﴿۞ یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ لَا تَتَّخِذُوا۟ ٱلۡیَهُودَ وَٱلنَّصَـٰرَىٰۤ أَوۡلِیَاۤءَۘ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِیَاۤءُ بَعۡضࣲۚ وَمَن یَتَوَلَّهُم مِّنكُمۡ فَإِنَّهُۥ مِنۡهُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا یَهۡدِی ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّـٰلِمِینَ ۝٥١ فَتَرَى ٱلَّذِینَ فِی قُلُوبِهِم مَّرَضࣱ یُسَـٰرِعُونَ فِیهِمۡ یَقُولُونَ نَخۡشَىٰۤ أَن تُصِیبَنَا دَاۤىِٕرَةࣱۚ فَعَسَى ٱللَّهُ أَن یَأۡتِیَ بِٱلۡفَتۡحِ أَوۡ أَمۡرࣲ مِّنۡ عِندِهِۦ فَیُصۡبِحُوا۟ عَلَىٰ مَاۤ أَسَرُّوا۟ فِیۤ أَنفُسِهِمۡ نَـٰدِمِینَ ۝٥٢ وَیَقُولُ ٱلَّذِینَ ءَامَنُوۤا۟ أَهَـٰۤؤُلَاۤءِ ٱلَّذِینَ أَقۡسَمُوا۟ بِٱللَّهِ جَهۡدَ أَیۡمَـٰنِهِمۡ إِنَّهُمۡ لَمَعَكُمۡۚ حَبِطَتۡ أَعۡمَـٰلُهُمۡ فَأَصۡبَحُوا۟ خَـٰسِرِینَ ۝٥٣﴾ [المائدة ٥١-٥٣]
(67) سافر معي في المشارق والمغارب :: 66- سافر معي في المشارق والمغارب :: (34) دور المسجد في تربية الأحداث ووقايتهم من الانحراف :: (033) دور المسجد في تربية الأحداث ووقايتهم من الانحراف. :: (067) سافر معي في المشارق والمغارب :: (066) سافر معي في المشارق والمغارب :: (031) دور المسجد في تربية الأحداث ووقايتهم من الانحراف :: (065) سافر معي في المشارق والمغارب :: (030) دور المسجد في التربية وعلاج انحراف الأحداث :: :: :: :: :: :: :: :: :: ::
   
