[
الصفحة الرئيسية
] [
حول الموقع
] [
تعريف بصاحب الموقع
]
﴿۞ یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ لَا تَتَّخِذُوا۟ ٱلۡیَهُودَ وَٱلنَّصَـٰرَىٰۤ أَوۡلِیَاۤءَۘ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِیَاۤءُ بَعۡضࣲۚ وَمَن یَتَوَلَّهُم مِّنكُمۡ فَإِنَّهُۥ مِنۡهُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا یَهۡدِی ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّـٰلِمِینَ ٥١ فَتَرَى ٱلَّذِینَ فِی قُلُوبِهِم مَّرَضࣱ یُسَـٰرِعُونَ فِیهِمۡ یَقُولُونَ نَخۡشَىٰۤ أَن تُصِیبَنَا دَاۤىِٕرَةࣱۚ فَعَسَى ٱللَّهُ أَن یَأۡتِیَ بِٱلۡفَتۡحِ أَوۡ أَمۡرࣲ مِّنۡ عِندِهِۦ فَیُصۡبِحُوا۟ عَلَىٰ مَاۤ أَسَرُّوا۟ فِیۤ أَنفُسِهِمۡ نَـٰدِمِینَ ٥٢ وَیَقُولُ ٱلَّذِینَ ءَامَنُوۤا۟ أَهَـٰۤؤُلَاۤءِ ٱلَّذِینَ أَقۡسَمُوا۟ بِٱللَّهِ جَهۡدَ أَیۡمَـٰنِهِمۡ إِنَّهُمۡ لَمَعَكُمۡۚ حَبِطَتۡ أَعۡمَـٰلُهُمۡ فَأَصۡبَحُوا۟ خَـٰسِرِینَ ٥٣﴾ [المائدة ٥١-٥٣]
(67) سافر معي في المشارق والمغارب
::
66- سافر معي في المشارق والمغارب
::
(34) دور المسجد في تربية الأحداث ووقايتهم من الانحراف
::
(033) دور المسجد في تربية الأحداث ووقايتهم من الانحراف.
::
(067) سافر معي في المشارق والمغارب
::
(066) سافر معي في المشارق والمغارب
::
(031) دور المسجد في تربية الأحداث ووقايتهم من الانحراف
::
(065) سافر معي في المشارق والمغارب
::
(030) دور المسجد في التربية وعلاج انحراف الأحداث
::
::
::
::
::
::
::
::
::
::
جملة البحث
جميع محتويات الموقع
المقالات العامة
مقالات الحدث
الجهاد في فلسطين
2 أثر التربية الإسلامية في أمن المجتمع المسلم
المقالات العامة
الإيمان هو الأساس
غيث الديمة الجزء الأول
غيث الديمة الجزء الثاني
حوارات مع أوربيين مسلمين
حوارات مع أوربيين غير مسلمين
الحدود و السلطان
حكم زواج المسلم بالكتابية
رحلة هونج كونج
جوهرة الإسلام
كتاب الجهاد
المسئولية في الإسلام
دور المسجد في التربية
كتاب سبب الجريمة
كتاب الشورى في الإسلام
كتاب السباق إلى العقول
الإيمان إصطلاحاً و أثره سلوكاً
كتاب طل الربوة
كتاب الوقاية من المسكرات
الكفاءة الإدارية
معارج الصعود إلى تفسير سورة هود
مقدمة سلسلة في المشارق و المغارب
المجلد الأول : رحلات الولايات المتحدة الأمريكية
المجلد الثاني : رحلات المملكة المتحدة (بريطانيا) و آيرلندا
المجلد الثالث : رحلات اليابان وكوريا وهونغ كونغ
المجلد الرابع:رحلات إندونيسيا الجزء الأول 1400هـ ـ 1980م
المجلد الخامس : الرحلة إلى إندونيسيا الجزء الثاني 1410هـ ـ 1990م
المجلد السادس : رحلات إندونيسيا الجزء الثالث 1419هـ ـ 1989م
المجلد السابع : رحلات أستراليا و نيوزيلاندا و سريلانكا
المجلد الثامن : رحلات كندا و إسبانيا
المجلد التاسع : رحلات سويسرا و ألمانيا و النمسا
المجلد العاشر : رحلات بلجيكا و هولندا و الدنمارك
المجلد الحادي عشر:رحلات السويد و فنلندا و النرويج
المجلد الثاني عشر : رحلات فرنسا و البرتغال و إيطاليا
المجلد الثالث عشر : رحلات سنغافورة و بروناي و تايوان
المجلد الرابع عشر : رحلات باكستان و الهند
المجلد الخامس عشر : رحلات تايلاند (بانكوك)
المجلد السادس عشر : الرحلة إلى ماليزيا
المجلد السابع عشر : رحلات الفلبين
المجلد الثامن عشر : رحلة كينيا
الفهرس
ثانياً نصوص في الشفاعة من السنة:
وقد بينت معنى ما جاء في القرآن من الشفاعة السنةُ أكملَ بيان.. وبلغت أحاديث الشفاعة في أهل الكبائر الدالة على خروجهم من النار يوم القيامة ودخولهم الجنة وبقاؤهم فيها، حد التواتر، وعليها اعتمد سلف الأمة من الصحابة، وخلفهم من التابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. قال ابن تيمية رحمه الله: "إنَّ أَحَادِيثَ الشَّفَاعَةِ فِي " أَهْلِ الْكَبَائِرِ" ثَابِتَةٌ مُتَوَاتِرَةٌ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه و سلم ; وَقَدْ اتَّفَقَ عَلَيْهَا السَّلَفُ مِنْ الصَّحَابَةِ وَتَابِعِيهِمْ بِإِحْسَانِ وَأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ; وَإِنَّمَا نَازَعَ فِي ذَلِكَ أَهْلُ الْبِدَعِ مِنْ الْخَوَارِجِ وَالْمُعْتَزِلَةِ وَنَحْوِهِمْ، وَلا يَبْقَى فِي النَّارِ أَحَدٌ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ إيمَانٍ بَلْ كُلُّهُمْ يَخْرُجُونَ مِنْ النَّارِ وَيَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَيَبْقَى فِي الْجَنَّة"
