جاء الأخ عبد الغفور قبل الأذان فنقلنا إلى المسجد الجامع الذي يقيم فيه الجمعة والجماعة ويدرس الناس فيه، كما يدرس بعض الأولاد‎، فانتظرنا في مكتبه الذي بجانب المسجد، واستقبلنا فيه بعض أعضاء الجمعية المشرفة على المسجد بتحيات حارة لمسنا فيها العاطفة المتطلعة إلى زيارات العلماء لتلك البلاد.

وعندما حان الوقت أذن المؤذن في مكبر الصوت، وهذا أمر غير مألوف في بقية المساجد في الغرب، وذكر عبد الغفور أن بعض الناس قد أبدوا استياءهم من ذلك ولكن التصميم الحاصل من أعضاء الجمعية جعلهم يرفعون اسم الله عاليا في بلاد الكفر، وقد لا يسمح لهم بالاستمرار في ذلك إذا طلب الجيران تدخل السلطات الحكومي.


وكنت أفكر في موضوع الخطبة، ولم أهتدِ إلى ذلك إلا قبيل صعودي المنبر، إذ ارتسم في ذهني الكلام على سورة العصر.

وكنت علمت أن المسجد يحضره العمال والمثقفون من أطباء وغيرهم. وعندما يكون الحاضرون خليطا من المثقفين والعوام، فإن مهمة الخطيب تكون صعبة لأنه لا بد أن يراعي هؤلاء وهؤلاء في أسلوب واحد بحيث لا يحس أحد الصنفين بتفاوت، وقد حاولت أن أفعل ذلك ما استطعت.

كأننا في أحد مساجد بلادنا المعمورة..!

ولقد ازدحم المسجد بالمصلين حتى صلى كثير منهم في قاعته السفلى، وما كنت أظن أن أجد إلا صفا واحدا، ومع ذلك فإني كنت أحس أن الكلمة التي تخرج تجد لها قلوبا مفتوحة، لاحظت ذلك في وجوه المصلين وكأن على رؤوسهم الطير.

لا بد أن نسير مع ركاب القطار.

وبعد أن صلينا قدمت لنا جنازة أحد المسلمين للصلاة عليها، وقد وضع في صندوق كما يعمل أهل تلك البلاد، وعندما سألت لماذا يعمل المسلمون هذا؟ ذكروا أنه لا يسمح بدفن أحد بدون ذلك، فذكرني هذا بما يردده المجاهدون من أن المسلم لا يقدر أن يعيش حتى في حياته الشخصية ولا يطبق في أموره الخاصة أحكام دينه، إلا إذا كان نظام دينه هو الحاكم، وإلا فسيكون ترسا في عجلة دولاب النظام الذي يعيش تحت ظله، أو كراكب من ركاب القطار لا يسعه تحويله عن وجهته، وإن كان كثير من المسلمين يجاهدون ما استطاعوا في تطبيق دينهم في تلك البلدان.

وبعد ذلك أعلن الأخ عبد الغفور أننا سنلقى دروسا بعد المغرب من كل يوم ابتداء من مغرب هذا اليوم.

وطلبنا من الأخ عبد الغفور أن نتبع جنازة هذا الميت حتى يتم دفنه، وعندما خرجنا من المسجد وجدنا أن قافلة السيارات التي تتبعه إلى المقبرة تحمل كلها بيارق صغيرة عليها علامة الصليب فاستكبرت ذلك! فقالوا أيضا: لا يسمح لسيارة بالدخول إلا بهذا الشعار فقلت وهذه أَطَمَّ من التي قبلها، فركبنا في سيارة الأخ عبد الغفور وليس عليها ذلك البيرق، وذهبنا قبل الموكب ودخلنا المقبرة دون أن يتعرض لنا أحد بسبب عدم وجود البيرق، وهناك انتظرنا حتى جاء الموكب وقد غطي القبر بالقماش الجوخ وفرشت جوانبه بالسجاد، وقائد الحراثة الذي يهيل التراب في القبر ينتظر، وهناك وجدنا نصبا على القبور كتب عليها اسم الموتى وتاريخ دفنهم، وبعض القبور عليها قطعة من البلاط كتب عليها ذلك، وليست القبور مرتفعة عن الأرض، والمسلم هناك يدفن بجانب النصراني.

