الدرس الثاني في المسجد:

وبعد مغرب يوم السبت تم إلقاء الدرس الثاني وكان كله يدور حول جواب على سؤال بعض الحاضرين الذي وجهه على الوجه الآتي: ما سبب عدم التزام المسلمين بواجبات دينهم وفعل ما حرم الله عليهم مع علمهم بذلك؟ ثم فتح المجال المعتاد لأسئلة أخرى للإجابة عليها شارك في بعضها زميلي الدكتور بيلو.

صلح المسلم رفض، وحكم الكافر طلب..!

وبعد صلاة العشاء من هذا اليوم جاءنا الأخ فوزي مرعي إلى الفندق واستمرت محاولتنا معه من أول ما دخل إلينا إلى أن صلينا الفجر، ليرضى بالصلح بينه وبين عبد الغفور، ولكن دون جدوى، إذ صمم أنه لا صلح مع عبد الغفور إلا تسفيره من أمريكا، والرجل حاد الطبع سريع الغضب بطيء الفيء أيضا، يطلق لسانه دون أن يفكر فيما يقول، فقد نال من خصمه بما لا يجوز له، كما حرض عليه آخرين وأغراهم بالاتصال بنا شخصياً أو عن طريق الهاتف، ليؤكدوا ذم عبد الغفور والشكوى منه، ظناً منهم أننا جئنا للتحقيق في القضية، ونحن قد نفينا ذلك في المسجد.

لو كانوا شَكَوا شَكْوى عادية لهان الأمر ولبقينا من أجل المصلحة، ولكن كلامهم كله كان كلام سب وشتم ودعاوى واضحة البطلان، فقد اتصل بعضهم بي شخصياً في الهاتف وأخذ يحدثني عن عبد الغفور الشيوعي، وأخذ يسبه لمدة لا تقل عن ساعة، وأنا لا أزيد على السماع إلا إذا خشيت ظنه أني قفلت الهاتف فأقول له: نعم، وكان ذلك ثقيلاً على نفسي، وجاء آخر بنفسه وأخذ يفتح ملفات الإجرام الصادرة من عبد الغفور التي لم أر فيها إلا وقوفه ضد المنكر الذي ألفه الناس، واستنكروا وجود المعروف كما قال من قبلهم: { قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيد} [هو 87].

وبقي هذا الرجل عندنا أكثر من ثلاث ساعات ونحن لا نزيد على السماع منه، ثم نصحناه في آخر الأمر بتقوى الله، وودعنا غير راض بذلك الوقت فيما يبدو. وقد حضر الخصمان وبعض أعوانهما ومحامي كل منهما، إلى أحد قضاة البلدة، وعندما عرف القاضي ـ وهو نصراني ـ أنهما مسلمان قال لهما:

ألا تشعران بالخجل إذ تخرجان من بيت من بيوت الله دون أن تحكماه بينكما وتصطلحا ويقر من عنده الحق بالحق لصاحبه، وتأتيا إلي وأنا العبد الضعيف لأحكم بينكما؟!

وقد أخبرنا كلا الخصمين بهذا، عبد الغفور أخبرناه مباشرة وفوزي أخبرنا عن طريق الهاتف، فكانت موعظة للمسلمين من غير مسلم، ولكنها لم تقبل ولا حول ولا قوة إلا بالله.

وخشينا أن تحدث فتنة، فتشاورنا أنا وزميلي وقررنا السفر يوم الثلاثاء فحجزنا واتصلنا بأخينا في الله الشيخ محمد نور السوداني الذي يعمل مع البلاليين على نفقة وزارة الأوقاف الكويتية ليرتب لنا منهج زيارة نافعاً في شيكاغو كما سيأتي.

الاثنين 5/8/1398ﻫ دفاع المنتصر..!

في صباح هذا اليوم تجولنا في بعض أسواق المدينة ـ وفي طريقنا إلى بعض الأسواق الضخمة التي يوجد فيها كل الأغراض المطلوبة، كل صنف من البضاعة يوجد في طابق منها تناولنا طعام الغداء في أحد الفنادق الفخمة، وهنا حصلت قصة طريفة، لا زلت كلما تذكرتها أضحك من أجلها: كنت لابساً لباسي العربي، وكان الناس يكثرون الالتفات نحوي لغرابة اللباس هناك، ولكن التفاتهم - في الغالب - يكون خلسة و مسارقة، وسمعت من الأخ عبد الغفور أن الالتفات إلى شخص ما، يعتبر غير لائق عند الأمريكيين، فإذا صوب أحد نظره إليك والتفت أنت نحوه، فإنه يشعر بالخجل ويعتبر التفاتك إليه نوعاً من الاحتجاج والعقاب.

