[
الصفحة الرئيسية
] [
حول الموقع
] [
تعريف بصاحب الموقع
]
﴿۞ یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ لَا تَتَّخِذُوا۟ ٱلۡیَهُودَ وَٱلنَّصَـٰرَىٰۤ أَوۡلِیَاۤءَۘ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِیَاۤءُ بَعۡضࣲۚ وَمَن یَتَوَلَّهُم مِّنكُمۡ فَإِنَّهُۥ مِنۡهُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا یَهۡدِی ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّـٰلِمِینَ ٥١ فَتَرَى ٱلَّذِینَ فِی قُلُوبِهِم مَّرَضࣱ یُسَـٰرِعُونَ فِیهِمۡ یَقُولُونَ نَخۡشَىٰۤ أَن تُصِیبَنَا دَاۤىِٕرَةࣱۚ فَعَسَى ٱللَّهُ أَن یَأۡتِیَ بِٱلۡفَتۡحِ أَوۡ أَمۡرࣲ مِّنۡ عِندِهِۦ فَیُصۡبِحُوا۟ عَلَىٰ مَاۤ أَسَرُّوا۟ فِیۤ أَنفُسِهِمۡ نَـٰدِمِینَ ٥٢ وَیَقُولُ ٱلَّذِینَ ءَامَنُوۤا۟ أَهَـٰۤؤُلَاۤءِ ٱلَّذِینَ أَقۡسَمُوا۟ بِٱللَّهِ جَهۡدَ أَیۡمَـٰنِهِمۡ إِنَّهُمۡ لَمَعَكُمۡۚ حَبِطَتۡ أَعۡمَـٰلُهُمۡ فَأَصۡبَحُوا۟ خَـٰسِرِینَ ٥٣﴾ [المائدة ٥١-٥٣]
(67) سافر معي في المشارق والمغارب
::
66- سافر معي في المشارق والمغارب
::
(34) دور المسجد في تربية الأحداث ووقايتهم من الانحراف
::
(033) دور المسجد في تربية الأحداث ووقايتهم من الانحراف.
::
(067) سافر معي في المشارق والمغارب
::
(066) سافر معي في المشارق والمغارب
::
(031) دور المسجد في تربية الأحداث ووقايتهم من الانحراف
::
(065) سافر معي في المشارق والمغارب
::
(030) دور المسجد في التربية وعلاج انحراف الأحداث
::
::
::
::
::
::
::
::
::
::
جملة البحث
جميع محتويات الموقع
المقالات العامة
مقالات الحدث
الجهاد في فلسطين
2 أثر التربية الإسلامية في أمن المجتمع المسلم
المقالات العامة
الإيمان هو الأساس
غيث الديمة الجزء الأول
غيث الديمة الجزء الثاني
حوارات مع أوربيين مسلمين
حوارات مع أوربيين غير مسلمين
الحدود و السلطان
حكم زواج المسلم بالكتابية
رحلة هونج كونج
جوهرة الإسلام
كتاب الجهاد
المسئولية في الإسلام
دور المسجد في التربية
كتاب سبب الجريمة
كتاب الشورى في الإسلام
كتاب السباق إلى العقول
الإيمان إصطلاحاً و أثره سلوكاً
كتاب طل الربوة
كتاب الوقاية من المسكرات
الكفاءة الإدارية
معارج الصعود إلى تفسير سورة هود
مقدمة سلسلة في المشارق و المغارب
المجلد الأول : رحلات الولايات المتحدة الأمريكية
المجلد الثاني : رحلات المملكة المتحدة (بريطانيا) و آيرلندا
المجلد الثالث : رحلات اليابان وكوريا وهونغ كونغ
المجلد الرابع:رحلات إندونيسيا الجزء الأول 1400هـ ـ 1980م
المجلد الخامس : الرحلة إلى إندونيسيا الجزء الثاني 1410هـ ـ 1990م
المجلد السادس : رحلات إندونيسيا الجزء الثالث 1419هـ ـ 1989م
المجلد السابع : رحلات أستراليا و نيوزيلاندا و سريلانكا
المجلد الثامن : رحلات كندا و إسبانيا
المجلد التاسع : رحلات سويسرا و ألمانيا و النمسا
المجلد العاشر : رحلات بلجيكا و هولندا و الدنمارك
المجلد الحادي عشر:رحلات السويد و فنلندا و النرويج
المجلد الثاني عشر : رحلات فرنسا و البرتغال و إيطاليا
المجلد الثالث عشر : رحلات سنغافورة و بروناي و تايوان
المجلد الرابع عشر : رحلات باكستان و الهند
المجلد الخامس عشر : رحلات تايلاند (بانكوك)
المجلد السادس عشر : الرحلة إلى ماليزيا
المجلد السابع عشر : رحلات الفلبين
المجلد الثامن عشر : رحلة كينيا
الفهرس
من هنا بدأت المحاضرة الرابعة عشرة في 20/7/1384هـ
وقوله:
{أخاهم}
هذه أخوة طينية لا دينية، وفيها دليل على جواز إطلاق الأخوة النسبية بين الكافر والمؤمن، والأساس إنما هو الأخوة الدينية. والسر في التعبير بالأخوة لهم ليزداد التشنيع عليهم، لأنه منهم، يعلمون صدقه وثقته وشرفه الذي إذا حصل له يكون شرفاً لهم، ثم إنهم بعد هذا كله عصوه. قال
{يا قوم اعبدوا الله}
كل دعوات الرسل هي مضمون لا إله إلا الله التي قام عليها أمر السماوات والأرض، وخلقت من أجلها الجنة والنار، وبعث رسل الله عليهم الصلاة والسلام، ولهذا كان كل رسول إنما يبدأ قومه بالدعاء إليها، كما قال تعالى:
{وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ}
[الأنبياء:25].. وقد حصر الله جـل وعلا الوحي كله في هذه الكلمة، حيث قال:
{قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}
[الأنبياء:108].. وذلك أنها تحتوي على مضمون كل الكتب السماوية والشرائع الإلهية وتشملها.. لأنها مركبة من نفي كل الآلهة ـ غير الله ـ ونفي عبادتها، وإثبات كل العبادات لله وحده، ففيها يدخل كل تقرب إلى الله تعالى، من عقائد وأعمال وتروك، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها). [الحديث في صحيح البخاري: عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله).. (1/11-12)، ومسلم أيضاً (1/51-53)، وله روايات مختصرة بعضها قريب مما ذكره شيخنا المفسر رحمه الله].. فكل التكليفات والحقوق مندرجة تحت هذه الكلمة، ولهذا قال نبي الله هود: اعبدوا الله أي تقربوا إليه وحده بما أمركم بالتقرب به إليه من العبادات على وجه الخضوع والذل والمحبة، فلا تكفي المحبة دون الخضوع والذل، لأنها قد تكون طبيعية، ولا يكفي مجرد الخضوع والذل، لأنه قد يكون خاضعاً لمن يبغضه تحت قهره وسلطانه، وباجتماع ذلك يحصل كمال العبودية لله..
