الرحلة الثانية إلى اليابان »1406 ـ- 1986م

كان رفيقي في هذه الرحلة الأخ الكريم محمد باكريم باعبد الله، وقد كانت إلى الفلبين وتايوان واليابان وكوريا.

الثلاثاء: 1/11/1406ﻫ

السفر من تايبيه عاصمة تايوان إلى اليابان:

أصر الأخ عبد الله البخيت الملحق الثقافي السعودي تايوان على أن يوصلنا هو إلى المطار ويتابع الإجراءات تيسيراً لأمرنا، لأنه يعرف مهاراتنا في اللغة التي يفهمها أهل البلد!!

البطاقة الدبلوماسية:

بعد أن أنهى الإجراءات اللازمة مع موظفي مطار تايبيه والجوازات، استدعانا موظفو المطار لفتح حقائبنا الكبيرة لتفتيشها، تطبيقاً للنظم الأمنية عندهم فأبرز الأخ عبد الله بطاقته الدبلوماسية وقال لهم: "أنا مسؤول عن حقائب الإخوة فهل يكفى أن تعرفوا البطاقة؟" فهزوا له رؤوسهم وقالوا: نعم.

فقلت للأخ عبد الله: لو أعرتنا هذه البطاقة لنستفيد منها في أسفارنا، كل ما أرادوا أن يفتشوا حقائبنا أبرزناها لهم حتى نعود إلى بلادنا! فاستغرق في الضحك وقال: وماذا أفعل أنا هنا؟ قلت له: أنا أعرف أن أخذنا لها يضرك ولا ينفعنا، لأنها مميزة بصورة صاحبها وعمله ورقم جوازه، ولكن اعتبرها نكتة اليوم الذي هو يوم مغادرتنا لتايوان..!

ثم ودعنا الأخ عبد الله بعد أن اطمأن على انتهاء كل الإجراءات وعاد إلى مكتبه، ونحن صعدنا إلى الطائرة الأمريكية: بوينغ 747 التي أقلعت من تايبيه في الساعة الحادية عشرة والربع بتوقيت تايوان، وهو ينقص ساعة عن توقيت اليابان.

ويأبى الله إلا ما يريد:

هذا وقد خرجت من تايوان نادماً على أمرين:

الأمر الأول: عدم تمكننا التجول الكافي حول المدينة، لنتصورها تصوراً كافياً، ولو أنا تمكنا من الالتقاء بالإخوة في السفارة في صبيحة يوم وصولنا لحققوا لنا ذلك وغيره، ولكن قدر الله وما شاء فعل، ويأبى الله إلا ما يريد.

الأمر الثاني: ـ وهو الأهم ـ قلة من التقينا بهم من المسلمين في تايوان بسبب انشغال من كنا نظن أنهم سيسهلون لنا مقصدنا بوضع منهاج لزيارتنا، بسب احتفالات معسكرهم الذي مر ذكره في الكتاب الخاص بتايون، ويبدو أن المسلمين في ذلك البلد غير منظمين، وإن كان لهم جمعية إسلامية، وكثير من الكبار والصغار مشغولون بشؤون دنياهم، لحاجتهم إلى العمل، وإذا لم ينتبهوا لتربية أولادهم تربية إسلامية، فانه يخشى على الإسلام من الانقراض في هذا البلد، لأن الكبار سيموتون والصغار إذا جهلوا دينهم سيتركونه، ولا يوجد متفرغ للدعوة يعلم أبناء المسلمين ويدعو إلى الإسلام، حتى يدخل في الإسلام مسلمون جدد.

والحقيقة أن المسؤولية الآن تقع على عاتق بعض الشباب الصيني الذين أكملوا دراساتهم الإسلامية في بعض الجامعات العربية، فإنهم إذا عقدوا العزم على القيام بالدعوة إلى الله ونظموا أنفسهم، وحاولوا غرس الإيمان وتقويته في قلوب أهل بلدهم، وإقناعهم بوجوب الحرص على تربية أولادهم، ودعوة غير المسلمين إلى هذا الدين، حتى ينظموا أنفسهم تنظيماً يحقق لهم القوة والثبات، إنهم إذا فعلوا ذلك يرجى للإسلام والمسلمين مستقبل طيب في هذا البلد، وعسى أن نسمع عنهم ما يسرنا ويرضى ربنا، وفقهم الله وأعانهم.

بعد أن سجلت في دفتري ما مضى، بدأت أنظر من نافذة الطائرة. كان الجو صحواً، وإن وجدت بعض السحب المتفرقة فوق المحيط الهادي، وكانت تبدو بين حين وآخر جزر صغيرة، تكاد أمواج المحيط الهادي تغمرها، وكانت السفن الكبيرة والصغيرة تمخر عباب البحر مشرقة ومغربة، أو آخذة ذات الشمال وذات الجنوب، مخلفة وراءها فجوة في الماء بقدر كبرها أو صغرها، وبياض رشاش الماء يرى على جانبيها أو أمامها.