[
1
]
. وقال في موضع آخر: "وَأَمَّا شَفَاعَتُهُ لأَهْلِ الذُّنُوبِ مِنْ أُمَّتِهِ فَمُتَّفَقٌ عَلَيْهَا بَيْنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانِ، وَسَائِرِ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ الأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ.. وَأَنْكَرَهَا كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ مِنْ الْخَوَارِجِ وَالْمُعْتَزِلَةِ وَالزَّيْدِيَّةِ وَقَالَ هَؤُلاءِ: مَنْ يَدْخُلُ النَّارَ لا يَخْرُجُ مِنْهَا لا بِشَفَاعَةِ وَلا غَيْرِهَا، وَعِنْدَ هَؤُلاءِ مَا ثَمَّ إلا مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ فَلا يَدْخُلُ النَّارَ وَمَنْ يَدْخُلُ النَّارَ فَلا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ وَلا يَجْتَمِعُ عِنْدَهُمْ فِي الشَّخْصِ الْوَاحِدِ ثَوَابٌ وَعِقَابٌ. وَأَمَّا الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ لَهُمْ بِإِحْسَانِ وَسَائِرُ الأَئِمَّةِ كَالأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ، فَيُقِرُّونَ بِمَا تَوَاتَرَتْ بِهِ الأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه و سلم أَنَّ اللَّهَ يُخْرِجُ مِنْ النَّارِ قَوْمًا بَعْدَ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ اللَّهُ مَا شَاءَ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ يُخْرِجُهُمْ بِشَفَاعَةِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه و سلم وَيُخْرِجُ آخَرِينَ بِشَفَاعَةِ غَيْرِهِ وَيُخْرِجُ قَوْمًا بِلا شَفَاعَةٍ"
[
2
]
. ومن أحاديث الشفاعة، حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال لرسول الله صلى الله عليه و سلم : من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ قال: ((
...أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة، من قال لا إله إلا الله خالصاً من قلبه أو نفسه
))
[
3
]
. وحديثه الآخر قَال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : ((
لكل نبي دعوة مستجابة، فتعجل كل نبي دعوته. وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة، فهي نائلة إن شاء الله من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئاً
))
[
4
]
. فقد دل الحديثان على أن كل من قال: لا إله إلا الله خالصاً من قلبه ومن مات لا يشرك بالله شيئاً ينال شفاعته صلى الله عليه و سلم يوم القيامة، واستثناء أهل الكبائر من هذا النص يحتاج إلى دليل، ولا دليل. بل جاء النص منه صلى الله عليه و سلم ، دالاً على إثبات شفاعته لأهل الكبائر من هذه الأمة، كما في حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهـما، أن رسول الله صلى الله عليه و سلم ، تلا قول الله عز و جل :
{ وَلا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنْ ارْتَضَى.. (28)}
فقال صلى الله عليه و سلم : ((
إن شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي
))
[
5
]
. وحديث عوف بن مالك الأشجعي، أن رسول الله صلى الله عليه و سلم ، قال: ((
أتدرون ما خيرني به ربي الليلة؟ فقلنا الله ورسوله أعلم. قال: فإنه خيرني بين أن يدخل نصف أمتي الجنة وبين الشفاعة، فاخترت الشفاعة قلنا: يا رسول الله أدع الله أن يجعلنا من أهلها. قال: هي لكل مسلم
))
[
6
]
. ( 3 ) دلالة السنة على عدم خروج مرتكبي الكبائر من الإسلام: وقد دلت الأحاديث الصحيحة المستفيضة، أن الأصل بقاء المسلم على إسلامه، ولا يخرج من الإسلام بمجرد ارتكاب المعاصي مهما عظمت، ما عدا الشرك. ومن ذلك حديث أنس بن مالك، رضي الله عنه، قَال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : ((
من صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا، فذلك المسلم الذي له ذمة الله وذمة رسوله، فلا تُخفروا الله في ذمته
))
[
7
]
. ومعنى "تُخفروا" بضم التاء من الرباعي: تَغدُروا وتنقضوا، يقال: خفر بمعنى حَمَى وحفظ، وأخفر بمعنى غدر ونقض. بَيِّنٌ من الحديث أن الأصل فيمن أظهر الإسلام بقوله أو فعله، فهو مسلم ليس لأحد أن يحكم عليه بالكفر المخرج من الملة، إلا بدليل قاطع، كأن يصرح هو بأنه بدل دينه من الإسلام إلى غيره، أو ينكر ما علم من الدين بالضرورة، كأن ينكر ركناً من أركان الإيمان أو غيره، أو استحل ما علم تحريمه، وأقيمت عليه الحجة في كل ذلك، ثم عاند واستمر على ما صدر منه. ولهذا قال الطحاوي رحمه الله في رسالته المشهورة القيمة، التي لقيت قبولاً من غالب طوائف هذه الأمة: "ونسمى أهل قبلتنا مسلمين مؤمنين، ما داموا بما جاء به النبي صلى الله عليه و سلم معترفين، وله بكل ما قاله وأخبر مصدقين"، وقال شارح الرسالة رحمه الله: قال رسول الله: ((
من صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا، فهو المسلم له ما لنا وعليه ما علينا
)). ويشير الشيخ رحمه الله بهذا الكلام، إلى أن الإسلام والإيمان واحد، وأن المسلم لا يخرج من الإسلام بارتكاب الذنب، ما لم يستحله، والمراد بقوله "أهل قبلتنا" من يدعي الإسلام ويستقبل الكعبة، وإن كان من أهل الأهواء أو من أهل المعاصي، ما لم يكذب بشيء مما جاء به الرسول"
[
8
]
. ومنها ما رواه عبيد الله بن عدى بن الخيار، أن رجلاً من الأنصار حدثه أتى رسول الله صلى الله عليه و سلم وهو في مجلس، فساره يستأذنه في قتل رجل من المنافقين. فجهر رسول الله صلى الله عليه و سلم ، فقال: أليس يشهد أن لا إله إلا الله؟. قال الأنصاري: بلى يا رسول الله، ولا شهادة له. قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : أليس يشهد أن محمداً رسول الله؟ قال: بلى يا رسول الله. قال: أليس يصلي؟. قال: بلى يا رسول الله، ولا صلاة له. فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : أولئك الذين نهاني الله عنهم
[
9
]
. ومنها: حديث أبي ذر رضي الله عنه، قال: ((
أتيت النبي صلى الله عليه و سلم وعليه ثوب أبيض وهو نائم، ثم أتيته وقد استيقظ، فقال: ما من عبد قال: لا إله إلا الله، ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة. قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق. قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق. قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق، على رغم أنف أبي ذر. وكان أبو ذر إذا حدث بهذا، قال: وإن رغم أنف أبي ذر
))
[
10
]
. قال الحافظ ابن حجر، رحمه الله: "وفي الحديث أن أصحاب الكبائر لا يخلدون في النار، وأن الكبائر لا تسلب اسم الإيمان، وأن غير الموحدين لا يدخلون الجنة.. والحكمة في الاقتصار على الزنا والسرقة، الإشارة إلى جنس حق الله تعالى وحق العباد.."
[
11
]
. خروج من دخل النار من المسلمين: وقد ذكر ابن أبي العز الحنفي رحمه الله أن النصوص المتواترة قد دلت على أنه يخرج من النار من في قلبه مثقال ذرة من إيمان ونصوص الوعد
[
12
]
. ومن الأحاديث الدالة على عدم خلود أهل الكبائر في النار وإن لم يتوبوا، حديث أنس، رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه و سلم ، قال: ((
يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن شعيرة من خير. ويخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن بُرة من خير. ويخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن ذرة من خير قال أبو عبد الله: قال أبان حدثنا قتادة حدثنا أنس، عن النبي صلى الله عليه و سلم : من إيمان مكان من خير
))
[
13
]
. فهذا الحديث واضح بأن الله تعالى يخرج من النار من دخلها، وهو يرد على من زعم خلود من دخل النار فيها. وبينت الأحاديث الصحيحة الكثيرة أن الذين يخرجهم الله من النار يدخلون الجنة. ومن أصرح الأحاديث في غفران الكبائر التي لم يتب أصحابها منها: حديث عبادة بن الصامت، رضي الله عنه، قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه و سلم في مجلس، فقال: ((
تبايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئاً، ولا تزنوا، ولا تسرقوا، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، فمن وفي منكم فأجره على الله، ومن أصاب شيئاً من ذلك فعوقب به فهو كفارة له، ومن أصاب شيئاً من ذلك فستره الله عليه، فأمره إلى الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عذبه
))
[
14
]
. فقد جعل صلى الله عليه و سلم المسلمين الذين يبايعونه على ترك كبائر الذنوب، ثلاثة أصناف: الصنف الأول: وفى بعهده، وهو موعود بالأجر من ربه. الصنف الثاني: لم يفِ بكل ما عاهد عليه، بل ارتكب شيئاً منه، وعوقب عليه في الدنيا بحد أو غيره، كأن يبتليه الله ببعض المصائب ويجعلها كفارة له. الصنف الثالث: أصاب شيئاً من المعاصي التي عاهد على تركها، ولم يعاقب عليه في الدنيا، بل ستره الله عليه، وهذا أمره إلى الله تعالى، إن شاء غفر له ابتداء وأدخله الجنة، وإن شاء عذبه على معاصيه ثم أدخله الجنة، وهذا هو محل الشاهد من الحديث. ويجب هنا التنبيه على ثلاثة أمور: الأمر الأول: عدم دخول الشرك في العفو إذا لم يتب متعاطيه قبل موته، بأدلة أخرى كما سبق وبإجماع الأمة. الأمر الثاني: أن في الحديث وعداً بالعفو عمن أصاب شيئاً من الكبائر وإن لم يتب. الأمر الثالث: أن الذنوب الموعود بالعفو عنها هي الكبائر، لا الصغائر فقط، كما يدعي الخوارج والمعتزلة، بدليل أن ما ذكر في الحديث من الذنوب، كله من أكبر الكبائر، وهي الزنا والسرقة وقتل النفس التي حرم الله. ( 4 ) التفريق بين مرتكب الكبائر والمرتدين: فقد فرق شرع الله، من الكتاب والسنة، بين مرتكبي الكبائر، وبين المرتدين، فجعل عقوبة بعض الكبائر التي يُكَفّرُ بها الخوارج من تعاطاها، الحدود والقصاص، وجعل عقوبة المرتد القتل، ولو كان مرتكبو الكبائر من أهل القبلة كفاراً لكانوا مرتدين، ولكانت عقوبتهم القتل ردة. قال ابن تيمية رحمه الله: "ويقال للخوارج الذين نفوا عن السارق والزاني والشارب وغيرهم الإيمان، هو لم يجعلهم مرتدين عن الإسلام، بل عاقب هذا بالجلد وهذا بالقطع ولم يقتل أحداً، إلا الزاني المحصن، ولم يقتله قتل المرتد فإن المرتد يقتل بالسيف بعد الاستتابة، وهذا يرجم بالحجارة بلا استتابة، فدل ذلك على أنه وإن نفى عنهم الإيمان، فليسوا عنده مرتدين عن الإسلام مع ظهور ذنوبهم، وليسوا كالمنافقين الذين كانوا يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر، فأولئك لم يعاقبهم إلا على ذنب ظاهر"
[
15
]
. المسألة الثالثة: وجوب الجمع بين ما ظاهره التعارض من الأدلة: وإذْ قد تبين لنا من نصوص القرآن والسنة في المسألة الثانية الدلالة الواضحة على غفران الله تعالى كبائر الذنوب ـ غير الشرك ـ لمن شاء من عباده، وأنه يخرج من النار من دخلها منهم، وأن من مات لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة، وجب الجزم بأنه لا تعارض بين هذه النصوص، وبين النصوص التي استدل بها الخوارج والمعتزلة، لإمكان الجمع بينها. الأصل عدم تعارض أدلة الشريعة: إن أدلة الشريعة الثابتة في القرآن والسنة، لا يحصل بينها تعارض عند الراسخين المحققين من علماء الأمة؛ لأنها وحي من الله، والوحي معصوم من التعارض والتناقض، وإنما يحصل التعارض بين ظواهرها عند غير الراسخين في العلم، وأهل الأهواء والبدع. وهذا ما عناه الشاطبي رحمه الله، بقوله: "كل من تحقق بأصول الشريعة فأدلتها عنده لا تكاد تتعارض، كما أن كل من حقق مناط المسائل فلا يكاد يقف في متشابه، لأن الشريعة لا تعارض فيها ألبتة، فالمتحقق بها متحقق بما في الأمر، فيلزم أن لا يكون عنده تعارض، ولذلك لا تجد ألبتة دليلين أجمع المسلمون على تعارضهما، بحيث وجب عليهم الوقوف، لكن لما كان أفراد المجتهدين غير معصومين من الخطأ، أمكن التعارض بين الأدلة عندهم"
[
16
]
