الرحلة الثانية للولايات المتحدة الأمريكية 1405 ﻫ ـ 1985م

الاثنين: 6/10/1405ﻫ

أقلعت بنا الطائرة السعودية "بوينج" من مطار الملك عبد العزيز الدولي في الساعة الثالثة ـ تقريباً ـ بعد منتصف الليل.

ملحوظة: إذا أطلقت لفظ الشيخ في هذا الكتاب فالمراد به فضيلة الشيخ عمر بن محمد فلاتة، رحمه الله، لورود ذكره كثيراً [وكذلك في رحلاتي إلى سنغافورة واستراليا وسريلانكا ونيوزيلندا من هذه السلسلة.].

معركة الحقيبة.

كانت الحقيبة اليدوية التي أخذَتْ عهداً من لسان حال الشيخ، أن لا يفارقها طيلة أيام سفره، حدَبا عليها، لا لذاتها بل لما فيها وكأنه يقول لها:

أمر على الديار ديار سلمى،،،،،،،،،،أقبل ذا الجدار وذا الجدارا
وما حب الديار شغفن قلبي،،،،،،،،،ولكن حب من سكن الديارا

كانت الحقيبة كبيرة، لم يتسع لها المكان المعد لحقائب المسافرين اليدوية تحت المقعد، فوضعها الشيخ إمامه، ولكن المضيفة عندما رأتها جاءت لأخذها ووضعها في مكان آخر توضع فيه أمثالها، ولا يراها الشيخ في ذلك المكان لأنه بعيد عنه نسبياً، فتمسك بحقيبته ورفض أن يعطيها، ورفضت هي أن تتركها له.

فلما أعياها استعانت بمضيف لمعرفتها أن الرجل لا يقابله إلا رجل، ولكن الشيخ كان أصلب من صاحبها، فقد حاول المضيف أن يأذن الشيخ بوضع الحقيبة في مكان آخر، وطمأنه كثيرا أن لا يخاف عليها، ولكن الشيخ لم يزد على قوله له: لا، اتركها هنا ويشير بيده إليها أمامه، واهتدى المضيف إلى حل وسط قَبِلَه الشيخ، حيث أشار إلى مكان لا تزيد مسافته عن مترين يصلح لأن يكون مكاناً لوضع الحقيبة فيه، وتكون أمام الشيخ ينظر إليها بعينيه ويستطيع إسعاف حقيبته إن أراد أحد مد يده إليها، مع العلم أن الأصل الأمان، وهنا انتهت المعركة بين الطرفين. ولكن نظرات الشيخ كانت تتابع حقيبته، ما لم تصبه غفوة من غفواته.

ومما لا شك فيه أن حقيبة مثل هذه، لا يجوز التفريط فيها لأن وسائل السفر وهدايا الأحبة كانت فيها، والرسول صَلى الله عليه وسلم، يقول: "احرص على ما ينفعك واستعن بالله".

مصيبة في الجو أيام زمان!

بهذه المناسبة ذكر لي فضيلة الشيخ قصة ركوبه في طائرة من الرياض إلى المدينة المنورة عام 1371ﻫ قال: أقلت طائرةُ الملكِ الأميرَ طلالاً إلى مدينة الرياض، ثم تقرر سفرها إلى المدينة، والشيخ يريد السفر إليها من الرياض، فيسر الله له السفر عليها، وعندما استوت في الجو -وكانت طائرات ذلك الزمان تهتز مرتفعة ومنخفضة- رأى الشيخُ الطيارَ ترك مقعده وقعد على أحد كراسي المسافرين واستراح، وظن الشيخ أن الطيار يئس من السيطرة على الطائرة، وأنه أراد أن يغطي على عينه بإغماضهما ليحصل الحادث وهو لا يشاهده، فكان ذلك أمرا مزعجا للشيخ الذي أخذ يذكر الله ويستعد للقائه!

واحتاج الشيخ للدخول إلى الحمام، وعندما دخل وقضى حاجته والطائرة تهتز وقلبه يباري في خفقانه اهتزازها، أراد أن يخرج من الحمام لعدم استطاعته فتح الباب في أول الأمر، فكانت مصيبة أخرى: موت في الجو وفي بطن المرحاض؟! ولكن الله سلم فخرج الشيخ ووجد الطيار يمارس عمله، تأمل الفرق بين طائرات ما قبل خمس عشرة سنة من تاريخ ذكر الشيخ الأمر وطائرات اليوم.

