استضافنا الأخ محمد نور على طعام الغداء

ثم ستضافنا الأخ محمد نور الذي لتناول طعام الغداء في بيته، ونحن لبينا الدعوة لنرتاح من معارك الطعام التي استمرت معنا من وقت نزولنا في أول دولة غربية، وهي بريطانيا إلى هذا اليوم، فقد كان زميلي في نقاش دائم مع المضيفين في الطائرات، ومع الخدم في المطاعم في كل وجبة من وجبات طعامنا.

وقد تمر دقائق وهو يتفاهم معهم عن نوع الزيوت، واللحوم والسوائل، وقد يبدون أنهم فهموا المراد ثم يأتون بما يدل على عدم فهمهم، على الرغم من أنهم يصغون إلى لكنته الإنجليزية بعناية، بل ويستعذبونها حتى يكادوا يتركون خدمتهم ويجلسون بجانبه ليتمتعوا بلهجته، وهو يستفسر عن كثير من كلماتهم السريعة الدارجة.

وفي إجابة دعوة الأخ محمد إرضاء له وراحة لنفوسنا من الشكوك في أطعمة المطاعم، وإجازة لزميلي محمد بيلو من عناء الأخذ والرد مع المضيفين. وقد كان الطعام لذيذاً غاية اللذة، لأنه قدم لنا في بلد ما كنا نظن أن نراه فيها فجزى الله الأخ محمد نور خيراً هو وأهله.

وبعد الغداء شربنا الشاي السوداني الذي انتشى بشربه زميلي أكثر مني، وأخذ فيه النسبة التي يريد من السكر دون أن يقال له: أغلق المطعم، كما قال له المضيف في رحلتنا من لندن إلى نيويورك.

وفرش لنا الأخ محمد نور في غرفة الاستقبال، فاستلقينا ونمنا نومة مريحة إلى أن حان وقت صلاة العصر، فصلينا وعدنا إلى مسجد البلاليين حيث ألقيت الكلمة في قاعة المحاضرات التي غصت بالحاضرين، ثم عدنا إلى فندق روزفلت لنكمل المشوار الطويل معه. ثم صحبنا الأخ محمد نور إلى روزفلت ورجع بعد ذلك إلى أهله، فأخذنا نقارن بين فندق لندن وفندق روزفلت في الأسباب والأهداف والمرافق.

انقلاب ومصالحة.

ولقد نزعت الغطاء الذي كان على سريري والوسادة، ورميتهما بعيداً، لعدم قدرتي على النوم عليهما، وأخذت بعض ثيابي ففرشتها وبعضها الأخر جعلتها بدل الوسادة، ونمت متقززا، كأن تحت جنبي شوك السعدان، وقلت لزميلي ما رأيك لو صعد إلينا بهذه السلالم الموجودة بجانب الفندق أحد السكارى أو طائفة منهم؟ فقال: سنعمل جهدنا إن شاء الله فلا تخف وأغلقنا الشباك الذي يخشى دخول أحد منه.

وبسط زميلي عمامته السودانية الطويلة على فراشه ووسادته ونام عليها دون أن ينزع فراشاً أو وسادة، تحدياً لفندق روزفلت، وكنت أظن أن حظه أحسن حالاً من حظي، فربما كان فراشه نظيفاً وكذلك أكياس وسائده، ولكنه فضل المصالحة وفضلت الثورة والانقلاب.

ليل طويل كليل امرئ القيس..!


وعندما استيقظنا لصلاة الفجر، وكان هو الذي أيقظني بدا على وجهه علامات الاشمئزاز والتضجر، وهو يحك في جسمه، وسألته ما بك يا دكتور؟ فقال: لقد كانت هذه الليلة طويلة عليّ، وكنت أظن أنه سيتمثل ببيت امرئ القيس:

أ
لا أيها الليل الطويل ألا انجلِ،،،،،،،،،،بصبح وما الإصباح منك بأمثلِ

ولكنه كاد ولم يفعل. قلت: ماذا جرى؟ قال: لقد باتت الروائح الموجودة في هذه البسط والوسائد تقلقني، كما باتت بعض الحشرات الصغيرة تأكل جسمي، ولم أذق طعم النوم طول الليل، ثم أخذ يقلب الوسائد والفرش ففوجئ بأسباب الروائح في الوسائد، فرجوته أن يغطي ذلك، وسليته بأن وقت خروجنا من هذا الفندق قد اقترب، كما اكتشف الدكتور في جدران بيت الخلاء ما هو أسوأ من ذلك.