. وقال في موضع آخر: "ولذلك لا تجد فرقة من الفرق الضالة، ولا أحداً من المختلفين في الأحكام؛ لا الفروعية ولا الأصولية، يعجز عن الاستدلال على مذهبه بظواهر من الأدلة، وقد مرَّ من ذلك أمثلة، بل قد شاهدنا ورأينا من الفساق من يستدل على مسائل الفسق بأدلة ينسبها إلى الشريعة المنزهة"
[
17
]
. وإذا ظهر تعارض للمجتهد بين دليلين، فلا يخلو الأمر من إمكان الجمع بينهما، أو عدم إمكانه، فإن أمكن الجمع وجب الأخذ به، بحمل كل منهما على معنى يخرجهما عن التعارض، وإن لم يمكن الجمع بعد التحقيق الصادر من المجتهد في العلم، وجب الترجيح بينهما، وإن تعذر الترجيح، وعلم تاريخ المتقدم منهما فهو منسوخ، والمتأخر ناسخ. ويجب أن يعلم أنه لا يحصل تعارض بين قطعيين، بل بين قطعي وظني، أو بين ظنيين، والقطعي مقدم على الظني. قال الشاطبي رحمه الله: "ومعلوم أن الناسخ والمنسوخ، إنما هو فيما بين دليلين يتعارضان، بحيث لا يصح اجتماعهما بحال، وإلا لما كان أحدهما ناسخاً والآخر منسوخاً، والفرض خلاف"
[
18
]
. وقال رحمه الله، وهو يرد على المبتدعة ـ ومنهم الخوارج والمعتزلة ـ الذين يردون الأحاديث الصحيحة الثابتة، بحجة معارضتها للقرآن العظيم: "فإما أن لا يمكن الجمع بينهما أصلاً وإما أن يمكن، فإن لم يمكن، فهذا الفرض بين قطعي وظني، أو بين ظنيين، فأما بين قطعيين فلا يقع في الشريعة، ولا يمكن وقوعه؛ لأن تعارض القطعيين محال. فإن وقع بين قطعي وظني، بطل الظني، وإن وقع بين ظنيين، فهاهنا للعلماء فيه الترجيح، والعمل بالأرجح متعين. وإن أمكن الجمع، فقد اتفق النظار على إعمال وجه الجمع، وإن كان وجه الجمع ضعيفاً، فإن الجمع أولى عندهم، وإعمال الأدلة أولى من إهمال بعضها، فهؤلاء المبتدعة لم يرفعوا بهذا الأصل رأساً، إما جهلاً به أو عناداً..."
[
19
]
. وقال النووي رحمه الله: "وأما إذا تعارض حديثان في الظاهر، فلا بد من الجمع بينهما أو ترجيح أحدهما، وإنما يقوم بذلك غالباً الأئمة الجامعون بين الحديث والفقه، والأصوليون المتمكنون في ذلك، الغائصون على المعاني الدقيقة، الرائضون أنفسهم في ذلك. فمن كان بهذه الصفة لم يشكل عليه شيء من ذلك إلا النادر في بعض الأحيان. ثم المختلِف قسمان: أحدهما يمكن الجمع بينهما فيتعين، ويجب العمل بالحديثين جميعاً، ومهما أمكن حمل كلام الشارع على وجه يكون أعم للفائدة، تعين المصير إليه، ولا يصار إلى النسخ مع إمكان الجمع، لأن في النسخ إخراجَ أحد الحديثين عن كونه مما يعمل به..."
[
20
]
. وقال شيخنا العلامة محمد الأمين الشنقيطي، رحمه الله، بعد أن ذَكَر اختلاف العلماء في كفر تارك الصلاة عمداً: "هذا هو حاصل كلام العلماء وأدلتهم، في مسألة ترك الصلاة عمداً مع الاعتراف بوجوبها، وأظهر الأقوال أدلةً عندي قول من قال: إنه كافر، وأجرى الأقوال على مقتضى الصناعة الأصولية وعلوم الحديث، قول الجمهور: إنه كفر غير مخرج عن الملة، لوجوب الجمع بين الأدلة إذا أمكن. وإذا حُمِلَ الكفر والشرك المذكوران في الأحاديث على الكفر الذي لا يخرج عن الملة، حصل بذلك الجمع بين الأدلة. والجمع واجب إذا أمكن؛ لأن إعمال الدليلين أولى من إلغاء أحدهما، كما هو معلوم في الأصول وعلم الحديث. وقال النووي في شرح المهذب، بعد أن ساق أدلة من قالوا إنه غير كافر ما نصه: "ولم يزل المسلمون يورثون تارك الصلاة ويورثون عنه، ولو كان كافراً لم يغفر له ولم يرث ولم يورث. وأما الجواب عما احتج به من كفره من حديث جابر وبريدة ورواية ابن شقيق، فهو: أن كل ذلك محمول على أنه شارك الكافر في بعض أحكامه، وهو القتل، وهذا التأويل متعين للجمع بين نصوص الشرع وقواعده التي ذكرناها.." انتهى محل الغرض منه
[
21
]
. وبهذا يعلم أن الواجب هو الجمع بين نصوص الوعيد، الواردة في القرآن والسنة الصحيحة، التي استدل بها الخوارج والمعتزلة على تكفير مرتكبي الكبائر من مسلمي هذه الأمة، وبين نصوص الوعد التي استدل بها أهل السنة والجماعة، وقد سلك هذا المسلك أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم ، وغيرهم من سلف هذه الأمة. ومنهم حَبْر الأمة ابن عباس رضي الله عنهـما، قال: "إنه ليس بالكفر الذي يذهبون إليه، إنه ليس كفراً ينقل عن الملة.
{ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ (44)}
كفر دون كفر"
[
22
]
. قال شارح الطحاوية: "وهنا أمر يجب أن يتفطن له، وهو أن الحكم بغير ما أنزل الله قد يكون كفراً ينقل عن الملة. وقد يكون معصية كبيرة أو صغيرة، ويكون كفراً إما مجازياً، وإما كفراً أصغر على القولين المذكورين، وذلك بحسب حال الحاكم، فإنه إن اعتقد أن الحكم بما أنزل الله غير واجب، وأنه مخير فيه، أو استهان به، مع تيقنه أنه حكم الله، فهذا كفر أكبر. وإن اعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله، وعَلِمَه في هذه الواقعة، وعدل عنه، مع اعترافه بأنه مستحق للعقوبة، فهذا عاصٍ، ويسمى كافراً كفراً مجازياً، أو كفراً أصغر. وإن جهل حكم الله فيها، مع بذل جهده، واستفراغ وسعه في معرفة الحكم، وأخطأه، فهذا مخطئ، له أجر على اجتهاده وخطؤه مغفور"
[
23
]
. وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله: "
{ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ }
من الحق المبين، وحَكَمَ بالباطل الذي يعلمه لغرض من أغراضه الفاسدة
{ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ }
فالحكم بغير ما أنزل الله من أعمال أهل الكفر، وقد يكون كفراً ينقل عن الملة، وذلك إذا اعتقد حله وجوازه، وقد يكون كبيرة من كبائر الذنوب ومن أعمال الكفر قد استحق من فعله العذاب الشديد"
[
24
]
. وينطبق هذا الجمع على ما ورد من النصوص ظاهره كُفْرُ من ارتكب كبيرة ولم يتُب منها، وما ورد ظاهره معارضاً لها. تَعَيُّنُ الجمع بين النصوص: فيجب الجمع بين النصوص النافية للإيمان عن مرتكبي الكبائر، والنصوص المثبتة لإيمانهم. مثل حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال: ((
لا يدخل الجنة من لا يأمن جارُه بوائقَه
))
[
25
]
. ومثله حديث عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه و سلم ، قال: ((
لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر قال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسناً ونعله حسنة. قال: إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بَطرُ الحق وغَمْط الناس
))
[
26
]
. فقد نفى صلى الله عليه و سلم ، عمن آذى جاره فخدعه أو خانه دخول الجنة، ونفى ذلك عمن كان في قلبه مثقال ذرة من كبر، ولو حمل الحديثان على ظاهرهما ـ وهو عدم دخوله الجنة ـ لما كان بينهما وبين من يعبد الأوثان فرق، لاشتراكهم في الخلود في النار، وهو مذهب الخوارج والمعتزلة، وجهلة المغالين في التكفير، ممن قد ينتسبون إلى أهل السنة، ولكان في ذلك إهدار لمعاني كل ما ورد من النصوص الدالة على غفران الله ذنوب من لقي الله لا يشرك به شيئاً، والنصوص التي تضمنت خروج من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان بشفاعة وبغير شفاعة. ومثل نفيِ دخول الجنة عمن ارتكب كبيرة، نفْيُ الإيمان عنه كحديث أبي هريرة ـ أيضاً ـ الذي رواه عن النبي صلى الله عليه و سلم ، أنه قال: ((
لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشرب وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة يرفع الناس إليه فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن
))
[
27
]
. فهذان الحديثان وغيرهما من الأحاديث التي نُفِيَ فيها الإيمانُ أو دخولُ الجنة عن مرتكبي الكبائر، يدل ظاهرها على سلب الإيمان عنهم، وسلب الإيمان يقتضي ظاهره إثبات الكفر المخرج لهم من الملة وعدم مغفرة الله لهم وخلودهم في النار.. والأخذ بظاهر هذين الحديثين وما في معناهما يلزم منه إهدار نصوص كثيرة من القرآن والسنة، وقد مضى ذكر بعضها في المسألة الثانية. ومنها حديث أبي ذر الصريح في أنه ((
ما من عبد قال: لا إله إلا الله، ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة. وفيه كرر أبو ذر سؤاله للرسول صلى الله عليه و سلم "وإن زنى وإن سرق؟" ورسول الله صلى الله عليه و سلم يكرر له الجواب: وإن زنى وإن سرق
)). ولم ينته أبو ذر من ترديد سؤاله الذي أبدى فيه عجبه من نيل هذا العبد الذي يعصي ربه بالتعدي على حقوقه وحقوق عباده، هذه الرحمةَ العظيمة من خالقه، لم ينته أبو ذر من سؤاله، إلا بعد أكدت له هذه العبارة النبوية على رغم أنف أبي ذر أن تلك الهبة الربانية لمن مات على توحيد حقيقة، لا مرية فيها. قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في شرح هذا الحديث: "وفي الحديث أن أصحاب الكبائر لا يخلدون في النار، وأن الكبائر لا تسلب اسم الإيمان، وأن غير الموحدين لا يدخلون الجنة.. والحكمة في الاقتصار على الزنا والسرقة الإشارة إلى حق الله تعالى وحق العباد.. وكأن أبا ذر استحضر قوله صلى الله عليه و سلم : ((
لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن... ؛ لأن ظاهره معارض لظاهر هذا الخبر.. لكن الجمع بينهما على قواعد أهل السنة، بحمل هذا على الإيمان الكامل، وبحمل حديث الباب على عدم التخليد في النار"
))
[
28
]
. والإيمان الكامل المنفي هنا يجب حمله على الواجب منه، مثل نفيه صلى الله عليه و سلم الإيمان عمن لا يأمن جاره آذاه وخيانته، وليس الإيمان المندوب، مثل رد السلام الذي قام به غيره، ومثل الصلاة على الجنازة التي قام بالصلاة عليها سواه، فإن كلاً منهما من الإيمان، فالإيمان غير الواجب إذا تركه المسلم لا ينفى عنه الإيمان، وإنما ينفى عمن ترك الإيمان الواجب. قال ابن تيمية رحمه الله: "وكل أهل السنة متفقون على أنه قد سلب كمال الإيمان الواجب، فزال بعض إيمانه الواجب لكنه من أهل الوعيد..."
