[
الصفحة الرئيسية
] [
حول الموقع
] [
تعريف بصاحب الموقع
]
﴿۞ یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ لَا تَتَّخِذُوا۟ ٱلۡیَهُودَ وَٱلنَّصَـٰرَىٰۤ أَوۡلِیَاۤءَۘ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِیَاۤءُ بَعۡضࣲۚ وَمَن یَتَوَلَّهُم مِّنكُمۡ فَإِنَّهُۥ مِنۡهُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا یَهۡدِی ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّـٰلِمِینَ ٥١ فَتَرَى ٱلَّذِینَ فِی قُلُوبِهِم مَّرَضࣱ یُسَـٰرِعُونَ فِیهِمۡ یَقُولُونَ نَخۡشَىٰۤ أَن تُصِیبَنَا دَاۤىِٕرَةࣱۚ فَعَسَى ٱللَّهُ أَن یَأۡتِیَ بِٱلۡفَتۡحِ أَوۡ أَمۡرࣲ مِّنۡ عِندِهِۦ فَیُصۡبِحُوا۟ عَلَىٰ مَاۤ أَسَرُّوا۟ فِیۤ أَنفُسِهِمۡ نَـٰدِمِینَ ٥٢ وَیَقُولُ ٱلَّذِینَ ءَامَنُوۤا۟ أَهَـٰۤؤُلَاۤءِ ٱلَّذِینَ أَقۡسَمُوا۟ بِٱللَّهِ جَهۡدَ أَیۡمَـٰنِهِمۡ إِنَّهُمۡ لَمَعَكُمۡۚ حَبِطَتۡ أَعۡمَـٰلُهُمۡ فَأَصۡبَحُوا۟ خَـٰسِرِینَ ٥٣﴾ [المائدة ٥١-٥٣]
(67) سافر معي في المشارق والمغارب
::
66- سافر معي في المشارق والمغارب
::
(34) دور المسجد في تربية الأحداث ووقايتهم من الانحراف
::
(033) دور المسجد في تربية الأحداث ووقايتهم من الانحراف.
::
(067) سافر معي في المشارق والمغارب
::
(066) سافر معي في المشارق والمغارب
::
(031) دور المسجد في تربية الأحداث ووقايتهم من الانحراف
::
(065) سافر معي في المشارق والمغارب
::
(030) دور المسجد في التربية وعلاج انحراف الأحداث
::
::
::
::
::
::
::
::
::
::
جملة البحث
جميع محتويات الموقع
المقالات العامة
مقالات الحدث
الجهاد في فلسطين
2 أثر التربية الإسلامية في أمن المجتمع المسلم
المقالات العامة
الإيمان هو الأساس
غيث الديمة الجزء الأول
غيث الديمة الجزء الثاني
حوارات مع أوربيين مسلمين
حوارات مع أوربيين غير مسلمين
الحدود و السلطان
حكم زواج المسلم بالكتابية
رحلة هونج كونج
جوهرة الإسلام
كتاب الجهاد
المسئولية في الإسلام
دور المسجد في التربية
كتاب سبب الجريمة
كتاب الشورى في الإسلام
كتاب السباق إلى العقول
الإيمان إصطلاحاً و أثره سلوكاً
كتاب طل الربوة
كتاب الوقاية من المسكرات
الكفاءة الإدارية
معارج الصعود إلى تفسير سورة هود
مقدمة سلسلة في المشارق و المغارب
المجلد الأول : رحلات الولايات المتحدة الأمريكية
المجلد الثاني : رحلات المملكة المتحدة (بريطانيا) و آيرلندا
المجلد الثالث : رحلات اليابان وكوريا وهونغ كونغ
المجلد الرابع:رحلات إندونيسيا الجزء الأول 1400هـ ـ 1980م
المجلد الخامس : الرحلة إلى إندونيسيا الجزء الثاني 1410هـ ـ 1990م
المجلد السادس : رحلات إندونيسيا الجزء الثالث 1419هـ ـ 1989م
المجلد السابع : رحلات أستراليا و نيوزيلاندا و سريلانكا
المجلد الثامن : رحلات كندا و إسبانيا
المجلد التاسع : رحلات سويسرا و ألمانيا و النمسا
المجلد العاشر : رحلات بلجيكا و هولندا و الدنمارك
