مع الطلبة المسلمين في جامعة: بلمنتون.

وفي الساعة الرابعة مساء التقينا الأخوين السعوديين: الأخ عبد الرحمن بن هادي الشمراني، الذي ابتعثته وزارة التعليم العالي للتخصص في تدريس اللغة العربية لغير الناطقين بها، وهو يحضر الدكتوراه، وله ست سنوات في مدينة "بلمنتون" وقد قارب الانتهاء، والأخ جمعة عبد الرحيم العلاوي وهو متخصص في علوم الأرض (الجيولوجيا) ويمكن أن ينتهي من الدكتوراه بعد شهر، وله ثماني سنوات، ابتعثته جامعة الملك سعود في الرياض.

وكانا قد جاءا لنقلنا إلى بلمنتون للاجتماع بطلبة الجامعة هناك، وهي تبعد عن إنديانا بوليس خمسين ميلاً، واستغرق سيرنا بالسيارة ساعة تقريباً، كنا نسير والغابات تحيط بنا عن يمين وشمال، وكذلك المزارع ذات الجمال الأخاذ، وقد صلينا معهم العصر، ثم ذهبنا للتجول في البلد، وهو مدينة جامعية، ويبلغ عدد طلاب جامعة " بلمنتون " ثلاثة وثلاثين ألف طالب، وبالجامعة مائتان وخمس وعشرون منظمة طلابية، وفيها من الكليات: كلية الآداب والعلوم وكلية التربية، وكلية الأعمال الإدارية، وكلية التجارة، وفي كلية الآداب قسم دراسات الشرق الأدنى، تدرس فيه الأديان، وفيه يدرس الأستاذ العراقي الدكتور سلمان حسن العاني،الذي تخرج في قسم علم اللغة، ودرس في جامعة مغيل في كندا في مدينة مونتريال، ومكث عشر سنوات يدرّس في جامعة مغيل، وهو الآن يدرس في هذه الجامعة جامعة "بلمنتون" منذ ثلاث عشرة سنة، وزوجته كانت نصرانية وقد أسلمت، وله أولاد مسلمون.

وقسم دراسات الشرق الأدنى أنشأه الدكتور وديع جودة، وهو عراقي نصراني، تقاعد هذه السنة، وقد مضى لإنشاء هذا القسم اثنتان وعشرون سنة، وعدد الطلبة المسلمين في الجامعة ستمائة طالب، أغلبهم من ماليزيا، والكثير منهم غير صالحين، لأنهم لا يلتزمون بمبادئ دينهم. والذي يُدرِّس الإسلام مستشرق أمريكي، وله كتاب عن الدين الإسلامي، وهو يدرس الإسلام من وجهة النظر الصوفية.

وكان عنده طالب يتلقى عنه الإسلام من وجهة النظر الصوفية، وقد التقى الأخ عبد الرحمن الشمراني الطالب المذكور، وبين له عدم صحة تلك النظرية وأدلة بطلانها، وكان الطالب يذكر للأستاذ نقد ما يقرره له، فعرف الأستاذ أن شخصًا مّا يلقنه وجهة نظر السلف الصالح، وبخاصة توجيهات شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن قيم الجوزية، فتضايق الأستاذ من الطالب الذي أصبح متأثراً بوجهة النظر الصحيحة، وقال له: من كان يريد المذهب الوهابي فليذهب إلى المبنى رقم كذا في شارع كذا، وهو يعني المسجد الذي يجتمع فيه الطلبة المسلمون، ومنهم الأخ الشمراني.

وذكر الأخ الشمراني أنه ناقش هذا الأستاذ ذات مرة وذكر له الأدلة، فقال له: هذه وجهة نظرك، ويقال: إن هذا الأستاذ مسلم على المذهب الصوفي ويكتم إيمانه.

نشأت جامعة "بلمنتون" في أول القرن التاسع عشر الميلادي. ومن نشاطات الطلبة المسلمين في المسجد: إقامة الصلوات الخمس وصلاة الجمعة، والاجتماعات للحلقات العلمية والمحاضرات واستقدام المحاضرين من ولايات أخرى، وغير ذلك.