[
29
]
. وفيما سلكه الراسخون في العلم للأمة نجاة: وإن فيما ذكر عن ابن عباس وغيره من الصحابة رضي الله عنهم، مخرج من ورطة الخوارج والمعتزلة، الذين أخذوا بظواهر بعض الأدلة وأهملوا غيرها، حيث قال رضي الله عنه في كفر من حكم بغير ما أنزل الله: "كفر دون كفر"، وجملوا الكفر المخرج من الملة على من استحل الحكم بغير ما أنزل الله. ومعلوم أن في مسلك المجتهدين الراسخين في العلم من سلف هذه الأمة، قدوة للمجتهدين الذين جاءوا من بعدهم؛ لأن اجتهاد الأولين وعملهم بالدليل يزيده قوة، ولهذا لم يخرج عن اجتهادهم في الحكم بالكفر المخرج من الملة على العصاة، إلا من فقد الاجتهاد، أو اتبع هواه كالخوارج والمعتزلة. قال الشاطبي رحمه الله: "ولكن المخالف على ضربين: أحدهما: أن يكون من أهل الاجتهاد، فلا يخلو أن يبلغ في اجتهاده غاية الوسع أولاً.. فإن كان كذلك، فلا حرج عليه، وهو مأجور على كل حال، وإن لم يُعطِ الاجتهادَ حقَّه، وقصَّر فيه، فهو آثم، حسبماً بينه أهل الأصول. والثاني: أن لا يكون من أهل الاجتهاد، وإنما أدخل نفسه فيه غلطاً أو مغالطة، إذ لم يشهد له بالاستحقاق أهل الرتبة، ولا رأوه أهلاً للدخول معهم فهذا مذموم، وقلما تقع المخالفة لعمل المتقدمين إلا من أهل هذا القسم؛ لأن المجتهدين وإن اختلفوا في الأمر العام في المسائل التي اختلفوا فيها، لا يختلفون إلا فيما اختلف فيه الأولون، أوفى مسألة موارد الظنون لا ذكر لهم فيها.. فالأول يلزم منه اختلاف الأولين في العمل، والثاني يلزم منه الجريان على ما ورد فيه عمل"
[
17
]
. نخلص من كل ما مضى في هذه المسألة إلى أمور أربعة: الأمر الأول: تعين الجمع حيث أمكن بين الأدلة التي قد يظهر منها التعارض عند بعض المجتهدين. الأمر الثاني: أنه لا يجوز لغير المجتهدين المحققين إدخال أنفسهم في ميادين الاجتهاد؛ لأنهم ليسوا من أهله. الأمر الثالث: أنه لا يجوز لأحد إخراج أحد من ملة الإسلام تحقق دخوله فيها إلا بدليل قطعي فيه من الله برهان. الأمر الرابع: أن عامة من حكموا على أهل المعاصي بالكفر أو الخلود في النار، هم من أهل الأهواء أو ممن ليسوا أهلاً للاجتهاد.
