الرحلة الثانية 1407ﻫ في مدينة لندن

في مطار هثرو:

سبق أن الطائرة البريطانية بوينغ 757. أقلعت في الساعة 12.37 ظهراً، هذا اليوم الأربعاء 2/1/1408ﻫ. من مطار فورينبو بأوسلو. وهبطت الطائرة في مطار هيثرو الدولي بلندن في الساعة 2.21ظهراً بتوقيت النرويج، وهو نفس توقيت بريطانيا الصيفي، بعد أن حامت على المدينة في كل الاتجاهات تقريبا، بسبب زحمة أخواتها في الجو وعلى الأرض، كما هي عادة أمثال هذا المطار. فكانت مدة الطيران بين أوسلو ولندن، ساعتين تقريباً.

زميل الدراسة: الشيخ صهيب بن عبد الغفار:

وجدت في المطار الأخ الكريم: صهيباً بن الشيخ عبد الغفار حسن الباكستاني، والأخ صهيب زميلي في الدراسة في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، فقد كنا ضمن طلاب كلية الشريعة في سنة 1382ﻫ، وكانت الجامعة الإسلامية أنشئت سنة 1381ﻫ أي إننا كنا في الدفعة الثانية حيث أكملنا الدراسة في الكلية سنة 85 ـ 1386ﻫ، وكان والد الأخ صهيب أحد الأساتذة الذين دَرَّسوا في الكلية، مادة في مصطلح الحديث.

والأخ صهيب ولد سنة 1942م. أخذ البكالوريوس في باكستان، والليسانس في الجامعة الإسلامية، ونال الماجستير سنة 1971م في آداب اللغة العربية في جامعة بنجاب، كما أخذ الماجستير من جامعة برمنجهام سنة 1984م بعنوان: نقد الحديث لدى المسلمين، مع دراسة موضوعات ابن ماجه ـ أي الأحاديث الموضوعة وهي عشرة أحاديث ـ قدمها نموذجا. عمل بعد تخرجه في الجامعة الإسلامية مديراً لمدرسة إسلامية في مدينة نيروبي عاصمة كينيا إلى مستوى المرحلة الإعدادية، وبقي في نيروبي تسع سنوات، وكان متعاقداً مع الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد.

ثم نقل إلى لندن سنة 1976م للقيام بالدعوة في بريطانيا، ولا زال فيها إلى الآن. وقد أسس في لندن جمعية القرآن الكريم في 17/3/1398ﻫ الموافق 27مارس سنة 1978م لنشر تعليم القرآن الكريم عن طريق الدروس بالمراسلة. وهو الآن أمير جمعية أهل الحديث في لندن، وقد قاموا بتأسيس مدرسة التوحيد في لندن سنة 1984م. ويلقي دروساً في التفسير يوم السبت في مسجد شرق لندن، وهو أقدم مسجد في لندن، أنشئ سنة 1941م، وقد بني الآن من جديد منذ أكثر من سنتين (سنة 1985م) وسيأتي الكلام عنه. ويلقي يوم الأحد درسا في مدرسة التوحيد في التفسير.

ويقوم بخطبة الجمعة وإمامة المصلين يوم الجمعة في مسجد رابطة العالم الإسلامي. ويقيم صلاة الجمعة في السجن المركزي في لندن ـ بالتناوب مع أحد الإخوة ـ منذ ثمان سنوات.ويمتاز الأخ صهيب بتعاونه مع الجمعيات والمؤسسات المختلفة، ومحاولة جمع الكلمة والبعد عن إثارة أسباب الخلاف، وهذه الميزة يفقدها أكثر زملائه. ويقوم بتدريس الطلبة المسلمين ـ أهل المرحلة الثانوية ـ في مادة التفسير باللغة الإنجليزية. وتقوم زوجته في منزله أيضا بتدريس الصغار، من أبناء المسلمين خمسة أيام في الأسبوع ويتعاون مع بعض المؤسسات..

ويُدعَى إلى إلقاء محاضرات في الجامعات والكليات الرسمية، يتحدث فيها عن الإسلام، بالتنسيق مع بعض الطلبة المسلمين، ويدعون لها غير المسلمين، وقد زار كل الجامعات البريطانية تقريبا. ويحضر حفلات كثيرة في لندن، ويلقي محاضرات باللغات الثلاث الإنجليزية، والأوردو، والعربية. ويكتب في مجلة أهل الحديث، الصراط المستقيم التي تصدر في برمنجهام. ويقوم بتحرير نشرة يصدرها مجلس المساجد شهريا، وهذا المجلس يسمى: مجلس المساجد في بريطانيا وأيرلندا، واسم النشرة:"النداء". وقد نشر الأخ صهيب مقالا بعنوان: المسلمون في بريطانيا وسلمني صورة منه بيده، أورد نصه كاملا هنا، لما فيه من معلومات كتبها صاحب المقال بعد محاولة للوصول إليها عن قرب وهذا هو نص المقال:

