الخميس 1/8/1398ﻫ

في القبة السماوية.

زرنا القبة السماوية التي تحتوي على أفلام عن الكواكب السماوية والأرض، وعلى مكبرات النظر المباشر إلى ما يمكن رؤيته بوضوح من الكواكب.

وكان الفلم الذي عرض في تلك الليلة عن نظريات بعض كتاب الغرب عن الحياة، مثل نظرية داورن وغيرها، كما احتوى على عرض لبعض الصور للنجوم والكواكب، وكان الشارح يعلق على كل نظرية، وأن كثيرا منها مجرد تكهنات قابلة للبحث، هكذا ترجم لي الأخ تاج الدين شعيب.

وكان تعليقي على الموضوع بما يلي: نحن المسلمين لسنا في حاجة إلى من يشرح لنا معنى الحياة ولا كيف نشأت، فقد وصلنا إليها بسهولة، ومن مصدر لا يوجد مصدر يوثق به سواه مطلقا في هذا الباب.
فقد علمنا أن الله هو الخالق سبحانه فهو خالق كل شيء ولا خالق سواه، وعلمنا أنه إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون، وأنه خلق أبانا آدم من تراب، وخلق منه زوجه حواء وبث منهما رجالا كثيرا ونساء، والكون كله خَلْقُه وملكه، خلقه بإحكام لا خلل فيه.

ومصدرنا في ذلك هو الوحي الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، بلغناه رسل الله عليهم الصلاة والسلام من نوح إلى محمد صَلى الله عليه وسلم، ولا زال غيرنا ممن لا يؤمن بالوحي يتخبطون في ظلام دامس كلما أظهروا للناس نظرية أبطلوها بنظرية تالية. هذا من جهة، ومن جهة أخرى، وقد أعجبني موقف المذيع الذي كان يشرح للناس تلك النظريات ويذكر أنها ليست نهائية، وإنما هي قابلة للبحث وهو لا يحكي وجهة نظره، وإنما يحكي وجهة نظر علماء الغرب في هذه الأيام، فهم يذكرون نظرياتهم ولكنهم يتواضعون ـ نسبيا ـ فلا يجزمون بأنها علمية نهائية غير قابلة للبحث.

ومع ذلك فإن أذيال أولئك الغربيين من أنصاف المتعلمين من أبناء المسلمين وأرباعهم، يعلمون أبناء المسلمين في مدارسنا أن تلك النظريات علمية غير قابلة للبحث، ولا زالت نظرية دارون تسود بها صفحات بعض الكتب المقررة في بعض البلدان الإسلامية إلى الآن.

وهذا يذكرني بقول الشاعر الصوفي:

وكنت امرأ من جند إبليس فارتمى،،،،،،،،،،،،بِيَ الدهر حتى صار إبليس من جندي

فقد تحمس أرباع المتعلمين لنظريات أسيادهم أكثر من أولئك السادة.

في مسجد البلاليين:

وبعد الانتهاء من مشاهدة الفلم المذكور ذهبنا إلى مسجد البلاليين الذي يعمل به الأخ تاج الدين شعيب، وكنا على موعد معهم لإلقاء حديث فيهم ثم الإجابة عن أسئلتهم. وكان اجتماعهم قبل صلاة المغرب بساعة تقريبا، تم فيه تعريف تاج الدين بنا للحاضرين. أعقب ذلك تعريف الدكتور محمد بيلو الحاضرين بمهمتنا ومشاعرنا نحو المسلمين في البلدان التي زرناها.

معنى الإسلام العام ومعناه الخاص.

ثم أعقب ذلك إلقاء المحاضرة التي تضمنت شرح معنى الإسلام العام، وأنه دين الأنبياء والرسل من لدن آدم عَليه السلام إلى نبينا محمد صَلى الله عليه وسلم، وبيان معنى الخلافة التي خلق الله البشر من أجلها، وكيف تم تحقيقها في الأرض في تاريخ البشرية الطويل.

تم إيضاح معنى الإسلام بمعناه الخاص، وهو دين الله الأخير بتفاصيله التي جاء بها محمد صَلى الله عليه وسلم، في آخر كتاب نزل مهيمنا على كل ما عداه، وانقسام الناس حول هذا الدين وواجب الأمة الإسلامية التي أخرجها الله للناس لتهديهم إلى صراط الله المستقيم، وأن فهم هذا الدين لا يكون إلا عن طريق العلم به من كتاب الله وسنة رسوله، وعلى أيدي علماء متخصصين فيه بذلوا جهدهم في تحصيله، وليس كل من ادعى فهم هذا الدين بصادق في دعواه ما لم يأخذه عن طريق أهله.

وأن أقرب الناس إلى فهمه هم الذين أخذوه كذلك باللغة العربية التي هي المفتاح الأساسي لفهم الوحيين العربيين، وأن الاكتفاء بنتف الترجمة ليس هو السبيل للفهم الصحيح للإسلام، وحان موعد صلاة المغرب فقطع الحديث وأقيمت الصلاة، كما شرح لهم بعد ذلك أن الناس سواسية، كلهم لآدم لا فضل لعربي على عجمي ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى { إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ } [الحجرات 13].