أما نشاطهم الموجه لغير المسلمين فمنه:

1 ـ ساعة قهوة يوم الأحد، يدعون لها غير المسلمين من زملائهم، ويعد أحدُ الإخوة موضوعا عن بعض المعاني الإسلامية، ويدار حوله النقاش.

2 ـ إلقاء محاضرات عامة في الجامعة، وتوجه دعوة عامة لحضورها، ويحضرها عدد من غير المسلمين، وتعالج في هذه المحاضرات قضايا تهم الأمريكان، كالحرية وحقوق الإنسان وحقوق الحيوان.
3 ـ إعداد منشورات ووضعها على طاولات وتوزيعها، وإذا رغب أحد في التعرف على الإسلام يعطي بعض الكتب المفيدة في ذلك.

وأخبرنا الإخوة أنه أسلم قبل أسبوع شاب أمريكي أبيض من طلبة الجامعة، تعرف على الإسلام عن طريق فتاة ماليزية غير ملتزمة، كانت تذكر له ما تعرفه عن الإسلام.

أخذنا هذه المعلومات من الأخوين الشمراني والعلاوي ونحن نتجول بالسيارة حول مباني الجامعة وأقسامها في "بلمنتون" ثم ذهبنا لزيارة الأخ الصالح: صالح بن إبراهيم الصنيع الذي ابتعثته جامعة الملك سعود، لدراسة علم النفس التربوي. وكان قد أعد لنا السفرة العربية التي أساسها الكبسة، ودارت أحاديث شيقة في منزله.

ثم عدنا إلى المسجد فصلينا المغرب، وبعد الصلاة، طلب منا الإخوة حديثين، فلبينا رغبتهم وكان الحديثان يدوران حول وجوب التفقه في الدين، والعمل بالعلم، والدعوة إلى الإسلام بشروطها والتعاون، وعن غربة الإسلام أولا، ثم انتشاره في فترة قصيرة في القرن الأول، ثم فتح الباب للأسئلة والإجابة عنها.

وكانت أسئلة الإخوة دالة على وعيهم ورغبتهم الشديدة في إعلاء كلمة الله، وإنهم لفي أمس الحاجة إلى علماء يفقهونهم في الدين، وانتهت الجلسة في الساعة العاشرة مساء.

ورافقنا الأَخَوان: عبد الرحمن الشمراني وجمعة العلاوي من بلمنتون إلى إنديانا بولس، ليؤديا الأمانة إلى أهلها، وكانا في أغلب الطريق يسألان عن كثير من الأمور الإسلامية، وكان النقاش مفيدا وممتعا، حتى إننا لم نشعر بمسافة الطريق، أوصلانا إلى الفندق، وودعانا وودعناهما على أمل اللقاء بهما في بلادنا الغالية: بلاد الحرمين الشريفين، ودعونا الله لهما أن يعودا إلى بلادهما بعلم نافع سالم من عفن الأفكار الغربية التي لا ينجو منها كثير من أبناء المسلمين الذين يتلقون تعليمهم هناك...

الخميس: 23/10/1405ﻫ.

ترتيب الحجز.

عندما ذهبنا بالأمس من إنديانا إلى بلمنتون، كنا قد اطمأننا على أن الحجز قد تم لجميع المدن الأمريكية التي سنزورها، ولكنا في صباح هذا اليوم الخميس الذي كان من المقرر أن نسافر فيه في الساعة التاسعة إلى ديترويت، فوجئنا بأن حجز الصباح قد ألغي لحاجة موظفي الخطوط إلى الاتصال بالخطوط السعودية لتحويل تذاكرنا ـ وهي دولية ـ إلى محلية فلم يسرنا ذلك خشية من عدم انتظام منهج رحلتنا الذي اتفق عليه مع الإخوة في كل مدينة من تلك المدن.

وفي الساعة الحادية عشرة والنصف جاءنا الأخ أمجد مروان كم ألماز والدكتور عبد الهادي صاحب: "كل شيء جاهز" فذهبنا إلى الشركة وتم الحجز إلى كل المدن الأمريكية، إلا أن التحويل لم يتم إلا لتذاكرنا من شيكاغو إلى واشنطن، وحول السفر إلى شيكاغو أولاً، بدلاً من السفر إلى ديترويت، لكون خط السير هكذا: إنديانا ـ شيكاغو ـ ديترويت ـ واشنطن.