ومضت طائرتنا "بوينج" تنهب الجو - مع الاستقرار وعدم الاهتزاز - ونحن نتناول ما طاب لنا من الطعام والفواكه وأنواع العصير، ويفوقني الشيخ بشرب الشاي والقهوة، نتحدث تارة، ونغفو أخرى إلى أن تنفس صبح يوم الثلاثاء، فصلينا الفجر..

في مدينة نيويورك.


الثلاثاء: 7/10/1405ﻫ الموافق: 25/6/1985م.

وكان هبوط الطائرة في مطار نيويورك الدولي في الساعة الثامنة صباحاً بتوقيت نيويورك الصيفي، وهو يوافق الساعة الثالثة بعد الظهر بتوقيت المملكة، والفرق بين التوقيتين سبع ساعات.

استقبلنا في المطار الشاب المسلم النشيط في الدعوة إلى الله أسامة بن جمال خليفة، الذي عين حديثا مديرا لمكتب رابطة العالم الإسلامي في كند [ثم أصبح مديرا لمكتب الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي فيما بعد، ثم استقال واشتغل فيما يسمى بالأعمال الحرة، وقد أحسن صنعا بإخراج أفلام أطفال كرتونية إسلامية مفيدة …] وهو يدير عمله في كندا من مكتب الرابطة في نيويورك، لعدم اكتمال الإجراءات الرسمية لفتح المكتب في كندا، ومعه الأستاذ شميم الهندي من موظفي الرابطة.

نقلنا الإخوان إلى قلب مدينة نيويورك، للنزول في فندق هارلي الذي يقع بالقرب من مبنى هيئة الأمم المتحدة، وكانوا قد حجزوا لنا غرفتين في الطابق السابع عشر من الفندق وهومن الفنادق الغالية التي يرغب فيها الناس، إما للأمن الذي يشترى في الغرب-وبخاصة في بعض مدنه، ومنها نيويورك-بالدولار، وإما لأمور أخرى عافانا الله منها.




وقبل أن ننزل من سيارتنا شاهدنا أمام الفندق عددا من الناس واقفين على الرصيف، وضعت بينهم وبين الفندق حواجز متنقلة وبحوارها عدد من الجنود الذين يحملون بأيديهم عصياً، وهم مسلحون بمسدسات، وكان أولئك المحجوزون يصيحون ويرفعون أيديهم ويتضاحكون، ويهزؤون فسألنا عنهم الأخ أسامة، فقال: هؤلاء موظفو الفندق أضربوا عن العمل بسبب عدم رفع أجورهم، يبقون هنا بالتناوب أربعاً وعشرين ساعة يومياً، حتى يتم الاتفاق بينهم وبين شركة الفندق، وقد أضطر الفندق إلى قفل المطعم وبعض المرافق بسبب ذلك.

فقلت: اللهم سلمنا من هؤلاء الذين قد تثور ثائرتهم ويتظاهرون، ويقومون بحرق الفندق الذي سندفع له مبالغ ليست يسيرة من أجل الأمن! فقال الأخ أسامة: إن هؤلاء الجنود دائماً بجوارهم لمنعهم من الاعتداء، فهم لا يتجاوزون هذا الحاجز.

في مبنى هيئة الأمم المتحدة.

تركنا الأخ أسامة لنأخذ قسطاً من الراحة، على أن يعود إلينا في الساعة الواحدة والنصف بعد الظهر، فأسلمنا أرواحنا لبارئها حتى جاء الأخ أسامة في موعده، واصطحبنا إلى مبنى هيئة الأمم المتحدة، لتناول وجبة الغداء التي أقامها لنا مكتب الرابطة في نيويورك، وعلى رأس أعضاء المكتب مديره الدكتور فهد نصار، ومنهم الأستاذ عبد الله عبد الرحمن نور الذي كان سفيراً لأثيوبيا في المملكة العربية السعودية في عهد هيلاسلاسي، ثم التحق بعد الثورة الشيوعية برابطة العالم الإسلامي في مكة المكرمة، وهو الآن مسؤول عن الإعلام والترجمة بمكتب الرابطة في نيويورك.