{ما لكم من إله غيره }
أي ليس لكم معبود يستحق منكم العبادة غيره، لأنه الخالق الرازق المدبر، فهو وحده المعبود. وهنا سؤال نحوي، وهو أن يقال: إن كلمة غير تابعة لإله، وقد رفعت، مع أن متبوعها مجرور، فما وجه ذلك؟ والجواب أن كلمة إله وإن كانت مجرورة في اللفظ، فإن محلها الرفع، لأن من زائدة للتنصيص على العموم في النفي، فهو مبتدأ، التابع يجوز أن يتبع لفظ المتبوع فيجر، ويجوز أن يتبع محله فيرفع إن كان مرفوعاً وينصب إن كان منصوباً، كما قال ابن مالك في الخلاصة:
وقال: واجرر أو انصب تابع الذي انخفض=كمبتغى جاه وما لا من نهض
{إن أنتم إلا مفترون}
إن نافية، معناها: ما، أي ما أنتم إلا مفترون، والمفترون جمع تصحيح المفترى، اسم فاعل افترى، والافتراء الكذب والاختلاق الشنيع، ووزن مفترون: مفتعون، حذفت اللام التي هي الياء، وذلك واجب في مثله بإجماع أهل اللسان العربي ومثله: القاضون، فأصل وزنه قبل الحذف: مفتعلون ـ مفتريون ـ. وهنا سؤال: وهو أن نبي الله هوداً عليه السلام أثبت لهم صفة الافتراء، مع أنهم لم يتقدم لهم حكاية كلام يقتضي تكذيبهم، فكيف أثبت لهم الافتراء؟ والجواب: أن قوله:
{ما لكم من إله غيره}
يدل بمفهومه أنهم ادعوا آلهة من دون الله تعالى، بدليل عبادتهم لهم، وقد صرح الله بهذا المفهوم فيما بعد بقوله عنهم:
{وما نحن بتاركي آلهتنا}
{يا قوم لا أسألكم عليه أجراً}
أعاد هود النداء لهم لينبههم على شفقته بهم وإرادة الخير لهم، والضمير في عليه يعود إلى ما يدل عليه المقام، أي لا أطلب منكم جزاء على الذي بلغتكم عن الله، وهذا يقتضي أن تحسنوا بي الظن، فإني لو كنت أطلب على ذلك جعلاً لظننتم أني إنما أطلب بدعوتي مصلحة شخصية من وراء ذلك. وهذه عادة كل الأنبياء لا يطلبون على دعوتهم جزاء دنيوياً ولهذا قال الله تعالى عنهم كلهم:
{اتبعوا المرسلين اتبعوا من لا يسألكم أجرا}
[راجع هذه الآية وغيرها في تفسير الآية: 29 فيما مضى]. فهو يقول لقومه: لا أسألكم على هذا التبليغ وهذه المكابدة شيئاً من أمور الدنيا..
{إن أجري إلا على الذي فطرني}
أي ما جزائي وثوابي إلا على الله عـز وجل، وإنما عبر بعلى في قوله: على الذي لأن الله أوحى إليه أنه التزم ذلك له، وكذلك بقية الأنبياء، وفي قوله: أجري قراءتان: الأولى بفتح الياء، والثانية بإسكانها.. و فطرني .. أي ابتدعني وخلقني على غير مثال سابق وقد ذكر عن ابن عباس أنه ما عرف حقيقة معنى "فطر" حتى اختصم إعرابيان في بئر، فقال أحدهما: هي بئري، وأنا فطرتها، فعرف أن فطر معناه ابتدع الشيء على غير مثال سابق لوجوده.
{أفلا تعقلون}
أي أتعبدون ما لا ينفع ولا يضر فلا تعقلون أي لا تدركون بعقولكم حقائق الأشياء؟ وهذا توبيخ لهم.
{ويا قوم استغفروا ربكم}
أعاد النداء، وذلك متضمن معنى الاستعطاف وإبداء أن قصده المحبة لهم والرأفة بهم، أي اطلبوا المغفرة بتوحيد الله، لا أنكم تطلبونها وأنتم تعبدون غيره، فإنكم لا تنالونها بذلك، بل تنالون العقاب. كما قال تعالى:
{قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ}
[الأنفال:38]..
{ثم توبوا إليه}
. أي ارجعوا إليه بعد طلب المغفرة من الكفر به، بأن تقلعوا نادمين عازمين على أن لا تعودوا..
{يرسل السماء عليكم مدرارا}
أي يرسل إليكم المطر غزيراً كيراً، يقال: لله درها للناقة إذا كانت كثيرة اللبن، أي تكثر الأمطار فتكثر النباتات فتنعم الحيوانات وتكثر الألبان وغير ذلك من نعم الدنيا، فتحصل لهم نعمة الدنيا والآخرة..
{ويزدكم قوة إلى قوتكم}
أي: إلى قوتكم التي قلتم مفتخرين بها:
{مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً}
؟؟ [فصلت:15]. وطاعة الله تعالى كما أنها تصلح الآخرة فهي تصلح الدنيا أيضاً، وفي هذه الآية دليل واضح على ذلك، لأن قوله تعالى: يرسل السماء.. الخ مجزوم في جواب الطلب الذي استغفروا.. الخ والقاعدة أن الفعل المضارع المجزوم في جواب الطلب، يكون جزمه بشرط مقدر، والتقدير: إن تستغفروا وتتوبوا الخ.. يرسل.. والله تعالى قد ذكر مثل هذا في عدة آيات، فقال في أول هذه السورة:
{وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم متاعا ًحسنا ويؤت كل ذي فضل فضله}
. وقال تعالى:
{مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}
[النحل:97].. والمراد بالحياة الطيبة الأرزاق والنعم الدنيوية بدليل قوله:
{ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون}
وقال تعالى:
{فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً (10) يُرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً (11) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً}
[نوح:10-12].. وقال تعالى في أهل الكتاب:
{وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}
[الأعرف:96].. وفي هذه الآية إشارة أن من رجع إلى الله تعالى الذي رفع السماوات وبسط الأرض يجلب بذلك نعيم الدنيا وسعادة الآخرة.. وقال تعالى:
{وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً}
[الطلاق: 4].. وقال تعالى:
{وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ}
[الطلاق:2-3].. فتقوى الله وطاعته فيهما صلاح الدنيا والآخرة.. والأمة كلها لو اجتمعت على نفع لم يرده الله لأحد أو على ضر لم يرده الله بأحد لم يقدروا على ذلك، كما ثبت ذلك عن الرسول صلى الله عليه وسلم.. [يشير إلى حديث ابن عباس الذي رواه الترمذي (4/667) وفيه: (واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك رفعت الأقلام وجفت الصحف) وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح].. وهذا فرعون الجبار الذي قال:
{أَنَا رَبُّكُمْ الأَعْلَى}
[النازعات:24] أصبح بمشيئة الله النافذة يربي ذلك الطفل الصغير الذي كانت عاقبته الوخيمة على يديه. كما قال تعالى:
{فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ}
[القصص:8].. وهذه اللام هي لام العلة، ولا اعتبار بقول من تعسف في تقديرها، وقال: هي لام العاقبة، والمعنى: قدرنا على فرعون رغم أنفه أن يربيه ليكون له عدواً وحزناً..
{ولا تتولوا مجرمين}
أي لا تعرضوا عن هذا التوحيد الذي أدعوكم إليه إلى عبادة الأوثان، والحال أنكم مجرمون، أي مرتكبون الجرائم، والجريمة الذنب العظيم الذي يستحق صاحبه التنكيل والخزي الشديد، وهو من أجرم الرباعي، وهو بهذا المعنى كثير في القرآن، وعليها إجماع أهل اللسان العربي، ويأتي أيضاً ثلاثياً في القرآن وفي اللغة، ولكن على خلاف في ذلك، فمن إتيان أجرم الرباعي في القرآن قوله تعالى:
{فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ}
[سبق في آية: 35].. وقوله تعالى:
{إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا}
[سورة المطففين:29].. وقوله هنا:
{ولا تتولوا مجرمين}
ومن إتيان الثلاثي في القرآن قوله تعالى:
{لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمْ الأَخْسَرُونَ}
[تقدمت في آية: 22]..
{لا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ}
[النحل: 23، وقد مضى كلام شيخنا المفسر في ذكر أقوال العلماء فيها في تفسير آية هود: 22].. ومن إتيان الثلاثي في اللغة قول الشاعر:
ومعنى الآية: لا تعرضوا وتصدوا عن الحق في حال كونكم مرتكبين الجرائم..
{قالوا يا هود ما جئتنا ببينة}
بعد أن ذكر الله كلام هود ودعوة قومه ذكر تعالى جوابهم اللئيم وقد نادوه باسمه بغاية من الوقاحة وعدم الحياء والاحترام، أي ما أتيتنا ببرهان قاطع يدل على أن ما تدعونا إليه حق. وهذا منهم كذب وافتراء، فإنه ما أرسل الله من رسول إلا مصحوباً بالمعجزات التي تصدقه وتؤيده، وقد بين ذلك الصادق المصدوق بقوله صلى الله عليه وسلم: (ما من الأنبياء من نبي إلا أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيت وحياً أوحى الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً ) [البخاري (6/97) ومسلم (1/134)، من حديث أبي هريرة ولم أتمكن من كتابة نص كلام الشيخ لهذا الحديث ولذلك نقلته بنصه].. وهو صريح أنه ما أرسل الله رسولاً إلا أيده بما يدل على صدقه، كما قال تعالى:
{تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ}
[الأعراف: 101].. وقال تعالى:
{لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ}
[الحديد:25].. والآيات في ذلك كثيرة جداً.. ونظير قول قوم هود هنا قول اليهود للرسول صلى الله عليه وسلم إنه لم يأتي ببينة تصدق دعواه الرسالة، فرد الله عليهم بقوله:
{وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلاَّ الْفَاسِقُونَ}
[البقرة:99].. والبينة كل دليل واضح لا يترك في الحق لبساً، ولكن البينات لا تغني شيئاً ولا تفيد شيئاً فيمن طمست بصائرهم حتى لم يميزوا الحق من الباطل بسبب إعراضهم واتباع أهوائهم.