وضربت لهم أمثلة موضحة لذلك، بأن الإنسان لم يختر أباه ولا أمه، ولم يختر الأرض التي ولد عليها، ولا اللون الذي خلق عليه، ولذلك لا فضل له في شيء من ذلك حتى يفتخر به على سواه من بني البشر، وإنما اختار العقيدة التي آمن بها والسلوك الذي صار عليه، فهو الذي يجدر به أن يعتز به لا بسواه،{يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ } [الحجرات]. وغير ذلك من المعاني التي اقتضاها المقام ويسرها الله سبحانه، ومنها الحث على مولاة المؤمنين ومعاداة الكافرين، والحذر من كيد أهل الكتاب وطوائف الكفر كالقاديانية وغيرها.

ثم فتح باب الأسئلة الذي استغرق وقتا أخرت من أجله صلاة العشاء عن الوقت المعتاد، وكان الأخ تاج الدين شعيب هو الذي يترجم هذه الأحاديث جزاه الله خيراً.

أذن بعد ذلك للصلاة وأقيمت صلاة العشاء وبعد الصلاة ودعنا الحاضرون بعاطفة أخوية وأظهروا تلهفهم لسماع مثل هذه الأحاديث ومحبة زيارة علماء المسلمين لهم.

نحن من المسجد وهم من المسرح..!

ذهبنا بعد ذلك نلتمس بعض المطاعم لتناول طعام العشاء، وكان الوقت متأخراً فوجدنا أكثر المطاعم التي يعرفها الأخ تاج مقفلة، ولكن هناك مطاعم تفتح أبوابها للناس ليلاً ونهاراً، فذهبنا إلى أحدها وطلب منا الأخ تاج الدين أن نبقى في السيارة ريثما يحجز لنا مقاعد تناسبنا، لأن دخول هذا المطعم وأمثاله يكون بحسب ترتيب زمن القاصدين، لعدم اتساعه لكل الناس لكثرتهم.

وبعد أن حجز لنا مقاعدنا في مكان يحظر فيه التدخين، دخلنا إلى هذا المطعم ورأينا كثرة الناس في هذا الوقت المتأخر من الليل، فسألت الأخ تاج الدين: هل هؤلاء كلهم زوار مثلنا؟ فقال: بل هؤلاء من أهل هذه المدينة بالذات، وهكذا هم دائما أسرا وأفرادا، إنهم يخرجون في هذا الوقت من المسارح والمراقص ودور السينما والبارات.

الحضارة الغربية وتكافل الأسر!

ويذهبون مثلنا يلتمسون طعام العشاء، وكثير من الأسر الأمريكية لا يأكلون في بيوتهم، بل بعض الأسر وبعض الأفراد لا منازل لهم، فمنهم من يأوي إلى الفنادق، ومنهم من ينام في سيارته التي تعتبر منزله ووسيلة نقله، وأكثرهم مرهقون بالديون للبنوك التي تسيطر على مصادر رزقهم وتعطيهم بطاقات يعيشون بها، وهم مهددون بسحبها في كل وقت إذا لم يدفعوا للبنك الأقساط المشروطة عليهم.

وأضاف الأخ تاج الدين قائلا: إن الزوج وزوجه ليقعدان على طاولة الطعام في المطعم ويطلب كل منهما ما يناسبه، ويدفع الحساب من جيبه عن نفسه ولا يدفع أحد الزوجين عن الآخر، وكذلك الآباء والأبناء والأمهات والإخوان والأخوات. بل كثير ممن تراهم وتظن أنهم أسرة واحدة تجدهم من ذوي العلاقات غير الشرعية.

قلت عندئذٍ: الله أكبر، إن أكبر دولة مادية في العالم لفي طريقها إلى الانهيار وفقد المعاني الإنسانية بين الأقرباء فضلا عمن سواهم!

وذكَّرت الأخوين تاج الدين وزميلي الدكتور بما هو معروف من تماسك الأسرة في الشرق على الرغم من الفساد الذي بدأ يدب فيها، وذكرت لهم ما علمته من أحد الطلبة الأفارقة السنغاليين الذين تخرجوا في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، حيث ذكر لي أن عدد أفراد أسرتﻫما بين جد وجدة وأب وأم وخال وخالة وعم وعمة وأخ وبنت ـ يبلغ مائة وعشرين ـ صغاراً وكباراً ـ وأنهم كلهم يجتمعون على مائدة طعام واحدة في كل الوجبات الغذائية اليومية وأن لذلك أمثلة أخرى، متشابهة ..

وعلقت على ذلك أيضا، فقلت: إن ما تراه من الأمور الطيبة من تيسير المعاملات وبعض مظاهر العدالة والتقدم الإداري والتقدم الصناعي، تعتبر مثل بالون الأطفال الذي ينفخ فيكبر ويعجبهم منظره ثم ينفجر في أيديهم، فإذا هو مِزَقٌ ترمى في القمامة وهكذا حضارة هؤلاء القوم!

ولولا أن من سنن الله الكونية أن يجعل أزمة أمور الدنيا في أيدي من يبذلون الأسباب لأخذها، لما أبقى هؤلاء الناس لحظة واحدة، ولكن لا بد من أمة أخرى تتسلم قيادة البشرية أكثر تعميرا للأرض وأكثر نشاطا في استغلالها وأقل فسادا، فإذا وجدت هذه الأمة فستنتهي سيئات الحضارة المادية الغربية العفنة، وإني لأرجو أن تكون هي الأمة الإسلامية التي لا يخاف أهل الغرب غيرها من الأمم كما يخافونها، وهذا المعنى هو مضمون رسالة الأستاذ المودودي المسماة: الصلاح والفساد.