مع جماعة مسجد المؤمن


وفي مساء هذا اليوم كنا على موعد مع جماعة مسجد المؤمن، وهم من المسلمين السود الذين تركوا جماعة أليجا محمد بسبب أفكاره الخارجة عن الإسلام، وهم كذلك يعتقدون أن ابنه (ولس الدين) لا زال يعتقد ما كان يعتقده أبوه، إلا أنه يدلس على الناس، هكذا يعتقدون فيه. وكان إمام المسجد غائباً، ونائبه موجوداً، ومسجدهم شبيه بغرفة واسعة نسبياً، وهم متحمسون للإسلام حريصون على تطبيق ما يعلمون في واقع حياتهم. يلبس غالبهم الثوب العربي وعمامة سوداء، وبعضهم يلبس الطاقية بدل العمامة.

ورأيتهم في صلاتهم يحاولون تطبيق صفة صلاة النبي صَلى الله عليه وسلم، وقد بلغني أنهم ساخطون على المجتمعات الإسلامية، وعندهم فكرة التكفير المعروفة – أصلاً - عند الخوارج وأنهم مصممون على تطبيق أحكام الحدود والقصاص على أعضائهم وأنهم طبقوا ـ فعلاً ـ حد الشرب على أحدهم وأنه ارتد عن الإسلام بسبب ذلك.

صلينا معهم المغرب، وصلى بنا نائب الإمام، وكانت قراءته غير مستقيمة مع شدة حرصه وتكلفه لتكون مستقيمة، وهذه ظاهرة وجدناها في بعض المسلمين هناك يحرص الإنسان أن يؤم الناس ولو كان في المصلين من هو أفضل منه، بل ولو كانت قراءته غير مستقيمة، وكان من بين المصلين بعض الطلبة العرب وهم يجيدون التلاوة، ولكن الرجل الذي نصب على الإمامة والإمرة، لا يقدم غيره حرصاً على الإمرة والإمامة.

وبعد أداء الصلاة طلبنا من الإمام إجراء التعارف، وخيرناه بين أن يستمع الحاضرون حديثا منا وبين أن يفتح المجال للأسئلة والمناقشة، فاختار الثاني ولم يجر التعارف المطلوب، وشعرنا بشيء من الجفوة في الجماعة إذ لم يصافحنا إلا الإمام لقربه منا، ولا أذكر إن كان هو الذي مد يده أولا أو نحن؟

وبدأ الرجل الحديث فحمد الله وأثنى عليه، ثم ذكر أن الواجب هو اتباع محمد صَلى الله عليه وسلم، دون غيره، وأن العلماء يجب أن يبينوا الحق للناس دون لبس، وفتح الكتاب الذي فيه ترجمة بعض معاني القرآن الكريم واستدل على قوله ببعض المعاني المترجمة، ثم قال للحاضرين: من عنده سؤال فليتقدم به.

إعداد سابق!


فبدأ الجميع يتحفزون، وظهر لنا أن بعضهم كانوا قد أعدوا أسئلة في أوراق، وكانوا ينظرون في الورق ويسألون، ولذلك كان سؤال الواحد منهم عبارة عن رأي سابق يصوغه في حديث ثم يسأل عن الرأي فيه، وكانوا إذا شعروا بأن سؤال أحدهم غير كامل أو كانت الإجابة مقنعة للسائل، انبرى آخر لشرح وجهة نظر السائل ليشكك السائل والحاضرين بأن الإجابة غير كافية.

وكانوا يظهرون الاعتداد بأنفسهم واقتناعهم بما عندهم ويحاولون تيئيسنا من إقناعهم بغير ما عندهم، وأن ما توصلوا إليه من أفكار يعتبر نهائيا، فليسوا في حاجة إلى غير ما علموه، وهكذا شعرنا من مناقشاتهم وضايقنا ذلك كثيرا، وكانوا يقاطعوننا في الحديث.