{وما نحن بتاركي آلهتنا}
الجار والمجرور ليس من قبيل الشبيه بالجملة، بل هو من قبيل المفرد، لأن الباء الداخلة على خبر ليس زائدة لا متعلق لها، ولذا لا يقدر له الاستقرار والكون، كما يقدر للجار والمجرور الشبيه بالجملة، كما في باب الخبر، وإليه أشار ابن مالك في الألفية بقوله: وأخبروا بظرف أو بحرف جر=ناوين معنى كائن أو استقر وزيادة الباء متحققة سواء كانت ما حجازية أو تميمية، إلا أنها إذا كانت تميمية يكون محل المجرور الرفع، وإذا كانت حجازية يكون محله النصب، وهذه الباء يؤتى بها في الإسناد الخبري المنفي مؤكدة للنفي، كما يؤتى بإنَّ وقد واللام وغيرها مؤكدة للإسناد الخبري المثبت.. وإضافة تارك إلى آلهة من إضافة اسم الفاعل إلى مفعوله، والنون في تاركين حذفت للإضافة، على حد قول ابن مالك في الألفية:
والآلهة جمع إله، ويجمع فِعال على أفعلة، كقذال وأقذلة، ونحوه من كل اسم رباعي زيدت مدة قبل آخره، كما قال ابن مالك في الألفية: [s] في اسم مذكر رباعي بمد==ثالث أفعلة عنهم اطرد '> وأصل آلهة أألهة، اجتمعت همزتان في أول الكلمة سكنت ثانيتهما فأبدلت مدة من جنس الحركة التي قبلها، وهذا الإبدال واجب بإجماع أهل اللسان العربي وعليه جميع القراءات في القرآن الكريم وفيه قال ابن مالك في الألفية:
والإله المعبود، ومرادهم: لا نترك عبادة معبوداتنا..
{عن قولك}
أي بسبب قولك، فعن سببية بمعنى الباء عند جماعة، ومن أمثلتهم لعن بمعنى باء السببية: مات عن ضربه أي بسبب ضربه.
{وما نحن لك بمؤمنين}
أي لا نصدقك في قولك، أكدوا لنبي الله هود عليه السلام كفرهم من جهتين: الأولى: عدم تركهم آلهتهم.. الثانية: عدم إيمانهم به، وفي هذا غاية التيئيس.
{إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء}
أي نحصر قولنا لك في هذا، واعترى على وزن افتعل، أصل لامه واو، فماضيه عرو، تحركت الواو وانفتح ما قبلها فقلبت ألفاً فصار عرا، على حد قول ابن مالك في الخلاصة:
ومضارعه يعرو، ومن شواهده قول الشاعر:
فدخلته تاء الافتعال، مثل: اكتسب، فصار اعترى، أي ما نقول إلا أنه أصابك بعض آلهتنا بسوء. وقد كان نبي الله هود عليه السلام كغيره من الأنبياء، يلح عليهم في دعوتهم إلى الله في البيوت والأسواق والنوادي، فوصفوه بأن به خبلاً وجنوناً، ونسبوا سلب عقله إلى الآلهة، لكونها قد سلبت من قبله في زعمهم ونهى عن عبادتها، وقد وصفوا سيد الخلق صلى الله عليه وسلم بأنه مجنون فرد الله تعالى عليهم بقوله:
{وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ (36) بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ}
[الصافات: 36-37].. وقال تعالى:
{كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ}
. [الذاريات:52].. وقد نفى الله سبحانه وتعالى عن رسوله صلى الله عليه وسلم الجنون، فقال:
{مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ}
[القلم:2].. فمراد قوم هود بالسوء الذي أصابته به الآلهة الجنون، وهكذا عادة المشركين أن يخوفوا الأنبياء والدعاة إلى الله من آلهتهم، كما قال تعالى:
{إِنَّمَا ذَلِكُمْ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِي إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}
[آل عمران: 175]. وقد خوف قوم إبراهيم إبراهيمَ عليه السلام من آلهتهم، كما قال تعالى عنه وهو يرد عليهم تخويفهم:
{وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (81) الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمْ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ}
[الأنعام:81-82]..
{قال إني أشهد الله وأشهدوا أني بريء مما تشركون}
أي أشهد الله واشهدوا أنتم على أني لا أخاف مما تعبدون وزعمتم أنهم مسوني بسوء، بل لا أزداد إلا براءة من معبوداتكم، فأنا بريء كل البراءة منها، لا أواليها، ولا أخافها، لأني أعلم أنها جمادات لا تنفع ولا تضر من دون الله..
{فكيدوني جميعاً ثم لا تنظرون}
يستجلب عداوتهم وعداوة أصنامهم التي زعموا أنها تضر، والكيد إيصال السوء، أي أوصلوا السوء إليّ أنتم وآلهتكم، وابذلوا كل ما تطيقون، فأتوا به، ولا تمهلوني لحظة واحدة، حتى أدبر لكم أمراً ضدكم.. وهنا يبدون أن يعن للسامع سؤال، وهو: ما المستند العظيم الذي جعل هود عليه السلام يصارح قومه هذه الصراحة ويتحداهم ذلك التحدي بشجاعة وعدم تهيب، مع أنه لا جيش عنده ولا ظهير ولا شيء من الأسباب الحسية التي تبجح بها الإنسان عادة؟ والجواب هو قول الله جـل وعلا:
{إني توكلت على الله ربي وربكم}
أي هذا هو الذي جعلكم تسقطون عندي أنتم وآلهتكم فلا أبالي بكم ولا بها، لأني وثقت بربي ثقة تامة، وفوضت إليه جميع أموري، وهو الذي خلقني وخلقكم وسيدي وسيدكم ومدبر شؤوني وشؤونكم، فكلنا في قبضة يده، لا يفوته أحد ولهذا قال:
{ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها}
أي ما من نسمة تدب على وجه الأرض، من إنسان وأنعام ووحوش وكل الحيوانات صغيرها وكبيرها، إلا والله تعالى آخذ بناصيتها أي إنها في قبضته لا تفوته، يتصرف بها كيف يشاء. والناصية مقدم الرأس ويعبر بالأخذ بالناصية عن الملك تام، فالله جـل وعلا مالك كل مخلوق ملكاً تاماً مطلقاً بكل وجه،وهذا هو التوكل الحقيقي الذي أبداه هود عليه السلام.
{إن ربي على صراط مستقيم}
. فمن سلك صراطه الذي أمر بسلوكه أوصله ذلك الطريق إلى ربه، وهذا يدلنا على كمال ثقة الأنبياء عليهم السلام بربهم. وهذا نبي الله نوح عليه السلام يقول لقومه ما ذكره الله تعالى عنه من تحد صريح لقومه.. كما قال تعالى:
{وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ}
[يونس:71].. ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم يوم حنين في ذلك الشعب الذي ألب عليه فيه مالك بن عوف هوازن في مضايق الأودية بعد صلاة الصبح، فاشتد الأمر من المشركين على المسلمين حتى كانت الرماح كالمطر عليهم، كما وصف الله تلك الشدة عليه بقوله تعالى:
{وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمْ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ}
[التوبة:25].. ففر من كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يبق معه إلا أحد عشر رجلاً، يظهر ثقته بربه وتمام توكله عليه ويتقدم لمقارعة المشركين ويقول وهو راكب على بغلته أما الأعداء الذي قد امتلأت قلوبهم غيظاً عليه:
[راجع القصة في صحيح البخاري (3/218) وصحيح مسلم (3/140) من حديث البراء بن عازب رضي الله عنه].. ونطير قوله تعالى هنا:
{إن ربي على صراط مستقيم}
قوله تعالى:
{وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ}
[النحل:9].. وقوله تعالى:
{إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى}
[الليل:12].. والمراد أن من سلك السبيل القاصد والصراط المستقيم وصل إلى ربه ليجازيه أحسن الجزاء، وهذا أجود التفاسير في الآية، فإن عفو الله ورضاه إنما يتوصل إليه من هذه الطريق. كما قال تعالى: لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ.. [الحج:37]..
