكم عليها، وإنما حسابكم على الله تعالى، وأنا مبلغ عنه فقط. والآية تشمل الأمرين معاً، والحفيظ فعيل بمعنى فاعل. قَالُوا
{يَا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ}
أي قالوا مجيبين له لما أمرهم بعبادة الله وحده، ونهاهم عن الشرك به، ونهاهم عن نقص الناس حقوقهم، وأمرهم بإيفائها، فأمر بأصلين عظيمين: الأول: عبادة الله وحده. والثاني: اجتماعي وهو الوفاء بالحقوق وعدم الخيانة فيها لما أمرهم ونهاهم وأرادوا أن يهزؤوا به، وقد كان عليه السلام كثير الصلاة والتكبير والتهليل، وهم يقولون: إنه مجنون يهذي هذياناً، ولهذا قالوا: أصلاتك تأمرك، أي هذيانك يأمرك بهذه الأوامر التي تأمرنا بها، فنترك ما كان يعبد آباؤنا ذووا العقول الراجحة؟ وإنما أضافوا الأمر إلى الصلاة تهكماً، فهو من باب: قُلْ بِئْسَمَا
{يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ}
[البقرة: 93].. والمصدر المنسبك في قوله: أن نترك في محل نصب بنـزع الخافض الذي هو الباء المحذوفة، لأن الأمر يتعدى بالباء، أي تأمرك بتكليفنا ترك ما يعبد آباؤنا، أي ترك عبادة ما كانوا يعبدون، وهذا جواب على قول شعيب عليه السلام لهم:
{يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره}
وقوله:
{أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء}
جواب منهم على قوله لهم:
{ولا تنقصوا المكيال والميزان}
وقوله:
{أوفوا المكيال والميزان}
وقوله:
{ولا تبخسوا الناس أشياءهم}
أي أو تأمرك صلاتك بتكليفنا ترك فعلنا في أموالنا ما نشاء؟ فهو على حذف مضاف، كما في قوله تعالى:
{حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ}
[النساء: 23] أي نكاحهن، وقد عقده ابن مالك في الألفية بقوله:
فكأنهم يقولون له: هذا الأمر الذي تأمرنا به أمر منكر وجهل وسفه، ولهذا عرضوا بهذا المعنى في قوله له:
{إنك لأنت الحليم الرشيد}
والمراد الجاهل السفيه الذي لا ينبغي أن يأمر بشيء. وقد أخذ المالكية من هذه الآية أن التعريض بالقذف يوجب الحد، فيجلد به صاحبه، فإن قوم شعيب هنا عرضوا بالحلم والرشد، ومرادهم الجهل والسفه، لأن الله ذكر ذلك في معايبهم ومثالبهم، ولو كان على بابه لكان مدحاً، والمدح لا يذمون به، ونظير هذا التعريض قوله تعالى:
{ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ}
[الدخان: 49]. والمراد الذليل اللئيم المهين، وكما في قول بني إسرائيل في مريم:
{يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً}
[مريم: 28].. فإن هذا من باب التعريض بها وقد قال الله تعالى عنهم ما يبين أنه تعريض:
{وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَاناً عَظِيماً}
. [النساء: 156].. فالتحقيق أن هذا تهكم منهم بشعيب عليه السلام، وقد تقدم تفسير الحلم وضرب مثل له بحلم قيس بن عاصم.. [عند تفسير الآية: 75].. والرشيد من الرشد، وهو ضد السفه، فهو من عنده علم وبصيرة بما يضر وينفع.. وقال بعضهم: إن هذا ليس تعريضاً، وإنما هو على بابه، ومرادهم: إنا قد كنا نأمل في حلمك ورشدك أن لا تقدم على مثل هذه الأوامر فتأمر بما لا يليق، كما قال قوم صالح لنبيهم عليه السلام:
{يا صالح قد كنت فينا مرجواً}
. [الآية: 62 من هذه السورة].
{قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي ورزقني منه رزقاً حسنا}
. أي أخبروني، وهذا الاستفهام قد يُلجأ به المخاطب إلى أن يعترف بسخافة عقله وخطل رأيه، أي إن كنت على يقين وبرهان قاطع منه تعالى بنبوتي الواضحة المؤيدة بالمعجزات. والرزق المراد به المال، وجواب الشرط محذوف، أي إن كنت على بينة واضحة أترون يمكنني أن أداهنكم، خوفاً من كسر خواطركم، لا والله لا يكون ذلك، ولأبلغن رسالة ربي إليكم، وإن رزقني منه رزقاً حسناً، أترون أني أعصيه في نعمته، لا والله، بل سأعمل بمقتضى النبوة، وأشكر النعمة فلا أتصرف فيها بالباطل، كما تتصرفون وتقولون: أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء. [كما في الآية التي قبل هذه التي شرع الشيخ في تفسيرها].. والمعنى أني آمركم وأنهاكم، وأتصرف فيما آتاني الله بما يرضيه.
{وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه}
عُدِّي أخالف بإلى، لأن المخالفة إلى الأمر كالذهاب إليه، أي لا أنهاكم عن شيء إلا كنت أول من ينتهي عنه، ولا أمركم بشيء إلا كنت أو مُبادر إلى التلبس به. وفي هذا دليل على أن من ترك ما أمر به وارتكب ما نهي عنه مخالف للرسل عليهم الصلاة والسلام، وقد ذم الله تعالى من يفعل ذلك فقال تعالى:
{أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ}
. [البقرة: 44].. وقال تعالى:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ (2) كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ (3) إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُمْ بُنيَانٌ مَرْصُوصٌ}
. [الصف: 2-4].. وفي حديث أسامة المتفق عليه أن الذي يأمر ولا يأتمر وينهى ولا ينتهي يكون في النار يوم القيامة، كالحمار يطيف برحاه ويجتمع الناس عليه من أهل النار، فينكرون عليه: كيف كنت تأمرنا بالخير وتنهانا عن الشر ولا تدخل الجنة؟ بل أنت في النار؟ فيجيبهم أنه كان يأمرهم بالخير ولا يأتيه، وينهاهم عن الشر ويأتيه.. [ذكر شيخنا المفسر الحديث بالمعنى، وهو في صحيح البخاري (4/90) وصحيح مسلم (4/2290-2291)].. وفي حديث أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى ليلة أسري به قوماً تقرض شفاههم بمقاريض من نار، فسأل عنهم جبريل فقال: هؤلاء خطباء أمتك الذين يأمرون الناس بالخير ولا يفعلونه.. [راجع مسند الإمام أحمد (3/120) وفيه "خطباء من أهل الدنيا" بدلاً من خطباء أمتك.. وهذا سند الحديث: حدثنا عبد الله: حدثني أبي، حدثنا وكيع، حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت بن أنس].. وقد دلَّ القرآن والسنة أن المذكِّر ـ بالكسر ـ والمذَكَّر ـ بالفتح ـ إن لم يأتمروا بالخير ولم ينتهوا عن الشر أنهم حُمر من حُمر جهنم، أما المذَكِّر ـ بالكسر ـ فقد دلَّ عليه حديث أسامة السابق، وأما المذَكَّر ـ بالفتح ـ فقد دلَّ عليه قوله جـل وعلا:
{فَمَا لَهُمْ عَنْ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (49) كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (50) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ}
. [المدثر: 49-51].. وقد جاء رجل إلى ابن عباس، وقال: إني أريد أن أذكر الناس، فقال له ابن عباس، رضي الله عنهما: إذا لم تخش أن تفتضح بثلاث آيات فافعل، وهي: الأولى:
{أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ}
.[البقرة:44]. الثانية:
{وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ..}
[هود: 88].. الثالثة:
{كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ}
.[الصف:3] وأمرُ الإنسان غيره بالخير مع عدم فعله، أو نهيه عن الشر مع فهل أمر مستنكر عند العقلاء، قال الشاعر:
وقال الآخر:
من هنا بدأت المحاضرة الواحدة والعشرون في 5/8/1384هـ. وليست البلية التي تصيب من يأمر بالمعروف ولا يأتيه، أو ينهى عن المنكر ويأتيه، بسبب أمره ونهيه، فإنهما من الخير المأمور به وإنما البلية والعذاب الذي يُصاب به بسبب مخالفته هو للأمر والنهي.
{إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت}
. إن نافية، والإصلاح ضد الإفساد، أي ما أريد بما أدعوكم إليه من عبادة الله وحده لا شريك له، وإيفاء الكيل والوزن، وعدم بخس الناس أشياءهم إلا الإصلاح لكم في دينكم ودنياكم وأعمالكم وقلوبكم وأحوالكم في الدنيا والآخرة عند الله تعالى. ما استطعت اختلف في إعراب هذه الجملة، فقال بعضهم: إن ما ظرفية مصدرية، أي مدة دوام استطاعتي، وهذا القول هو أظهر الأقوال. وقال بعضهم: إنها موصولة، بدل من الإصلاح. وقال بعضهم: إنها معمولة للمصدر الذي هو الإصلاح. والمصدر المحلى بأل يعمل كغيره من المضاف والنكرة، كما عقده ابن مالك في الخلاصة بقوله:
ومن شواهد ذلك قول الشاعر:
وقول الآخر:
[لم أدرك مع الشيخ الشطر الأخير وقد أكملته من كتاب المساعد شرح ـ التسهيل ـ لابن عقيل (2/236)].. والاستطاعة: الطاقة.
{وما توفيقي إلا بالله}
. بفتح ياء المتكلم وإسكانها، قراءتان سبعيتان، أي لا يكون لي توفيق وهداية إلا من ربي سبحانه وتعالى، وهذا يدل على شدة اعتماد الرسل عليهم السلام على ربهم جـل وعلا، وتشريعهم للناس أن يُسنَدَ كل شيء إليه.