المجلد الحادي عشر:رحلات السويد و فنلندا و النرويج
المجلد الثاني عشر : رحلات فرنسا و البرتغال و إيطاليا
المجلد الثالث عشر : رحلات سنغافورة و بروناي و تايوان
المجلد الرابع عشر : رحلات باكستان و الهند
المجلد الخامس عشر : رحلات تايلاند (بانكوك)
المجلد السادس عشر : الرحلة إلى ماليزيا
المجلد السابع عشر : رحلات الفلبين
المجلد الثامن عشر : رحلة كينيا
الفهرس
كيف عامل الرسول صلى الله عليه و سلم هذا الصنف من الكفار؟
لقد عامل الرسول صلى الله عليه و سلم ، المنافقين الذين كان كفرهم أشد من الكفار الصرحاء، معاملة المسلمين في أحكام الدنيا، فلم يفرق بينهم وبين غيرهم من صحابته رضي الله عنهم، على رغم أن سيرتهم كانت دالة دلالة لا لبس فيها أنهم يكفرون بالله ورسوله وباليوم الآخر، ولم يكونوا مؤمنين مطلقاً.. وبهذا يعلم أن من أظهر الإسلام ودلت القرائن على كفره، لا يعامل معاملة الكفار حتى يكون كفره صريحاً. وقد كان بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم صلى الله عليه و سلم ، يتخذون ما يبدو لهم من القرائن الدالة على خيانة بعض الأشخاص، ممن أظهروا إسلامهم، حجة على عدم إيمانهم، ويستأذنونه في قتلهم، ويصفونهم بالمنافقين، لما يظهر لهم من أن نفاقهم نفاق اعتقادي، أي إنهم كفار وليسوا بمسلمين. وكان الرسول صلى الله عليه و سلم ، يدافع عمن عرف صدقه وإيمانه، ويقبل عذره ويذكر ما له من فضائل، كما في قصة "حاطب بن أبي بلتعة" رضي الله عنه، الذي كشف في رسالةٍ له، سرَّ رسول الله صلى الله عليه و سلم صلى الله عليه و سلم من عزمه على فتح مكة، أرسلها إليهم مع امرأة، وكان صلى الله عليه و سلم قد أخفاه ليهاجم قريشاً قبل أن يستعدوا لقتاله. وأظهر الله أمره قبل أن تصل رسالة حاطب إلى قريش، فبعث علياً والزبير والمقداد، فأدركوا المرأة وأخذوا الرسالة منها، وسلموها للرسول صلى الله عليه و سلم ، فأنكر على حاطب فعله، فاعتذر حاطب بأنه أراد أن يتخذ عند قريش يداً يحمي بها قرابته التي لا يوجد من يحميهم كبقية قرابات قريش، ونفى عن نفسه الارتداد عن الإسلام. فقال عمر: يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق؟ فقال الرسول صلى الله عليه و سلم : ((
إنه قد شهد بدراً، وما يدريك لعل الله اطلع على من شهد بدراً فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم
))
[
1
]
. فكأن عمر رضي الله عنه، فهم أن حاطباً رضي الله عنه يظهر الإسلام ويبطن الكفر؛ لأن ما فعله لا يصدر في الغالب إلا من المنافقين الذين كانوا يظهرون الإسلام، ويتحالفون في الباطن مع الكفار، فاتخذ عمر ما فعله حاطب رضي الله عنه قرينة على نفاقه.. ولكن الرسول صلى الله عليه و سلم لم يقره على ذلك، بل أثنى على حاطب وعذره. وقد روى قصة حاطب بطولها الإمام البخاري وغيره كما سبق، وذكرها المفسرون في تفسير سورة الممتحنة. وكذلك أنكر الرسول صلى الله عليه و سلم على من رمى "مالك بن الدخشن" بالنفاق، واستدل على ذلك بقرينة وهي نصحه للمنافقين، أي لمصلحتهم.. كما في قصة صلاة الرسول صلى الله عليه و سلم في مكان من بيت عتبان بن مالك ليتخذه مسجداً، التي رواها محمود بن الربيع رضي الله عنه.. قال قائل ممن اجتمعوا عند رسول الله صلى الله عليه و سلم : أين مالك بن الدخيشن ـ أو ابن الدخشن ـ؟ فقال بعضهم: ذلك منافق لا يحب الله ورسوله. فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : ((
لا تقل ذلك، ألا تراه قد قال لا إله إلا الله يريد بذلك وجه الله قال: الله ورسوله أعلم، قال فإنا نرى وجهه ونصيحته إلى المنافقين. قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : فإن الله قد حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله
))
[
2
]
. أما من دلَّت القرائن على نفاقه، ولم يعلم الرسول صلى الله عليه و سلم صدقه، بل قد يترجح له أنه منافق فعلاً، فلم يكن صلى الله عليه و سلم يدافع عنه ولا يثني عليه، ولكنه لا يقر أحداً على قتله، ويعلل ذلك بأنه قد أظهر للناس أنه من المسلمين، والإسلام يعصم دم من أظهره وماله، فإذا إذن في قتله ظن الناس أن محمداً يقتل من آمن به. كما في حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهـما، قال: كنا في غزاة... فكسع رجل من المهاجرين رجلاً من الأنصار، فقال الأنصاري: يا للأنصار، وقال المهاجري: يا للمهاجرين! فسمع ذاك رسول الله صلى الله عليه و سلم ، فقال: ((
ما بال دعوى جاهلية؟
)). قالوا: يا رسول الله كسع رجل من المهاجرين رجلاً من الأنصار. فقال: >دعوها فإنها منتنة. فسمع بذلك عبد الله بن أُبي فقال: فعلوها؟ أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. فبلغ النبي صلى الله عليه و سلم ، فقام عمر فقال: يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق! فقال النبي صلى الله عليه و سلم : دعه لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه))
[
3
]
. ويؤخذ مما سبق الأمور الآتية: الأمر الأول: أن المنافق نفاقاً اعتقادياً يعتبر كافراً في الواقع. الأمر الثاني: أنه لا يعامل في أحكام الدنيا معاملة الكفار، بل معاملة المسلمين؛ لأنه قد عصم دمه وما له بإعلان إسلامه، وتلك هي الْجُنة التي ذكرها الله تعالى في كتابه:
{ اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً.. (16)}
[
4
]
. فإذا ظهر من المنافقين ما يدل على الكفر والردة عن الإسلام، أقسموا الأيمان المغلظة على أنهم مؤمنون، فيتحصنون بذلك من حكم المرتد. قال الإمام الشافعي رحمه الله: "
{ اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً }
يعني والله أعلم، من القتل، فمنعهم من القتل، ولم يُزِل عنهم في الدنيا أحكام الإيمان بما أظهروا منه، وأوجب لهم الدرك الأسفل من النار، بعلمه بسرائرهم وخلافها لعلانيتهم بالإيمان"
[ أحكام القرآن (1/299- 300)، والآية من سورة
4
(16).]