ثلاثة أمور لا بد منها:

وعندما شعرت بأن الفوضى تخيم على الاجتماع، والرأي عندهم جاهز وهم إنما يستعدون لمساعدة بعضهم بعضا، لتثبيت هذا الرأي الجاهز، طلبت من الإمام، ثلاثة أمور:


الأمر الأول: ضبط الاجتماع إداريا بحيث لا يتكلم أحد إلا بعد أن يستأذن منه.

الأمر الثاني: هو ألا يقطع أحد حديث أخيه امتثالا للأدب النبوي.

الأمر الثالث: ألا نخرج من نقطة النقاش إلى غيرها حتى تنتهي مناقشتها.

وبدأت المناقشة بعد ذلك تدور بنظام أحسن من ذي قبل، وكأني بالقارئ يتطلع إلى موضوعات النقاش التي حصل فيها هذا الصراع وأقول: عد إلى مطلع الحديث عن جماعة المؤمن فالموضوعات هي التي ذكرت أنها بلغتني عنهم قبل أن أجتمع بهم.

موضوعات الحوار:


وخلاصة ما دار حوله النقاش ما يلي:

سألونا عن رأينا في البلاليين: أهم مسلمون أم كفار؟ وأخذوا يذكرون هم الأدلة على كفرهم..!

فكان الجواب أننا لم نختلط بهم كثيراً، وعلمنا عن أليجا محمد أنه تبنى أفكارا يكفر معتقدها، وبخاصة إذا قامت عليه الحجة، أما ابنه فبلغنا أنه بدأ بتصحيح أفكار أبيه لأتباعه ونرجو أن يستمر في هذا التصحيح، وقد صارحناه بذلك عندما اجتمعنا به.

أما أتباعه فلا يحكم عليهم دون معرفة ما عندهم ومناقشتهم و تفهيمهم الحق، فلم يرق لهم الجواب وأخذوا يتعاونون في ذكر مساوي إمام البلاليين وبعض أفكاره التي لا تزال موجودة إلى الآن.

فقلت لهم: نحن يجب أن نجمع المعلومات عنهم من مصادرها، ولا نحكم عليهم إلا بعد علم ما عندهم، وذكرنا لهم الآية الكريمة: {وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً} [الإسراء 36].

كما ذكرنا لهم أن اقتناعهم هم بأمر لوجود أدلة كافية عندهم، لا يقتضي اقتناعنا نحن إلا بعد تمحيص، وأخذنا في هذا الموضوع مدة طويلة، وهم يحاولون إقناعي بأنه لا يلزم البحث والتفصيل لهذا الحكم، بل يكفي ما سمعناه منهم عن البلاليين، فناقشناهم حتى ظننا أنهم فهموا رأينا، وطلبنا أن ننتقل إلى موضوع آخر، ولكنهم لم يرضوا بترك هذا الموضوع وقصدهم أن يفهمونا أنه لا يجوز الاغترار بما نقل من أن ولس الدين صحح أفكار والده فعلا، وأن نقنع من وراءنا في المملكة وغيرها بأن لا يغتروا بهذا الرجل، فأخبرتهم أننا لسنا مغترين، ولكنا نريد التثبت في الحكم على الناس.

نصيحة وسخط!


ثم قدمت لهم نصيحة تتضمن أمرين:

الأمر الأول: أن يجتهدوا في تلقي العلم ممن يوثق بهم من العلماء، وأن يتعلموا اللغة العربية بجد، حتى

يفهموا كتاب الله وسنة رسوله عن طريقها، لا عن طريق الترجمة التي تكثر أخطاؤها ولا تفي بترجمة معاني كتاب الله، وألا يظنوا أن ما قد حصلوا عليه من علم كاف في عبادة الله أو الدعوة إلى الله، لأن العبادة والدعوة إلى الله لا بد أن تكون على علم وبصيرة.

الأمر الثاني: أن يطبقوا ما علموه في أعمالهم وفي أعضائهم، وأن يصححوا الأفكار المخالفة بالعلم مع الهدوء، ولا يجعلوا همهم الوحيد هو محاربة فئة معينة، لأن ذلك سيأخذ وقتهم في الخصام والنزاع و يصرفهم عن التعلم الذي هم في حاجة إليه.

