السفر إلى إنديانا بولس

الثلاثاء: 21/10/1405ﻫ.

في الساعة العاشرة من صباح هذا اليوم: الثلاثاء ذهبنا إلى شركة الخطوط الأمريكية (إير أمريكان) ليحجزوا لنا جميع رحلاتنا الباقية: ابتداء بشيكاغو، وانتهاء بالمدينة المنورة، وهي كالآتي: (شيكاغو ـ إنديانا بولس ـ ديترويت ـ واشنطن ـ أتلنتا ـ تلاهاسي ـ بنماستي ـ ميامي ـ لوس إنجلوس ـ سانفرانسسكو ـ مدريد ـ الدار البيضاء ـ جدة ـ المدينة المنورة).

أخذ الموظف تذاكر السفر، واتصل بالشركة في أمريكا وأعطاهم خط السير، وأرقام التذاكر، وقيمتها، وقال لنا بعد أن أمضى ما يقارب الساعة: أمهلوني حتى يأتي جواب الشركة فيما يتعلق بالقيمة، أهي كافية أم لا؟.

فذهبنا إلى الفندق لأخذ حقائبنا ومحاسبة الموظفين، وعندما جئنا إلى الفندق لم نجد ثيابنا التي أعطيناهم بالأمس لغسلها، ووعدوا أنها ستجهز الآن، كنا في حاجة إلى السفر وهم يسوفون، وبعد أن مضى نصف ساعة تحققنا أنها لا زالت في المغسلة، فحاسبناهم، ووكلنا الأخ رضوان في تسلمها وبعثها إلى ولد الشيخ في تلاهاسي.

والفندق ملك لجماعة من الصينيين، وموظفيه كلهم من الصين، ولهذا بدا عليهم أثر الكسل الآسيوي في كثير من خدماتهم في الفندق.

ذهبنا إلى صاحبنا ـ موظف الخطوط ـ فقال: إن السعر المطلوب منكم زيادة على ما في التذاكر سبعمائة دولار على كل تذكرة، قلنا: لماذا؟ قال: لأنكم طلبتم تغيير التذاكر من مونتريال إلى شيكاغو، بدلاً من إنديانا بولس وقد تم الحجز لكل المدن التي تريدون، وسلَّمَنا بياناً مطبوعاً على الكمبيوتر بأرقام الرحلات، وأسماء الشركات، والبلدان، والتواريخ.

فقلنا: لا حاجة إلى التغيير، فلنذهب إلى إنديانا بولس إن كان في الإمكان، فقال: نعم، وألغى ذلك

الحجز الطويل دون أي امتعاض أو تأثر، واتصل بشركة في المطار، وحجز لنا إلى إنديانا بوليس، وأسرعنا إلى المطار فأخذوا ـ حقائبنا وسلمونا بطاقات الصعود، ومرنا بنقاط عبور المسافرين في القاعة، وودعنا الأخ رضوان بعد أن اطمأن على انتهاء الإجراءات وأسرع في العودة إلى منزله وتمنينا بعد ذلك أن لا يكون غادر قاعة المطار، وكان السبب في إسراعه أنه يريد أن يتصل هاتفيا ببعض الإخوة في إنديانا نظرا لمفاجأة تغير السير من شيكاغو إلى إنديانا.

الميجر الحاقد!

في آخر نقطة من نقاط العبور إلى باب الخروج إلى الطائرة، مررنا بالميجر الحاقد الذي لمسنا منه حقداً أشبه ما يكون بحقد اليهود على المسلمين.

سألني سؤالا فلم أفهمه، لقلة بضاعة اللغة عندي، ولأكلهم الحروف أكلا عندما يتحدثون، فقال: هل تتكلم الإنجليزية؟ قلت: لا، وكان هذا سلاحنا في كثير من المطارات، إذا قلنا: (نو سبيك إنجلش) أشفقوا علينا وساعدونا أو تركونا.

أما الميجر الحاقد ذو الوجه العابس الذي لا يعلوه البشر، فقد عكس القاعدة، فأخذ بطاقات صعود الطائرة وضرب عليها بقلمه إشارة إلى إلغاء سفرنا على هذه الرحلة، وأشار لنا بأن نرجع إلى موظفي الخطوط الجوية.

رجعنا إلى الموظف، وقلت له: نحن لا نتكلم الإنجليزية. وأطلعته على ما فعل إبليس بالبطاقات، فقال لي الموظف: أين صديقكم الذي كان معكم قبل قليل؟ قلت له: رجع إلى بيته. فقال: هل تعرفون اسمه؟ قلت: نعم، فأخبرته باسمه، فأخذ يناديه بواسطة مكبر الصوت، ولكن الأخ رضوان قد غادر المطار، وكنا نظن أن الطائرة قد غادرت المطار أيضا.

تغدو خماصاً وتروح بطاناً.