{فإن تولوا فقد أبلغتكم ما أرسلت به إليكم}
حذف إحدى التائين بدليل الخطاب في جواب الشرط: فقد أبلغتكم .. ولو كان ماضياً لقال: أبلغتهم.. وفي حذف إحدى التائين قال ابن مالك في الخلاصة:
والمراد أنني قد نهيتكم عن التولي، وهو الذي مضى في قوله:
{ولا تتولوا مجرمين}
فإن أبيتم إلا التولي وعصيتم أمري وارتكبتم نهيي، فقد فعلت ما أمرت به وبذلت ما في وسعي، ونصحتكم، فلا تضرونني بعد هذا، وإنما تضرون أنفسكم.. ومعنى ما أرسلت به أي: الذي أرسلني به الله لأبلغكم إياه، وقال تعالى في مثل هذا:
{مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ}
[المائدة:99]..
{ويستخلف ربي قوماً غيركم ولا تضرونه شيئاً}
أي إن ربي غني عنكم، فلو شاء لأماتكم على كفركم فلقيتم جزاءكم في الآخرة، وجعل في الأرض خلقاً غيركم، ولا تضرونه بذلك وإنما تضرون أنفسكم.. ويفهم من هذه الآية الكريمة أن معصية العاصين لا تضر الله شيئاً، كما فهم منها أن طاعة الطائعين لا تنفع الخالق شيئاً. وقد بين الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك في الحديث الثابت في صحيح مسلم أتم بيان وهو حديث قدسي. الحديث طويل وفيه يقول: (يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد ما نقص ذلك من ملكي شيئا) [(4/1994-1995)]..
{إن ربي على كل شيء حفيظ}
الحفيظ الرقيب الذي يحفظ الأشياء، ومن حفظه تسجيله كلما تقولون من الافتراء، فيجازيكم به.. كما قال تعالى:
{وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (10) كِرَاماً كَاتِبِينَ (11) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ}
[الانفطار:10-12].. وقال تعالى:
{وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً}
[الأنعام:61].. وقال تعالى:
{له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله}
ومن ذلك حفظه تعالى أعمال عباده لمجازاتهم عليها كما قال تعالى:
{يَوْمَ يَبْعَثُهُمْ اللَّهُ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ}
[المجادلة:6].. والحفظ في اللغة إمساك الشيء بحزم، ولذا قيل للملك حافظ كما قال تعالى عن يوسف عليه السلام:
{قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ}
[يوسف:55].. ويدخل في ذلك حفظ الله لنبيه هود عليه السلام من أن يصيبه قومه بسوء. قوله تعالى:
{ولما جاء أمرنا نجينا هوداً والذين آمنوا معه برحمة منا ونجيناهم من عذاب غليظ}
لما هذه هي الرابطة، واختلف فيها: فقيل: هي حرف لعدم رجوع ضمير إليها وقيل: إنها ظرف تضمنت معنى الشرط، وتأتي لما جازمة كقوله تعالى:
{بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ}
[يونس:39].. ودالة على الإثبات، نحو قوله تعالى:
{إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ}
[الطارق:4].. وهي في هذين الموضعين حرف بلا خلاف.. والأمر واحد الأمور، والمعنى: ولما جاء شأننا بإهلاك عاد، وقد فصل هذا الأمر في مواضع من كتاب الله.. كقوله تعالى:
{وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ الرِّيحَ الْعَقِيمَ (41) مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلاَّ جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ}
[الذاريات:41-42].. وذكر المفسرون أن تلك الريح كانت سموماً تدخل في أنوفهم ثم تقلعهم إلى السماء، ثم ترميهم.. كما قال تعالى:
{إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ (19) تَنزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ}
[القمر:19-20].. وقال تعالى:
{وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ (6) سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ (7) فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ}
[الحاقة: 6-8]. وقال تعالى:
{فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضاً مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (24) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لا يُرَى إِلاَّ مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ}
[الأحقاف:24-25]..
{نجينا هوداً والذين آمنوا معه برحمة منا ونجيناهم من عذاب غليظ}
أي: أنجينا نبينا وأتباعه من كفر الأعداء برحمة منا .. تغشيناهم بها، فظهرت آثارها عليهم، وبالإيمان الذي وفقناهم له، ومن عذاب غليظ، أي شديد، وهو إرسال الله عليهم الريح العقيم التي كانت تقلعهم، كما مضى ثم ترميهم.. من هنا بدأت المحاضرة الخامسة عشرة في 22/7/1384هـ قوله تعالى:
{وتلك عاد جحدوا بآيات ربهم}
أنث اسم الإشارة نظراً إلى معنى عاد، وهو القبيلة، لأن عاداً قبيلة من قبائل العرب البائدة، واصل الاسم للجد ثم استعمل في القبيلة، فهو يستعمل فيهما، وهنا استعمل في القبيلة بدليل تأنيث المسند إليه. وهنا يرد سؤال نحوي، وهو: ما وجه صرف كلمة "عاد" وقد أريد بها القبيلة، فقد اجتمع فيها علتان مانعتان من صرفها، وهما التأنيث والعلمية؟ والجواب: أن المحققين من النحويين على أن الاسم الثلاثي المؤنث العَلَم الساكن الوسط، يجوز فيه الصرف وعدمه، وقد جاء به القرآن كما هنا فهو فصيح جائز وكما صرف نوح ولوط وكلاهما علمي أعجمي.. كما قال ابن مالك في الألفية:
ومادة "جحد" تتعدى تارة بنفسها، وتارة بحرف الجر، كما هنا، قيل: وهي هنا دالة على معنى كفر، أو مضمنة معناه. وهذه الآية دالة على أنه جاءهم بآيات بينة، خلافاً لما قالوا من قبل:
{ما جئتنا ببينة}
[آية:53].. فجحدوها مع وضوحها وعصوا رسله وهنا يرد سؤال، وهو: ما سبب الجمع "رسله" مع أن المرسل إليهم واحد؟ والجواب: أن الأنبياء كلهم عليهم السلام أصل دعوتهم شيء واحد، وهو مضمون: لا إله إلا الله فكلهم يأمر قومه بأن يعبدوه وحده ويطيعوه في أمره ونهيه، ويؤمنوا به إيماناً تاماً كاملاً على سبيل الخلاص، وما يحصل في شرائع الأنبياء من اختلاف في الفروع لا يوجب التفريق بينهم، ولهذا كان من كذب واحداً منهم فقد كذبهم جميعاً، ولهذه الحكمة بعينها كفر كل من فرق بين رسل الله.. كما قال تعالى:
{إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً (150) أُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ حَقّاً وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُهِيناً}
[النساء: 150-151].. وأمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين أن يؤمنوا به وبكل رسله.. فقال تعالى:
{قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ}
[البقرة:136].. وشهد الله لهذه الأمة ونبيها أنهم آمنوا بما أمرهم به.. فقال تعالى:
{آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ}
[البقرة: 285] وبين سبحانه وتعالى أن الأجر العظيم الذي وعد به عباده المؤمنين مترتب على هذا الإيمان الذي لا يفرق صاحبه بين رسل الله.. فقال تعالى:
{وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُوْلَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً}
[النساء: 152].. وهذا هو الجواب على هذا الإشكال الذي يرد في جميع الأنبياء فإن الله عندما يذكر النبي وقومه يذكر أن المعاندين منهم كذبوا الرسل بالجمع، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (إنا معاشر الأنبياء أولاد علات، ديننا واحد).. [نص الحديث الذي يقاربه ما كتبه عن الشيخ هكذا: عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم في الدنيا والآخرة والأنبياء إخوة لعِلات، أمهاتهم شتى ودينهم واحد) لفظ البخاري (4/142) وهو في مسلم (4/1837)].. والمراد بأولاد علات أن يكون أبوهم واحداً، وأمهاتهم مختلفة والمعنى هنا أن عقيدتنا واحدة والفروع مختلفة، ولا يضر الاختلاف في الفروع، لأنها ترجع إلى أصل واحد متفق عليه. وإذا كان الأمر كذلك، فإن من كفر بنبي واحد منهم فقد كفر بهم جميعاً وبهذا يظهر السبب في جمع الرسل هنا: وعصوا رسله.