وشهد شاهد من أهلها!

عندما وقفنا أمام موظف شركة الخطوط، وهو يعين مقاعدنا في الطائرة، قال: هل يشربون الدخان؟ فقيل له: لا، قال: ولا يشربون الخمر؟ أيضا قيل له: لا، فقال وهو يضحك: إن في شرب الخمر مذلة، وأنا كنت أتوقع أن مثل هذه الوجوه لا تشرب الدخان والخمر، وإنما أحببت أن أتحقق حسب نظام وظيفتي. قلت: الحمد لله، فقد شهد عليها شاهد من أهلها!

لماذا لا يريد العرب الاتفاق مع إسرائيل؟! [هذا السؤال كان مناسبا تلك الأيام - في ظاهر الأمر - أما اليوم في عهد نتنياهو - والعرب يركضون ركضاً وراء الاستسلام الذي يسمونه السلام - فالسؤال المناسب: لماذا لا يريد اليهود الاتفاق مع العرب؟!]

لماذا لا يريد العرب الصلح مع إسرائيل؟

قال الموظف: هل تسمحون لي أن أتحدث معكم؟ فقلنا: تفضل، فقال: إن الاتفاق الذي تم بين إسرائيل ومحمد أنور السادات كان أملاً كبيرا للغرب، ولكنه عندما قتل لم نجد صديقاً مثله، ثم سأل: لماذا لا يريد العرب الاتفاق مع إسرائيل؟!.

فقلت له: إذا سمعت أي اتفاق تم مع إسرائيل، فاعلم أنه اتفاق مفروض على الشعوب الإسلامية فرضاً، من قبل الحاكم الذي يتفق مع اليهود، وأن الشعوب الإسلامية لا يمكن أن ترضى ببقاء اليهود في المنطقة إلا بالقهر والغلبة، لأن اليهود احتلوا أرض المسلمين واغتصبوها وشردوا أهلها، وهم جسم غريب في هذه المنطقة، ويطمعون في السيطرة على الشعوب الإسلامية مادياً وفكرياً، ولكن مهما طال بقاؤهم، فلابد من مجيء اليوم الذي يطردون فيه من هذا البلد طرداً، ولو كان في الوقت متسع لتحدثنا معك في هذا الموضوع أكثر.

وبعد أن خرجنا من عنده وركبنا السيارة، وكان الأخ أمجد لا زال عنده قال له: إني أحب أن أجلس معهم إن كان عندهم وقت، لأعلم سبب هذا الحماس للإسلام في بلاد المسلمين، فجاء الأخ أمجد وأخبرنا، فقلنا: لا مانع عندنا ورجعنا إلى القاعة، وكان الوقت وقت فراغ عند الرجل ليتناول فيه طعام الإفطار، فجلسنا معه في المطعم وجاء معه بكشف خط السير مطبوعا على الكمبيوتر، وأخذ ما يريد من الطعام لنفسه وقعد، وكان جل همه أن يعرف لماذا لا يريد العرب الصلح مع إسرائيل؟‍

وتحدث معه الشيخ عن بعض معاني الإسلام وعن بعض مضار الخمر، فقال هو: إنه مقتنع بأن شرب الخمر مضر إلا إذا كان قليلاً، فقال له الشيخ: إن الذي يشرب القليل لا يمنعه مانع من القليل والقليل

حتى يصبح بركة في جسم الإنسان، فاعترف ثم رجع إلى ما يهمه وهو أمر اليهود فقال: إن فرعون هو الذي طرد موسى وقومه من مصر فلهم حق في هذا البلد؟.

فقلت له: إن مثل قولك هذا كمثل احتلالكم لأمريكا وهي في الأصل للهنود الحمر فيجب أن تغادروها وتتركوها لأهلها الأصليين، فقال: أنا أعترف بأنا ظلمناهم وأنتم يجب أن تسمحوا لليهود في البقاء.

قلت له: إن المسلمين أخذوا بلاد فارس وأجزاء من بلاد الروم، ومنها ـ في تلك الأيام فلسطين، وكان أخذهم لها مشروعاً وأخذوها من النصارى، وليس من اليهود، وكان الإسلام حصنا يحمى اليهود من ظلم النصارى، ولم يؤدبهم المسلمون إلا عندما اعتدوا عليهم.