ولقد أخذت هذا السلاح، فكنت إذا رأيت من يلتفت إلي التفت نحوه فيصرف نظره بسرعة، وكأنه لم يكن ينظر إلي، وفي هذه المرة كنا على طاولة الطعام فمر شيخ عجوز من عمال المطعم، فنظر إلي ونظرت أنا إليه، ومن شدة محاولته إخفاء التفاته صرف نظره بسرعة وهو يمشي فتعرقلت رجله بأحد المقاعد، فوقع على الأرض، ثم تجلد فوثب قائماً وأخذ يسعى بعيداً عنا، فأخبرت الأخوين، زميلي الدكتور بيلو والأخ عبد الغفور فأخذا يشاركاني الضحك.

الآلة والبطالة..!

ثم صعدنا إلى الطابق الأول في الفندق فوقفنا في قاعة صغيرة نسبياً، لنرى القطار ـ أو المترو ـ واقفاً، فخرج الركاب منه ودخلنا نحن، وعندما أخذنا مقاعدنا نظرنا إلى مقدمة هذا المركب الذي يذهب ويجيء على جسر معلق في الهواء، بين الفندق والعمارة التجارية التي نريد الذهاب إليها، نظرنا لنرى القائد فلم نرى أحداً، وعندما سألنا عن ذلك ـ وكنا نظنه يختفي في مكان ما منه قال الأخ عبد الغفور: إنه يسير ذهاباً وإياباً بنفسه عن طريق الكهرباء، ويتقابل هو وزميله في منتصف الطريق دائماً، هذا ذاهب وهذا عائد.

قلنا في نفوسنا، نركب مع الناس، وهذا المركب قد جرب، وقد أمنه الناس على أنفسهم مدة طويلة، فما يُظن به أنه يخرج عن طريقه، أو يتجاوز موقفه وذكرنا اسم الله الذي سخره لنا وسخر عقول بعض خلقه كذلك.
وهنا استحضرت ثلاث ملحوظات:

الملحوظة الأولى:


أن أهل الغرب أتعبوا أنفسهم وكدوا عقولهم لاستخدام ما سخره الله تعالى لهم في هذا الكون، وسلكوا السبيل المطلوب لهذه الاستفادة، فكانت النتيجة أن تحقق لهم كثير مما أرادوا. لذلك ترى مالك الآلة نائما وهي تخدمه طول الوقت، هذا في الأمور المادية البحتة.

الملحوظة الثانية:

أن الآلة حلت محل الإنسان في كثير من الأعمال، فتعطل كثير من الناس عن العمل، ولذلك ارتفعت الشكاوى من البطالة، لأن هناك مجالات أخرى غير هذا المركب، كالمصانع التي يكفي شخص واحد ليدير ألوفا من الناس، عن طريق جهاز الكمبيوتر والمراقبة، يكفي أن يضغط شاب على زر لتشغيل المصنع بكامله، بل إنك تستطيع أن تتعامل مع الآلات في صرف نقودك، فتدخل النقود الورقية في الآلة فتضغط على أحد المفاتيح فتخرج لك عدد القروش المماثلة دون زيادة أو نقص، تصور لو كان ذلك عن طريق الناس كم كان يحتاج من الوقت ليعد لك ولغيرك تلك النقود المعدنية، وكم يحتاج من البشر ليكفي عشرات الناس في الدقيقة الواحدة؟

وتتعامل مع الآلة في شراء بطاقات دخول القطار، فتذهب إلى الآلة وترمي لها النقد المعدني ثم تضغط على المفتاح فإن كان النقد هو المطلوب رمت لك البطاقة في محفظة سفلى، و إن كان أكثر من المطلوب ردت لك الباقي وأعطتك البطاقة، وإن كان أقل منه انتظرت حتى تكمل.

وتتعامل مع الآلة في شراء أنواع الأشربة، إذ توجد بها العلب وعلى كل نوع كتبت قيمته، فما عليك إلا أن ترمي النقد المطلوب ثم تضغط على المفتاح المختص فيرمي لك العلبة التي أردت. وهكذا إن شئت قهوة بسكر كثير أو قليل، أو بغير سكر ساخنة أو باردة، فإن الآلة تتعامل معك في أسرع وقت وبدون خصام.