{واتبعوا أمر كل جبار عنيد}
وهذا يدل على غاية الجهل والسفه والطيش، حيث يطعيون من تجب معصيتهم ويعصون من تتحتم عليهم طاعتهم، والمراد بالجبارين المعاندون المتمردون من سادتهم الكفرة. والجبار فعّال من الجبر، لأن هذه المادة تستعمل ثلاثية كجبر، ورباعية، كأجبر، والجبار صيغة مبالغة من الثلاثي، والفعل رباعي فقط، هذا الاعتراض صحيح من ناحية أن هذه الصيغة لا تأتي إلا من الثلاثي، ولكنه خطأ من حيث إنهم جعلوا لهذه المادة صيغة واحدة، وهي الرباعي فقط، والصحيح أن لها صيغتين: ثلاثية ورباعية، وصيغة المبالغة "جبار" من الثلاثية، فهو على بابه.. والجبار هو الذي يستلب الحقوق قهراً، وقد سمي الله الذين يبطشون بطشاً شديداً جبارين، كعاد، قال الله تعالى فيهم:
{أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ (128) وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (129) وَإِذَا بَطَشْتُم بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ}
[الشعراء:128-130].. كما أن من تكرر منه القتل يسمى جباراً، كما قال صاحب موسى عليه السلام لموسى عندما أراد أن يبطش به:
{أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْساً بِالأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ جَبَّاراً فِي الأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنْ الْمُصْلِحِينَ}
[القصص:19].. والعنيد صيغة مبالغة من العناد، وهو اللجوج الطاغي الذي لا يقبل الحق مثل قوم عاد..
{وأتبعوا في هذه الدنيا لعنة}
اللعنة الطرد والإبعاد، أي جعلت هذه اللعنة تابعة لهم لا تفارقهم، كما لا يفارق الظل صاحبه، ولذا سمي الظل تابعاً، فاللعنة ترحل معهم حيثما رحلوا، وتنزل معهم حيثما نزلوا في هذه الدنيا.
{ويوم القيامة}
أي: تلازمهم يوم القيامة. وهنا سؤال نحوي، وهو أن يقال: إن المعطوف عليه مجرور، وهو في قوله: في هذه والمعطوف منصوب، وهو قوله: ويوم القيامة ، فما وجه ذلك؟ والجواب: أن الظرف مضمن معنى في، فعند ظهور في يجر بها، وعند عدم ظهورها ينصب، كما قال ابن مالك في الخلاصة:
وقد بين الله سبحانه وتعالى وجه تسمية هذا اليوم بيوم القيامة في سورة المطففين بقوله:
{ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم يوم يقوم الناس لرب العالمين}
[المطففين: 4/6].. وهنا سؤال، وهو أن يقال: ما وجه إدخال التاء في قوله: القيامة؟ والجواب: أن الأجوف الواوي إذا كان مصدره على الفِعال تكثر زيادة التاء في آخره، كالحيازة والحياكة والقيادة والقيامة ونحوها، والمعنى وأتبعوا اللعنة في يوم القيامة فهي ملازمة لهم في الدارين.
{ألا إن عاداً كفروا ربهم}
ألا حرف استفتاح وتنبيه، يستفتح بها الكلام، لتنبيه السامع لما بعدها، وكَفَر ربما عديت بنفسها، كما هنا، وربما عديت بالباء، فيقدر كفروا بربهم.
{ألا بعداً لعادٍ قوم هود}
أي بعدوا بعداً عن النجاة والسلامة، وذلك هو الهلاك، والبُعد اسم مصدر، وقد مضى الكلام عليه [في تفسير آية:44].. ومضى أن الله سبحانه وتعالى أهلكهم هلاك استئصال، كما قال تعالى فيهم:
{فهل ترى لهم من باقية}
[راجع تفسير الآية:58].. والمقصود من هذه الآيات هو تنبيه الكفار بمحمد صلى الله عليه وسلم من قريش وغيرهم، فكأنه يقول لهم: اعتبروا بمن قصصنا عليكم وما حل بهم بسبب تكذيبهم الرسل، فقد أهلكنا من هو أشد قوة منكم، ولم تغن عنهم قوتهم شيئاً، فاحذروا فعلهم لئلا يحل بكم ما حل بهم.. وقد ذكر الله سبحانه وتعالى أن قوم هود كانوا يسكنون الأحقاف، كما قال تعالى:
{وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالأَحْقَافِ}
[الأحقاف:21].. وهي بلدة في أطراف اليمن، وليست بعيدة من كفار قريش فيجب أن يعتبروا بها. ( 6 ) دعوة صالح عليه السلام قومه وموقفهم منه وعاقبة الحزبين..
{وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنشَأَكُمْ مِنْ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ (61) قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوّاً قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (62) قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنصُرُنِي مِنْ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ (63) وَيَا قَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ (64) فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ (65) فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحاً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (66) وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (67) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْداً لِثَمُودَ (68)}
قوله تعالى:
{وإلى ثمود أخاهم صالحاً}
. تسمى ثمود عاداً الأخرى، وهو معطوف، كالذي قبله، أي والله لقد أرسلنا نوحاً، ووالله لقد أرسلنا هوداً، ووالله لقد أرسلنا صالحاً. ويزعم بعضهم أن ثمود من قبيلة من بقايا عاد، والظاهر أنه لم يبق من عاد أحد، وثمود اسم جد القبيلة، ويطلق عليها، كما هنا، بدليل قوله: أخاهم .. وقد ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أن لا يدخل أحد ديارهم إلا باكياً أو متباكياً، وأن لا يشرب من آبارهم. [راجع ذلك في صحيح مسلم (4/2285-2286)].. وأصل الثمود في اللغة الرجل القليل المني، والثمد الماء القليل. قال الشاعر:
[البيت للنابغة الذبياني من قصيدة مطلعها:
ولم أدرك مع شيخنا المفسر إلا قوله: واحكم كحكم فتاة الحي. المظلومة الثمد والبيت، بكامله في مختار الشعر الجاهلي (1/153) وفي كتاب الحيوان للجاحظ (3/221) تحقيق عبد السلام هارون].. وإذا أطلق ثمود على الجد فالقياس صرفه، وإذ أطلق على القبيلة فالقياس عدم صرفه، وقد ينصرف، وثمود هذه قبيلة عربية وصالح عليه السلام منهم، فهو نبي عربي.
{قال يا قوم اعبدوا الله}
قد مضى أن هذا سبيل كل الرسل، فالمعارك التي تدور بينهم وبين قومهم، إنما هي في شأن العبادة، الأنبياء يأمرون بعبادة الله وحده لا شريك له، وقومهم الكفرة المعاندون يعبدون الأصنام ويعتقدون فيها ويجادلون الأنبياء ويحاربونهم من أجلها.
{ما لكم من إله غيره}
مضى الكلام على الإعراب والمعنى في قصة هود.. [الآية:50]..
{هو الذي أنشأكم في الأرض واستعمركم فيها}
أي: إن كنتم الآن ترون أنفسكم قد ركبتم من جسم بعظام ولحم ودم ومفاصل فاعلموا أن أصلكم من هذا التراب، فالذي أوجدكم وأوصلكم إلى هذه الحال هو الذي لا يليق بحكم أن تعبدوا غيره، وقد أمر الله تعالى خلقه وعباده أن ينظروا في هذا الخلق الهائل، مماذا كان؟ وكيف تطور ذلك التطور العظيم؟ والأمر يقتضي الوجوب، وصيغه أربع، هذه واحدة منها: فَلْيَنظُرْ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ؟ [الطارق:5].. فقد بدأ الله سبحانه وتعالى خلق هذا الإنسان بأن بل التراب بالماء حتى صار طيناً لازباً، ثم أيبسه حتى صار صلصالاً، فكان منه آدم عليه السلام، ثم خلق منه زوجه حواء، ثم خلق ذريته بعد ذلك كلهم من نطف تصير علقاً، ثم مضغاً، ثم عظاماً، ثم تكسى العظام لحماً، فالله تبارك وتعالى الذي يفعل هذه الآيات المدهشة أحق بالعبادة، كيف وهو يضع كل عضو في محله المناسب له، ويشق السمع والبصر، ويفتق الأمعاء وغير ذلك من تركيب هذا الخلق البديع.. وقد بين الله تعالى هذه المراحل في سورة قد أفلح المؤمنون .. فقال تعالى:
{وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ (12) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (13) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (14) }
[المؤمنون].. ونبه الله جـل وعلا العقلاء في سورة الزمر إلى ذلك، حيث قال:
{خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنْ الأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاثٍ ذَلِكُمْ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ}
[الزمر:6].. والظلمات الثلاث هي: ظلمة البطن، وظلمة الرحم، وظلمة المشيمة. ورد الله تعالى على الذين ينكرون البعث بأنه أوجدهم من نطفة (ثم طور خلقهم حتى صاروا شيوخاً ومنهم من يردون إلى أرذل العمر).. كما قال تعالى:
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنْ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ}
[الحج:5].. (فالذي خلق الإنسان هذا الخلق وطوره هذا التطوير لا يعجزه بعثه يوم القيامة من جديد، وهو وحده الذي يستحق العبادة).. [ظهر لي في هذا الموضع أن في السياق شيئاً من النقص فاجتهدت في صياغة بعض العبارات، قبل الآية الكريمة وبعدها، وجعلت ذلك بين القوسين في الموضعين].. واحتج نوح عليه السلام على قومه بهذا الخلق العجيب وتلك الأطوار المدهشة لذوي الألباب.. كما قال تعالى:
{مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً (13) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً}
[نوح:13-14].. [وقد تكلم الشيخ كلاماً نفيساً جداً في هذا الموضوع ولكن عجزت عن إدراك ذلك كله، وفوات البعض أخف من فوات الكل).. [ما بين القوسين كتبته في نفس الوقت الذي كان شيخنا المفسر يلقي الدرس، للإشارة إلى أن كلامه هنا لم يستكمل]..
