أقلعت بنا الطائرة من مطار ديترويت في تمام الساعة العاشرة صباحا، وصلنا إلى مطار شيكاغو في الساعة الحادية عشرة تقريبا.


في مدينة شيكاغو


حنين وتسلية..!


قابلنا الأخ محمد نور السوداني الذي تخرج في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، وكنت أيامها مسؤولاً عن شؤون الطلاب، وكان محمد نور من ذوي الطاقات العاملة في النشاط الطلابي، إذ شارك في الرحلات والندوات والجمعيات المختلفة، لذلك كان لقاؤنا معيداً لتلك الذكريات الطيبة، وكان قد سجل في جامعة الملك عبد العزيز بجدة في الدراسات العليا، مرحلة الماجستير.

ولكن لظروف طارئة غادر مكة المكرمة إلى الكويت، و ابتعثته وزارة الأوقاف الكويتية إلى الولايات المتحدة الأمريكية، ليعمل مع البلاليين هناك، ولا يزال يحن إلى الكعبة الشريفة التي جاورها لمدة سنتين حنين الطفل إلى أمه، وكذلك المسجد النبوي الذي لم يغادره طيلة أربع سنوات، عندما كان في الجامعة الإسلامية إلا نادراً، ولكن ينبغي أن يتسلى هو وغيره بالعمل والدعوة إلى الله في أي مكان [ولقد أصبح الأخ الشيخ محمد نور عبد الله رئيساً للاتحاد الإسلامي في أمريكا الشمالية، فنفع الله به نفعاً عظيماً، ولله في تدبيره حكم.. ].

يقول عبد الله المبارك:

يا عابد الحرمين لو أبصرتنا
من كان يخضب خده بدموعه
أو كان يتعب خيله في باطل
ريح العبير لكم ونحن عبيرنا
ولقد أتانا من مقال نبينا
لا يستوي غبار خيل الله في
هذا كتاب الله ينطق بيننا



لعلمت أنك في العبادة تلعب
فنحورنا بدمائنا تتخضب
فخيولنا يوم الصبيحة تتعب
رهج السنابك والغبار الطيب
قول صحيح صادق لا يكذب
أنف امرئ ودخان نار تلهب
ليس الشهيد بميت لا يكذب



سائق مخيف..!


استأجرنا سيارة صغيرة لتوصلنا إلى الفندق الذي تم الحجز فيه عن طريق الأخ محمد نور في وسط المدينة، وكان السائق زنجياً عنيفاً في قيادته، إنه يكاد يقفز بسيارته على سيارات الناس التي أمامه. على خلاف عادات كثير من السائقين في الغرب، ويخاتل السائقين فيسبق هذا ثم يستعد لسبق آخر، لقد كدت أن أطلب من الأخ محمد نور أن يوقفه، ولكن خشينا إن علم أننا متضايقون من قيادته أن ترتفع درجة الحرارة عنده، لقد كان شبه مجنون، ولا أستبعد أن يكون ثملاً من آثار الشرب أو الحشيش، ولكن الله سلم فوصلنا بسلامة الله وحفظه إلى الفندق الثاني في رحلتنا، تذكر أن الفندق الأول هو فندق "لندن".

فندق روزفلت..!



فندقان متشابهان، والفرق بينهما من وجهين:

الوجه الأول: أن اختيار فندق لندن كان من قبل قوم غشاشين.

الوجه الثاني: أن هدفهم أن يحتالوا على أكبر عدد ممكن لابتزاز أمولهم بأسلوب ظاهره شرعي.

حديث عهد حيِيٌّ.



أما فندق "روزفلت" فقد اختاره لنا أخ حبيب وصديق حميم، لا نشك في أنه يحب لنا ما يحب لنفسه وما أراد إلا راحتنا، ولكن ما قصة الفندق وكيف كانت؟

الأخ محمد نور حديث عهد بسكنى مدينة شيكاغو، ورجل حيِيٌّ قنوع ليس عنده وسيلة للمواصلات، وفي نفس الوقت مشغول بأداء عمله الذي نرجو أن يكون يؤديه بإخلاص وإتقان في سبيل الله وحده، لهذا لم يتمكن من معرفة البلدة، لأنه لم يتجول فيها ونحن عندما اتصلنا به كان تصورنا غير ذلك، كنا نظن أنه على علم بالبلدة وعنده وسيلة مواصلات، وأخطأ ظننا، كما أنه لحيائه وعفته لم يستعن بأحد من الذين لهم خبرة بالبلد، فقابلنا وحده في المطار.

