السفر إلى مدينة شيكاغو

وبعد أن أمضينا مع الأستاذ زينهم ساعة إلا ربعا تقريباً، نقلنا إلى المطار حيث صعدنا إلى الطائرة التي أقلعت في الساعة الثالثة والدقيقة الثانية والأربعين، من مطار إنديانا بولس إلى مطار شيكاغو.

ونظرت من النافذة فرأيت الأرض مخضرة جميلة يغطيها السحاب تارة ويدعها أخرى، والقرى تتناثر هنا وهناك، والأنهار تخترق تلك المزارع وكذلك البحيرات الصغيرة، وهبطت بنا في مطار شيكاغو في الساعة الرابعة والدقيقة الخامسة عشرة، فكانت مدة الطيران من إنديانا بولس إلى شيكاغو ثلاثا وثلاثين دقيقة.

ومطار شيكاغو ذو حركة دائبة بالطائرات الصاعدة والهابطة والواقفة في المدرجات، تنتظر الإذن بالإقلاع أو الاقتراب من مباركها لإنزال ركابها. وقاعات المطار الداخلية غاصة بالمسافرين والقادمين، يتيه فيه المرء الذي لا خبرة له به، والسيارات تملأ المواقف والشوارع القريبة منه، لا يكاد سائقوها يجدون فيها مكانا لحمل ركابهم أو إنزالهم، هذا مستقبل وهذا مودع، وهي مختلفة الأنواع: صغيرة وكبيرة خاصة أو سيارات أجرة، وقطارات ذاهبة وآيبة. والحمد لله أننا لم نخرج من ممر الطائرة المؤدي إلى قاعات المطار حتى رأينا ذلك الشاب المسلم الذي تملأ لحيته صدره في انتظارنا.

في مدينة شيكاغو

منظر من شيكاغو
25/10/1405ﻫ ـ 13/7/1985م

كان الشاب في انتظارنا في مطار شيكاغو، قد أسرع إلينا مهرولاً، قائلا: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وعندما رأيته لأول وهلة ظننته صديقي الأخ الدكتور محمد الساداتي الذي

هو عضو هيئة تدريس الآن في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية [عرفت الأخ الساداتي سنة 1396ﻫ في صنعاء عندما كان ملحقا إعلاميا في السفارة السعودية بصنعاء، وكنت حينها في زيارة لصنعاء في مهمة رسمية مندوبا من الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، وفي تلك السفرة صورت للجامعة بعض المخطوطات من بعض المكتبات الخاصة، وبخاصة مكتبات بعض علماء بني الأهدل في المراوعة وزبيد.]

ولم يكن ظني بعيداً، فقد كان الشاب شقيقاً للدكتور الساداتي، ويدعى: محمد الأمين الشنقيطي وهو مبتعث من جامعة الملك سعود في الرياض للتخصص في دراسة الهندسة الكهربائية، وقد أخذ شهادة الماجستير، وهو الآن في المراحل الأخيرة للدكتوراه، أعانه الله ووفقه.

نقلنا الأخ محمد من المطار إلى منزله، في جنوب غرب مدينة شيكاغو، وتناولنا عنده طعام العشاء، ثم نقلنا إلى فندق: هلتون الذي حجز لنا فيه عن طريق الهاتف. واتفقنا معه أن يضع لنا منهج زيارة للمراكز الإسلامية، والمساجد ويتصل بالجمعيات الإسلامية فيها ليخبرهم بمواعيد الزيارة.

الجمعة: 24/10/1405ﻫ.

معلومات عن المسلمين في شيكاغو.

جاءنا الأخ محمد الأمين الشنقيطي صباح هذا اليوم الجمعة في الفندق وطلبنا منه أن يعطينا بعض المعلومات عن المسلمين في شيكاغو.

والأخ محمد الأمين بن سيدات الشنقيطي، ولد في المدينة المنورة في سنة 1367ﻫ أي أن عمره
الآن ثمانية وثلاثون عاماً، ودرس الابتدائية ومعهد المعلمين في المدينة، وبقية دراسته في جدة سنة واحدة، وفي الرياض ثمان سنوات، وابتعث بعد ذلك لدراسة الهندسة الكهربائية، وله في أمريكا ما يقارب تسع سنوات هو وأسرته الآن في شيكاغو، يساعد في الدعوة إلى الله مع رابطة الشباب المسلم العربي. قال الأخ محمد: المراكز الموجودة في شيكاغو:

1- مركز مؤسسة الجامع: وقد اكتمل بناؤه في بداية عام 1982م. قامت بإنشائه مجموعة من الجالية الإسلامية كان يرأسها الدكتور علي مشعل، وللمركز مجلس إداري يتكون من تسعة وعشرين شخصا، وتنبثق عنه لجنة تنفيذية يرأسها رئيس المؤسسة، وهو الآن الدكتور بسام جودة فلسطيني.