وهنا ثارت ثائرتهم فأخذ كل واحد منهم يتحفز، فتكلموا وكان كلامهم يدور حول إشعارنا بأنهم ليسوا جهالاً، وأن الذي يقدرون عليه قد علموه ولا زالوا يتعلمون، ولكنهم لا يقولون شيئا إلا وهم على علم به، وأن لهم الحق أن يحاربوا جماعة ضالة تدعي الإسلام.

وهنا بدأ بعض النساء يشاركن في النقاش، فقد استأذنت امرأة من وراء ستارة أن تتكلم، فأذنوا لها وكان خلاصة كلامها أن الذي يدعي الإسلام ويضل الناس أولى بالجهاد من غيره وسألتْ: ألا يجب علينا أن نترك العمل ونتفرغ للعبادة والجهاد؟

وأجبتها بأن الجهاد واجب، ولكن قبل جهاد الناس نجاهد أنفسنا في التعليم والعمل، ثم لا بد من اتخاذ أسلوب نافع في الدعوة إلى الله. أما ترك العمل فهذا غير مطلوب شرعا من المسلم، إلا إذا كان المراد تفريغ أشخاص بأعيانهم للقيام بالدعوة إلى الله للحاجة إليهم، ولكن لا يتركون ما لأنفسهم أو غيرهم من حقوق، وذكرت لها قصة الصحابة الذين أرادوا الانقطاع للعبادة وترك العمل، فقال لهم الرسول صَلى الله عليه وسلم: (أما أنا فأصوم وأفطر وأقوم وأنام وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني).

وقلت للجماعة: لكم الحق أن تبينوا للناس الضلال بل يجب عليكم، ولكن بشرط أن تكونوا عالمين بأن هذا حق وهذا باطل، وهذا شيء ليس سهلا في كل أمر من الأمور.

وبعد نقاش طويل في هذا الموضوع وغيره، وبعد أن ترجح لي أني وضحت ما يجب توضيحه قلت لهم:

لقد أخذتم وقتا طويلا في إبداء ما تريدون من أسئلة وتوضيحات لآرائكم، أما الآن فأرجو أن تعطوني فرصة لأسألكم أنا، قالوا لا بأس.

كلمة حق لا بد منها..!


فقلت: أحقاً إنكم تقيمون أحكام الحدود والقصاص على جماعتكم؟ فقال إمامهم: نعم و لنا الحق في ذلك.

قلت: هل فعلتم هذا عن علم سبقكم به غيركم؟

قالوا: إن كتاب الله وسنة رسوله فيهما الكفاية، ولسنا في حاجة إلى أقوال الناس.

قلت: ولكن التطبيق العملي للكتاب والسنة يجب الرجوع فيه إلى الكتاب والسنة، فهل وجدتم فيهما أن لكل فئة من المسلمين الحق في إقامة الأحكام المذكورة؟ والمعروف أن ذلك يرجع للحاكم المسيطر بقوة على شؤون المسلمين، وأنتم عددكم قليل فإما أن تعتبروا أنفسكم جماعة دعوة تأمرون الناس بالمعروف وتنهون عن المنكر وتبينون الحلال والحرام للناس، وقدرتكم قاصرة عن الأخذ بالقوة، وإما أن تعتبروا أنفسكم دولة إسلامية لها أن تتصرف تصرف حكومة، وهذا ليس في مقدوركم. وبلغني أنكم أقمتم حد الخمر على أحد الأعضاء بالقوة وأنه ارتد عن الإسلام، وهذا ما يتوقع أن يحصل: انفضاض أعضائكم عنكم وارتداد بعضهم ونفور الناس من الدخول في الإسلام.

والأجدر بكم أن تعودوا إلى تفاسير العلماء وشروح السنة وكتب السلف لتعلموا هل أنتم سائرون على سنن السلف أم محدثون ما لم يحدثه غيركم؟

وهنا برز طالب مصري – يبدو أنه مرجعهم في تلك الأفكار ـ يحاول إنقاذهم وكانت فرصة لمناقشته أمامهم حتى استسلم، وطلبت منه أن يتقي الله ويصحح للقوم أفكارهم، فذكر أنهم يقرأون في سبل السلام قلت له: ستجد بحث هذا الموضوع فيه فارجع إليه .

