الأحد الموافق 18/8/1398ﻫ

السفر من لوس إنجلوس إلى طوكيو.

جاء إلينا الأخ تاج الدين شعيب مبكرا، وبعد أن حاسبنا موظفي الفندق، ذهبنا إلى مطار لوس إنجلوس الدولي، و أخذ الموظف المختص حقائبنا الكبيرة كالعادة في باب مبنى المطار وسلمنا البطاقات ذات الأرقام، ودخلنا إلى الموظف المختص لأخذ بطاقات دخول الطائرة، وكنت أظن أن هناك موظفين آخرين مختصين بالجوازات للتأشيرة الخاصة بالخروج، ولكن الموظف الذي أجرى معاملة التذاكر هو الذي أنهى معاملة الجوازات. كان الموظف المختص في الطائرة التي حملتنا من لندن إلى نيويورك قد كتب المعلومات اللازمة في بطاقات، وألصق بجواز كل منا البطاقة الخاصة به وأخذ صورة لكل منها.

وفي مطار لوس إنجلوس لم يزد الموظف على المقارنة بين البطاقة الملصقة بالجواز والبطاقة الموجودة عنده وهي صورة لها، ثم أخذ البطاقة الملصقة بالجواز ولم يختم على الجوازات. وكنا ننزل في الفنادق في جميع المدن الخمس الأمريكية، دون أن يطلبوا منا الجوازات أو مجرد ذكر الهوية، اكتفاء بالمعلومات التي أخذت منا عندما دخلنا البلاد، ثم إن كل فندق يعطي الجهات المختصة الاسم، وهي تسجله وكل ذلك يتم عن طريق الكومبيوتر.

إنهم على علم بتنقل المسافر ومعرفة مكان نزوله في المدينة، ولكن بدون أن يكثروا عليه الأسئلة وملء البطاقات بالمعلومات والتوقيعات. ودعنا الأخ تاج الدين شعيب ودخلنا في الطائرة وأخذنا مقاعدنا المخصصة لنا، وفي الساعة التاسعة والدقيقة الخامسة والأربعين أقلعت بنا الطائرة. [تغيرت الأحوال اليوم بعد حادثة 11سبتمبر، فأصبح الأبرياء يؤخذون من مساكنهم إلى المعتقلات أو السجون، أو الطرد من كثير من البلدان الغربية]

الكون يحرك المشاعر ـ حوار مع المحيط الهادي!

كان مقعدي بجوار النافذة التي بدأت أطل منها لأرى المحيط الهادي من الجو، بعد أن وقفت على جانبه الشرقي في غرب لوس إنجلوس في الأرض، ولكن السحب الكثيفة المتراكمة كانت تغطيه تماما، وهنا تحركت المشاعر فكتبت ما يلي:

أقلعت بنا الطائرة الأمريكية الضخمة ذات الطابقين التي تحمل أكثر من ثلاثمائة راكب، من مطار لوس إنجلوس إلى طوكيو في الساعة العاشرة إلا ربعاً صباحاً، ومعروف أن المسافة التي تقطعها الطائرة بين لوس إنجلوس واليابان كلها فوق المحيط الهادي، وكنت في اشتياق للتأمل في هذا المحيط الضخم الذي رأيته في الخريطة يأخذ مسافة واسعة من الكرة الأرضية.

لذلك صممنا أن يكون سفرنا بالنهار واشترطنا على شركة الخطوط أن نكون بجانب إحدى النوافذ، إنها فرصة لزيادة الإيمان بخالق الكون، كانت الطائرة تنهب الجو نهبا فتسابق الزمن لأننا نسير إلى الغرب، والشمس لا زالت في أول النهار، وكلما تقدمنا إلى الغرب كنا مبكرين.

وأخذت أنظر إلى المحيط لأرى أمواجه الهادرة وهي تتقلب كصفحات كتاب، فإذا السحاب يغطيه كله فلم أر شيئا منه، فقلت في نفسي نحن قمنا من نومنا في لوس إنجلوس مبكرين، لأننا مسافرون والوقت هنا لا زال مبكرا، فلعل المحيط لا يزال يغط في نومه ولذلك بقي مغطى بهذا السحاب المتراكم.

أنا زائر وزيارتي نادرة، ولو علم بزيارتي ومن أين جئت لما تردد في طرد النوم عنه وإبعاد الغطاء عن وجهه، ولعل في الشعر ما يوقظه بطرب وليس بإزعاج. وقد خاطبت السحاب طالبا منه الانكشاف عن المحيط الهادي فقلت:

وغدا السحاب مسجيا لمحيطه،،،،،،،،،،،،،،،،،،وكأنه في نومه يتقلب
طاب المنام له لطيب إقامة،،،،،،،،،،،،،،،،،،والأهدلي مسافر متأهب
لكنه متمتع بجمال ما،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،يرنو إليه لربه متأوب
يزداد في الكون الفسيح تأملا،،،،،،،،،،،،،،،،ليزيد إيمانا فأنى يتعب
يا سحب ما لك تحجبين مزورنا،،،،،،،،،وهو الشجاع أمثله يتحجب
وغناه يمنع بخله بل إنه،،،،،،،،،،،،،يعطي النفيس لكل من يتطلب
وأنا الغني بخالقي لا أبتغي،،،،،،،،،،،،،من غير شيئا يباع ويوهب
بل زائر ملكوته متزود،،،،،،،،،،،،،منه منه اليقين إذا أؤوب وأذهب
والله رب العالمين إلهنا،،،،،،،،،،،،،،،،فأمط لثامك أين منه المهرب
فصحا المحيط مكبرا ومهللا،،،،،،،،،،،،ويقول من هذا الذي يترقب
فأجبته إني لصنو قادم،،،،،،،،،،،،،من طيبة حيث الحبيب الأطيب
أصغى وأطرق ساكنا وكأنما،،،،،،،،،،،،دخل الصلاة مكبرا يتعجب
أومن مدينة خير من وطئ الثرى،،،،،،حقا أتيت إلى مرابع تندب(1)
فأجبته بهدى النبي أتيتكم،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،وإلى إله محمد أتقرب
أو ما سمعت ابن المبارك قائلا،،،،،،،،،لمجاور البيت الفضيل يهذب
يا عابد الحرمين لو أيصرتنا،،،،،،،،،،،،،،لعلمت أنك بالعبادة تلعب
ولسوف تشرق شمسنا بسمائكم،،،،،،،يوما وليست بعد ذلك تغرب
حتى تسجر (2) مثل غير فانتظر،،،،،سفن الجهاد تدك من يتحزب
فتعانقت أمواجه مسرورة،،،،،،،،،،،،،،،وغدت تسبح ربها وترحب

(1)أي أن هذه البلاد التي أتيتها تندب حظها التعيس لفقدها رفع راية الإسلام على أرجائها، بخلاف مدينة رسول الله صَلى الله عليه وسلم، فهو تعجب من المجيء إلى هذه البلاد.

(2)إشارة إلى قوله تعالى :{وإذا البحار سجرت).

وبعد الانتهاء من كتابة هذه الأبيات التفتُّ إلى زميلي الدكتور، فأسمعته إياها فدعا الله أن يستجيب تلك الآمال.

ولقد كنت حقا أفكر في وجود أعلام الكفر مدججة بالسلاح في هذا البحر العظيم، مع فقد علم الإسلام العالمي الذي يجب أن يرتفع على كل صقع من أصقاع الدنيا، وإني لأرجو الله العلي القدير أن يأتي اليوم الذي تكون فيه جميع المحيطات والبحار وكل أرض الله، خاضعة لراية لا إله إلا الله محمد رسول الله، وإنه لآت بإذن الله.

وإذا لم يكن على أيدي جيلنا هذا الذي ألف التبعية والتأخر عن حمل الراية، فلا بد أن يأتي الجيل الذي يتحقق ذلك على يديه، كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنْ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ (38) إِلاَّ تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [التوبة 38،39].

وقال تعالى: {هَاأَنْتُمْ هَؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمْ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ } [محمد 38].

في هنولولو: كل همي هو جمع المال!

وبعد خمس ساعات هبطت بنا الطائرة في مطار هنولولو [تعرف الآن بهاواي] إذ كان ذلك في الساعة الثانية والدقيقة الخامسة والأربعين بتوقيت لوس أنجلوس.

وفي قاعة مبنى مطار هنولولو قعد بجوارنا رجل عمره بين خمس وأربعين وخمسين سنة، فجرىحديث بينه وبين الزميل الدكتور محمد بيلو، فقلت لزميلي سله عن دينه فسأله فقال: إنه لا يدين بدين قلت له: قل له هل تحب أن تعرف شيئا عن الدين الإسلامي؟ فقال: لا أريد أن أدخل في حديث عن الأديان وكل همي هو جمع المال.

قلت: قل له: إذا كان عنده شك في وجود الله، فنحب أن نناقش هذا الشك ونزيله بالأدلة، فقال: هو لا يشك في وجود خالق للكون، ولكنه لا يحب البحث في هذا الموضوع.

قلت: سله إذا كان يحتمل أن يكون الدين حقا ولو واحدا في المائة، وأن هناك احتمال حياة أخرى فيها جنة ونار يجزى فيها المطيع بالجنة والعاصي بالنار، ولو واحدا في المائة أيضا، ألا يحفزك هذا أن تبحث عن الحقيقة حتى ينتفي عنك احتمال الواحد في المائة، وتكون حرا فيما تفعله؟ فلا يقيدك شيء، أو يزيد هذا الاحتمال حتى يصبح مائة في المائة فترتاح نفسك إلى التدين والتعبد، وتسير في طريق الحياة وأنت على علم به؟

فأجاب: أنا قد سمعت أن بعد الحياة الدنيا حياة أخرى، ولكن لا أعترف بذلك ولا أريد البحث في هذه الأمور مطلقا، وأنا رجل تاجر يهمني جمع المال وأن أربح في تجارتي فقط.
وقد أدخلت أولادي في مدرسة مسيحية، وهم يدرسون الدين المسيحي، وسبب إدخالي إياهم فيها ليس من أجل التدين، وإنما من أجل أن الدراسة فيها ناجحة أكثر من المدارس الأخرى.

وعندما وصل إلى هذا الحد كان موعد إقلاع الطائرة من مطار هنولولو قد اقترب فتركناه وشأنه. والملحوظ أن هذا الصنف من الناس يصعب التفاهم معه لأنه يأبى النقاش مطلقاً.

وبعد ساعة تقريباً أقلعت الطائرة مواصلة رحلتها إلى طوكيو عاصمة اليابان، والفرق الزمني بين هنولولو ومكة المكرمة إحدى عشرة ساعة، فالساعة الواحدة بعد الظهر يوم الأحد في هنولولو، هو الساعة الثانية بعد منتصف الليل في المملكة العربية السعودية من صباح الاثنين.

3][/h]
[/COLOR][/COLOR]