المسلمون في بريطانيا:

قام قسيس يدعى "جان بول" قبل قرن من الزمان باستطلاع عن المسلمين الموجودين في إنجلترا آنذاك، وجاءت نتيجة بحثه في فصل ضمنه كتابا باسم "الدراسات عن المحمدية" باللغة الإنجليزية، ذكر فيه أن أكبر تجمع للمسلمين ـ ولا يتجاوز خمسين شخصا ونيفا ـ يوجد في مدينة "ليفربول" حيث قام إنجليزي من أبناء البلاد، ويسمى:"ويليام جوليم" بنشر الإسلام، بعد أن تشرف باعتناقه في عاصمة الدولة العثمانية، ومنذ أن عاد إلى بلاده جد في التبشير بالدين الجديد، إلى أن كسب أنصارا يجتمعون في بيت من البيوت أطلق عليه اسم المسجد، وقد زاره القسيس بنفسه، واطلع على النشرات التي كان السيد جوليم يقوم بطبعها ونشرها، كما ذكر أن المشاغبين من أولاد الحي كسروا نوافذ المسجد.

انتقل القسيس بعد ذلك إلى سرد عدد المسلمين في مدن أخرى، مثل مانشستر، ولندن، ووركنج، حيث لا يربو مجموع المسلمين في جميع هذه المدن على مائتين وأربعة عشر شخصاً، ثم أردف قائلا:"قد يبقى للإسلام في بريطانيا وجود هزيل لعدة سنوات أخرى، إلا أنه من الممكن أن يفاجأ بحتفه بعد ذلك". [الدراسات المحمدية (292:2) لجان: جي بول ص 404. قلت: لقد خيب الله تخرصه الذي بناه على قلة المسلمين وحرب أهل البلد لدينهم والمسلمون في بريطانيا أكثر من مليون حسب التقديرات هذه الأيام (هذا كان سنة1987م)]. هذا ما قدره القسيس "بول" قبل قرن تقريبا، ولو قدرت له الحياة لرأى الآن بأم عينيه ما بلغ إليه عدد المسلمين، وهم ما بين مليون ومليون ونصف نسمة، بينما لا يقل عدد المساجد والمصليات عن ستمائة مسجد في طول البلاد عرضها، وقد يكون أقدمها هو مسجد "ووكنج" الذي شيد بأموال أميرة "بوهبا" الهندية: السيدة شاه جهان بيجوم في هذا القرن.

ويعود الفضل لوجود هذا العدد الكبير من المسلمين ـ بعد الله ـ إلى هجرتهم من بلاد العرب وشبه القارة الهندية الباكستانية، لسبب أو لآخر. وقد يكون من المناسب الكلام على الجالية حسب انتماءاتها الجنسية، تفهما للوضع وإيضاحاً للمشاكل التي تعانيها كل جنسية، مع ذكر بعض الجمعيات الشهيرة.

ونبدأ الكلام بأقدم الجاليات وهي:

1 ـ الجالية العربية:

ويدهش القادم إلى بريطانيا عندما يطأ قدمه في منطقة الميناء في مدينة "كاردف"على الساحل الغربي من"ويلز" أو في مدينة "ليفربول" في الساحل الشمالي، أو في مدينة"ساوث شيلد"على الساحل الشرقي للجزر البريطانية، فيجد تجمعات كبيرة من العرب النازحين من جنوب الجزيرة العربية أو الصومال، وهم لا يزالون يحتفظون بتقاليدهم في المأكل والمشرب وانتمائهم القبلي، ولو بشيء من التحفظ، وطريقتهم في الأوراد والأذكار، كما ورثوها كابراً عن كابر وأباً عن جد.

استوطن هؤلاء المهاجرون ومعظمهم من البحارة الذين كانت تدور بهم السفن من بلد إلى آخر، فوجدوا في بريطانيا في الثلاثينات وما بعدها مرتعا خصبا وعيشا هنيئا، فألقوا عصا التسيار وجعلوها موطنا ثانيا لهم، إلا أن حنينهم إلى بلادهم لم ينقطع، كما قال الشاعر:

كم منزل في الأرض يألفه الفتى،،،،،،،،،،، وحنينه أبداً لأول منزل


غير أن النشء الجديد الذي ولد في هذه الديار وربي في أحضانها وترعرع بمائها ونسيمها، لم يرث من هذا الحنين إلا ذكريات قد يطويها الدهر على كر الليالي والأيام. إن بريطانيا هي موطنه، ولا تكاد تميزه عن ابن البلد إلا باللون والعادات. ويلاحظ أن عدداً كبيراً من هؤلاء المهاجرين، أحكم صلات القرابة بالأسر الإنجليزية بالزواج والمصاهرة، فاختلطت بذلك الأنساب وتغيرت في ظلها العادات، وهكذا دائما نمو الشعوب وتقلبها في الآفاق، سنة الله في الخلق ولن تجد لسنة الله تبديلا.