وعدد الأعضاء المشتركين في المركز ستمائة عضو تقريبا، أغلبهم عرب، وأكثرهم من فلسطين وسوريا، ومن نشاطات المركز مدرسة الأطفال يوم الأحد لمدة ثلاث ساعات، وأخرى يوم السبت ومدتها خمس ساعات، ويقومون بدورة قوية في الصيف للأولاد، مدتها شهر أو شهران، والهدف منها تعليم اللغة العربية والدين الإسلامي.

وتقام فيه الصلوات الخمس، قد يقل المصلون وقد يكثرون، وتقام فيه صلاة الجمعة، ويتم فيه لقاء كل ثاني سبت من الشهر الإفرنجي لمدة أربع ساعات، تدرس فيه موضوعات متنوعة، وهي مجدولة لمدة سنة: موادها: القرآن والتفسير والحديث والفقه، والحركات الهدامة، وأخبار العالم الإسلامي ومقابلة مع ضيف، ويشرف على النشاطات الدينية الآن محمد سعيد عبد اللطيف، وهو إمام المسجد حاليا والمدير الإداري له.

وتقام فيه خمسة دروس في الأسبوع: التفسير، يشرف عليه أحد السوريين، وهو طبيب يسمى: ماهر حمامي وقواعد اللغة العربية ويشرف عليه الدكتور علاء الدين خروفة، وهو عراقي ويقوم بإلقاء دروس في الفقه، وتخصصه في الشريعة، والشيخ جمال محمد سعيد عبد اللطيف يلقي دروسا في التفسير قبل صلاة الجمعة، ودرسا في العقيدة والسيرة كل يوم جمعة مساء في زاد المعاد والعقيدة الطحاوية وتلاوة القرآن الكريم.

ويلقي الشيخ محمد نور السوداني درسا في السيرة والعقيدة باللغة الإنجليزية لغير العرب كل يوم خميس، ويشرف المركز على تجهيز الموتى المسلمين والصلاة عليهم ودفنهم.

وقد اشترى المقبرةَ الأميرُ سلطان بن عبد العزيز، وللمركز صلة طيبة بالجماعات الأخرى في البلد، وينوب الأخ محمد الأمين الشنقيطي عن الإمام إذا غاب في بعض الأوقات ويشرف على حلقة تحفيظ القرآن الكريم، وقد حفظ الحاضرون من سورة الإسراء إلى آخر سورة النمل وهم يحيون الليل بالقيام، وعددهم خمسة وهم المداومون، وتوجد لجنة نسائية في المسجد لهن لقاء كل يوم أحد في أيام المدارس، و لهن لقاء شهري، وهن يقمن بكل نشاطاتهن.

ومن مشروعات المركز إنشاء مدرسة كاملة لأبناء المسلمين، وقد جمعت بعض التبرعات من الكويت لهذا المشروع، وفكروا أن يبدأ الاتحاد بالروضة، ولكن وقفت أمامهم بعض العقبات في إيجاد المرافق التي تمكنهم من أخذ الإذن من الحكومة.

عندما وصلت في الكتابة إلى هنا جاء أخَوان من الإمارات العربية المتحدة وفلسطين، ليصطحباني إلى مركز الجالية الإسلامية الذي يقع على شارع كدزي مع تقاطع شارع نورث أفني، لأقوم بخطبة الجمعة والصلاة بالناس هناك. أما الشيخ عمر فقد تقرر أن يذهب مع الأخ محمد الأمين ليقوم بخطبة الجمعة والصلاة في مركز مؤسسة الجامع.

في الساعة الواحدة والربع أذن لصلاة الجمعة وقد استغرقت الصلاة والخطبة أربعين دقيقة وهو الوقت الذي حدده لي الإخوة، لأن الحاضرين عندهم أعمال يأخذون إجازة محددة للصلاة ثم يعودون لأعمالهم، وبعد الصلاة ألقى بعض الإخوة أسئلتهم وأجيبوا عنها وكان المسجد مملوءا بالمصلين.

معلومات عن مركز الجالية الإسلامية الواقع على شارع كدزي.