ولقد ظهر لنا بعد ذلك أنه لا ينزل في هذا الفندق إلا المجرمون الذين لا يفيقون من السكر إلا نادراً، كما ظهر لنا سبب وجود العصا بيد الفراش وهو خوفه من النـزلاء المشار إليهم.

الأربعاء 8/8/1398ﻫ.استعجال لا بد منه.

وبعد أن صلينا مباشرة حزمنا حقائبنا، لنغادر مكان القلق الذي كان المفروض أن يكون مكان راحة. ضغطنا على مفتاح المصعد وانتظرنا حتى جاء حاملاً صاحب العصا، ونزلنا إلى قاعة الاستقبال ننتظر أخانا محمد نور الذي كان قد حجز لنا في فندق على جانب الشارع الآخر من جهة الشرق، ولكن موعد تسلم الغرفة كان متأخراً ونحن لا زلنا مبكرين، وانتظرنا طويلا في القاعة ونحن نرى النزلاء يدخلون ويخرجون أشباه مجانين، ومنهم القاعدون على الكراسي يتحدثون ويضحكون وأغلبهم من كبار السن.

وعندما طال الانتظار قال لي زميلي: أليس من الأفضل أن نشرب شيئاً؟ فقلت له: أشرب ما تشاء، أما أنا فلا أريد شيئاً، وحقاً ما كنت أقدر على تناول طعام أو شراب في هذا المكان القذر وهذه عادتي، أصبر على الجوع والعطش إذا رأيت مناظر قذرة مؤذية أو شممت روائح سيئة، إلا عند الاضطرار الذي لا أقدر على تجاوزه.

وفي جوانب الشارع المقابل كنا نرى أسراباً من الزنوج المتسكعين الذين يميل بعضهم على بعض أو يبادل بعضهم بعضا الصياح والضحك، والبؤس بادٍ على وجوههم ويظهر من تسكعهم أنهم بدون عمل مثل إخوانهم في حي هارلم السابق الذكر.

ولشدة تضايقنا من الجلوس في هذا المكان وسوء المناظر البشرية المؤذي، اتصلنا بالأخ محمد نور نطلب منه سرعة التوجه إلينا، وفعلا جاء الأخ محمد نور، ومعه السيارة التي كنا طلبنا استئجارها لتبقى معنا مدة بقائنا في شيكاغو يقودها أحد الشباب البلاليين وهو طبيب.

يُطبَّق النظام بدون خصام.

نقلنا حقائبنا إلى الفندق الجديد، وتركناه لنذهب إلى إدارة المرور لنأخذ تصريحاً بالقيادة في مدينة شيكاغو، وفي الطريق إلى مسجد البلاليين الذي كنا نريد أن نلتقي فيه الأخ صلاح الدين الذي يتولى قيادة السيارة بدلاً من أخينا الطبيب، وقبل أن نصل إلى المسجد حصلت مخالفة مرورية غير مقصودة من قائدنا، فقد كانت الإشارة خضراء وهو بعيد عنها، فأسرع ليسبق الإشارة الحمراء، ولكنها سبقته هي، فناداه ضابط المرور عن طريق مكبر الصوت فوقف.