لا تقتصر الجالية العربية على المدن الثلاث، بل لها أعداد مماثلة في مثل مدينة شفيلد وبرمنجهام ولندن، إلا أن الأخيرة اختصت بالجالية المغربية التي تتمركز في أحياء معينة في العاصمة، ولا تزال تحافظ على لهجتها وعاداتها. ولا أعدو الصواب عندما أقول: إن للنشء الجديد مسؤولية في أعناق الكبار، فهم عرب اسما وعرقا، إلا أنهم فقدوا لغة الضاد، ويخشى أن يأتي عليهم ما أتى على المهاجرين في الأمريكتين الشمالية والجنوبية من ضياع اللغة وبعد عن الدين، وتغرب روحا ومظهرا.

2 ـ الجالية الآتية من شبه القارة الهندية والباكستانية:

يوصف المهاجرون من شبه القارة الهندية بالآسيويين، ويتنوعون لغة وجنسا، بحسب انتمائهم إلى مناطق متعددة: فالبنغاليون تمركزوا في شرق لندن بعد الحرب العالمية الثانية، بعد ما غادرها اليهود إلى مناطق أكثر تقدما وأرقى حضارة، وأوسع مكانا، كما توجد لهم تجمعات في كثير من مدن بريطانيا، وهم كسائر المغتربين، انتظموا في المصانع والمعامل، إلا أن دورهم في الإشراف على عدد كبير من المطاعم يلفت نظر كل غريب في العاصمة. وبرز فيهم في مجال الدعوة الإسلامية منظمة دعوة الإسلام بفروعها الآخذة في الانتشار في عدد من المدن البريطانية.

وحدث عن المهاجرين الباكستانيين ولا حرج، فقد شهدت هذه البلاد هجرة عارمة من الأيدي العاملة في الخمسينات وما بعدها، عندما كانت بريطانيا في حاجة إلى من ينفخ الروح في مصانعها، ويجلب لها الأرباح الطائلة، من تصدير بضاعتها إلى دول الكومنولث، وغيرها من الدول في العالم على أبخس الأجور التي رضي بها العامل. وهكذا أسهم في النمو الاقتصادي الذي تمتعت به بريطانيا سنوات، إلى أن بدأت أسواقها تكسد، وتجارتها تنكمش من جراء منافسة حرة من الشرق والغرب.

إن أفرادا من الجالية الباكستانية لمعوا في مجال صناعة الأقمشة، حتى أصبحوا يديرون مصانعها ويوفرون بذلك مجالات العمل لمضيفيهم من الإنجليز، في مثل مدينة مانشستر وما حولها من مناطق، كما برز فيهم تجار عمالقة في مثل مدينة غلاسغو وغيرها من مدن اسكتلندا. عرفت هذه الجالية بتشييد المساجد حيثما وجدت لهم مجموعات، فيبدءون عادة بتحويل بيت من البيوت السكنية إلى مصلى، حتى يزداد عدد المصلين ويضيق بهم المكان، فيبدءون في بناء المسجد على الطراز الإسلامي المعروف، وتشهد حاليا عديد من مدن بريطانيا مساجد لا تقل رونقا وبهاء عن الجوامع في بلاد المسلمين، بل تفوق عليها أحيانا.

وقد أتت الجالية إلى إنجلترا بجميع ما وجد في القارة الهندية الباكستانية من أفكار ومذاهب واتجاهات، وأصبحت بذلك تتجاذبها الميول المختلفة، وتتصارع في صفوفها الأفكار المتنوعة، فمن داع إلى ما ورث من أجداده من خرافات وأباطيل، ما أنزل الله بها من سلطان، ومن متشدق بفكر منكري السنة أو مناد بالتجديد. وإزاء هذا وذاك برزت على الساحة الإسلامية جماعات قامت بجهد جهيد، للحفاظ على أصالة الفكر الإسلامي وتزويد الناشئة بشيء من المبادئ الأساسية الدينية، مثل جماعة أهل الحديث بمركزها الرئيسي في برمنجهام، وجماعة التبليغ ومن والاها من المنتمين إلى مدرسة "ديوبوند" الشهيرة، كما أن هناك عدداً من المؤسسات العلمية التي قدمت في مجال الثقافة الإسلامية أو الدراسات الدينية جهوداً لا تنكر مثل المؤسسة الإسلامية في "لستر" ودار العلوم في "بري" والوقف التعليمي الإسلامي، وجمعية القرآن الكريم ، والمركز التعليمي الإسلامي "تبرسي" في مدينة "لندن".