36
وأقسامهم وحكمهم: قد يشكل على أهل الغلو في التكفير، ما يظهر من قرائن تدل على كفر من يدعي الإسلام، كمن يعارض تطبيق بعض أحكام الشريعة، أو نصر أهل الكفر على أهل الإسلام، أو تثبيط المسلمين عن جهاد أعدائهم الكفار، أو السخرية من علماء المسلمين الذين يدعون إلى تطبيق الإسلام. والجواب على هذا الإشكال؛ أن من ظهرت منه القرائن التي تدل على كفره كما في الأمثلة السابقة، مع ادعائه أنه باقٍ على الإسلام، هو من أهل النفاق الاعتقادي المخرج من الملة. وكفر المنافقين أعظم وأشد من كفر من صرح بالكفر؛ لأن المنافقين في الدرك الأسفل من النار، ولكن إظهارهم الإسلام يجعلهم يأخذون أحكام المسلمين في الدنيا، فيصلون صلاتهم ويحجون حجهم ويزكون زكاتهم، ويتزوجون نساء المسلمين، ويتزوج المسلمون نساءهم، ويخرجون للجهاد مع المسلمين، وتقام عليهم الحدود والقصاص، ويقتص لهم من المسلمين.. وهذا المعنى واضح في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه و سلم وسيرته المطهرة. صفات المنافقين في القرآن تدل على كفرهم: والذي يتابع الآيات التي نزلت في المنافقين، وما جبلوا عليه من ادعاء الإيمان وهم كافرون، وادعاء الإصلاح وهم مفسدون، والاستهزاء بالرسول صلى الله عليه و سلم وأصحابه، ووصفهم بالصفات التي هم بها متلبسون، وموالاة أعداء الله الكافرين على أوليائه المؤمنين، الذي يتابع تلك الآيات، يتبين خطرهم، وتأكيد شدة كفرهم، وهي كثيرة جداً مبثوثة في كثير من سور القرآن الكريم، وبخاصة السور الآتية:
31
، آل عمران،
32
، الأنفال،
33
،
34
، محمد، الفتح، الحديد،
36
والتي سميت باسمهم. وسنقتصر على ذكر بعض تلك الآيات، وندعها تتحدث إلى القارئ عن هذا الصنف الخطير من الكافرين. قال تعالى:
{وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11) أَلا إِنَّهُمْ هُمْ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ (12) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمْ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لا يَعْلَمُونَ (13) وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (14) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (15) أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوْا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (16)}
[
31
]
. وقال تعالى:
{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً (60) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً (61) فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ إِحْسَاناً وَتَوْفِيقاً (62) أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً (63)}
[
32
]
. وقال تعالى:
{يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ (64) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (65) لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ (66) الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمْ الْفَاسِقُونَ (67) وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمْ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (68)}
[
33
]
. وقال تعالى:
{هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً (11) وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً (12)}
[
34
]
. وقال تعالى:
{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمْ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَداً أَبَداً وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (11)}
[
35
]
. وقال تعالى:
{إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (1) اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (2) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ (3) وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمْ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمْ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (4) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (5) سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (6) هُمْ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ (7) يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ (8)}
[
36
]
.
1
- مجموع الفتاوى (4/309).
2
- مجموع الفتاوى (1/148).
3
- صحيح البخاري (1/49) رقم (99).
4
- صحيح مسلم (1/189) رقم (199).
5
- رواه الترمذي من حديث أنس، برقم (2435) وقال: "حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه وفي الباب عن جابر (4/625) "و رواه أبو داود من حديث أنس أيضاً برقم (4739) والحاكم في المستدرك (2/414) برقم (3442) وقال: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، والآية من سورة الأنبياء.
6
- الحاكم في المستدرك (1/60) رقم (224) وقال: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه ورواته كلهم ثقات على شرطهما جميعاً وليس له علة وليس في سائر أخبار الشفاعة وهي لكل مسلم" وابن حبان في صحيحه (16/185) رقم (7207).
7
- صحيح البخاري (1/153) رقم (384).
8
- شرح الطحاوية (1/355).
9
- مسند الإمام أحمد بن حنبل (5/432) رقم (23720) قال الهيثمي في مجمع الزوائد (1/24): "رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح".
10
- صحيح البخاري (5/2193) رقم (5489) وصحيح مسلم (1/95) رقم (94).
11
- فتح الباري (3/111) يعني لا فرق بين الكبائر التي يرتكبها المسلم بين حق الله أو حق عباده، فكلها لا تحول بين المسلم وبين دخوله الجنة بمشيئة الله.
12
- شرح العقيدة الطحاوية (1/356).
13
- صحيح البخاري (1/24) رقم (44) وصحيح مسلم (1/182) رقم 193.
14
- صحيح البخاري، برقم (7030) وصحيح مسلم، برقم (1709).
15
- مجموع الفتاوى (7/298).
16
- الموافقات (4/294).
17
- الموافقات (3/76).
18
- الموافقات (4/121).
19
- الاعتصام (2/247).
20
- شرح النووي على صحيح مسلم (1/35).
21
- أضواء البيان ـ الشنقيطي (3/456).
22
- الحاكم في المستدرك (2/342) رقم (3219) وقال: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ويمكن مراجعة التفاسير الآتية: تفسير القرآن العظيم لابن كثير (2/62)، وجامع الأحكام للقرطبي (6/190)، وما بعدها، وتفسير البغوي (2/41)، وفتح القدير للشوكاني (2/ 45)، وأحكام القرآن للجصاص (4/93)، والآية من سورة المائدة.
23
- شرح الطحاوية (1/364).
24
- تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان (1/233).
25
- صحيح البخاري (5/2240) رقم (5670) وصحيح مسلم (1/68) ورقم (46).
26
- صحيح مسلم (1/93) رقم (91).
27
- البخاري (2/875) رقم (2343) ومسلم (1/76).
28
- فتح الباري (3/111).
29
- مجموع الفتاوى (7/258).
30
- الموافقات (3/76).
31
- البقرة
32
- النساء
33
- التوبة
34
- الأحزاب
35
- الحشر
36
- المنافقون
الفهرس
12294251
عداد الصفحات العام
1784
عداد الصفحات اليومي
جقوق الطبع محفولموقع الروضة الإسلامي 1446هـ - 2025م