جملة البحث



السابق

الفهرس

التالي

الوسيلة الثانية: الثناء على أهل الباطل وقادته.
إن المبادئ لا تنتشر ولا تثبت ولا يكون لها أتباع وجماهير، إلا إذا حملها قادة يطبقونها في حياتهم ويخلصون لها ويتحمسون للدعوة إليها، ويتخذون كل الوسائل المتاحة لنشرها وتثبيتها، وكل صاحب مبدأ يريد نشره والدعوة إليه وتزيينه والثناء عليه، لا بد أن يَبْرُز هو للناس قائدا داعيا الناس إلى مبدئه، ولا بد أن ينال من الثناء عليه وعلى سيرته ما يجعل الناس يلتفون حوله ويتبعونه ويؤمنون بمبدئه. وإذا كان صاحب الحق يكفيه ثناءً عليه الحقُّ الذي يحمله ويدعو إليه عند ذوي العقول السليمة والفطر المستقيمة، فإن صاحب الباطل يحتاج من الثناء الكاذب والإطراء المبالغ فيه من أجل تضليل عقول الناس واستخفافهم ليتبعوه ويقدسوه هو ويطيعوه، ما يستغرق الزمان الذي يعيش فيه ويطبق آفاق المكان الذي يريد أن يكون له فيه نفوذ. لذلك ترى قادة الباطل ينفقون أموالا طائلة، ويعدون أدوات يصعب حصرها وجيوشا من البشر متخصصين في كل مجال، من أجل الثناء عليهم وإطرائهم، حتى تظهر مفاسدهم مصالح، وسوآتهم مفاخر. فيوصف الجبان الرعديد بأنه الشجاع الصنديد، والبخيل الشحيح بأنه الكريم السميح، والظالم الغشوم بأنه العدل الرحيم، والغبي البليد بأنه الذكي الوحيد، والعاصي الفاسق بأنه ذو التقوى السابق. ولما كان قادة الباطل بيدهم مقاليد الأمور، فإنهم يستغلون في الثناء عليهم مرافق دولهم كلها: التعليم والإعلام والمؤتمرات والندوات وكل المناسبات، فلا تسمع الأذن كلاما خاليا من مدحهم، ولا تقرأ العين مكتوبا مجردا من إطرائهم. ما يفعله غيرهم من المحا مد ينسب إليهم، وما يفعلونه هم من المساوي ينسب إلى سواهم، يكاد عبيدهم يقولون فيهم: (ليس كمثلهم شئ وهم...!) بل إنهم يمدحون أنفسهم بأنفسهم، لينطلق خدمهم في الثناء عليهم وقد لا يبلغ ثناء غيرهم عليهم مهما بالغوا في الثناء ما أثنوا به على أنفسهم. وقد كان فرعون نموذجا لزعماء الباطل في هذا الباب وغيره من أبواب الشر والفساد، فقد أثنى على نفسه-بعد أن جمع قومه-بأنه ربهم الأعلى، مسوغا بذلك عصيانه لله ولرسوله موسى عليه السلام عندما دعاه إلى الهدى، كما قال تعالى عنه: {هل أتاك حديث موسى، إذ ناداه ربه بالواد المقدس طوى، اذهب إلى فرعون إنه طغى، فقل هل لك إلى أن تزكى، وأهديك إلى ربك فتخشى، فأراه الآية الكبرى، فكذب وعصى، ثم أدبر يسعى، فحشر فنادى، فقال أنا ربكم الأعلى} . وقال تعالى عنه: {وقال فرعون يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري، فأوقد لي يا هامان على الطين فاجعل لي صرحا لعلي أطلع إلى إله موسى وإني لأظنه من الكاذبين، فاستكبر هو وجنوده في الأرض بغير الحق} . إن أهل الباطل مفسدون، وفسادهم ظاهر غير خفي في الغالب، ولكنهم يقلبون الحقائق فيحصرون الصلاح في أنفسهم، كما قال تعالى عن المنافقين: {وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون} . وهكذا يثني زعماء الباطل على أنفسهم بحيازة الملك والمال والغنى، معَرِّضين بفقر أهل الحق وضعفهم، مسوغين بذلك أنهم أحق بالاتباع والطاعة في باطلهم من أهل الحق، كما قال تعالى عن فرعون أيضا: {ونادى فرعون في قومه قال يا قوم أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي أفلا تبصرون، أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين، فلولا ألقي عليه أسورة من ذهب أو جاء معه الملائكة مقترنين، فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوما فاسقين} . إن زعماء الباطل عندما يبالغون في الثناء على أنفسهم-وذم أهل الحق كما سيأتي-إنما يريدون بذلك صرف عامة الناس عن سماع الحق والإصغاء إلى أهله والتفكير فيه، لأنهم يعلمون أن الحق إذا ترك له السبيل ليصل إلى عقول الناس، فإنه يدمغ الباطل ويزهقه، ويجعل أهله حثالات لا قيمة لهم، ويظهر دعاة الحق وحامليه أئمة هداة وأبطالا، يقودون الناس إلى الفلاح في الدنيا والآخرة. ولهذا تجد أهل الباطل يحاولون إبراز أنفسهم مهما تنوع باطلهم-أنهم منقذو الشعوب وحماتها، ومفكروها ونجوم فنها وأساطين آدابها، وقادة جيوشها وأعلام اقتصادها، وهم ساسة فاشلون حطموا الشعوب بسياستهم الخرقاء وأذلوها لأعدائها الذين ينهبون خيراتها ويتخذونها أسواقا مربحة لتجارا تهم وصناعاتهم، ويجد أهل الباطل جماهير في شعوبهم يستخفونها فتخف لتأييدهم والتسبيح بحمدهم وتنفيذ أو أمرهم التي تصدر لتثبيت الباطل وتأييده ونشره، ومحاربة الحق ومحاصرته وطرده، وهذه الجماهير قسمان: قسم مضلَّل العقول، يظن الباطل حقا والحق باطلا بسبب الزخم الداعم لهذا الباطل بالوسائل المتنوعة، وعدم وجود وسائل داعمة لتوصيل الحق إلى عقولهم، ولو أتيح للحق وسائل توصله إلى عقول هذا القسم لأصبح كثير منهم من أهل الحق ومناصريه ضد الباطل وأهله. وقسم يعرف الحق والباطل، ويعلم أنه قد سلك طريق الباطل ومناصرته ضد الحق وأهله، لضعف همته واتباع هواه وإشباع شهواته المادية والمعنوية التي يمنحه إياها زعماء الباطل، من مال وجاه وسلطان. أما الذين يفرقون بين الحق والباطل ويقفون بجانب الحق ضد الباطل فهم فئة قليلة من البشر في كل الشعوب، وهذه الفئة هي التي يخافها زعماء الباطل، لاطلاعها على أسرار الباطل، ومقدرتها على تبصير الناس بالحق ودحض الباطل وفضح أهله، بدلا من الثناء عليهم وعلى باطلهم، ولهذا تجد زعماء الباطل يحاربون هذه الفئة حربا شعواء، إلا إذا وجد بعض أفرادها وسيلة يتقوون بها على تلك الحرب، كأن يكونوا من أسر زعماء الباطل يكتمون إيمانهم بالحق، كحال مؤمن آل فرعون في دفاعه عن موسى عليه السلام، كما فصل دفاعه سورة غافر في مناظرة طويلة مع فرعون وقومه .



السابق

الفهرس

التالي


12296379

عداد الصفحات العام

1068

عداد الصفحات اليومي

جقوق الطبع محفولموقع الروضة الإسلامي 1446هـ - 2025م