ونزل القائد والضابط ولم يدر بينهما حوار كما يدور بين ضابط المرور والسائقين في بلدان الشرق، بل يسأل الضابط السائق تعترف بأنك أخطأت؟ فإن اعترف فعليه أن يدفع الغرامة الجزائية، وإن قال له: لا لم يكلمه وإنما يعطيه قسيمة فيها نوع المخالفة وموعد المحاكمة، ويذهب كل منهما في سبيله، وإذا جاء يوم المحاكمة حضر السائق والمحامي، وفي الغالب يكون محامي جمعية أو شركة ينتمي إليها السائق، وحضر محامي إدارة المرور مع السائق والضابط وهناك يبت في الأمر في صالح أحدهما وينتهي الأمر.

وأنا عندما أذكر مثل هذه الحادثة أريد من ورائها التنبيه على احترام الإنسان لأخيه الإنسان، ولا سيما إذا كانا مسلمين. فإن جندي المرور في بعض بلدان الشرق يشتم السائق ويهدده، وسرعان ما يرافقه إذا خالف ليسلمه إلى المسؤولين في إدارة المرور للتحقيق والتوقيف أو السجن.

وما الداعي لهذا، وفي الإمكان أن يسجل المخالفة مع رقم السيارة ورقم الرخصة، والاستمارة وعندما تجدد الرخصة أو في أي وقت يحدد الجزاء المناسب ماليا كان أو سحب رخصة القيادة إذا كان الأمر يستدعي ذلك، وإذا تكررت من سائق مّا المخالفة، جوزي بما يستحق من سجن أو غرامة أو سحب رخصة قيادة.

وليس في هذا الأمر صعوبة وقد وجدت أجهزة الخازن الكاشف (كمبيوتر) الذي يمكن من جمع المعلومات عن كل شخص وإظهارها في وقتها المناسب دون تحيز، وقد أصبح هذا الأمر مطبقاً اليوم في بعض بلدان الشرق. أخذ قائدنا بطاقة المخالفة ومضينا إلى المسجد وهناك تسلم الأخ صلاح الدين الشاب المرح السيارة وذهبنا إلى إدارة المرور للاستفسار عن إمكان حملنا ترخيصاً بالقيادة على ضوء رخصتنا المحلية.

في إدارة المرور.

وصلنا إلى إدارة المرور، وبدأ الأخ صلاح يسأل الموظفين الذين لا يجيبون بنعم أو لا، إلا إذا كانوا على علم بذلك، فترددوا في الأمر بين من يظن الإمكان ومن يظن عدمه، فاستدعوا امرأة تعتبر مستشارة قانونية فسألوها فأجابتهم: أن في إمكانهم ذلك لو كانت الرخصة مترجمة باللغة الإنجليزية مختوما عليها بختم جهة معتمدة.

والمؤسف أن رخصنا يملؤ جانبها العربي ويهمل جانبها الإنجليزي، والذي خرجنا به من هذه الإدارة أمران:

الأول: اهتمام الموظفين بأداء الخدمة على وجه يرضي صاحب المعاملة، وإظهار الأسف له إذا لم يمكن ذلك نظاماً..

والثاني: حسن سير العمل والنظام الذي مهما كثر فيه المراجعون لا تجد فيه الصياح والمدافعة اللذين يوجدان في أغلب إداراتنا ومؤسساتنا، ولذلك تسهل المعاملات وتنتهي مع كثرة المراجعين.

وبعد أن اعتذروا لنا وخرجنا قال الأخ صلاح الدين: (نو بروبلم) أي ليس في الأمر إشكال، فأنا سأقود لكم السيارة، حتى تغادروا شيكاغو، فشكرناه على ذلك وعدنا مرة أخرى لتناول طعام الغداء في بيت الأخ محمد نور، وبعد ذلك عدنا إلى الفندق لنرتاح وعاد كل من الأخوين إلى منزله، ولقد ارتحنا فعلا في فندقنا الجديد إذ كان بمنزلة الصحة بعد المرض فالحمد لله رب العالمين.

ومعذرة فسيجد القارئ اليوم كثيرا مما يذكر هنا أمرا غريبا لفقدغالب ما يذكر من المقارنة بين النظام الغربي وبين الأنظمة العربية اليوم، ولكن المقارنة بينهما في ذلك الوقت غير غريبة!