{عليه توكلت وإليه أنيب}
. التوكل إسناد الأمور وتفويضها إلى الله، مع العلم أنه لا يقع من الخير إلا ما شاء، ولا يصيب العبد من الشر إلا ما كتب. والتوكل لا ينافي تعاطي الأسباب، ومن الأدلة على ذلك قول الله تعالى لمريم:
{وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّا}
[مريم:25].. مع أنه تعالى لو أراد لأسقطه لها بدون هزٍّ منها. ومن أوضح الأدلة على ذلك قول يعقوب الذي وصفه الله سبحانه وتعالى بالعلم في قوله تعالى:
{وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ}
[يوسف: 68]:
{وَقَالَ يَا بَنِي لا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ محافظة عليهم من العين، ثم قال: وَمَا أُغْنِي عَنكُمْ مِنْ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنْ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُتَوَكِّلُونَ}
. [يوسف: 67].. فقد أخذ بالسبب والحيطة، وصرح بأن الاعتماد على الله تعالى وحده، فهو متوكل آخذ بالأسباب. ومما يدل على أن السبب لا ينفع إلا بإرادة الله ما قصه الله سبحانه وتعالى في سورة الأنبياء وغيرها عن إبراهيم عليه السلام، فالنار طبيعتها المستمرة الإحراق، ولكن عندما لم يرد الله لها أن تؤثر في إبراهيم، أحرقت الحطب وكانت عليه برداً وسلاماً في آن واحد. كما قال تعالى:
{قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنتُمْ فَاعِلِينَ (68) قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ}
. [الأنبياء: 68-69].. فالمؤثر في الحقيقة هو رب العالمين، ولو شاء أن تتخلف مقتضيات الأسباب لتخلفت، كما أنه لو شاء أن يجعل ما لم تجر العادة بأن يكون من الأسباب سبباً لجعله كذلك. ومما يوضح هذا ما قصه الله سبحانه وتعالى في سورة البقرة، إذ أمر بني إسرائيل بذبح بقرة، ليأخذوا عضواً منها بعد أن نزعت منه الحياة فيضربوا به الميت فيحيا، فالسبب مضاد وقد نتج عنه ضده. [كما في قوله تعالى:
{وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ (72) فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ}
البقرة: 72-73].. وقد ذكرت في القرآن والسنة نماذج تدل على شدة توكل الأنبياء على ربهم واعتمادهم عليه، كما قال تعالى عن نوح عليه السلام.
{وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ}
. [يونس: 71].. وقال تعالى عن هود عليه السلام:
{قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (54) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ (55) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}
. [تقدمت في هذه السورة: برقم56].. وقال تعالى عن هود:
{قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (54) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ (55) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}
. [إبراهيم: 12].. ومن أعظم ما يدل على قوة توكل نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ما كان فيه يوم حنين، حيث صلى الصبح هو وأصحابه، الجمع كثير، في وادي حنين، وكان مالك بن عوف قد ألب هوازن، فأحدقوا به وبأصحابه في الوادي فشدوا عليهم حتى كانت الرماح تنزل عليهم مثل المطر، حتى وقع ما وقع من الصحابة، ولم يبق مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا عدد قليل، وهو راكب على بغلته أمام ذلك الهجوم المسلح والسلاح الفتاك والعدو الذي كان شديد الرغبة في قتله وهو ثابت رابط الجأش يقول في عزم وشجاعة:
وقد قصَّ الله ذلك في سورة التوبة في قوله:
{وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمْ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ}
. [التوبة: 25، وراجع تفسير الآية 55 من هذه السورة، فقد مضى هناك ما يشبه هذا].. والتوفيق مأخوذ من الموافقة، أي جعل أعمالي موافقة لما يرضيه تعالى.
{وإليه أنيب}
. من هنا بدأت المحاضرة الثانية والعشرون في 9/8/1384هـ أنيب الإنابة الرجوع، أي أرجع إليه في كل أموري، وأرجع إليه بكل ما يرضيه.
{ويا قوم لا يجرمنكم شقاقي أن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح.}
حذفت ياء المتكلم، وهي إحدى اللغات الخمس التي مر الكلام عليها في المضاف إلى ياء المتكلم، إذا كان منادى. [راجع في ذلك تفسير الآية: 28].. وفي قوله:
{لا يجرمنكم}
وجهان من التفسير: الأول: أن المراد لا يحملنكم، والمصدر في قوله: أن يصيبكم على هذا أصله مجرور بحرف جر، تقديره: على أن يصيبكم، كما نص عليه في سورة المائدة في قوله تعالى:
{ولا يجرمنكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا}
[المائدة:8].. وسيأتي الكلام على إعراب هذا المصدر، والمعنى على هذا: لا يحملنكم شقاقي على أن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح، أي على إصابتكم ما ذكر. الثاني: أن المراد: لا يكسبنكم من "جَرمه يجرمه" إذا أكسبه، أي لا يكسبنكم شقاقي إصابتكم مثل عذاب قوم نوح، وعلى هذا فالفعل متعد بنفسه، ولا يحتاج إلى تقدير حرف الجر.. والعرب لا تكاد تطلق: "جرم" على معنى كسب إلا في الكسب الخبيث كما قال الشاعر:
وقال الآخر:
شقاقي مضاف، وهو من إضافة المصدر إلى مفعوله، وهو من شاقق على وزن فاعل، والفعال مقيس فيه، وكذا مفاعلة، كما عقده ابن مالك في الخلاصة بقوله: لفاعل الفعال والمفاعلة: وفاعلة محذوف والتقدير: شقاقكم إياي، أي مخالفتكم. والشقاق العداوة، ومنه قول الشاعر ـ وأنشده سيبويه ـ:
وفي أصل اشتقاقه أوجه: الأول: أنه من الشِّق بمعنى الجانب، لأن المشاق يناوئك حتى يصير كأنه في جانب وأنت في جانب آخر. الثاني: أنه من المشقة، لأن المشاق يحاول أن يحملك المشقات. الثالث: أنه من شق العصى، بمعنى الاختلاف، والأكثر على الأول.