وبعد أن مضت لنا ساعتان من الزمن، أعلن قائد الطائرة وجوب ربط أحزمة المقاعد، لأن الطائرة بدأت ترقص، لدخولها في قوافل ضخمة من السحب التي أحاطت بها من كل جانب، حتى لم نكن نرى من النافذة شيئاً غير ظلمة السحب.

وفي الساعة الواحدة والدقيقة الأربعين بتوقيت تايوان كنا على أطراف جزر اليابان الجنوبية، وهناك ظهرت المزارع والبحيرات والأنهار وبعض القرى والمدن والجسور والشوارع المنظمة الجميلة.

وهبطت بنا الطائرة في مطار طوكيو الدولي، في الساعة الثانية ظهراً بتوقيت تايوان، الواحدة بتوقيت اليابان فكانت مدة الطيران بين تايبيه وطوكيو ثلاث ساعات.

مستر عبد الله... ويفرجها الله!

كنا قد اجتهدنا في تعبئة بطاقة الدخول اليابانية، وبقيت أماكن لم نفهم معناها، فتركناها آملين أن يساعدنا موظف الجوازات في تعبئتها، وعندما وقفت أمام الموظف نظر في البطاقة وأشار بنقط إلى الأماكن الفارغة، وقال: مستر عبد الله... وتكلم كلاماً فهمت أنه يريد أن أعبئها فقلت له: ساعدنا، فقال: آسف، وكان على حق، لأن الناس واقفون ينتظرون حقهم في المرور بعدنا.

فرجعنا وقعدنا نحاول أن نفهم فلم نستطع، ثم أخذت الجواز والبطاقة وذهبت إلى أحد الموظفين وأظنه ضابط أمن، فأشرت له إلى المكان الفارغ وسألته ما معنى ذلك فأخذ يسألني: من أين جئت؟ فأخبرته أنا جئنا من تايوان، فقال اكتب ذلك. ثم سألني: إلى أين بعد اليابان؟ قلت إلى كوريا. قال اكتب ذلك هنا، وهكذا حتى تم ملء الفراغات، و بذلك فرجها الله، بعد أن قعدنا ما يقارب ربع ساعة ونحن نحاول ذلك.

عربي.... وطعام!

وعندما مررنا بالجمارك فتحوا ربطة فيها بعض الكتب كنت حملتها معي للمراكز الإسلامية، وأخذ الموظف يقلب الكتب ويسألني: ما هي وأنا أقول له: عربي... وهو يكرر السؤال ولا أدرى ماذا يريد من الجواب، فلم أكن أزيد على قولي: عربي.

واستنجد بموظف آخر وأخذ هذا يسألني وفعلت معه ما فعلت مع الأول: عربي... عربي. فابتسم وأعاد الكتب وأخذ يربط الحبل بنفسه وأتى بشريط لاصق ربط به الكرتون وأحكمه، وأشار لي بأخذه.

ثم فتح حقيبتي الكبيرة، فوجد كيساً من الدقيق، فسألني عنه فقلت له: طعام. وكرر نفس السؤال، فكررت له نفس الجواب. ثم قال كلاماً لا أفهمه فقلت له: طعام. واستدعى صاحبه وتكلم معه، وسمعت صاحبه وهو يهز الكيس في يده ويقول له: نظيف (كلين) وخرجنا بسلامة الله وحفظه بكتبنا وطعامنا.

أربعون دقيقة في انتظار الحافلة:

وكان الأخ محمد باكريم قد اتصل ببعض أعضاء المركز الإسلامي من تايوان، وأرشدوه إلى أن نركب في الحافلة العامة التي توصلنا إلى محطة "كيو" بجانب فندق كيو بلازا، وكنا نظن أننا بمجرد خروجنا سنجد الحافلة التي تنقلنا واقفة في انتظارنا، أو ننتظرها قليلا فتأتي، ولكن تبين لنا أنا سننتظر أربعين دقيقة، فصبرنا، وكان الموعد مضبوطا، إذ وصلت بعد 38 دقيقة، وتحركت بعد ثلاث دقائق.

سفر آخر أيضاً!

وأخذت الحافلة تسير ونحن نترقب وصولنا إلى المحطة المذكورة حتى مضت ساعتان كاملتان ونحن نسير، لبعد المطار الدولي عن المدينة، ثم وصلنا فوجدنا الأخ السوداني محمد يوسف علي في انتظارنا، وأوصلنا إلى الفندق الذي حجز لنا فيه، ويسمى فندق واشنطن.