. الأمر الثالث: جهل من يستحلون دماء وأموال من يظهرون الإسلام فيصلون ويصومون ويحجون، بحجة أن معارضتهم لتطبيق شرع الله تعتبر كفر، مع أن هؤلاء يسلكون سبيل المنافقين في اتخاذهم إظهار الإسلام جنة يتحصنون به من اتهامهم بالكفر. ومن عجب أن هؤلاء المستحلين لدماء وأموال من يظهر الإسلام ويسلك سبيل المنافقين، ليسوا حكاماً للبلدان الإسلامية، بل هم أفراد أو جماعات ليسوا أهل حل ولا عقد، ومع مخالفتهم للرسول صلى الله عليه و سلم في أصل الحكم، وهو معاملة من أظهر الإسلام ودلت القرائن على كفره معاملة المسلم، في أحكام الدنيا، هم يخالفونه كذلك، ويخالفون جماهير علماء الأمة قديماً وحديثاً، في توليهم تنفيذ قتل من لا يشرع قتله، فأحدثوا بذلك على الأمة الإسلامية من الأضرار ما الله به عليم. وإذا كان الرسول صلى الله عليه و سلم ، وهو يتلقى الوحي من الله، وكان ولي أمر المسلمين في عهده، لم يقتل المنافقين، ولم يأذن بقتلهم، فكيف يستحل غيره قتل من شابهَ أولئك المنافقين؟ وقد يكون بعض من تظهر عليهم قرائن النفاق، ليس نفاقهم نفاقا عَقَدِياً، بل قد يصدر ذلك منهم عن جهل أو تأويل، وقد يرجعون عن ذلك إذا أقيمت عليهم الحجة. رأي الإمام الشافعي في المنافقين: وقد بيَّن الإمام الشافعي رحمه الله أن المنافقين لا يدخلون في أحكام المرتدين، مع شدة كفرهم، بل تجري عليهم في الدنيا أحكام المسلمين، واستدل على ذلك بأدلة من القرآن والسنة، ومما قاله فذلك ما يأتي: قال الشافعي رحمه الله: "قال الله تبارك وتعالى لنبيه صلى الله عليه و سلم :
{ إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (1)}
إلى
{ لا يَفْقَهُونَ }
[
6
]
. قال الشافعي: فبين أن إظهار الإيمان ممن لم يزل مشركاً حتى أظهر الإيمان، وممن أظهر الإيمان ثم أشرك بعد إظهاره ثم أظهر الإيمان، مانع لدم من أظهره في أي هذين الحالين كان، وإلى أي كفر صار، كفر يسره، أو كفر يظهره، وذلك أنه لم يكن للمنافقين دين يظهر كظهور الدين الذي له أعياد وإتيان كنائس، إنما كان كفر جحد وتعطيل. وذلك بين في كتاب الله عز و جل ، ثم في سنة رسول الله صلى الله عليه و سلم ، بأن الله عز و جل أخبر عن المنافقين بأنهم اتخذوا أيمانهم جُنة، يعني والله أعلم من القتل، ثم أخبر بالوجه الذي اتخذوا به أيمانهم جُنة فقال:
{ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا..}
[
6
]
. فأخبر عنهم بأنهم آمنوا ثم كفروا بعد الإيمان كفراً إذا سئلوا عنه أنكروه، وأظهروا الإيمان، وأقروا به، وأظهروا
8
منه، وهم مقيمون فيما بينهم وبين الله على الكفر، قال الله جل ثناؤه:
{ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ.. (74)}
[
8
]
. فأخبر بكفرهم وجَحْدهم وكذب سرائرهم، وذكر كفرهم في غير آية، ووسمهم بالنفاق إذ أظهروا الإيمان وكانوا على غيره، قال عز و جل :
{ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنْ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً (145)}
[
9
]