{أن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح أو قوم هود أو قوم صالح وما قوم لوطٍ منكم ببعيد}
. المصدر المنسبك محله النصب قولاً واحداً على كون: يجرمنكم معناه: يكسبنكم، أما على كون معناه يحملنكم، فحرف الجر محذوف باطراد، كما عقده ابن مالك بقوله:
واختلف في محل المصدر، فالجمهور وعلى رأسهم الخليل والكسائي ذهبوا إلى أن محله النصب جرياً على ما عقده ابن مالك في القاعدة السابقة. وذهب الأخفش الصغير، وهو ابن سليمان، إلا أن محله الجر، وذهب سيبويه إلى جواز الوجهين، ومن شواهد نصب الاسم بعد حذف حرف الجر قوله:
وحجة الأخفش أنه قد سمع معطوفاً على المصدر المنسبك الذي حذف معه حرف الجر، كقول الشاعر:
وأجاب الجمهور أن ذلك من خفض المجاورة، فهو من عطف التوهم، وذلك بأن تكون الكلمة مرفوعة أو منصوبة ـ مثلاً ـ فيعطف عليها بالجر، لجواز وجوده في تلك الكلمة، توهماً، لمطلق الجواز، ومنه قول زهير:
فمدرك يجوز أن تدخل عليه الباء لأنه خبر ليس، كما قال ابن مالك في الألفية:
ولمطلق الجواز توهم الشاعر دخول حرف الجر، كأنه موجود، وعطف عليه بالجر..
{مثل ما أصاب قوم نوح}
أي من الغرق..
{وقوم هود}
بالريح..
{وقوم صالح}
بالصيحة.
{وما قوم لوط منكم ببعيد}
أي فيصيبكم ما أصابهم من قلب قراكم ورميكم بالحجارة. وفي تفسير قوله: وما قوم لوط منكم ببعيد .. وجهان: الأول: أن المراد بعد المكان، أي ليست ديارهم ببعيدة منكم، بل هي قريبة.. كما قال تعالى:
{وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (137) وَبِاللَّيْلِ أَفَلا تَعْقِلُونَ}
. [الصافات: 137-138].. الثاني: أن المراد نفي بعد مدة الزمان، والمراد من ذلك على كلا الوجهين تحذيرهم من أن يقع بهم ما وقع بقوم لوط الذين لا تبعد مساكنهم منهم، كما أن زمنهم الذي أهلكوا فيه ليس ببعيد كذلك..
{واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه}
. أي اطلبوا المغفرة من ربكم، ومن أشهر معاني: استفعل الطلب، كما هو معروف في فن الصرف، أي اطلبوه غفران ذنوبكم، وتوبوا إليه توبة نصوحاً، بإيمان به وطاعة لنبيه شعيب عليه السلام.
{إن ربي رحيم ودود}
. تعليل لطلب المغفرة والتوبة، أي كثير الرحمة، والرحمة صفة له، اشتق منها الرحمن الرحيم، وتظهر آثار رحمته في خلقه في الدنيا، من التوفيق وجلب النفع ودفع الضرر عنهم، وفي الآخرة، بالجزاء الحسن والنعيم المقيم.. وفي تفسير الودود وجهان: الأول: أنه يتودد إلى المخلوقين بما جعلهم يعملون له ويحبونه، فهو على وزن فعول بمعنى: مفعول، أي المودود المحبوب. الثاني: أنه تعالى يحب من أطاعه، فهو فعول بمعنى فاعل، وكلاهما حق، لأنه يتودد إلى خلقه بما يستوجب منه المحبة لهم من طاعته، ويتودد إليهم بما ينعم عليهم به، فيجعلهم يحبونه. كما قال تعالى:
{فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ}
. [المائدة: 54]..
{قالوا يا شعيب ما نفقه كثيراً مما تقول}
. نادوه باسمه وقاحة وعدم احترام، والفقه في اللغة الفهم، صرحوا له بعدم فهمهم عنه، مع أنه في غاية الفصاحة، حتى قيل فيه: إنه خطيب الأنبياء، فتجاهلوا ذلك وزعموا أنهم لا يفهمون كلامه.
{وإنا لنراك فينا ضعيفاً}
. أي مستضعفاً لا قوة عندك، ومرادهم: لست أحق منا بهذا الأمر لو كان خيراً، وهو مثل ما قاله كفار مكة في محمد صلى الله عليه وسلم:
{وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنْ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ}
. [الزخرف:31]..