ثم التقيت الأخ إسماعيل جميل صالح القدسي في مكتب المسجد وهو من سكان بيت المقدس، وله في هذا البلد أربعة عشر عاما، وعنده أربعة أولاد عند أمهم في القدس، وله ولدان عند أمهم هنا، ويحمد الله أن زوجتيه عربيتان مسلمتان، لأن الذين تزوجوا بالنصرانيات ضاع كثير من أولادهم، وقال: إنه يذهب مرات لزيارة أهله في القدس.

وقال: إنه قادر على إخراج أهله من فلسطين وإسكانهم عنده في شيكاغو، ولكن الذي يهمهم أن لا يتخلوا عن بلادهم لليهود، والذي يخرج أسرته كلها إلى خارج فلسطين ينسى فلسطين، بخلاف الذي يبقى مرتبطاً بأسرته ودياره فيها، ويعمل الأخ إسماعيل سائق حافلة ومدرب سائقين في وزارة المواصلات. وهو رجل يظهر عليه حب دينه وحب الصالحين، وقد ألح علينا أن نزوره في بيته ولكن الوقت ضيق فاعتذرنا له.

وقد ذكر لي الأخ إسماعيل بعض المعلومات عن مركز الجالية هذا فقال:

بدأ المركز في سنة 1969م والذين قاموا بإنشائه هم من المسلمين الباكستانيين والهنود ـ هكذا لا يستقر المسلمون الباكستانيون والهنود في مكان إلا أقاموا به مركزاً أو مسجداً ـ وهو مفتوح لكل المسلمين وكل النشاطات الإسلامية، ومن أهم أهدافه تجميع المسلمين ليكون لهم ثقل في هذا البلد، يمكنهم من أداء ما شرعه الله لهم.

ومن نشاطات المركز:

1- الدعوة إلى الله بين المسلمين وغيرهم.

2- توجد به مدرسة أسبوعية من الاثنين إلى الخميس بعد الدوام الرسمي للبلد، من الساعة السادسة مساء إلى الساعة الثامنة في الأيام العادية، وفي أيام الإجازة تكون الدراسة أسبوعية كل يوم أحد من الساعة العاشرة صباحا إلى الساعة الخامسة مساء.

ويكون للأولاد اجتماع لتعليم القرآن والحديث وقصص الصحابة ويحضر آباء الأولاد معهم، فيكون للكبار أيضا اجتماع عام والمنهج كما يلي:

- تعليم بعض أمور الدين.
- تفسير موضوع عام يهم المسلمين.
- تفسير آيات من القرآن الكريم، ثم صلاة الظهر والانصراف.
- نشاط رياضي للشباب، وإقامة مخيمات وكشافة ورحلات صيفية، والمسجد مفتوح يوميا من الساعة الثانية عشرة قبل الظهر إلى ما بعد صلاة العشاء.

وتوجد به قاعة للنشاط، يسمح لكل الجماعات الإسلامية أن يزاولوا نشاطهم الإسلامي فيها مجاناً. وتؤجر للمسلمين في بعض المناسبات والحفلات، بشرط عدم عمل شيء يخالف الإسلام فيها. وتتكون إدارة المركز من اللجنة التنفيذية، وعددهم أحد عشر عضوا، بما فيهم الرئيس، وتتفرع عنها أقسام أخرى حسب النشاطات، كل نشاط له مسؤول خاص.

وللمركز استمارة اشتراكات لمن يريد الانضمام والتمتع بالعضوية، وليس الهدف هو جمع المال ـ وان كان المركز في حاجة إليه ـ ولكن الهدف الأول معرفة عدد المشتركين فيه، ليسعى في تحقيق خدماتهم حسب الاستطاعة.

وأعضاء المركز المسجلون فيه قليلون جدا بالنسبة لعدد المسلمين، فلا يتجاوز عدد الأعضاء الثابتين أربعمائة مشترك، مع أن عدد المسلمين يتراوح ما بين سبعين وثمانين ألفا في هذه
المدينة من جنسيات مختلفة.

وقد يكون بعضهم مشتركا في مركز آخر، لتباعد مساكنهم ويرأس اللجنة التنفيذية ـ التي هي الجهة الأولى المسؤولة فيه ـ الدكتور أخطر حسين جاليا، وهذا المركز أحد المراكز الموجودة في أمريكا الشمالية التي يشرف عليها الاتحاد الإسلامي، ومركزه في مدينة إنديانا بولس الذي يشرف على الوقف الإسلامي والمراكز الإسلامية في أمريكا الشمالية.