. فأخبر عز و جل عن المنافقين بالكفر، وحكم فيهم بعلمه من أسرار خلقه ما لا يعلمه غيره، بأنهم في الدرك الأسفل من النار، وأنهم كاذبون بأيمانهم، وحكم فيهم جل ثناؤه في الدنيا بأن ما أظهروا من الإيمان، وإن كانوا به كاذبين، لهم جُنة من القتل، وهم المسرون الكفر، المظهرون الإيمان. وبين على لسانه صلى الله عليه و سلم ، مثل ما أنزل في كتابه، من أن إظهار القول بالإيمان جنة من القتل، أقر من شُهِد عليه بالإيمان بعد الكفر أو لم يقر، إذا أظهر الإيمان فإظهاره مانع من القتل. وبين رسول الله صلى الله عليه و سلم ، إذا حقن الله تعالى دماء من أظهر الإيمان بعد الكفر، أن لهم حكم المسلمين من الموارثة والمناكحة وغير ذلك من أحكام المسلمين. فكان بيِّنا في حكم الله عز و جل في المنافقين، ثم حكم رسوله صلى الله عليه و سلم ، أن ليس لأحد أن يحكم على أحد بخلاف ما أظهر من نفسه، وأن الله عز و جل إنما جعل للعباد الحكم على ما أظهر؛ لأن أحداً منهم لا يعلم ما غاب، إلا ما علمه الله عز و جل ، فوجب على من عقل عن الله أن يجعل الظنون كلها في الأحكام معطلة، فلا يحكم على أحد بظن، وهكذا دلالة سنن رسول الله صلى الله عليه و سلم ، حيث كانت لا تختلف". وقال في موضع آخر: "وأخبر الله جل ثناؤه عن المنافقين في عدد آي من كتابه، بإظهار الإيمان والاستسرار بالشرك، وأخبرنا بأن قد جزاهم بعلمه عنهم بالدرك الأسفل من النار، فقال:
{ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنْ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً }
فأعلم أن حكمهم في الآخرة النار بعلمه أسرارهم، وأن حكمه عليهم في الدنيا إن أظهروا الإيمان جُنَّة لهم، وأخبر عن طائفة غيرهم فقال:
{ وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً (12)}
[
9
]
. وهذه حكاية عنهم وعن الطائفة معهم، مع ما حكي من كفر المنافقين منفرداً، وحكي من أن الإيمان لم يدخل قلوب من حكي من الأعراب.. وكل مَن حقن دمه في الدنيا بما أظهر مما يعلم جل ثناؤه خلافه من شركهم؛ لأنه أبان أنه لم يول الحكم على السرائر غيره، وأن قد ولى نبيه الحكم على الظاهر، وعاشرهم النبي صلى الله عليه و سلم ، ولم يقتل منهم أحداً، ولم يحبسه، ولم يعاقبه، ولم يمنعه سهمه في الإسلام إذا حضر القتال، ولا مناكحة المؤمنين وموارثتهم والصلاة على موتاهم وجميع حكم الإسلام وهؤلاء من المنافقين"
[
11
]
. قلت: قد يشكل على ما سبق من تطبيق أحكام الإسلام على المنافقين، كما تُطبَّق على غيرهم من المسلمين، نَهيُ الله تعالى نبيه صلى الله عليه و سلم عن الصلاة عليهم، بعد أن صلى على رأسهم عبد الله بن أُبي بن سلول، كما قال تعالى:
{وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ (84)}
[
8
]
. كما في حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أنه قال: ((
لما مات عبد الله بن أُبي بن سلول، دُعي له رسول الله صلى الله عليه و سلم ليصلي عليه، فلما قام رسول الله صلى الله عليه و سلم ، وثَبْتُ إليه، فقلت: يا رسول الله! أتصلي على بن أُبي وقد قال يوم كذا وكذا كذا وكذا.. أُعدد عليه قوله. فتبسم رسول الله صلى الله عليه و سلم ، وقال: أخِّر عني يا عمر فلما أكثرت عليه، قال: إني خُيرت فاخترت، لو أعلم أني إن زدت على السبعين يغفر له لزدت عليها. قال: فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه و سلم ، ثم انصرف، فلم يمكث إلا يسيراً حتى نزلت الآيتان من براءة:
{ وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً.. }
إلى
{ وَهُمْ فَاسِقُونَ (84)}
. قال: فعجبت بعد من جرأتي على رسول الله صلى الله عليه و سلم يومئذ.. والله ورسوله أعلم
))
[ صحيح البخاري (1/459) رقم (1300) ورواه من حديث عبد الله بن عمر بلفظ آخر (1/ص427) رقم (1210) وهو صحيح مسلم (4/ 1865) رقم (2400)، والآية من سورة
8
.]