{ولولا رهطك لرجمناك}
. أي نحن نستضعفك، والحال أن الذي يمنعنا منك إنما هو رهطك، والرهط أصله عدد من الجماعة، وقيل: تسعة، والمراد بهم جماعته وعشيرته وعصبته الأقربون، والمراد بالرجم القتل بالحجارة، وهو من أشنع القتل، ولذا شرع في أفظع الحدود وقيل: إن معنى رجمناك، شتمناك، وقد شتموه حينما قالوا له:
{إِنَّكَ لأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ}
. [آية: 87 وتقدم تفسيرها] كما مر أنه سخرية وتهكم.
{وما أنت علينا بعزيز}
. أي لست بعزيز عندنا، يعني لا أهمية لك، والعزة تطلق على الغلبة، وهو إطلاق مشهور، ومنه قوله تعالى:
{وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ}
. [المنافقون: 8].. ومنه قولهم: "من عزيز بز" أي من غلب سلب. وقول الخنساء:
وتطلق العزة على النفاسة، وقلة الوجود، ومرادهم هنا: لست بكريم ذا مكانة عندنا. وهذه الآية تدل على أن المسلم ـ وإن كان لا يجوز له أن يدعو إلى الرابطة العصبية ـ لا مانع من أن ينتفع بعصبته ضد أعداء دعوته، وإن كانوا لا يمتون إلى الدين بصلة، وإنما ينصرونه بعواطفهم النسبية، فيمنعون عنه الشر، وقد وقع مثل هذا للرسول صلى الله عليه وسلم من عمه أبي طالب، حتى لم تستطع قريش أن تؤذيه في حياته، ولا تخرجه من بلده، وقد قال أبو طالب مطمئناً للرسول صلى الله عليه وسلم ضد قومه:
وقد قال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم ممتناً عليه:
{أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى}
. [الضحى:6] أي عطف عليك عمك أبا طالب، فقام بواجبك ودافع عنك، وقال أبو طالب رداً على المشركين مدافعاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:
وما ذلك إلا عصبية قومية نسبية لا تمت إلى الإسلام بصلة، نفع الله بها هذا النبي الكريم، صلى الله عليه وسلم. وقد اجتمع قوم صالح وتحالفوا على قتله سراً بالليل، خشية أن يطلع أهله على ذلك فيوقعوا بهم. كما قال تعالى:
{وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ (48) قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ}
. [النمل: 48-49].. ونبي الله لوط عليه السلام تمنى أن تكون له عشيرة يرجع إليها تناصره على قومه الذين عصوه وأرادوا الاعتداء على ضيفه كما قال تعالى عنه:
{قال لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد}
.. [مضت برقم: 80من هذه السورة مع تفسيرها].. فلو كان معه عشيرة وعصبة لدافعوا عنه، وقد عرف الإسلام لقوم الرسول صلى الله عليه وسلم الذين ناصروه لرابطة النسب، وهم بنو المطلب وبنو هاشم، عرف لهم ذلك الموقف، وجعل لهم حظاً من الغنيمة ولم يحرمهم منها، لأنهم اجتمعوا معه في الشعب ومنع منه بنو عبد شمس ولم يجعل لهم النبي صلى الله عليه وسلم حظاً وكذلك بنو نوفل، لأنهم لم يناصروه ولم ينحازوا معه في الشعب. فالعصبية ربما نفعت، ولكن لا تُجعل رابطة ينادى بها، فإن ذلك ممنوع بالكتاب والسنة وإجماع علماء المسلمين، ولا يتعاطى ذلك إلا الجعلان الذين يسرعون إلى كل ما هو نتن، ويبتعدون عن الشعارات الحقيقية التي نصبها الله شعاراً لعباده. وفي حديث جابر بن عبد الله، رضي الله عنهما ما يوضح بغض الله ورسوله صلى الله عليه وسلم للدعوة إلى الرابطة القومية على أساس العصبية، فقد وقع بين بعض المهاجرين وبعض الأنصار خصومة، فنادى الأنصاري: يا للأنصار، ونادى المهاجري: يا للمهاجرين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (دعوها فإنها منتنة). [ونص الحديث كما رواه جابر رضي الله عنه: قال: كنا في غزاة، فكسع رجل من المهاجرين رجلاً من الأنصار، فقال الأنصاري: يا للأنصار، وقال المهاجري: يا للمهاجرين. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما بال دعوة الجاهلية؟) قالوا يا رسول الله، كسع رجل من المهاجرين رجلاً من الأنصار، فقال: (دعوها فإنها منتنة) فسمعها عبد الله بن أبي، فقال: قد فعلوها، والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، قال عمر: دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال: (دعه، لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه) البخاري (6/65-66) ومسلم (4/1998-1999) واللفظ لمسلم].. ففرق بين الدعوة إلى العصبية والانتفاع بها في تأييد الحق. وقد ثبت في الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم قال: (وإن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر) في رجل قاتل مع الصحابة في إحدى الغزوات قتالاً شديداً، حتى قتل، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في شأنه: (هذا من أهل النار). [راجع قصة هذا الرجل في صحيح البخاري (4/34) ومسلم (1/105-106)]. فالرابطة السماوية الوحيدة هي رابطة لا إله إلا الله التي تجمع المختلف وتضم بين المفترق، والحديث الصحيح بين أنها هي التي تربط بين المسلم وأخيه، كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى). [البخاري (7/77) ومسلم (4/1999) من حديث النعمان بن بشير].. وكلما عظمت رابطة الإسلام، كانت الشفقة والتراحم والتحابب أعظم، وقد ربطت لا إله إلا الله بين حملة العرش والمؤمنين في الأرض، مع شدة المباينة بينهم في النشأة والعنصر، والأشغال ومع بعد المسافة بينهم، كما قال تعالى:
{الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (7) رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُم وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (8) وَقِهِمْ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}
. [غافر: 7-9].. ومما يبين أن الرابطة الصحيحة هي رابطة الإسلام الفرق البعيد بين سلمان الفارسي، وأبي لهب عم الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو من أشرف القبائل، وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم في سلمان: (سلمان منا أهل البيت) والحديث ورد براويات متعددة يشد بعضها بعضاً مع أنه قد صححه بعضهم أيضاً. [راجع المستدرك (2/598)]. وأبو لهب في غاية من الحقارة والذلة لا يساوى شيئاً، وقال الشاعر فيهما:
فالأخوة الحقة هي أخوة الإسلام، ومما يبين ذلك أنه لو كان لرجل أبناء من صلبه، وهم كفرة وهو مسلم، وله إخوة مسلمون، لم يكن لأبنائه أن يرثوه، مع أنهم أبناء صلبه، ويرثه إخوانه الذين يحجبهم الأبناء لو كانوا مسلمين. وإنما وضع القوميات ودعا إليها المستعمرون، لأنها ضد الإسلام، ليفككوا بها روابط الدين الإسلامي، وهي الروابط السماوية الصحيحة. وقد وصف الله النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه أن تلك الرابطة جعلتهم فيما بينهم في غاية التراحم، وأن بعضهم يذل للآخر، كما قال تعالى:
{مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمْ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً}
. [الفتح: 29].. وقال تعالى:
{أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ}
. [المائدة:54].
{قال يا قوم أرهطي أعز عليكم من الله}
. هذا جواب نبي الله شعيب لقومه، ولم يجبهم على ما يتعلق باستهانتهم به، حيث قالوا له:
{وإنا لنراك فينا ضعيفاً}
لأنه لا أهمية لذلك عنده، وإنما يهمه حق الله تعالى، وهذا مثل ما أجاب به إبراهيم عليه السلام أباه، حين قال له أبوه:
{لَئِنْ لَمْ تَنتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ}
فقال مجيباً له:
{قَالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّاً}
[مريم: 46-47].. ووصف الله عباده المؤمنين بقوله:
{وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً}
. [الفرقان: 72].. فنبي الله شعيب عليه السلام خاطبهم في احترام ربه، ولم يخاطبهم في استهانتهم به، أي أرهطي وعشيرتي أعظم وأكبر منزلة عندكم من الله؟
{واتخذتموه وراءكم ظهرياً}
. أي والحال إنكم اتخذتموه، أي الله ربكم ظهرياً، يُقال: اتخذ كذا ظهرياً، بمعنى أنه ولاه ظهره واستدبره، فهو كناية عن الصدود الكامل، وظهري منسوب إلى ظهر، والنسب يغير الأسماء، كما في النسبة إلى الدهر، يُقال: دهري، بضم الدال..
{إن ربي بما تعملون محيط}
أي لا يخفى عليه شيء، وهذا هو الزاجر الأعظم والواعظ الأكبر، وهو العلم بأن الله رقيب على كل شيء مطلع على كل شيء وقد سبق الكلام عليه.. [الآية: رقم6]..
{ويا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل}
. قال لهم هذا من باب التهديد، فهو لا يقصد الأمر لهم باستمرارهم على كفرهم. وفي تفسير المكانة قولان: الأول: أن معناه اعملوا على تمكنكم، أي اعملوا ما تشاؤون على تمكنكم، فإني عامل على تمكني. الثاني: أن المراد اعملوا على حالتكم، والأول أظهر، وهو كقوله تعالى:
{اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ}
. [فصلت: 40]... سوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ومن هو كاذب .. من هنا بدأت المحاضرة الثالثة والعشرون في 11/8/1384هـ [وقد جاء في أول هذه المحاضرة زائر من خارج البلاد ليستمع لمحاضرة فضيلة شيخنا المفسر، يرافقه مدير التعليم في منطقة المدينة المنورة وأمين عام الجامعة الإسلامية، ويظهر من هذه المحاضرة ما يدل على تلك المناسبة، وقد كان فضيلته يتحدث في محاضراته عندما يزوره ضيف بما يناسب المقام آخذاً ذلك من نفس الآيات التي يفسرها]. هذا من كلا نبي الله شعيب عليه السلام، يقص الله سبحانه وتعالى علينا أخبار الأمم الماضية مع الرسل لنعتبر بذلك ونستفيد منه، بأن نعلم ما ينفعنا فنأخذ به، وما يضرنا فنجتنبه، وسمى القوم قوماً لأنه لا يستقيم أمر الرجل إلا بقومه، وغلب إطلاقه على الرجال، ويدخل فيه النساء تبعاً، كما سبق. [تفسير الآية رقم26].. وفي التعبير بالقوم استعطاف فكأنه يظهر لهم عطفه عليهم وإرادته مصلحتهم، وذلك يقتضي منهم أن يصغوا إليه ويصدقوه. و "مَن" في قوله: من يأتيه فيها وجهان: الوجه الأول: أنها مفعول به لتعلمون، وهي عرفانية لا تنصب إلا مفعولاً واحداً، كما قال ابن مالك في الألفية:
وتقرير المعنى: سوف تعرفون الذي يأتيه عذاب يخزيه أهو أنا أم أنتم؟ فمن موصولة. الوجه الثاني: أن من استفهاميه مبتدأ، والجملة بعدها خبر وتعلمون يقينية، والمبتدأ والخبر محله النصب سد مسد مفعولي تعلمون، فيكون من باب التعليق، لأن الاستفهام يعلق الفعل القلبي عن العمل في اللفظ، ويكون عاملاً في المحل، وقد عقد هذا ابن مالك في الألفية بقوله:
وكلا الوجهين جائز، ولا تعارض بينهما، فإن القاعدة عند المفسرين أن اللفظ إذا احتمل معنيين بدون أن يعارض أحدهما الآخر، جاز اعتبارهما. والإخزاء: الإهانة، يقال: أخزاه يخزيه إذا أهانه وأذله ومقصود شعيب بهذه العبارة أنكم ستعلمون عاقبة الأمر حين يأتيكم العذاب المخزى. وإنما أدخل نفسه معهم في ظاهر الكلام تنزلاً، وهو من الأساليب البلاغية، كقوله تعالى:
{وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ}
. [سبأ: 24].. وإنما قال لهم نبي الله شعيب هذا الكلام، لأنه لم يؤمر بقتالهم، والأنبياء قسمان: قسم منهم يؤمر بقتال المعاندين، فينصره الله تعالى بالغلبة والظهور عليهم، كما قال تعالى:
{وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (171) إِنَّهُمْ لَهُمْ الْمَنصُورُونَ (172) وَإِنَّ جُندَنَا لَهُم الْغَالِبُونَ}
. [الصافات: 172-173].. وقسم منهم لا يؤمر بالقتال، فيؤيده بالمعجزات ونزول العذاب على الكافرين، فيهلكهم، كما قص الله ذلك في قوم نوح وهود وصالح ولوط وشعيب، وغيرهم من الأنبياء الذين لم يؤمروا بالقتال. ومما لا شك فيه أن المتمسك بدين الإسلام لا يقهر ولا يغلب ولا يذل إلا، إذا ضيع الدين وقطع علاقته السماوية اختياراً منه. ولقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه في أول الأمر في غاية من الضعف وقلة العدد والعُدد، والناس إذ ذاك قد قاطعوهم اقتصادياً وسياسياً، وكانت قريش قد أجمعت أمرها في هذه الفترة العصيبة ضد المسلمين، فألبوا عليهم الأحابيش واليهود. كما قال تعالى:
{إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتْ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَ (10) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً}
[الأحزاب:10-11].. ومع هذا الضنك كله وتلك الشدة العظيمة كان العلاج هو الإيمان والعلاقة السماوية. كما قال تعالى:
{وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَاناً وَتَسْلِيماً}
[الأحزاب:22].. فكان من نتائج ذلك أن نصر الله المؤمنين على الكافرين وأظهرهم عليهم.. كما قال تعالى:
{وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْراً وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيّاً عَزِيزاً (25) وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمْ الرُّعْبَ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمْ الرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً (26) وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضاً لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً}
[الأحزاب:25-27].. فختم ذلك بالإعلام بقدرته تعالى، أي إن كنتم ضعافاً في المادة فارجعوا إليّ فسأنصركم، ولم يكن ما نصرهم الله به في حسبانهم، ولا كانوا يتوقعونه، إذ أرسل الله إلى عدوهم الريح، وأنزل في قلوبهم الرعب، وأعانهم عليهم بجنود من الملائكة. كما قال تعالى:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً}
[الأحزاب:9].. والرسول صلى الله عليه وسلم لما صده المشركون هو وقومه عن البيت في عام الحديبية، وكان الله تعالى قد اطلع على إيمانه وإيمان أصحابه وعلى إخلاصهم ـ وقد عبر عن ذلك كله باسم مبهم ـ قال تعالى عن ذلك:
{فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ}
[الفتح:18-21].. كان من نتائج ذلك الإيمان وذلك الإخلاص أن كافأهم فأقدرهم على ما لا قدرة لهم عليه.. كما قال تعالى:
{لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً}
. إلى قوله:
{وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً}
. [الفتح:18-21].. أي فأقدركم لما علم من إخلاصكم. وكل شر ينال المسلمين إنما هو من قبل أنفسهم، ويُبين ذلك ما وقع لهم في غزوة أحد، فقد أصيب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه بقتل من قتل وجرح من جرح، واستشكل ذلك بعض الصحابة، فقالوا: كيف ينتصرون علينا ونحن على الحق وهم على الباطل؟ كما قال تعالى:
{أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا}
[آل عمران:165].. أي حينما أصابتكم مصيبة أحد، قلتم: كيف جاءنا هذا؟ وكيف انتصر أعداؤنا؟ فرد الله تعالى عليهم وأفتاهم فتوى سماوية لا تقبل التبديل.. فقال تعالى:
{قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}
. [آل عمران:165].. وبين تعالى الداء ثم الدواء، قال تعالى:
{وَلَقَدْ صَدَقَكُمْ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ}
[آل عمران: 152].. والْحَس القتل الذريع، فإنهم يوم أحد انتصروا على الكفار وقتلوهم، حتى ألقِي لواء قريش ولم ترفعه إلا امرأة منهم.. كما قال الشاعر:
ولكن لما أمرهم الرسول صلى الله عليه وسلم بعدم مغادرة الجبل مهما كان الأمر فخالفوا أمره عندما رأوا الهزيمة في الكفار، فاختلفوا وتحولت طائفة منهم عن المكان الذي ألزمهم الرسول صلى الله عليه وسلم البقاء فيه، بين الله لهم أن التنازع وعدم الطاعة سبب الهزيمة.. فنور الله الإلهي وكتابه السماوي والصلة السماوية هي التي تحف المؤمنين بالخير، وقطع الصلة بالله هو البلية كل البلية. قوله تعالى:
{وارتقبوا إني معكم رقيب}
. الأمر للتهديد، والارتقاب من المراقبة، التربص والانتظار، وهذا كقول الله تعالى عن الرسول صلى الله عليه وسلم:
{فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ}
. [التوبة:52]..