وذكر الأخ عبد الغفور أن الميت يلبس بدلة جديدة شبيهة ببدلة الزفاف وأن الناس يغالون في ذلك، والمسلمون يعملون نفس ما يعمله الكفار، طرداً للميزان المادي عند الغربيين، ولو كان عندهم علم عن عذاب القبر ونعيمه وسؤال منكر ونكير، وأن الإنسان لا يبقى معه في قبره إلا عمله لما احتاجوا إلى هذا التكلف..!

وجاء الموكب وحمل التابوت الثقيل حتى وضع على حافة القبر وقد ربطت على القبر حبال ربطا خاصا يوضع عليها التابوت، ثم جاء المختصون وأخذوا يرخون الحبال شيئا فشيئا حتى نزل التابوت في مكانه وأهال الحاضرون شيئا من التراب عملاً بالطريقة الإسلامية في الدفن ثم ابتعدوا وأخذ قائد الحراثة يجرف التراب في القبر حتى انتهى..
وقال الأخ عبد الغفور: الآن لا بد أن نتقدم للدعاء للميت حسب السنة، وإلا فسيتقدم بعض المخرفين لقراءة التلقين المعتاد وهو مخالف للسنة، فقلت له: تقدم وافعل ففعل وعزينا أقرباء الميت، وحاولوا معنا أن نذهب معهم لتناول طعام الغداء إذ جرت عادتهم أن يفعلوا ذلك فاعتذرنا ورجعنا إلى الفندق.
جولة في الجزيرة.

وبعد العصر جاءنا الأخ عبد الغفور، فذهب بنا إلى الجزيرة الواقعة شرق الفندق والتي ذكر أن الولايات المتحدة اشترتها من كندا (الظاهر أنها اشترت قسط كندا منها) وعندما وصلنا إلى الجزيرة وتجولنا فيها رجعنا إلى شاطئ النهر الشمالي فوجدنا مكاناً خالياً من الناس، فمكثنا هناك حتى جاء الوقت وذهبنا إلى المسجد حيث أدركنا الناس وهم يصلون فصلينا معهم.

الدرس الأول:

وبعد صلاة المغرب أعلن للناس الأخ عبد الغفور عن افتتاح الدروس، فبدأنا الدرس الذي كان يدور حول الإيمان بالله وأدلته والحكمة من خلق الجن والإنس، ثم فتح المجال للأسئلة الكثيرة إلى أن أذن لصلاة العشاء فصلينا وذهبنا إلى مطعم عربي لبناني تناولنا فيه طعام العشاء ولكن بعد فحص شديد كفحصنا لمطاعم الغربيين لعدم الفرق بينهما، لأن العرب المسؤولين عن المطعم نصارى أيضاً، إلا أن صنع طعامهم شرقي.

وعدنا إلى الفندق، وفي هذا اليوم قص لنا الأخ عبد الغفور مشكلاته مع بعض الجاليات الإسلامية التي قد سمعنا عنها من قبل، وكنا نود أن نصلح بينه وبينهم، بل كنت أقول لزميلي الدكتور محمد بيلو: لو لم يكن في رحلتنا هذه إلا الإصلاح بين هؤلاء القوم لكفانا.

؟حالقة الدين..!

لذلك عرضنا على الأخ عبد الغفور استعدادنا للصلح بينه وبين خصومه، وكان يائساً هو من ذلك. وحاول أن يدخل اليأس في نفوسنا، ولكن ألححنا عليه، وذكرناه بالنصوص الواردة في الخلاف وذمه وفي مدح الاعتصام والاتفاق ووجوب تحقيق الأخوة الإسلامية، وبعد مناقشة طويلة وافق على تدخلنا في الموضوع قائلاً: سوف لا تجدون قبولاً لذلك عند الآخرين وكنا اتصلنا بالأخ عمر الصوباني الأردني الذي يسكن في مدينة من مدن ولاية ميتشجان وطلبنا منه الحضور ليشاركنا في الإصلاح، لأنه قد بلغنا أن القاضي يحيى بن لطف الفسيل( ) اليمني رئيس مكتب التوجيه والإرشاد في صنعاء قد زار المنطقة وحاول الإصلاح كذلك، ومن ضمن ما عمله عندما لم ينجح في مهمته أن كون لجنة للإصلاح من ضمنهم الأخ عمر المذكور، والأخ الليبي علي رمضان أبو زعكوك، وهو طالب في إحدى الجامعات في الولاية أيضاً، ولكن هذا الأخير لم نجده.