خداع العناوين..!

وعندما أرد الحجز لنا في فندق أخذ يقلب دليل الفنادق ويستعرض الأسماء، فعثر على هذا الكنز الثمين، فندق روزفلت، وهل يمكن أن يكون فندق سمي باسم هذا الزعيم الكبير غير مريح..؟!

لذلك اتصل بمدير الفندق وطلب منه حجز غرفة بسريرين كما طلبنا، وعندما وصلنا إلى الفندق ودخلنا مكان الاستقبال همست لزميلي خلسة من الأخ محمد نور، ألا تظن أن هذا الفندق هو الفندق الثاني؟ فرد هامساً أيضاً: سننظر.

ودخل علينا زنجي كبير السن يتخبط في مشيه، فاغراً فاه، ولسانه شبه معول، وهو يمد يده على أكتاف الناس، واتضح أنه سكران ورأينا أشباهه في الشارع أمام الفندق، وكنت أقول في نفسي: اللهم سلمنا من هذا الفندق كما سلمتنا من فندق لندن..!

المصعد والعصا..!


وبعد الإجراءات اللازمة دخل معنا الفرَّاش في المصعد الذي يفتح ويقفل بيد شبيهة بيد الباب، وبيد الفراش عصا لا ندري لماذا يحملها، ولكن قلت في نفسي: أما أن يكون بعض نزلاء الفندق يفقدون وعيهم من السكر ويعتدون عليه أو على النزلاء الآخرين، فيحاول أن يدافع بعصاه، أو يكون في الفندق ثعابين وعقارب لكثرة أوساخه ومداخله القديمة المتداعية، وكلا الأمرين بلاء، وإذا أراد أن يوقف المصعد فإنه يبدأ بمعالجته في الدور السابق للدور الذي يريد إيقافه فيه.

أسف وتسلية.


وقَفَنا الفراش عند باب حجرتنا التي تطل نافذتها على الشارع، وأخذ يدفع الباب الخشبي القوي فانفتح ودخلنا الغرفة، وأخذنا ننظر في أرجائها نظرة نفور واشمئزاز، وأحس ذلك أخونا محمد نور الذي أبدى أسفه لنا، وذكر قصة الاختيار وسببه، فطمأناه بأن الأمر سهل وأن فندق لندن قد سبق فندق "روزفلت"، ويمكننا أن ننتقل منه غدا بإذن الله وهذا فندق تاريخي يحمل اسم زعيم كبير..!

ثم قلت له بعد ذلك: إن إبليس هو قدوة هؤلاء القوم، فقد وصف العصيان وثماره السيئة بأوصاف مغرية فقال لآدم: {هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى}[طه 130] وإضافة إلى ذلك فإن زعماء الكفر لا يمكن أن يأتينا منهم خير إلا ما لهم فيه مصلحة، فأراد الله أن يثبت ذلك حتى في أسمائهم لئلا نركن إليهم أي ركون، كانت نكات لطيفة.

أردنا أن ندخل بيت الخلاء فإذا بابه لا يغلق، وإنما يرد فقط فظننت أنه يحتاج إلى دفع كما دفع الفراش باب الغرفة، فدفعته قليلا خشية إزعاج الأخوين الزميل والصديق، وإذا هو مثل مرحاض فندق لندن، ولكن زميلي اكتشف شيئا آخر فيه ظهر أنه فاق مرحاض فندق لندن في السوء..!

ولماذا السلالم..؟!

ونظرنا إلى الشارع من النافذة فرأينا أن سلالم من الخشب مبنية في جدار الفندق، متصلة به من أسفله إلى حجرتنا، فقلنا: وهذه مصيبة أخرى، ماذا يجري لو صعد إلينا سرب من السكارى؟ فأغلقنا النافذة وتوكلنا على الله!