جولة في مبنى هيئة الأمم المتحدة.

وبعد تناول طعام الغداء وتبادل الأحاديث، ذهبنا نتجول في المبنى، لنرى ألوانا من الإعلانات والاحتجاجات الملصقة بجدران المبنى: صور ذوي البؤس الذين أهلكهم الجوع والمرض والحروب المدمرة في شتى بلاد العالم، ومن ذلك آثار القنابل الذرية في اليابان، ومن ضمن تلك الآثار ساعة حائط وقفت عقاربها عن الحركة عندما ألقيت قنابل الدمار، وهي تشير إلى الساعة الثالثة والدقيقة الأربعين، وكانت الساعة في نيويورك عندما وقفنا أمام ساعة اليابان تشير إلى نفس الوقت، ولكنا لم نتطير بها لنهي الرسول صَلى الله عليه وسلم، عن الطيرة.

مررنا بقاعة اجتماعات هيئة الأمم المتحدة، وكان بها عدد من الناس في اجتماع غير موسع.
ثم ذهبنا إلى مقر مجلس الأمن الذي خصص في واقع الأمر لأمن الدول الخمس الدائمة العضوية التي يحق لكل منها أن تقول: نعم، ولو قال الجميع: لا. وأن تقول: لا، ولو قال الجميع: نعم!

الملعب السياسي المخيف!

وقد شبهت هذا المجلس بالملعب الرياضي، الذي يكون المتفرجون فيه على مدرجاته واللاعبون في وسطه، والحكام هم الذين يقررون مصير اللاعبين. إذ توجد في وسط صحن المجلس خمسة عشر مقعدا: خمسة دائمة، وهي الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا وبريطانيا وفرنسا والصين الشعبية، وعشرة يتناوب عليها دول العالم كله، تطبيقا للديمقراطية التي يكيل فيها الغرب بمكيالين جائرين، كما قال تعالى عن أمثالهم: {وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (1) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (2) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُون } [المطففين 1-3].

وشبهت المقاعد العشرة باللاعبين والمقاعد الخمسة بالحكم الظالم، الذي يخيف بقراراته اللاعبين والمتفرجين، بل يخيف سكان الكوكب الأرضي كله!.

كل إناء بما فيه ينضح.

واصلنا التجوال في ساحات المبنى الداخلية وممراته، وشاهدنا أنواعا من هدايا الدول التي علقت على الجدران، وكان من بينها قطعة من كسوة الكعبة التي أهديت في عهد الملك خالد رحمه الله، وهي بإطار جميل مطلي بماء الذهب، وقد وضع هذا الإطار محمد سالم باجنيد. كما ذكر لنا ذلك الإخوة المرافقون.

وقد شبهتها مع هدايا الدول الأخرى، بالكعبة نفسها عندما كانت تحيط بها الأوثان في أول البعثة، والتي جاء اليوم الذي حطمها رسول الله صَلى الله عليه وسلم، وهو يقول: {وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً} [الإسراء 8].

ومن الصور الملصقة صور رؤساء هيئة الأمم المتحدة الخمسة، وصور كثير من الزعماء والمشاركين الذين تولوا رئاسة بعض جلسات هيئة الأمم المتحدة.

و رجعنا إلى مكتب الرابطة، حيث أجرى معنا الأستاذ عبد الله عبد الرحمن نور مقابلة صحفية عن أهداف زيارتنا وانطباعاتنا ونصائحنا للمسلمين هنا، وطلب الإجابة عن بعض الشبهات التي يثيرها اليهود وغيرهم ضد الإسلام والمسلمين وما يجب أن يتخذه المسلمون حيال ذلك، كما أخذ بعض المعلومات عن الجامعة الإسلامية ومجلس شئون الدعوة بها.
ثم رجعنا إلى الفندق في الساعة السادسة بعد أن اتفقنا معهم أن يضعوا لنا منهاج عمل لزيارة المراكز والمساجد في نيويورك ليوم غد.