{واستعمركم فيها}
في معنى هذا للعلماء وجهان، لا يكذب أحدهما الآخر: الأول: أنه من العمارة ضد الخلاء، أي جعلكم عُمّارها وسكانها. الثاني: من العمر، والمعنى أطال الله أعماركم فيها. يدل الأول قوله تعالى:
{ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلائِفَ فِي الأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ}
[يونس:14].. وقد يستدل للقول الثاني بقوله تعالى:
{وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ}
[النحل: 70].. والأول أولى وأظهر.. فاستغفروه .. الفاء سببية، أي ليتسبب على إنعام الله عليكم حيث جعلكم عمار الأرض طلبُكم المغفرة له.
{ثم توبوا إليه}
أي ثم اندموا وأقلعوا عن العمل السيئ والكفر وارجعوا إليه تعالى بطاعته..
{إن ربي قريب مجيب}
أي إنه ن استغفرتموه ورجعتم إليه قريب يجب دعوة الداعي ويغفر له ويتجاوز عنه. قال الشيخ: وقد تكلمت على هذا في سورة البقرة.. [والظاهر أنه يقصد الكلام على قوله تعالى في سورة البقرة: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِي.. الآية: 186. وخلاصة ذلك أن الدعاء إما العبادة فتكون الإجابة الإثابة وإما السؤال والطلب فتكون الإجابة قضاء حاجة الداعي، والإجابة على هذا مقيدة بمشيئة الله، راجع أضواء البيان: (1/182-183)]..
{قالوا يا صالح قد كنت فينا مرجواً قبل هذا}
أجابه قومه بجواب دال على غاية السخافة والوقاحة، فنادوه باسمه ولم يتأدبوا معه، ومرادهم أنك كنت من قبيلتنا، يرجى أن تكون سيداً مطاعاً، ننتفع برأيك، وإذا بك تأتينا بعكس ما نريد، فتنهانا عما مر عليه عقلاء آبائنا من عبادة الأصنام، فانقطع أملنا فيك وخاب ظننا الذي كان يساورنا نحوك.
{أتنهانا أن نبعد ما كان يعبد آباؤنا}
هذا هو السبب الذي خيب ظنهم في زعمهم في صالح عليه السلام، ومحل: أن نعبد النصب على نزع الخافض، والتقدير: عن أن نعبد، أي عن عبادة.
{وإننا لفي شك مما تدعونا إليه مريب}
أي موقع في الريبة، أي إننا مرتابون فيما تقول، لأن آباءنا كانوا ذوي عقول راجحة، وقد مضوا على ما نحن عليه، فكيف تدعي بطلان ذلك؟ وهذه طبيعة الكفار يلغون عقولهم فلا يفكرون في الحجج التي يأتي بها رُسُل الله بل ينكرون دعوتهم بحجة تقليدهم لآبائهم. كما قال تعالى:
{بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ (22) وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ (23) قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ}
[الزخرف:22-24]..
{قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني منه رحمة فمن ينصرني من الله إن عصيته}
أي أخبروني إن كنت أدعوكم على حجة وبرهان ودليل قاطع على أني على حق، وآتاني رحمة من عنده والنبوة التي بها رحمتي وسترحمون إن اتبعتموني، فلو ابتعت أهواءكم وكفرت بذلك الرب العظيم فمن يمنعني ويدفع عذابه عني إذا أراد أن ينكل بي؟
{فما تزيدونني غير تخسير}
أي إنني أزداد بصيرة فيكم بهذا الجهل والعناد الذي قابلتموني به، فلا أزداد إلا تخسيراً لكم، فأعتقد أنكم في غاية من الخسران، هذا هو التفسير الواضح، أما حلمه على أن صالحاً أراد أني لو عصيته فأطعتكم في كفري به تعالى، فأنتم لا تزيدونني بذلك إلا خساراً، فهو غير صحيح، لأنه يفهم منه أن صالحاً عليه السلام كان فيه خسران، وهم يزيدونه، وليس الأمر كذلك. وقيل إن الزيادة قد تستعمل في أصل الفعل، فيكون المعنى: إن أطعتكم فما تكسبونني غير الخسران، والظاهر الأول، ولفظ التخسير يدل عليه، فإن المعنى نسبة ذي الخسران إلى خسرانه، يقال: خَسّره أي ازداد في معرفة خسرانه.
{ويا قوم هذه ناقة الله لكم آية}
الكلام يدل على أنهم اقترحوا عليه أن يأتيهم بمعجزة، وبالأخص الناقة، فقالوا: أخرج لنا ناقة عظيمة عشراء من الجبل أو الصخرة، تدل على صدق دعواك الرسالة، فصلى ركعتين ودعا الله، فاضطربت الصخرة حتى خرجت منها الناقة العشراء الجوفاء العظيمة، فكانت المواشي تشرد منها يوماً فتشرب جميع المياه ويسقيهم كلهم من لبنها، واليوم الآخر تترك المياه فتستقي مواشيهم.. كما قال تعالى:
{قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ}
[الشعراء:155].. وقال تعالى:
{وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ}
[القمر:28].. وقال تعالى:
{وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالآيَاتِ إِلاَّ أَنْ كَذَّبَ بِهَا الأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفاً}
[الإسراء:59]..
{فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء}
أي هذه الآية التي اقترحتم إخراجها ووعدتم باتباعكم لي إن أنا أتيتكم بها، وقد أخرجها الله لكم، فاشكروا نعمه ولا تتعرضوا للناقة بأي نوع من أنواع الضرر، لا بالعقر ولا بالضرب، ولا بغيرهما، بل اتركوها ترعى وتستقي من فضل الله عليها وعليكم وتدر عليكم الدر الكثير، فإنكم إن تعرضتم لها بسوء فيأخذكم عذاب قريب.. قوله تعالى:
{وَلا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ (64) فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ (65) فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحاً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (66) وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (67) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْداً لِثَمُودَ}
. [ليعلم أن محاضرة الشيخ المفسر السادسة عشرة في25/7/1384هـ، بدأت من هنا وقد غبت عنها، وحاولت أن أكتب شيئاً عن بعض زملائي فلم أجد ما يستحق الكتابة، لذلك حاولت أن أسد الفراغ بما تيسير لي من نقل ما تمكنت منه في تفسير هذه الآيات من قوله تعالى: ولا تمسوها بسوء إلى قوله: ألا بعداً لثمود واستعنت بما حضرني من تفسير الشيخ في هذه السورة لآيات أخرى]. قوله:
{ولا تمسوها بسوء}
المخاطبون هم قبيلة ثمود، قوم صالح، والمضارع مجزوم بحذف النون لدخول لا الناهية عليه، كما عقده ابن مالك في الألفية بقوله:
وقال في كون لا تأتي جازمة:
والضمير المؤنث مفعول به لقوله: تمسوا وقوله: بسوء متعلق بالفعل تمسوا والمس كاللمس، إلا أن اللمس قد يطلق على طلب الشيء وإن لم يوجد، بخلاف المس فإنه يطلق على ما يكون معه إدراك بحاسة اللمس.. ويطلق المس على كل ما ينال الإنسان من أذى. كما قال تعالى:
{وَإِذَا مَسَّكُمْ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ}
[الإسراء:67].. وقال تعالى:
{وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ}
. [النور:14].. وقال تعالى:
{وَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَائِماً فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}
. [يونس:12].. كما قد يطلق على ما يناله من خير. كما قال تعالى:
{وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}
. [الأنعام:17].. والمعنى: لا تصيبوها.. والسُّوء بالضم اسم للضرر وسوء الحال، وهو يشمل كل آفة وداء والمراد به هنا الاعتداء على الناقة بالعقر، وسبب نهي نبي الله صالح عليه السلام قومه عن التعرض للناقة، هو خوفه عليهم إذا تعرضوا لها، وقد بعثها الله سبحانه وتعالى لهم آية على صدقه، أن يكون ذلك سبباً في هلاكهم، ويدل على ذلك قوله بعد النهي:
{فيأخذكم عذاب قريب}
وقوله في آية أخرى:
{فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}
[الأعراف:73].. ولعل الداعي له إلى نهيهم عن التعرض لها مع أنهم لم يظهروا ما يدل على أنهم يريدون التعرض لها هو معرفة نبي الله صالح عليه السلام أن قومه متمردون مصرون على كفرهم، وذلك قد يدفعهم إلى قتلها، لأنها آية دالة على صدقه وحجة قائمة عليهم، وهم خصوم له ولدعوته والخصم لا يحب ظهور حجة خصمه، وهذا هو الذي حصل منهم كما سيأتي..