إلى زعيم البلاليين.


كان الأخ محمد نور قد أخبر زعيم البلاليين، وهو ابن أليجا محمد، ذي الأفكار الهدامة التي أخذها من المسيحية واليهودية والقاديانية، ونسبها إلى الإسلام، بل إنه ادعى الرسالة، ولكن ابنه المدعو عند قومه "ولس دين" ويدعوه العرب: "وارث الدين" قد أظهر بعد وفاة أبيه بمدة محاولة إصلاحية في مفاهيم أبيه، فبدأ يقيم بأتباعه الصلاة ويصحح بعض الأفكار، كما قرأنا ذلك قبل أن نجتمع به في بعض المجلات الإسلامية، فطلب من الأخ محمد نور أن يحضرنا إليه ليجتمع بنا، فذهبنا إلى المسجد الذي فيه جميع مكاتبه الإدارية، وعندما أردنا الدخول طلب منا أن نعبر عن طريق الممر الذي وضع به جهاز كشف السلاح، مثل الأجهزة التي توضع في المطارات، والأماكن التي يخشى فيها من المسلحين فدخلنا، وكان غائبا عن المسجد فانتظرنا قليلاً.

وعندما أذن المؤذن وأقيمت الصلاة صلى بنا الأخ السوري، محمد مازن علوان الذي يدَرِّس في نفس المسجد مع محمد نور، وهو على نفقة رابطة العالم الإسلامي، واختصاصه في الطب، ولكن له اطلاع جيد، فقد درس على بعض العلماء في سوريا في صغره وفي وقت طلبه العلم في المدارس النظامية وهو شاب صالح أيضاً. وبعد الصلاة قابلنا الأخ محمد مازن وتعرف علينا وحدثنا عن عمله مع البلاليين وبصرنا ببعض الأمور التي تهمنا.

ترحيب وشكر.

وبعد نصف ساعة تقريباً جاء ولس دين الذي يدعوه أتباعه بالإمام، فرحب بنا وقدم لنا بعض المرطبات وتعارفنا، وأبدينا له سرورنا بما سمعناه عنه من أنه بدأ يصحح المفاهيم التي كان والده يعتقدها ويلقيها لأتباعه، وطلبنا منه أن يستمر في هذا التصحيح، لأن الإسلام يجب فهمه من كتاب الله وسنة رسوله لا من بنيات أفكار الناس.
طلب لا يرد.


طلب مني أن ألقي حديثاً في أتباعه بعد عصر هذا اليوم الثلاثاء الذي اعتاد أن يجتمع فيه أتباعه في قاعة المحاضرات العامة بجوار المسجد فلبيت رغبته، وكانت الكلمة تدور حول المعاني الآتية:

- الهدف الذي خلق الله الخلق للسعي إليه، وهو رضا الله بعبادته.

- والوسيلة إلى ذلك وهي العلم والعمل الصالح المبني على الإخلاص لله ومتابعة رسوله صلى الله عليه وسَلم.

- بيان أن الناس انقسموا تجاه هذا الهدف وتلك الوسيلة قسمين: كفاراً ومنافقين وهم الذين خرجوا عن القانون الإلهي ويعيشون معيشة ضنك في الدنيا والآخرة، ومسلمين وهم الذين استقاموا على دين الله ودعوة الناس إليه وصبروا على أذاهم، وأنه يجازى كل قسم يوم القيامة بما قدم.

ـ أن الناس لا يتفاضلون إلا بالتقوى {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [الحجرات: 13.] فلا فرق بين عربي وعجمي ولا بين صاحب لون وصاحب لون آخر.

- إيضاح أنه لا يوجد اليوم في الأرض دين حق سوى دين الإسلام، وأن على جميع الناس أن يدخلوا في هذا الدين، وكان الزميل الدكتور محمد بيلو قد عرف الحاضرين بمهمتنا والبلدان التي زرناها وسنزورها بعد.

