{وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلاَّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِي مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (22) } [إبراهيم]
(07) قواعد في التزكية :: (05) سافر معي في المشارق والمغارب :: (06) قواعد في تزكية النفوس القاعدة السادسة: :: (04) سافر معي في المشارق والمغارب :: (04) سافر معي في المشارق والمغارب :: (03) سافر معي في المشارق والمغارب :: (04)قواعد في تزكية النفس القاعدة الثالثة: :: (02)سافر معي في المشارق والمغارب-البرتغال :: (03) قواعد التزكية :: (034)الإيمان هو الأساس - أمور تؤخذ من قصة في إنكاره الإيمان باليوم الآخر :: حوار مع الأخ المسلم البريطاني - حامد لي :: (022)تربية المجتمع - اجتناب الهجر والتقاطع :: حوار مع الأخ المسلم الألماني - هادف محمد خليفة. :: (021)تربية المجتمع - الاحتقار والسخرية :: إيجاد الوعي في الأمة-الندوي :: حوار مع الأخ المسلم الألماني عبد الشكور كونزا(KUNZE) -فرانكفورت :: (020)أثر تربية المجتمع- اجتناب الحسد :: (39)السيرة النبوية - ما لاقاه الصحابة من أذى في مكة: ::
   
جملة البحث



السابق

الفهرس

التالي


(028) أثر التربية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي وأمنه

(028) أثر التربية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي وأمنه
المبحث الرابع: الهجر والقيطعة وأثرهما في هدم بناء المجتمع

إن الأخوة الإسلامية تقتضي الوصل والرحمة والتزاور والمودة، وإن الهجر والقطيعة يناقضان ذلك، فلا يجوز للمسلم أن يقطع وصل أخيه المسلم أو يهجره، والأصل عدم جواز ذلك مطلقاً، ولكن الشارع راعى الفطرة البشرية، فأجاز للمتغاضبَين أن يتهاجرا ثلاثة أيام مع كراهة ذلك، ونهى عما زاد.

فقد روى أبو أيوب الأنصاري، رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: (لا يحل لرجل أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال، يلتقيان، فيعرض هذا، ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام) [البخاري (7/91) ومسلم (4/1984)]. وفي حديث أنس مرفوعاً: (.. وكونوا عباد الله إخواناً، ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال) [مسلم (4/1987)].

الوعيد الشديد للمتاجرين

وورد في المتهاجرين وعيد شديد، جعلهما شاذين بين أهل القبلة، حيث يغفر الله لكل من لا يشرك به شيئاً يومي الاثنين والجمعة الذين يفتح الله فيهما الجنة في كل أسبوع، إلا من كان منهم بينه وبين أخيه شحناء وهجر. روى أبو هريرة، رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: (تفتح أبواب الجنة يوم الاثنين ويوم الخميس، فيغفر لكل عبد لا يشرك بالله شيئاً، إلا رجلاً كان بينه وبين أخيه شحناء، فيقال: أَنظِروا هذين حتى يصطلحا، أنظروا هذين حتى يصطلحا، أنظروا هذين حتى يصطلحا) وفي رواية: (إلا المتهاجرين) [مسلم 2565].

الثناء على من وصل من قاطعه وهجره

وأثنى رسول الله صلى الله عليه وسلم، على من وصل من قطعه، وأخبره أن الله معه على ذوي القطيعة، كما روى أبو هريرة، رضي الله عنه، أن رجلاً، قال: يا رسول الله، إن لي قرابة، أصلهم ويقطعوني، وأحسن إليهم ويسيئون إلي، وأحلم عنهم ويجهلون علي، فقال: (لئن كنت كما قلت، فكأنما تُسٍفُّهم الملَّ ولا يزال معك من الله ظهير عليهم ما دمت على ذلك) [مسلم (4/1982)، والملَّ معناه الرماد الحار كما قال النووي في شرحه على صحيح مسلم كأنما تطعمهم الرماد الحار وهو تشبيه لما يلحقهم من الألم بما يلحق آكل الرماد الحار من الألم].

تأثير هذا الأدب اسلامي في صحابة رسول الله

وقد أثر هذا الأدب النبوي في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان يشق على أحدهم أن يهجره أخوه، ويبذل قصارى جهده في إرضائه، حتى يعود إلى صلته، ويبعث إليه الشفعاء، وكان الذي تغلبه منهم بشريته، فيهجر أخاً له أكثر من ثلاث، يندم على ذلك وتذرف عيناه الدموع، إذا ذُكِّر، حسرة على ما بدر منه.

اقرأ قصة عائشة مع ابن أختها عبد الله بن الزبير

تأمل في هذا قصة عائشة مع ابن أختها عبد الله بن الزبير، رضي الله عنهم، فقد حدثت أن عبد الله ابن الزبير، قال في بيع أو عطاء، أعطته عائشة: لتنتهين عائشة أو لأحجرن عليها، فقالت: أهو قال هذا؟! قالوا: نعم. قالت: هو لله على نذر أن لا أكلم ابن الزبير أبداً، فاستشفع ابن الزبير إليها حين طالت الهجرة، فقالت: لا والله، لا أُشَفِّع فيه أبداً، ولا أتحنث إلى نذري.

فلما طال ذلك على ابن الزبير، كلم المسور بن مخرمة وعبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث، وهما من بني زهرة، وقال لهما: أنشدكما بالله لما أدخلتماني على عائشة، فإنها لا يحل لها أن تنذر قطيعتي. فاقبل به المسور وعبد الرحمن مشتملين بأرديتهما، حتى استأذنا على عائشة، فقالا: السلام عليك ورحمة الله وبركاته، أندخل؟ قالت عائشة: ادخلوا، قالوا: كلنا؟ قالت: نعم، ادخلوا كلكم. ولا تعلم أن معهما ابن الزبير.

