الجمعة الموافق 16/8/1398ﻫ

خطيب الجمعة في مسجد البلاليين!

أخذنا الأخ تاج الدين إلى مسجد البلاليين لأداء صلاة الجمعة فيه. وبعد الأذان تقدم شاب في الثلاثين من عمره تقريبا، وهو طبيب وبيده أوراق فيها ترجمة بعض المعاني لسور قصيرة من القرآن الكريم، وأخذ يقرأ وينفعل والناس ينفعلون معه، ويتكلمون بعض الكلمات التي كنت أفسرها بأنها للتعجب حيث يكبرون في بعض الأوقات.

وتارة يضحكون، وبعد الصلاة ذكرت للأخ تاج الدين أن ذلك مما يجب التنبيه عليه، لأنه يجب السكوت في خطبة الجمعة، فوعد أنه سينبه على ذلك في أقرب فرصة.

ولقد كان الإمام لا يقدر على إخراج الحروف من مخارجها، بل إنه اختصر سورة الفلق في قراءته لعدم تمكنه من حفظها، و ساءنا ذلك وكلمت الأخ تاج الدين وقلت له: الأفضل أن تتولى أنت خطبة الجمعة والإمامة حتى تعلم من يجيد ذلك ويصلح للخطابة والإمامة. فأجاب بما مضمونه أن القوم يرغبون أن يتولوا ذلك بأنفسهم وإن كانوا مقصرين.

ولقد ظهر لي هذا الأمر في بعض المسلمين هناك، وهو أنهم لا يحبون أن يعترفوا بالنقص في العلم، وإذا أخذوا العلم عن غيرهم فإنما يأخذونه اضطرارا مع عدم إظهار الحاجة، على عكس ما هو موجود من الأدب في بلاد الشرق لا سيما الهند وباكستان وإندونيسيا وغيرها، وهذا داء يجب أن يعالج.
وعلى من يريد أن يعلم القوم هناك أن يعرف هذا المعنى ويدخل عليهم من الباب الحكيم الذي يراه مناسبا.

مع طلابنا المبتعثين.

وبعد صلاة الجمعة التقينا الأخ أحمد داود المزجاجي أحد الطلبة السعوديين المبتعثين من جامعة الملك عبد العزيز بجدة، وهو يحضر الدكتوراه في الإدارة، وهو من الشباب الصالح في تلك البلاد (ولا أزكي على الله أحدا).

ولقد قابلنا بحرارة، وكانت كلمته التي افتتح بها كلامه بعد السلام: أتلبس هذا اللباس ونحن هنا نلبس لباس الإفرنج؟ ثم طلب منا زيارته في منزله، وعندما حاولنا أن نجلس معه في المسجد أو يذهب معنا إلى الفندق أصر على زيارته، فذهبنا معه إلى شقته الصغيرة التي وجدنا فيها أثاثه قد ربط، استعداداً للسفر إلى بلاده في إجازته التي توافق آخر شهر شعبان وشهر رمضان المبارك.

وكانت علامة سروره بالعودة إلى بلاده بادية على وجهه، وكان معه بعض الطلبة من زملائه من بعض البلدان العربية وهم مثله صالحون ـ فيما بدا لنا ـ وأخذنا نتبادل الحديث عن الشرق والغرب، وكان الحديث يدور حول البلاء الذي انتشر في بلاد المسلمين بسبب الأفكار الهدامة الغريبة على الأمة الإسلامية في العقيدة والسلوك والتشريع والسياسة والاجتماع وغير ذلك، وأن قسطا كبيرا من هذا البلاء يحمله المبعوثون إلى الدول الغربية الذين يعودون إلى بلدانهم بأدمغة تحمل عفن التفكير الغربي في المجالات المذكورة، مع الجهل بكثير من العلوم النافعة المفيدة التي توجد في الغرب والتي ابتعثوا ـ أصلاً ـ من أجلها.

والسبب في ذلك أن أساتذة الغرب يسعون جادين في غسل مخ هؤلاء المبتعثين من كل فكر يمت إلى الإسلام بصلة، ثم ملء هذه الأدمغة بالأفكار المضادة، كما أنهم يزينون لهم سبل الفساد والشر فينطلقون في إشباع شهواتهم انطلاقا لا حدود له، ومع عدم خشية الله في نفوسهم لا يوجد رقيب من البشر، ولذلك يعود كثير من الطلاب ممسوخا في تخصصه حاملا أقذار الفكر الغربي وسوء سلوك الغربيين، وذكر الإخوة أن أعدادا هائلة من هذا الشباب يوجدون الآن في أمريكا يرتبطون بأحزاب سياسية يسارية ويمينية، هدفها الأساسي تحطيم ما بقي في البلدان الإسلامية من دعائم لتطبيق الشريعة الإسلامية، إضافة إلى الفوضى الخلقية التي يكتسبونها من المجتمع الأمريكي الوبيء.

