{إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنْ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمْ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمْ اللاَّعِنُونَ (159) إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُوْلَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (160)} [البقرة]
(023) أثر التربية الإسلامية في بناء الأسرة وأمنها :: (022) أثر التربية الإسلامية في بناء الأسرة وأمنها :: (021) أثر التربية الإسلامية في بناء الأسرة وأمنها :: (020) أثر التربية الإسلامية في بناء الأسرة وأمنها :: (019) أثر التربية الإسلامية في بناء الأسرة وأمنها :: (018) أثر التربية الإسلامية في بناء الأسرة وأمنها :: (017) أثر التربية الإسلامية في بناء الأسرة المسلمة :: (016) أثر التربية الإسلامية في أمن الأسرة وبنائها :: (015) أثر التربية الإسلامية في بناء الأسرة المسلمة :: (034)الإيمان هو الأساس - أمور تؤخذ من قصة في إنكاره الإيمان باليوم الآخر :: حوار مع الأخ المسلم البريطاني - حامد لي :: (022)تربية المجتمع - اجتناب الهجر والتقاطع :: حوار مع الأخ المسلم الألماني - هادف محمد خليفة. :: (021)تربية المجتمع - الاحتقار والسخرية :: إيجاد الوعي في الأمة-الندوي :: حوار مع الأخ المسلم الألماني عبد الشكور كونزا(KUNZE) -فرانكفورت :: (020)أثر تربية المجتمع- اجتناب الحسد :: (39)السيرة النبوية - ما لاقاه الصحابة من أذى في مكة: ::
   
جملة البحث



السابق

الفهرس

التالي


(05) أثر التربية الإسلامية في تربية الأسرة وأمنها

(05) أثر التربية الإسلامية في تربية الأسرة وأمنها

حقوق الوالدين

إن الوالدين هما السبب المادي الظاهر المباشر في وجود الولد، والذي يكون سبباً في وجودك يكون حقه عليك أعظم من حق غيره، وبخاصة إذا تولى أمرك ورباك وعلمك، ونماك معنويا وماديا. ولعلّ ذلك يظهر شيئاً من الحكمة في أن الله تعالى قرن حق الوالدين بحقه تعالى في القرآن العظيم، كما قال تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً. (83) } [البقرة]. وقال تعالى: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً (36)} [النساء]. وقال سبحانه:{قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً. 0151)} [الأنعام].

فقد أمر الله تعالى بحقه وهو عبادته، ونهى عما يضاده، وهو الشرك به كما أمر بحقوق الوالدين، وهو برّهما، ونهى عما يضاده، وهو عقوقهما، وبدأ تعالى بحقه؛ لأنه الإله الخالق الذي هو السبب الحقيقي الذي أوجد السبب والمسبّب، ثم ذكر حقوق الوالدين، لأنهما السبب في رعاية أولادهما، من وقت وجودهم في بطون أمهاتهم، إلى أن يصلوا إلى سن الرشد الذي يؤهلهم للقيام بشئونهم، بل يتجاوز الآباء ÷ذا الوقت في رعاية أولادهم، كما هو مشاهد في متابعة العناية بهم حتى في شبابهم.

ولهذا أمر الأولاد بالإحسان إلى الوالدين، بعد فرض عليهم عبادته وحده، ونهى تعالى الأولاد عن أي عقوق لهما على آبائهم، بل أمر تعالى الأولاد بالقيام بحقهما في كل ما لا يقدران على القيام به، كما كانا يقومان بحق الأولاد من وقت ولادهم إلى يبلغو رشدهم: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً (23) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنْ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً (24)} [الإسراء].

يقول العلماء في تفسير هذه الأخيرة من سورة الإسراء: معناه إذا بلغ الأبوان جميعا الكبر الذي يجعلهما يخرجان حاجاتهما من بول أو غائط، بدون شعور، فقم بتنظيفهما، بدون تأفف وتضجر، فقد كانا يقومان لك بذلك في صغرك فترة طويلة، فلهما عليك حق كما كان لك عليهما حق ولهذا قال تعالى: {كما ربياني صغيرا} أقول: وتربيتهما لك تشمل تنظيفك الكامل وتنظيف ثيابك، وتغذيتك بالرضاع والطعام، وكل ما كنت تحتاج إليه في صغرك من قيامهما به لك.

وقد أشار تعالى في آيات أخرى، إلى بعض معاناة الوالدين وقيامهما على الأولاد، وأن على الولد أن يشكر الله عل ما هيأه له من تحمل الوالدين مشاق القيام بحقه في صغره، ويشكرهما كذلك، وأن يجزيهما على تعبهما، البر بهما والإحسان إليهما، قال تعالى: {وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنْ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (14)} [لقمان].