{فيأخذكم عذاب قريب}
الفاء واقعة في جواب الطلب الذي هو النهي، والفعل بعدها منصوب بأن مضمرة، وهذه الفاء تفيد السببية أي إن مسستموها بسوء تسبب على مسكم عذاب الله لكم، وقد أشار ابن مالك إلى وجوب إضمار أن بعد الفاء الواقعة في جواب الطلب بقوله في الألفية:
وأصل العذاب من عَذب الرجل إذا ترك المأكل والنوم، فهو عاذب أو من العَذْب، يقال: عذّبته أزلت عذْب حياته. والمراد به هنا الإيجاع الشديد بما ينزله الله عليه من عقابه، وسيأتي بيان العذاب الذي أوقعه الله بهم. قريب إي قريب زمنه، وكان بعد ثلاثة أيام من عقر الناقة فعقروها. والْعقْر يطلق ويراد به في أصل اللغة: الأصل، يقال: عُقْر الحوض والدار أي أصلهما، وأصبت عقره أي أصله، وعقرت النخل قطعته، وعقرت البعير قطعت قوائمه، ونحرته، وكلب عقور، ضار يعقر وامرأة عاقر لا تلد، كأنها تعقر ماء الفحل، وسميت الخمر عقاراً، لأنها كالعاقر للعقل. والمراد هنا قتلوها، وأسند العقر إلى مجموع القبيلة، مع أن القاتل واحد، لرضاهم بقتلها وتواطؤهم عليه. كما قال تعالى:
{فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ}
[القمر:29].. وقال تعالى:
{كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا (11) إِذْ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا (12) فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا (13) فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا}
[الشمس:11-13].. وأشقاها هو قِدار بن سالف الذي انتدبوه لعقرها، فأسند العقر إلى القاتل وحده في سورة القمر، لأنه المباشر، وأسند إلى القبيلة كلها في سورة هود وفي سورة الأعراف أيضاً كما قال تعالى:
{فعقروا الناقة وعتوا عن أمر ربهم}
. [الأعراف:76].. لرضاهم بذلك واتفاقهم عليه..
{فقال تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب}
. أي لما خالفت ثمود أمر رسولها وعصته ولم تقبل نصحه وعقروا الناقة بعد تحذيره الشديد لهم، قال لهم عليه السلام: تمتعوا. والمُتُوع الامتداد والإرتفاع، يُقال: مَتَع النهار إذا ارتفع، هذا أصله في اللغة، ومنه سمي المتاع متاعاً، لأنه انتفاع ممتد الوقت وكل ما ينتفع به على وجه ما فهو متاع. والمراد استمتعوا بكل ملاذكم في داركم ما بقي لكم من الوقت في هذه الدار وهي ثلاثة أيام، وهذا تفسير لقوله تعالى: عذاب قريب .. وذكر المفسرون أن عقر الناقة كان يوم الأربعاء، فانتظروا الخميس والجمعة والسبت، نزل بهم عذاب الله يوم الأحد. وقوله: في داركم .. أي في بلادكم، وتسمى البلاد بالدار، لأنه يدار فيها، أي يتصرف، يُقال: ديار بكر لبلادهم، وقيل: في دار الدنيا.
{ذلك وعد غير مكذوب}
. الإشارة إلى الوعد بنزول العذاب بعد ثلاثة أيام، المفهوم من الكلام أي ذلك الوعد الذي أخبرتكم به وعد صدق، لا كذب فيه، لأني إنما أخبركم عن الله تعالى الذي أخباره كلها صدق، و مكذوب إما أنه مصدر جاء على زنة مفعول، كالمجلود، بمعنى الجلد والمفتون ونحوه، ومعناه غير كذب، بل هو صدق، وإما على بابه اسم مفعول وفي الكلام تقدير أي غير مكذوب فيه. قوله تعالى:
{فلما جاء أمرنا نجينا صالحاً والذين آمنوا معه برحمة منا ومن خزي يومئذ إن ربك هو القوي العزيز}
. لما هذه هي الرابطة، واختلف فيها، فقيل: هي حرف، لعدم رجوع ضمير إليها، وقيل إنها ظرف تضمنت معنى الشرط، ومعناها حين. والأمر واحد الأمور والمراد به العذاب، والمعنى: ولما جاء شأننا بإهلاك قوم صالح، وهم ثمود، وقد فصل الله هذا الأمر في مواضع من كتابه، من ذلك ما سيأتي قريباً هنا في قوله تعالى:
{وأخذ الذين ظلموا الصيحة}
. ومن ذلك قوله تعالى:
{فَأَخَذَتْهُمْ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ}
[الأعراف: 78].. وقد جاء مبهماً في سورة الشعراء، كما قال تعالى:
{فَأَخَذَهُمْ الْعَذَابُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً}
[الشعراء:158].. وكذلك في سورة القمر، كما قال تعالى:
{فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ}
[القمر:30]..