. وقد أجاب الشافعي رحمه الله على هذا الإشكال، بقوله في تفسير الآية: "فأما أمره أن لا يصلي عليهم، فإن صلاته بأبي هو وأمي صلى الله عليه و سلم مخالفة صلاة غيره، وأرجو أن يكون قضى إذ أمره بترك الصلاة على المنافقين، أن لا يصلي على أحد إلا غفر له، وقضى أن لا يغفر لمقيم على شرك، فنهاه عن الصلاة على من لا يغفر له".. إلى أن قال: "ولم يمنع رسول الله صلى الله عليه و سلم من الصلاة عليهم مسلماً، ولم يقتل منهم بعد هذا أحداً"
[
14
]
. وتوسع في الجواب على هذا الإشكال في "الأم": "فإن قال قائل: فإن الله عز و جل قال:
{ وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً }
إلى قوله:
{ وَهُمْ فَاسِقُونَ }
فإن صلاة رسول الله صلى الله عليه و سلم مخالفة صلاة المسلمين سواه، لأنا نرجو أن لا يصلي على أحد إلا صلى الله عليه ورحمه، وقد قضى الله إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار، ولن تجد لهم نصيراً.. وقال جل ثناؤه:
{ اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ.. (80)}
[
8
]
. فإن قال قائل: ما دل علي الفرق بين صلاة رسول الله صلى الله عليه و سلم إذ نهى عنهم، وصلاة المسلمين غيره؟ فإن رسول الله صلى الله عليه و سلم انتهى عن الصلاة عليهم بنهى الله له، ولم ينه الله عز و جل ورسوله صلى الله عليه و سلم عنها، ولا عن مواريثهم".. قال الشافعي: ((
وقد عاشروا أبا بكر وعمر وعثمان أئمة الهدي، وهم يعرفون بعضهم، فلم يقتلوا منهم أحداً، ولم يمنعوه حكم الإسلام في الظاهر، إذ كانوا يظهرون الإسلام. وكان عمر يمر بحذيفة بن اليمان إذا مات ميت، فإن أشار عليه أن أجلس جلس واستدل على أنه منافق، ولم يمنع من الصلاة عليه مسلماً، وإنما يجلس عمر عن الصلاة عليه؛ لأن الجلوس عن الصلاة عليه، مباح له في غير المنافق، إذا كان لهم من يصلي عليهم سواه...
))
[
16
]
. وذكر الحافظ ابن حجر رحمه الله أن النهي عن الصلاة على المنافقين، كان في عدد معين منهم، قال: "ظاهر الآية أنها نزلت في جميع المنافقين، لكن ورد ما يدل على أنها نزلت في عدد معين منهم، قال الواقدي: أنبأنا معمر عن الزهري قال: قَال حذيفة: قال لي رسول الله صلى الله عليه و سلم : >إني مسر إليك سراً فلا تذكره لأحد، إني نهيت أن أصلي على فلان وفلان..< رهط ذوي عدد من المنافقين"
[
17
]
. وبهذا يتضح أن الأصل بقاء تطبيق أحكام الإسلام على كل من أظهر الإسلام منهم، ولو ظهرت على بعضهم علامات النفاق، وأن النهي عن الصلاة عليهم خاص بالرسول صلى الله عليه و سلم ، بدليل أن رسول الله صلى الله عليه و سلم لم ينه المسلمين عن الصلاة عليهم، وأن الصحابة استمروا في الصلاة عليهم، وأن عمر رضي الله عنه الذي قال لرسول صلى الله عليه و سلم عندما أراد الصلاة على ابن أُبي: "أتصلي على ابن أُبي وقد قال يوم كذا وكذا كذا وكذا" لم ينه عن الصلاة على من كان يشير عليه حذيفة بأنه من المنافقين، بل يترك هو الصلاة عليه، ويترك غيره من الصحابة يصلون عليه.
1
- صحيح البخاري (4/1557) رقم (4025).
2
- صحيح البخاري (1/164) رقم (415) وصحيح مسلم (1/61) رقم (33).
3
- صحيح البخاري (4/1861) رقم (4622) وصحيح مسلم (4/1998) رقم (2584).
4
- المجادلة
5
- أحكام القرآن (1/299- 300)، والآية من سورة المجادلة (16).
6
- المنافقون
7
- المنافقون
8
- التوبة
9
- الأحزاب
10
- الأحزاب
11
- الأم (6/157 – (6/166).
12
- التوبة
13
- صحيح البخاري (1/459) رقم (1300) ورواه من حديث عبد الله بن عمر بلفظ آخر (1/ص427) رقم (1210) وهو صحيح مسلم (4/ 1865) رقم (2400)، والآية من سورة التوبة.
14
- أحكام القرآن للشافعي (1/297).
15
- التوبة
16
- الأم (1/259- 260).
17
- فتح الباري فتح الباري (8/387-338).
الفهرس
12286857
عداد الصفحات العام
954
عداد الصفحات اليومي
جقوق الطبع محفولموقع الروضة الإسلامي 1446هـ - 2025م