فقد بينت الآيات شدة معاناة الوالدين ـ وبخاصة الأم وشدة عنايتهما بمصالحهم المادية والمعنوية، كما بينت مواقف الأولاد من تلك المعاناة والعناية: فمنهم من يبرهما ويستجيب لتوجيهاتهما، ومنهم من يكون على الضد من ذلك برغم إشفاقهما عليه ونصحهما له.

وتعب الوالدة بحمله ورضاعه، والسهر على راحته والعناية به. وقيامهما بتربيته وتعليمه وجلب رزقه وغير ذلك مما يقومان به، يوجب عليه أن يشكرهما وأن يؤدي حقهما من البر والصلة والخدمة والرحمة وإظهار الفرح والسرور بهما، لاسيما إذا كانا في حاجة إلى خدمته وعنايته بهما في كبرهما، فإنهما قد يصلان إلى حالة من العجز في الكبر تشبه حالته عندما كان صغيراً، وقد قاما بحقه وقت عجزه، فعليه أن يقوم بحقهما بدون تضجّر ولا تأفّف ولا تقذّر، وبدون طلب منهما، بل يبادر هو بذلك.

كما كانا هما لا يتقذران من أوساخه: بوله وغائطه وبصاقه وقيئه وغير ذلك، عليه أن يتذكر ذلك، فيردّ الجميل إليهما على أكمل وجه، ويعلم أن القيام بحقوقهما عبادة لله، ولو لم يقوما بشيء من العناية به في صغره، فكيف وقد اجتمع لهما ردّ الجميل وواجب أداء الحق الذي أمر الله تعالى به.

ولما كان جُهد الأم وتعبها على الولد في طفولته، أكثر من تعب الأب في ذلك، كان حقها عليه عظيما، كما أشارت إلى ذلك آيات لقمان والأحقاف السابقتان: {حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ}، {حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً}.

وفسّر ذلك الرسول صلى الله عليه وسلم، حيث فضَّل حقها على أولادها على أبيهم، كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: (أمك) قال: ثم من؟ قال: (أمك) قال: ثم من؟ قال: (أمك) قال: ثم من؟ قال: (أبوك) [البخاري (7/69) ومسلم (4/1974)].

وقد خص الله تعالى في سورة الإسراء الاهتمام ببر الوالدين في حال كبرهما، لشدة حاجتهما في هذه الحالة إلى القيام بحقهما أكثر مما مضى في حياتهما، لأن كثيرا من الأولاد قد يتأففون من آبائهم عند كبرهم، وبخاصة إذا طال الوقت الذي يحتاجون فيه إلى الرعاية، ولا يذكر الأولاد الوقت الطويل الذي تكبد الآباء مشاق القيام بحقهم في صغرهم، ولهذا نبه القرطبي رحمه الله على ذلك عند تفسيره للآية بقوله: " قوله تعالى: {إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما} خص حالة الكبر لأنها الحالة التي يحتاجان فيها إلى بره لتغير الحال عليهما بالضعف والكبر؛ فألزم في هذه الحالة من مراعاة أحوالهما أكثر مما ألزمه من قبل، لأنهما في هذه الحالة قد صارا كلا عليه، فيحتاجان أن يلي منهما في الكبر ما كان يحتاج في صغره أن يليا منه؛ فلذلك خص هذه الحالة بالذكر.

وكما أشار بعض العلماء إلى طول مكث الوالدين أو أحدهما على الكبر المعجز لهما عن القيام بحاجاتهما، قد يسبب استثقال الأولاد الصبر على القيام الكامل عادة ويحصل الملل ويكثر الضجر فيظهر غضبه على أبويه وتنتفخ لهما أوداجه، ويستطيل عليهما بدالة البنوة وقلة الديانة، وأقل المكروه ما يظهره بتنفسه المتردد من الضجر. وقد أمر أن يقابلهما بالقول الموصوف بالكرامة، وهو السالم عن كل عيب فقال: {فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما}. انتهى.

وقد دعا الرسول صلى الله عليه وسلم، على من أدرك والديه، فلم يبرهما براً يدخله الجنة، كما في حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (رغم أنف ثم رغم أنف ثم رغم أنف) قيل: من يا رسول الله؟ قال: (من أدرك أبويه عند الكبر، أحدهما أو كليهما فلم يدخل الجنة) [مسلم (4/1978)].






السابق

الفهرس

التالي


جميع حقوق الطبع محفوظة لموقع الروضة الإسلامي 1439هـ - 2018م

13164284

عداد الصفحات العام

823

عداد الصفحات اليومي