وتحر ك الشيخ مسرعاً إلى موقف السيارات، لعله يجد الأخ رضوان، فلم يدركه، ثم كر راجعا إليَّ، وفي طريقه رأى خمسة من ذوي اللحى الموفرة، والعمائم المكورة، يدخلون من باب القاعة، في تلك الساعة، فأسرع إليهم مهرولاً، وعلى الله متوكلاً، فقال رافعاً صوته بعد السلام: أيها الإخوة الكرام، فقالوا له: وعليكم السلام ورحمة الله يا عبد الله، فقال لكبيرهم ظناً منه أنه أميرهم: هل تتكلم العربية؟ فقال: سنتكلم بما يسر الله بها وباللغة الإنجليزية، وكان كلامه قد أضحى باللغة العربية الفصحى، فقال له الشيخ حاثاً له على المساعدة والمعونة: أنا من أهل المدينة، ففرحوا به وقالوا: تلك بلد النور والسكينة، ورحبوا به ترحيباً شديداً، وأكدوا له تلبية طلبه تأكيداً.

وجاء الشيخ إلى تلميذه المنتظِر وقال له: أبشر فقد جاء الفرج بأمر قد قُدِر، وكان قابضا بيده على مظفّر [الباكستاني الذي جاء به ليترجم بيننا وبين الميجر الحاقد.] الذي لو حاول الإفلات منه لما كان له منه من مفر.! وكان الرجال الخمسة من جماعة التبليغ الباكستانيين، وقلت للشيخ عندما جاء: لقد توكلت على الله حق توكله، كالطير التي تغدو خماصاً وتروح بطاناً.

يوم اللطف..!

وفرح الموظف التابع لشركة الخطوط بالصيد الذي جاء به الشيخ، وأظهر لنا لطفه معنا، فصحبنا مسرعا إلى الميجر وتخطى الروتين في النقاط، وعندما جئنا إلى الضابط بدأ يتلكأ، وسألنا بعض الأسئلة التي ظهر لنا منه أنه كان خائفا أن نكون من مختطفي الطائرات والمهاجمين لبعض الشخصيات، ولعل السبب هو ما كان يفعله الشيعة من الاختطافات وغيرها.

وكان من أسئلته التي سألنا: كيف عرف بعضكما بعضاً؟ ثم ختم التذاكر، ودخلنا قاعة الانتظار، ثم صعدنا بعد قليل إلى الطائرة، وحمدنا الله الذي يسر لنا ولطف بنا، كما قال الشيخ: هذا يوم اللطف!.
أقلعت بنا الطائرة من مطار مونتريال في الساعة الثانية والدقيقة الرابعة والعشرين.

إنها هي يا شيخ!

كنا نظن أن طائرتنا ستهبط في مطار شيكاغو، لننتقل إلى طائرة أخرى تقلع إلى إنديانا بولس، وعندما بدأت تهبط رويدا رويدًا نظرت من النافذة، فإذا أنا أرى على يساري الفندق الذي نزلنا به قبل سبع سنوات في مدينة ديترويت، والبرج التابع له الذي يوجد بأعلاه طابق متحرك يدور بالناس وهم يأكلون ويشربون، والنهر الذي يفصل بين أمريكا وكندا، ولم يساورني شك في ذلك.

فقلت للشيخ: إن الطائرة تهبط في مطار ديترويت وليس في مطار شيكاغو، فقال: وما يدريك؟ قلت: رأيت كل المعالم التي كنت رأيتها في رحلتي السابقة، فقال: إن المدن تتشابه، قلت: مهما تشابهت فإن هذه ديترويت، ورأيت عندئذ الجسر الحديدي المعلق على النهر الذي تعبر عليه السيارات بين البلدين أمريكا وكندا، فأكدت للشيخ أن هذه ديترويت، فقال: هم قالوا لنا أن الطائرة ستهبط في مطار شيكاغو، فقلت: ولكنها هي يا شيخ، أي ديترويت، وعندما هبطت الطائرة في المطار اتضح فعلا أنها مدينة ديترويت، وكان هبوطها في الساعة الرابعة والدقيقة السابعة فكانت مدةُ الطيران بين مونتريال وديترويت ساعة وثلاثاً وأربعين دقيقة.

وكان مطار ديترويت مزدحما بالطائرات، ترى قافلة منها قد نزلت، كل واحدة وراء الثانية، كالسيارات في شوارع المدن، تنتظر أن يؤذن لها بالاقتراب من مقر وقوفها بجوار مبنى المطار لإنزال ركابها، وترى عددا آخر كذلك وراء بعض تنتظر الإذن بالإقلاع، وترى عددا آخر في الجو، هذه تهبط وهذه تقلع، في حركة دائبة لا توجد عندنا إلا في أيام الحج في مطار الملك عبد العزيز الدولي في جدة.

و تأخر نزول طائرتنا بسبب الزحام، وعندما أذن لها أن تقترب نزلنا، فدخلنا القاعة، وأرينا الموظفة بطاقاتنا فأشارت لنا إلى ممر، فولجنا به فإذا هو يؤدي بنا إلى الطائرة التي سنسافر بها إلى إنديانا بولس، وما إن أخذنا مقاعدنا حتى تحركت مقلعة في الساعة الخامسة والدقيقة الخامسة عشرة، ووصلنا إلى مطار إنديانا بولس في الساعة السادسة إلا خمس دقائق، فكانت مدة الطيران من ديترويت إلى إنديانا أربعين دقيقة. والتوقيت كان بتوقيت مونتريال، و الفرق بين توقيت مونتريال وإنديانا بولس ساعة واحدة، ناقص في إنديانا.