وذكر الأخ أحمد داود أن أعدادا كبيرة توجد في الجامعات لا يصلي منهم إلا النزر اليسير، وبعض الذين يصلون في الأوقات العادية يتركون الصلاة لحضور بعض الحفلات التي تقام في وقت الصلاة. كما أرانا لافتات عملها للدعوة إلى الإسلام في الجامعة، وعندما رآه المسؤولون في الجامعة سألوه عن ذلك فأخبرهم أنه يدعو إلى الإسلام.

والنشاط في الجامعات يسمح به للجمعيات، فطلبوا منه أن يسجل جمعية ليأخذ إذناً بذلك، فحاول مع الطلبة المسلمين الموجودين في الجامعة ليكونوا جمعية، فلم يستجب له أحد، فاضطر إلى أخذ لافتاته ووضعها في منزله، مع أن كثيرا من هؤلاء الطلبة الذين لم يرضوا بالانضمام إليه في تسجيل أسمائهم مرتبطون بجماعات مشبوهة ـ كما قال ـ ويدعونه هو نفسه للانضمام إليهم بإلحاح، وأغلبهم من العرب ذوي الميول المسماة اليسارية، ومع ذلك توجد جماعات إسلامية صالحة.

تبين لي فيما بعد أن هناك جمعيتين: جمعية تضم الطلبة العرب المنحلين الذين يقفون موقف العداء السافر من الإسلام. وأغلب هؤلاء شيوعيون والجمعية الثانية تسمى: رابطة الطالب المسلم العربي، وهؤلاء شباب فيهم خير وصلاح وعلى وعي بالإسلام. ومثل هؤلاء لا أرى أن تحول التسمية بينهم وبين الصالحين من الشباب في تلك البلاد الكافرة، وسيأتي في الجزء الرابع من هذه السلسلة مزيد بيان عن هذه الرابطة.

ولهذا لا أرى داعيا لإقامة جمعية جديدة ما دامت هذه الجمعية موجودة، كما أن اتحاد الطلبة المسلمين له نشاط في أغلب المدن الأمريكية والتعاون معه خير من إيجاد جمعيات متفرقة، جمع الله الكلمة وحقق الإخاء فيه.

وأرانا الأخ أحمد كذلك صورة خطاب بعث به إلى معالي وزير التعليم العالي في المملكة العربية السعودية يصف له حالة المبتعثين، ويطلب فيه العمل على تلافي الأمر والحد من الابتعاث، والحلول التي يراها للإشراف على المبتعثين، وذكر أنه بعث بصور هذا الخطاب إلى مديري الجامعات بالمملكة العربية السعودية.

الواقع أيد أصوات الإنذار..!

بعد ذلك قلت للإخوة الحاضرين: لقد ارتفعت أصوات المنذرين من العلماء والكتاب من زمن طويل، وعند المسؤولين علم بذلك، وهناك محاولات للحد من الابتعاث في المملكة العربية السعودية إلا لضرورة، ولكن الأمر يحتاج إلى سرعة البت فيه واتخاذ الوسائل اللازمة.

ولقد شاركت في الإنذار قبل عشر سنوات عندما كتبت بحثاً تحت عنوان المسؤولية في الإسلام، وقد رتب هذا البحث وأعد للطبع في أواخر هذا العام 1399ﻫ وقد طبع مرتين.كان محوره الحديث الشريف كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، في مسؤولية الأب عن أبنائه ومسؤولية وزراء التربية والتعليم، وقد نشر البحث تباعا في مجلة الجامعة الإسلامية، والذي يتعلق بموضوع الابتعاث نشر في العدد الرابع من أعداد السنة الثالثة لعام 1391ﻫ والعدد الرابع من أعداد السنة الرابعة لعام 1391ﻫ. أيضا.

وذكرت المضار التي تحصل من جراء الابتعاث، كما ذكرت وجهة نظري في الحل. ولقد كانت تلك الأضرار واضحة في الشعوب الإسلامية، ولكنها تجسمت الآن أكثر وظهرت أضرار أخرى غيرها. وإذا استمرت الحال على ما هي عليه الآن، فإن الخطر المتوقع لا يعلم مداه إلا الله سبحانه.

وما حوادث الانقلابات الدموية المتوالية في بعض الشعوب الإسلامية، وما التقلبات السياسية السريعة، وما الفوضى وعدم الاستقرار واختلال الأمن، وما المناهج التعليمية المشوهة، وما البرامج الإعلامية السيئة، إذاعية أو تلفازية أو صحفية أو سينمائية، وما كل بلاء وشر غير ذلك مما لا يدخل تحت الحصر، إلا ثمار طبيعية لبعض هذه الجيوش الزاحفة إلى كراسي الحكم والإدارة والتوجيه الذين أغلبهم من المبتعثين إلى البلدان الأجنبية.

والعجيب في الأمر أن الفوضى التي يصدرها لنا الغرب ـ وبخاصة الفوضى السياسية والعسكرية ـ بذلت كل المحاولات في الغرب للوقاية منها وعدم تمكنها في شعوبهم... ؟! فهل يدّكر قومي ويفيقون قبل أن يندموا ولات ساعة مندم؟ أو سيبقى الأمر كما هو ويأتي الله بما يشاء؟ أرجو أن تكون الأولى والله المستعان.