فلما دخلوا دخل ابن الزبير الحجاب فاعتنق عائشة، وطفق يناشدها ويبكي، وطفق المسور وعبد الرحمن يناشدانها: إلا ما كلمته وقبلت منه، ويقولان: إن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عما عملتِ من الهجرة. فإنه لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال، فلما أكثروا على عائشة التذكرة والتحريج، طفقت تذكرهما وتبكي وتقول: إني نذرت، والنذر شديد، فلم يزالا بها حتى كلمت ابن الزبير، وأعتقت في نذرها ذلك أربعين رقبة، وكانت تذكر نذرها بعد ذلك فتبكي حتى تبل دموعها خمارها [البخاري (7/90)].

سبب تشديد الشارع في الهجر

وإنما كان الهجر منافياً لمقتضى الأخوة الإسلامية وهادما لبناء المجتمع الإسلامي، لما فيه من الصدود والأضغان، ولما يحدثه في نفوس المتهاجرين، من النفرة والظنون السيئة التي يوسوس بها الشيطان لكل منهما في الآخر، بأنه يبغضه ويغتابه ويدبر له المكايد، فيفقد كل واحد منهما الثقة في أخيه، ولا يأمن كل منهما الأخر، وقد يوسع دائرة سوء الظن أعداء الأخوة الإسلامية من أهل النميمة والغيبة والتجسس، فيورون نار العداوة ويزيدون اشتعالها.

كثرة وقوع الهجر بسبب سوء الظن الكاذب بين المتهاجرين

وهذا يقع كثيراً في نفوس المتهاجرين، فإذا وصل كل منهما صاحبه عرف كل منهما أن ما كان يظنه في أخيه غير موجود، وأن الشيطان وأتباعه كانوا يوسوسون لكل منهما بالباطل، فتعود ثقة كل واحد منهما بصاحبه وائتمان كل منهما للآخر، وذلك ما يحزن الشيطان لعنه الله.
ولقد رأيت ذلك بنفسي ما حصل بين بعض الإخوة اللذين كانوا متحابين متعاونين على البر والتقوى من سوء ظن، حيث حدث بينهما ما جعل بعضهما يسيء الظن بالآخر، حتى فقدا ما كان بينهما من ود وحب، فلما اجتمعا وتم الوصل بينهما، عرف كل منهما أن ما كان يظنه بالآخر غير صحيح، بل هو من سوء الظن، فبكيا وتعافيا ورجعا إلى ما كان بينهما قبل سوء الظن.

غالب وسائل الإعلام المعاصرة توقد نار العداوة بين المختلفين

ومما يؤسِف ويحزن، أن الهجر والتقاطع اليوم يحصل بين حكومات شعوب الإسلامية، ويؤثر هذا الهجر بين الحكومات على الشعوب الإسلامية، فيعادي كثير من الشعوب الإسلامية شعوبا إسلامية أخرى، مقتدين في ذلك بحكوماتهم، فيصبح بعضهم عدوا لبعض، ويزيد في تلك العداوات وسائل الإعلام الحديثة، التي وجدت بعد وجود الشبكة العالمية "الإنترنت" وبخاصة فيما يسمى بـ"وسائل التواصل الاجتماعي" الذي يسطِّر فيه كل من الناس ما يشاء، فيكثر بينه وبين من قد يسميه عدوا، التهاجر والتقاطع، ويتحزب بعضهم ضد بعض.

وهذه الوسائل، يمكن أن تكون – فعلا - وسائل تواصل اجتماعي، لو كان الذين يُسطِّرون فيها أفكارهم - أو يغردون كما هو مصطلحها - عقلاء مؤدبين بالأدب الإسلامي، ولكن كثيرا من الناس، لا يراعون أدبا إسلاميا، ولا فكير عقليا، فأصبحت هذه الوسائل يحق لها أن تسمى "وسائل التقاطع والعداء الاجتماعي" لكثرة ما يقع فيها من الخصام والعداء وتحزب كل طرف ضد الآخر، نسأل الله أن يهدي المسلمين إلى صراطه المستقيم، أفرادا وأسرا وحكومات وشعوبا.

الأصل في الإسلام قيام عقلاء المسلمين بالصلح بين المنازعين قبل وقوع الهجر

والأصل في الإسلام، أنه إذا اختلف شخصان، أو أسرتان أو جماعتان، أن يقوم غيرهما من عقلاء المسلمين بالصلح بينهما بالعدل، كما شرع الله تعالى بذلك في كتابه فقال: {لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً (114)} [النساء] وقال تعالى : {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (9) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (10)} [الحجرات]

يجوز في الهجر المشروع أن يزيد على ثلاثة أيام

هذا وليعلم أن الهجر مشروع للعصاة فوق الثلاث، تأديباً لهم وإشعاراً بأنهم خارجون عن آداب المجتمع وطريقه المستقيم، كما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم، وأصحابه مع كعب بن مالك وزميليه، حيث هجروهم خمسين ليلة، حتى نزلت توبتهم من عند الله عز وجل. كما قال تعالى: {وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمْ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنْ اللَّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ(118)} [التوبة]. قال الحافظ بن حجر رحمه الله: "وفيها ترك السلام على من أذنب، وجواز هجره أكثر من ثلاث، وأما النهي عن الهجر فوق الثلاث، فمحمول على من لم يكن هجرانه شرعياً" فتح الباري (8/124).






السابق

الفهرس

التالي


جميع حقوق الطبع محفوظة لموقع الروضة الإسلامي 1439هـ - 2018م

13612153

عداد الصفحات العام

1628

عداد الصفحات اليومي