بل ذكر لنا، أن بعض الآلات تتعامل معك في الطعام الساخن والبارد،
وهذا ما لم نره هنا ولكنا رأينه في اليابان، وهكذا.. بل إن البنوك تتعامل معك في أيام العمل وأيام الإجازات في الليل والنهار، إذ تأتي إلى فتحة صغيرة فترمي فيها بطاقتك، وتذهب الآلة تسأل أخواتها إن كان بقي لك شيء يكفي المبلغ المطلوب؟ فإن كان موجودا فإنه يأتيك في أسرع وقت، وإلا رجعت لك بطاقتك بعد الاعتذار لها.

إنني عندما رأيت بعض هذه الأمور وعلمت عن بعضها، وسمعت غير ذلك مما يدهش العقل، ورأيت الناس كيف يعملون في الحسابات وغيرها، خرجت بنتيجة أن هؤلاء الذين يستخدمون هذه الآلات قد أصبحت عقولهم آلات، عدا أولئك الذين يفكرون بعقولهم ويبتكرون ويخترعون فإن أمرهم مختلف، قل لي بربك: ألا تكون النتيجة هي الشكوى من البطالة.

الملحوظة الثالثة:

أن مجال هؤلاء العاطلين هو الدول المتأخرة في ترتيب نظمها، والتي يسمونها بالنامية، لذلك ترى الآلاف من الغربيين يؤمون هذه البلدان بطلب منها في مجالات مختلفة منها الخطير ومنها الحقير. وهكذا كان صاحبنا القطار الصغير، إلا إنه لم يعلّم أخذ النقود، بل يخدم دون مقابل ولكن لا يخدمك إلا لإيصالك إلى المتجر وإعادتك، وهناك في هذا المتجر الضخم لا يرجع هذا الراكب إلا بعد أن يشتري شيئا ما، ليس عن طريق الإجبار والترهيب، ولكن عن طريق الإغراء، فلكل واحد ما يعجبه في هذا المتجر، إن لم يكن في هذا الطابق ففي الذي يليه، ولهذا فلا حاجة لهم إلى دفع قرش أو قرشين فستدفع ما يكفي وزيادة.

ومن فوائده لهم أن المتجر لا يدخله الناس إلا عن هذا الطريق الذي يسهل لهم المراقبة، وهناك أجهزة مراقبة في المتاجر الكبيرة يكون الإنسان فيها مكشوفا في شاشة التلفزيون الخاص تصوره الكاميرا على ما هو عليه.

ومما لوحظ في هذا المتجر وغيره أن الأجهزة السلكية واللاسلكية الموجودة في أمريكا أغلبها من صنع اليابان، وذكر الأخ عبد الغفور وغيره كذلك، أن أجهزة الراديو المصنوعة بأمريكا لا يسمع بها إلا الإذاعات المحلية، ما عدا أجهزة قليلة جدا ليس في استطاعة كل واحد اقتناؤها، لغلائها تسمع بها الإذاعات الخارجية، أما الأجهزة المصنوعة في اليابان فإن أكثرها تسمع منها الإذاعات الخارجية، وهكذا وجد أن المسجلات الجيدة يابانية. وسيأتي الحديث عن اليابان في حينه إن شاء الله.

وبعد تجول طويل في المتجر وأخذ بعض الأشياء الخفيفة تسلية للقطار الذي لا نريد أن يرانا خالي الوفاض من داره، رجعنا إليه فنقلنا إلى مكاننا الأول، وتركناه يتعامل مع غيرنا، وذهبنا إلى سيارة الأخ عبد الغفور وطلبنا منه أن يقودها، ولا يتركها تسير بنفسها، لأنها لم تدخل المدرسة التي تخرج فيها ذلك القطار. رجعنا إلى الفندق لنرتاح لأنا غدا مسافرون إلى شيكاغو.

ولقد كنا في غاية من الرغبة في البقاء في ديترويت، من أجل الجمع الغفير الذي يجتمع في المسجد، ومن أجل الرغبة التي كنا نلمسها في الحاضرين، حتى لقد بكى بعضهم وناشدونا البقاء لمدة أطول، وأن نبلغ المسؤولين في المملكة العربية السعودية بأن يتعهدوهم بالمرشدين، وأن يبعثوا لهم عددا من المدرسين، لتدريس أولادهم مبادئ اللغة العربية والمبادئ الإسلامية، حتى لا يضيعوا في المجتمع الأمريكي، غير أن الوضع الذي شرحته سابقا رجح لنا السفر..