أما في مجال الصحافة، فقد قدمت هذه الجالية نماذج طيبة من صحف وجرائد ذات طابع إسلامي، مثل جريدة "أمباكت" الصادرة من لندن، ومجلة الصراط المستقيم باللغتين التي يشرف عليها المركز الإسلامي في برمنجهام، ومجلة "هلال" التي تصدر تحت إشراف الأكاديمية الإسلامية في مانشستر.

وللنسوة المسلمات جهود لا يستهان بها في هذا المجال، فقد دأبت جمعية النسوة المسلمات على إصدار جريدتها الشهرية منذ سنوات، كما أنها حققت مشروعها الذي كان يساورها منذ مدة مديدة، وهو إيجاد “دار المدينة” في قلب لندن لإيواء عدد من اليتامى المسلمين. وإنني إذ أسرد أسماء الجمعيات التي يمتد نشاطها على مستوى البلاد كلها، فإنني لا يسعني إلا الإشادة بالدور الفعال الذي تقوم به المراكز المحلية حيثما وجدت الجالية، وأخص من بينها المسجد الجامع في برمنجهام، وصنوه في غلاسغو، وأد نبرا، ومئات غيرها التي أصبحت تغص بالطلبة والطالبات، كلما أمسى المساء أو تعطلت المدارس الحكومية.

ويلاحظ أن للجالية النازحة من مقاطعة" كجرات" في الهند دورا بارزا وخاصة في المناطق الوسطى من بريطانيا على عديد من المساجد والمدارس المسائية وإن الزائر لتملكه الدهشة عندما يرى المئات من الأبناء والبنات يملئون ردهات وغرف هذه المساجد في أوقات الدراسة.

3 ـ الجالية التركية:

لا يقل المنتمون إلى هذه الجالية من المهاجرين من قبرص عموما، ومن تركيا أحيانا عن أربعين ألف مسلم في لندن وحدها، وبرز فيها في السنوات الأخيرة الاتجاه إلى تشييد بيوت الله، فأصبحت لديها في غضون السنوات السبع الماضية أربعة مساجد: اثنان منها محولات عن معبد لليهود وكنيسة للنصارى، ويرجع الفضل في إحياء الروح الدينية ـ بعد الله ـ في هذه الجالية إلى أحد مشايخ الأتراك، وعسى أن تجد هذه الجالية من الدعاة من يقودها ويأخذ بيدها إلى التمسك بكتاب الله وسنة رسوله صَلى الله عليه وسلم .

4 ـ الطلبة الوافدون من الأقطار الإسلامية:

يؤم الجزر البريطانية آلاف الطلبة من الأقطار العربية خاصة، ومن البلدان الإسلامية، مثل: ماليزيا وباكستان، وغيرها من الدول عموما، لتلقي الدراسات العليا في التكنولوجيا الحديثة والعلوم الطبيعية، وقد وفق اتحاد جمعيات الطلبة الإسلامية، وجمعية الطلاب المسلمين إلى تنظيم فروع لها في معظم جامعات ومعاهد بريطانيا. وإن الجمعيتين خلال اجتماعاتهما الموسمية ومؤتمراتهما السنوية، استطاعتا أن تجعلا من هؤلاء الفتية دعاة إلى الحق ومنارات للإسلام، ولا أكون مخطئاً إذا قلت بأن هؤلاء الطلبة هم أكثر نفوذاً في الطبقة المثقفة وأوسع نشاطاً من أية منظمة أخرى [شهادة حق وإنصاف رأيت مصداقها في كل بلدان الغرب.].

وانبثقت بجهود هؤلاء الطلبة عدة مؤسسات تربوية، مثل دار الرعاية الإسلامية ومقر اتحاد جمعيات الطلبة الإسلامية، ودار الطالبات المسلمات في لندن وحدها. كما أن لبعض هذه المؤسسات فروعا في عدة مدن أخرى، تقوم بتنظيم محاضرات يلقيها خيرة الدعاة من المقيمين في بريطانيا، أو الزائرين، فتوجد بذلك مجالا للشباب المسلم يجد فيه متعة روحية وزادا ثقافيا وحصيلة علمية، قلما يجدها في مكان آخر.