ثم ألقى إمام البلاليين كلمة رحب بنا فيها، وأشاد بالدعوة الإسلامية التي انطلقت من مكة المكرمة، وقويت شوكتها في المدينة المنورة التي أصبحت عاصمة الإسلام الأولى والتي كان لأهلها السبق في نصرة الرسول صَلى الله عليه وسلم وإيواء أصحابه المهاجرين، وكانت عواطف الحاضرين جياشة عبروا عنها بالتكبير الذي ارتجت به جنبات القاعة، وقد اعتادوا الاجتماع لسماع الدرس الذي يطلقون عليه درس الثلاثاء، حقق الله لهم من يقودهم بدرس الثلاثاء إلى الإسلام الذي ارتضاه لعباده.

ملحق باستقالة وارث الدين محمد من قيادة جماعته

[المسلمون السود في أميركا في حيرة إثر استقالة أحد أهم زعمائهم..
http://www.asharqalawsat.com/view/news/2003,09,15,192924.html
شيكاغو (الولايات المتحدة): تيريزا واتانابي..

تمثل الاستقالة الأخيرة للإمام وارث دين محمد، احد أهم زعماء المسلمين الأمريكيين السود، نقطة تحول بالنسبة للمنظمة التي يرأسها منذ نحو 30 سنة. ويخشى بعض المحللين من أن تجعل الاستقالة المفاجئة لدين محمد من تزعم «جمعية المسلمين الأمريكية» المنظمة الأخيرة في مشكلة البحث عمن يوحد أكثر من 300 مسجد تابع لها في الولايات المتحدة.

وقال صادق سفير، إمام «مسجد عبد الله» بلوس انجلوس أن استقالة محمد «خسارة مدمرة»، والخطر هو أن يصبح المسلمون السود مجزئين ويظهر العديد من القادة الذين يقودون الناس إلى اتجاهات مختلفة. لكن آخرين قالوا إن استقالة دين محمد تستطيع أن تشجع المسلمين السود على اتخاذ مبادرات شخصية أكثر لتطوير وضعهم وعرض القيم الإسلامية في أمريكا بطريقة أفضل. ومن جانبه، قال ناجي علي، صهر دين محمد الذي يدير «هوب» (الأمل) المؤسسة الإسلامية التي تتخذ من لوس انجلوس مقراً لها: «بالنسبة للأمريكيين الأفارقة، سنرى بداية نهضة للإسلام في أمريكا».

كذلك، قال فهيم صهيب، إمام «مسجد الوارثين» في أوكلاند بكاليفورنيا: إن استقالة محمد ربما ستساعد المسلمين السود على تجاوز «عقدة المسيح الضحية»، إذ أننا «ظللنا معتمدين أكثر على الشخصيات الكاريزماتية التي تجلب لنا اللحم إلى المنزل بينما نبقى نحن جالسين نتفرج».

ويعتبر دين محمد، 69 سنة، واحداً من أكثر الشخصيات المحورية في تاريخ الإسلام الأمريكي. ففي عام 1975، افزع العالم عندما رفض فكرة تأسيس منظمة «أمة الإسلام» على يد والده أليجه محمد، واختار العمل من خلال تنشيط المساجد في الولايات المتحدة. وقد تم لاحقاً إحياء «أمة الإسلام» من قبل لويس فرقان.

وقال محمد دين الشهر الماضي إنه سيواصل توجيه أتباعه عبر المسجد الذي يؤمه في شيكاغو، لكنه لن يواصل الإشراف اليومي على نشاطات منظمته الخاصة بكل المساجد في أمريكا.

وقال أئمة عدد من المساجد في أمريكا: إنه لا يمكن بروز شخصية تعوض محمد، وبذلك بدأوا يطرحون فكرة تشكيل مجلس يتخذ القرارات الخاصة بنشاط المنظمة جماعياً. لكن آخرين بدأوا ترشيح شخصيات مثل الإمام ايرل عبد الملك محمد الناطق الوطني باسم المنظمة أو أئمة بارزين آخرين في نيويورك واتلانتا وأوكلاند. وقال علي انه يخطط لتنظيم استفتاء وسط اتباع دين محمد للوقوف على رأيهم في كيفية إدارة شؤون المنظمة.

المصدر: خدمة «لوس انجليس تايمز» ـ خاص بـ«الشرق الأوسط»].. أ. ﻫ.