أما الأخ عمر فقد جاء جزاه الله خيراً وبقي معنا يومين في محاولة جادة مع الطرفين، وقد تلمسنا الأخبار أولا من بعيد فتأكد لنا عن عبد الغفور ما يلي:

عندما بعثته دار الإفتاء، جاء إلى ديترويت، وكان أول من أعانه ووقف بجانبه الحاج فوزي مرعي الفلسطيني ضد رئيس الجمعية السابق وهو فلسطيني أيضاً، ولكنه هو وجماعته كانوا يستعملون قاعة المسجد السفلى لاحتفالات ـ الجاليات في الأعياد ومناسبة الزواج وغير ذلك ـ ويحصل في ذلك ما يحصل من المنكر: تكشف النساء واختلاط الرجال بهن، مع الرقص واستعمال آلات الملاهي، وأن المسجد لم يكن يفتح للصلاة إلا نادراً، لعدم وجود إمام متفرغ فيه.
أمر بالمعروف فحورب..!

وكان الأخ عبد الغفور ينكر عليهم ذلك بشدة ويقول لهم: إن المساجد لله، وبنيت لذكره، فلا يجوز استعمالها فيما هو محرم في غيرها. ولكن القوم ألفوا ذلك ودأبوا عليه فلم يسمعوا له قولاً، فوقف فوزي بجانب عبد الغفور، وانتهى الأمر بانتخاب جديد لأعضاء الجمعية فكان فوزي هو الرئيس في هذه الدورة، ومضى الأخَوَان في تعاون ووفاق.

واعتزل الجمعية من لم يرض بما حصل، وكان المسجد يفتح في جميع الأوقات.

وذكر بعض أعضاء اتحاد الطلبة المسلمين أنه حضر المسجد في بعض الأوقات العادية التي هي في أيام عمل وليست في أيام إجازة، فوجد وراء الإمام ثلاثة صفوف، وذلك نادر في مساجد الولايات المتحدة الأمريكية، فضلاً عن هذا المسجد الذي كان يعتبر مهجوراً.
أما في أيام الجمع فإن المسجد لا يتسع للمصلين، لذلك وسعوه من جهة القبلة، وهذا خير كثير إذا ما قورن بالمساجد التي تعتبر معمورة ولها من يقوم عليها وينفق الأموال الكثيرة.

ثم دب الخلاف بعد ذلك بين الأخ عبد الغفور والأخ فوزي واتسع الخرق على الراقع، فبلغ الأمر إلى أن دعا عبد الغفور إلى انتخابات جديدة حضرها بعض الأعضاء وغاب عنها بعضهم، ولما كان اليمنيون هم الأغلب وقد رأوا في عبد الغفور ما يجمعهم ويبصرهم بدينهم ويربطهم به، فقد تم انتخابه رئيساً للجمعية المذكورة.

عند ذلك طلب من فوزي تسليم الأموال التي بيده، بل التي أودعها في البنك باسم رئيس الجمعية. وأن يحاسِب المسؤولين الجدد بما تم في الأموال المصروفة، فرفض ذلك، فاشتد النزاع بينهم وتفاقم أمره.

ودخل الشيطان بين الإخوة فنفخ في كل واحد منهم ليسد الباب أمام الصلح، بل زاد أمرهم حتى كذب بعض الخصوم على خصمه واتهمه بتهم كاذبة، إذ كتب خصوم عبد الغفور للمسؤولين في المملكة العربية السعودية ـ بسبب أنه مبعوث من قبل بعض مؤسساتها ـ بأنه يتعاون مع الشيوعيين، بل اتهموه بأنه شيوعي هو نفسه، ويقال: إن راتبه قد أوقف وكونت لجنة لتقصي الحقيقة، فوجدوا أن الدعوى كانت كاذبة باعتراف خصومه، وذكر الأخ عبد الغفور أن راتبه أعيد بعد ذلك.

وقد دخلنا مع كل من الطرفين في نقاش طويل نحن والأخ عمر الصوباني، أما عبد الغفور فكنا معه باستمرار في سيارته، وفي الفندق وفي المسجد، لأنه هو الذي تولى مرافقتنا من أول وصولنا. وأما فوزي مرعي فقد سهرنا معه ليلة كاملة، كما سيأتي الكلام عنها.