بلغني في رحلتي الأخيرة عام 1405ه_ أنهم طردوا ذلك الشاب من مسجدهم لمخالفته
لهم، هذا وقد كتبت بحثا أثبت فيه عدم جواز إقامة الحدود لغير السلطان على الأحرار وقد طبع قريبا لعل الله ينفعهم وغيرهم به، فإنهم لا زالوا على رأيهم إلى هذا الوقت، وسيأتي إن شاء الله ما دار بيننا وبينهم في السنة الماضية ـ 1405ﻫ من نقاش في الجزء الثاني من رحلة أمريكا.. وقد ألفت كتيباً في موضوع من له إقامة الحدود، وهو بعنوان: "الحدود والسلطان" وهو مطبوع ومنشور في الإنترنت.

آخر الدواء الكي..!


ولعلمي أن القوم مغرورون بما عندهم من علم مشوش، رأيت أن أصارحهم أكثر، فقلت لهم: أنتم هنا أعاجم، والمراجع الإسلامية ليست متوفرة لديكم، والموجود بعض الكتب المترجمة التي لا تؤدي المعنى بتمامه بصرف النظر عن أخطائها، وأنا من الجزيرة العربية عربي الأصل والمنشأ واللغة، ولي ما يزيد عن ثلاثين سنة في طلب العلم والذين تلقيت العلم عنهم عرب، وعندي مكتبة مليئة بالمراجع الإسلامية في مختلف العلوم، ومع ذلك إذا قرأت القرآن أو كتب السنة، لا أزال إلى الآن يشكل عليّ الكثير الذي أحتاج أن أسال عنه بعض العلماء أو أراجع الكتب وأتعب في الحصول إلى فهمه. فهل يليق بكم أنتم أن تظنوا أنكم بلغتم مبلغا لا تحتاجون فيه إلى تصحيح أفكاركم؟

وكان هذا الكلام هو الذي أسكتهم وجعلهم يفكرون في الأمر، حتى قال زميلي الدكتور محمد بيلو: لقد ترك بعضهم النقاش وحفظ أوراقه التي كان يستعد لإلقاء ما كتب بها من أسئلة.

ولقد كاد زميلي الدكتور يخرج ويتركهم لشدة غضبه من تعنتهم، ولكني كنت أقول في نفسي هذه فرصة قد لا تتكرر مرة أخرى، فيجب أن نعمل ما نقدر عليه ونصبر، وقد كنا في حاجة إلى الرجوع إلى الفندق لترتيب أمتعتنا، لأننا سنسافر صباح غد مبكرين، ولم نصل إلى هذه النتيجة إلا في تمام الساعة الواحدة بعد منتصف الليل، ولكنا حمدنا الله على ما حصل، فإن هؤلاء الإخوة يظهر عليهم إرادة الحق، ولكن الجهل الذي لا يعترفون به هو الذي حال بينهم وبين الاستجابة السريعة، وكان الجهل مركبا، ولو كان بسيطا لما طال النقاش إلى هذا الوقت والحمد لله رب العالمين

تقارب وتآلف.


وبعد الانتهاء من هذا النقاش ودعناهم، وكانت عاطفتهم معنا أفضل من ذي قبل، ورجونا أن نزورهم مرة أخرى، كما طلبوا منا إبلاغ العلماء الذين يزورون أمريكا ألا يكتفوا بزيارة الجماعات الإسلامية المشهورة، ويتركوا بقية الجماعات التي قد تكون أولى من غيرها بالزيارة، فوعدناهم بتحقيق هذه الرغبة حيث أمكن.

ذهبنا بعد ذلك إلى أحد المطاعم لتناول طعام العشاء، ثم عدنا إلى الفندق وذهب الأخ تاج الدين إلى منزله على أن يعود إلينا صباح غد لإيصالنا إلى المطار للسفر إلى اليابان..