{ولما جاء أمرنا نجينا شعيباً والذين آمنوا معه برحمة منا}
. في قوله تعالى: جاء أمرنا ... قراءات: الأولى: بتحقيق الهمزتين. الثانية: بإسقاط إحداهما، وهذه قراءة نافع. الثالثة: بإبدال الثانية ألفاً. والأمر واحد الأمور، أي الشأن المقدر الأزلي المتضمن إهلاكهم وقد سبق إنجاء الله تعالى الأنبياء وأتباعهم برحمة الله لهم وعكسهم الكفار.
{وأخذت الذين ظلموا الصيحة}
. أي أخذت قوم شعيب الظالمين، والصيحة مصدر صاح يصيح، والمراد صيحة الملَك بهم، وقد ذكر الله تعالى لإهلاك قوم شعيب ثلاثة أمور: الأول: الصيحة، كما هنا. الثاني: الرجفة، كما قال تعالى:
{فَأَخَذَتْهُمْ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ}
[الأعراف:91]. الثالث: الظلة، كما قال تعالى:
{فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ}
. [الشعراء: 189].. ولهذا يرد هنا سؤال، وهو أن يُقال: كيف اجتمعت هذه الأمور كلها عليهم؟ والجواب أن المفسرين على قسمين: منهم من يقول: إن شعيباً لم يرسل إلى أمة واحدة، وأهل الأيكة غير أهل مدين، فأرسل إلى الأمتين معاً، وعلى هذا فالصيحة والرجفة وقعتا لأهل مدين، وعذاب يوم الظلة وقع لأصحاب الأيكة، والظلة ما ارتفع، ومنه قوله تعالى:
{وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ}
. [الأعراف: 171].. ومنهم من يقول: إن الأيكة ومدين كلها أمة واحدة، ولا مانع من وقوع ذلك كله بهم، فيكون صاح بهم المَلَك، فتزعزعت بهم الأرض من الصيحة، فرجفت بهم، ثم جاءت الظلة فأمطرت عليهم النار.. وهنا سؤال، وهو ما وجه الفرق بين قوله تعالى في قوم صالح: وأخذَ الذي ظلموا، بلا تاء، وبين قوله هنا، وأخذت الذين ظلموا بالتاء؟ والجواب: أن ذلك من التفنن في الكلام، وهو جائز، وله مجوزات: الأول: الفصل بين الفاعل وفعله، كما قال ابن مالك في الألفية:
الثاني: كون الفاعل ليس مؤنثاً حقيقياً، ولا ضميراً لمؤنث، والتاء إنما تلزم فيهما، كما قال ابن مالك في الألفية:
{فأصبحوا في ديارهم جاثمين}
. ديار جمع دار، أصل يائها واو بدليل تصغيرها على دويرة، والجثوم الانكباب على الوجه، أي أكبتهم الصيحة على وجوههم موتى.
{كأن لم يغنوا فيها}
كأن مخففة من الثقيلة، اسمها ضمير شأن محذوف والجملة بعدها خبر، أي كأنه الأمر والشأن، قال ابن مالك في الألفية:
ومعنى يغنوا يقيموا، أي كأنهم لم يقيموا فيها ولم يسكنوها.
{ألا بعداً لمدين كما بعدت ثمود}
. ألا للاستفتاح، وسبق الكلام عليها [في تفسير الآية:68].. والبعد الهلاك، أي هلاكاً لقوم شُعيب كهلاك قوم صالح، وهم ثمود، لاشتراكهم في العلة، وهي الكفر بالله وتكذيب رُسُله.
الفهرس
12006234
عداد الصفحات العام
3381
عداد الصفحات اليومي
جقوق الطبع محفولموقع الروضة الإسلامي 1446هـ - 2025م