ثم كرر الرجل القول: بأن اليهود مظلومون، فقلت له: السبب في هذا التصور عندكم أن لليهود نفوذاً في بلادكم، وأجهزة الإعلام عندكم ظالمة، لأنها تتحدث من وجهة نظر اليهود، وأنتم لا تعلمون وجهة نظر المسلمين، لعدم وجود وسائل توصل إليكم ذلك، لهذا أنتم متحيزون مع اليهود، فقال: إن من عادة الأمريكان أن يهتموا بمشكلاتهم الداخلية، ولا يهتموا بالخارج قلت له: ولكن حكامكم مهتمون باليهود اهتماماً جعلهم يقفون معهم بالحق وبالباطل، وإذا كان بعض أفراد الشعب الأمريكي كما تقول لا يعلمون الحقائق ولا يهتمون بالخارج، فالواجب أن لا يحكموا على المسلمين أنهم معتدون وهم لا يعلمون، لأن الحكم على الشيء فرع عن تصوره.

وقال له الشيخ: إن الدول الكبرى ترغب في إبقاء هذه المشكلة حتى تصنع السلاح لليهود وتمدهم بالرجال والمال. ثم كررت له القول: إن اليهود ظلمة مغتصبون وإنهم يستحقون الطرد من بلاد المسلمين، لأنهم هم الذين أخرجوا المسلمين من ديارهم، وإذا ما حدث أن خضع لهم بعض حكام الشعوب الإسلامية فتصالحوا معهم، فإن الشعوب الإسلامية سوف لا تسكت على ذلك، وسيأتي اليوم الذي لا تقدر فيه أمريكا ولا من يناصر اليهود أن يقفوا أمام جحافل الجهاد في سبيل الله الذين سينصرهم الله على اليهود وأعوانهم. عندئذ نظر الرجل إلى ساعته، وقال: معذرة قد جاء وقت عملي، ثم ودعنا وذهب.

نأخذ من هذه القصة ما يأتي:

1 ـ أن الشعوب الكافرة لم تعرف الإسلام ولم يبلغوه.
2 ـ أن كثيرا منهم لا يعلمون حقيقة الأمر في قضية فلسطين.
3 ـ أن أدمغتهم قد ملئت بأن اليهود مظلومون والعرب ظالمون.
4 ـ تقصير المسلمين في تبليغ دينهم، وإظهار ظلم أعدائهم. وقد وعده الأخ أمجد موظف الخطوط هذا أن يهدي إليه نسخة من ترجمة معاني القرآن.

وداع المسؤولين في المركز الإسلامي.

ذهبنا بعد ذلك إلى المركز الإسلامي، فصلينا الظهر والعصر جمعاً وقصراً والتقينا مرة أخرى بعض الإخوان في المسجد ومنهم الدكتور إقبال، ووجدنا الأخ الدكتور محمود رشدان الذي جاء زائرا مع أهله، وليتفقد العمل الإسلامي ومشروعاته التي شارك فيها، وبذل في التخطيط لها وتنفيذها، جهودا يشكر عليها في وقت كانت هذه المشروعات شبيهة بحلم النائم.

ودعناهم وذهبنا مع الأستاذ زينهم الذي تعلق بنا وتعلقنا به وحق لنا ذلك جميعا، لأن الرجل مسؤول عن العلاقات العامة وعاطفته نحونا كانت جياشة فأحببناه وأحبنا.

الاستقامة على الحق تجلب الاحترام.

ذهب بنا إلى مطعم تناولنا فيه الغداء، ثم ألح علينا في أن نزور بيته لنشرب الشاي، فلبينا رغبته وهو يسكن في منطقة هادئة لا تبعد كثيرا عن المطار، يقيم هو وزوجته وابنته التي تعاني مشقة في دراستها مع الأمريكان، حيث يستهزئون بها للباسها المحتشم، وعمرها ثلاثة عشر عاماً، ولكنها صمدت أمام تلك السخرية وحاولت إقناع زميلاتها بأن دينها يحتم عليها ذلك، وقد استطاعت أن تجعلهن ينظرن إليها نظرة احترام، حتى إن بعض زميلاتها إذا رأين خمارها انحسر عن رأسها ينبهنها إلى ذلك.

[/color]