{نجينا صالحاً والذين آمنوا معه برحمة منا}
أصل النجاء الانفصال من الشيء، ومنه نجاة فلان، والنجوة والنجاة المكان المرتفع المنفصل بارتفاعه عما حوله، ومنه نجاة الأنبياء وأتباعهم من العذاب الذي ينزل الله بأعدائهم، فإنهم ينفصلون عن أعدائهم حين العذاب فيكونون في منجاة منه، أي لما جاء العذاب الذي قضينا به على ثمود المكذبين لنبيهم، خلصنا منه نبينا صالحاً ومن اتبعه وصدقه. وسنة الله تعالى مع أنبيائه وأتباعهم أنهم ينقسمون قسمين: القسم الأول: من يأمرهم بالجهاد في سبيل الله ضد الطغاة الذين يصدون عن دعوتهم، وهذا القسم يؤيده الله في المعركة ويهزم عدوه، ويثبته في المعركة.. كما قال تعالى:
{وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ}
. [آل عمران:146].. وقال تعالى:
{وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (250) فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتْ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ}
. [البقرة: 250-251].. وقال تعالى لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه:
{وَإِذْ يَعِدُكُمْ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ}
. [الأنفال:7].. وقال تعالى:
{لَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمْ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (25) ثُمَّ أَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ}
. [التوبة:25-26].. وقال تعالى:
{وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْراً وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيّاً عَزِيزاً (25) وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمْ الرُّعْبَ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمْ الرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً}
[الأحزاب:25-26].. وقال تعالى:
{وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (171) إِنَّهُمْ لَهُمْ الْمَنصُورُونَ (172) وَإِنَّ جُندَنَا لَهُم الْغَالِبُونَ}
[الصافات: 171-173]. القسم الثاني: هم الأنبياء الذين لم يؤمروا بقتال أعدائهم الكافرين بل أمروا بالصبر والصفح وهذا القسم يؤيده الله وينصره على أعدائه بإنزال العذاب المستأصل لقومه بعد أن يصروا على التكذيب والإيذاء وعدم الاستجابة كما هو الحال مع قوم نوح وهود وشعيب ولوط وصالح عليه السلام لذلك قال تعالى هنا:
{فلما جاء أمرنا نجيناً صالحاً والذين آمنوا معه برحمة منا}
. أي تغشيناهم برحمتنا وسلمناهم مما نزل بقومهم بنعمتنا وفضلنا. وقوله:
{ومن خزي يومئذٍ}
أي ونجيناهم من خزي يومئذ، والخزي المراد به العار والهوان والذل والفضيحة النازلة على القوم بما ألحقه الله بهم من عذاب، ولا خزي أعظم من خزي من كان هلاكه بغضب الله وانتقامه.. فالواو في قوله: ومن خزي عاطفة على قوله: نجينا. وقيل إن الواو زائدة، والجار والمجرور بعدها متعلق بنجينا ومنع البصريون زيادة الواو، ولا داعي لزيادتها، بل هي عاطفة كما تقدم، أي وكانت النتيجة من خزي يومئذ. وفي يومئذ قراءتنا سبعيتان: الأولى بفتح يوم على أنه مبني لإضافته إلى إذ المبنية، فاكتسب المضاف البناء من المضاف إليه، وهو إذ المضافة إلى جملة، وإلى ذلك أشار ابن مالك في الألفية بقوله:
والقراءة الثانية: بكسر الميم، وكسرتها إعراب على أصل أنه اسم معرب مضاف إليه. وإذ في قوله تعالى: حينئذ مضافة إلى جملة دل عليها ما سبق، أي ونجيناهم من فضيحة يوم إذ جاء أمرنا. وقال بعضهم بجواز أن يكون المضاف إليه يوم القيامة، بناء على أن تنجية صالح وقومه شاملة للأمرين: تنجيتهم من عذاب الدنيا وتنجيتهم من خزي عذاب الآخرة مثل قوله تعالى في قصة هود:
{ولما جاء أمرنا نجينا هوداً والذين آمنوا معه برحمة منا ونجيناهم من عذاب غليظ}
. فسر العذاب الغليظ بعذاب الآخرة، فكذلك هنا.. والذي يظهر هو الأول لعدم تقدم جملة فيها ذكر يوم القيامة.
{إن ربك هو القوي العزيز}
. أي هو تعالى القادر على كل شيء الغالب القاهر الذي لا يغلبه أحد وهو الغالب والقاهر فوق عباده. وناسب ذكر هذين الاسمين هنا ذكر قهره هؤلاء القوم الذين ظنوا أنهم قادرون على التمرد على الله، وقوة الله وعزته لا يقدر أحد على الإفلات منهما، بخلاف غيره من ملوك الأرض فإنهم مهما أوتوا من القوة يعجزون عن كثير من الأمور، وقد يتغلب عليهم بعض رعاياهم..
{وأخذ الذين ظلموا الصيحة}
. هذا هو أمر الله الذي نجى الله منه نبيه صالحاً ومن آمن به وأنزله بأعداء الله المكذبين، والمراد بالصيحة صيحة الملك الذي أمره الله تعالى بها لإهلاكهم، وفي الآية الأخرى ذكر الله تعالى أنه أهلكهم بالرجفة فأخذتهم الرجفة. والرجفة هي الاضطراب الشديد، أي رجفت بهم الأرض واضطربت اضطراباً شديداً، ولا منافاة بين الأمرين، فالظاهر أن الملَك لما صاح بهم اضطربت الأرض من تحتهم فأهلكهم الله بها جميعاً، وهذا يدل على ضعف المخلوق أمام قدرة الخالق سبحانه وتعالى، والصيحة فاعل أخذ، وحذفت تاء التأنيث لوجود مسوغات كل منها كاف في جواز حذفها: المسوغ الأول: كون التأنيث مجازياً، لأن الصيحة ليست مؤنثاً حقيقياً فالمؤنث الحقيقي إنما يكون في ذات الفرج، كفاطمة وناقة ومريم. المسوغ الثاني: وجود الفاصل بين الفعل الذي هو أخذ والفاعل الذي هو الصيحة بالمفعول وصلته وهو قوله: الذين ظلموا. المسوغ الثالث: أن الصيحة بمعنى الصياح، وهو مذكر، ويجوز في اللغة مراعاة اللفظ ومراعاة المعنى. وإلى المسوغين الأول والثاني أشار ابن مالك في الألفية بقوله:
{فأصبحوا في ديارهم جاثمين}
. أصبحوا مأخوذ من الصبح، ويطلق على أول النهار، وأطلق عليه الصبح لوجود الضوء الذي يفصل بين الليل والنهار، ومنه سمي السراج مصباحاً لأنه يضيء للناظر طريقه في ظلمة الليل، ويُقال أصبح إذا دخل في الصباح، وأمسى إذا دخل في المساء، وأضحى إذا دخل في وقت الضحى، ومعنى الآية دخلوا في ذلك الصباح وقد هلكوا. وديار جمع دار، أصل يائها واو، بدليل تصغير دار إلى دويرة، ومعنى جاثمين: ساقطين منكبين على وجوههم لاصقين بالأرض. كأن لم يغنوا فيها .. كأن مخففة من الثقيلة، أي كأنه أي الأمر والشأن، وهي تعمل كعمل الثقيلة إلا أن الغالب أن يكون اسمها ضمير شأن محذوف، والجملة بعدها خبرها، وقد أشار ابن مالك إلى عمل المخففة وحذف اسمها غالباً بقوله في الألفية: وخففت كأنَّ أيضاً فنوى= منصوبها، وثابتاً أيضاً روى وقوله: لم يغنوا .. يُقال: غَنِي بالمكان يَغْنَى على وزن علم يعلم إذ أقام به، ومصدره غَنىً على وزن فرح، أي إن قوم صالح بعد أن نزل بهم عذاب الله صاروا بسبب هلاكهم وخراب ديارهم كأنهم لم يقيموا بها ولم يسكنوها، وفي هذا تحذير شديد لمن يغتر بالدنيا وزخارفها من مال وقصور، وأثاث وأنعام وغيرها ويصد عن دين الله، فإن عاقبته شر عاقبة، حيث يهلكه الله ويدمر دياره فيصبح أثراً بعد عين.
{ألا إن ثمود كفروا ربهم}
. ثمود منع من الصرف لعلتي التعريف والتأنيث، لأن المراد به القبيلة وقرئ ثموداً بالتنوين، مُراعىً فيه معنى الحي، أو جد القبيلة، وهما قراءتان سبعيتان. وألا أداة استفتاح وتنبيه لما بعدها من الكلام، وكفر قد تتعدى بنفسها كما هنا، وقد تتعدى بالباء، فيقدر: كفروا بربهم، وإذا قدر حرف الجر يكون ربهم منصوباً بنزع الخافض، كما قال ابن مالك في الألفية:
نقلاً ؛؛؛؛؛ والكفر الستر والتغطية، وسمي تكذيب الكفار لدعوة الرسل كفراً لما فيه من ستر الحق وإخفائه. ومن شواهد مجيء كفر بمعنى ستر وغطى قول لبيد بن ربيعة في معلقته:
{ألا بعداً لثمود}
. بُعْد اسم مصدر، معناه الهلاك، وهو على غير قياس، وكان قياسه البَعَد على وزن الفرح، كما قال ابن مالك في الألفية:
وهو مفعول مطلق لفعل محذوف، أي أبعدهم الله بُعداً عن النجاة والسلامة في الدنيا، وعن الرحمة والرضوان في الآخرة.. [رجعت إلى تفسير الشيخ لبعض الآيات في هذه السورة مما هو مشابه وكذا كتابه أضواء البيان، وكتب التفسير الآتية: جامع البيان عن تأويل آي القرآن، للإمام الطبري، والجامع لأحكام القرآن، للإمام القرطبي، وتفسير القرآن العظيم للإمام ابن كثير، والبحر المحيط لابن حيان، والتفسير الكبير للفخر الرازي، وتفسير فتح القدير للشوكاني، وهذا ما استطعت كتابته لسد فراغ بعض ما فاتني من هذه المحاضرة]..
الفهرس
12006230
عداد الصفحات العام
3377
عداد الصفحات اليومي
جقوق الطبع محفولموقع الروضة الإسلامي 1446هـ - 2025م