العقول المهاجرة!

الثلاثاء 29/7/1398ﻫ

كنا على موعد مع الطبيب الباكستاني المسلم الذي يحمل الجنسية الأمريكية، إنه من العقول المهاجرة (شهيد أطهر) من أجل الكشف الطبي العام، نقلنا إلى المستشفى الأخ السوداني عز الدين يوسف علي وهو طبيب أيضا ضُويِقَ في بلاده فهاجر إلى بلاد الغرب التي تتلهف لاقتناص أي إنسان نافع، بخلاف كثير من بلدان العالم الإسلامي، وقد ذكر لي الأخ عز الدين أنه قد تم تعاقده مع جامعة الرياض ليكون مدرساً في كلية التربية: الطب النفساني.

وكان الكشف عند الدكتور شاملاً لتحليل الدم والكشف على القلب، ثم أحالني إلى الأشعة للكشف العام، وكنت قد تناولت طعام الإفطار الذي لم يكن في ذلك اليوم ضعيفاً كالمعتاد، فطلب مني أن أعود غداً الأربعاء صائماً ففعلت: المقصود بالصوم هنا الصوم اللغوي، إلا أنه تم الكشف على الأعصاب.

في يوم الأربعاء 30/7/1398ﻫ

نقلنا الأخ السوداني عوض عثمان بسيارته إلى المستشفى، لأن الأخ عز الدين يوسف الطبيب الذي نقلنا بالأمس كان على موعد لدخول المستشفى لإجراء عملية جراحية خفيفة. ] [وقد اتصلنا به من ديترويت وعلمنا أن العملية كانت ناجحة، فحمدنا الله على شفائه.]

أتعبوني..!

وبعد انتظار قليل نادت الممرضة المختصة في بعض أقسام الأشعة ذاكرة لقبي: قادري، ولكن بنطق لم يفهمه إلا زميلي الدكتور، فقمت ودخلت غرفة صغيرة فخلعتُ ملابسي ولبست اللباس الرسمي الذي كدت أفر من المستشفى لنفوري منه، ولكني قد وقعتُ و لا بد من إتمام المشوار، فعزمت على زميلي الدكتور أن يدخل بحجة أني لا أقدر على التفاهم مع هؤلاء الناس [واتقاء للخلوة بالأجنبية] فكان لي ما أردت.

كنت أظن أن الزمن إذا طال بي هو ربع ساعة، وكان في أول الأمر ربع ساعة فعلاً وظننت أن الأمر انتهى، ولكن الممرضة قالت لزميلي: انتظرا ربع ساعة خارج الغرفة، ثم عودا، وعند تمام خمس عشرة دقيقة تماما قبل أن نتحرك خرجت تنادينا للدخول، وهكذا تكرر الأمر لمدة لا تقل عن خمس ساعات.

كانوا يطلبون مني أن أنقلب على جنبي الأيمن فيكشفون على الجنب الأيسر ثم العكس، ويحركون الآلة فتقف وأقف أنا معها شئت أم أبيت، ثم يضغطون عليها لتنام فتنيمني معها كذلك، وكانوا في كل مرة يطلبون مني أن أكتم أنفاسي فأكتمها حتى تكاد روحي تخرج، لولا أن الأجل لم ينته بعد، وهم يسرعون في إجراء الكشف فأستعيد نَفَسِي.

وكانوا يسقونني باستمرار سوائل ملونة(ملء كوب) مرة أشرب بنفسي، ومرة في كأس صغير بواسطة أنبوب صغير من البلاستيك، مثل أنبوب شراب الليمون ونحوه، وكان مذاق تلك السوائل صعبا عليّ فكنت أشربه وأكاد أتقيأ، وزاد الطين بلة أن بطني امتلأ فلم أقدر على شرب المزيد، ولكنهم صمموا على المزيد حتى أنقذني الله منهم فخرجت ولبست ثيابي، وقلت للدكتور: اذهب بنا قبل أن يتذكروا شيئاً فينادوننا مرة أخرى، فقد أتعبوني.


ومررنا بالطبيب الدكتور (شهيد أطهر) وأخبرنا ببعض النتائج الأولية من الكشف الذي حصل عنده، وكتب لنا بعض الأدوية، ووعد ببعث النتيجة النهائية إلينا في المدينة لذلك أخذ العنوان عنده، وقد فعل.

ألا يعلم من خلق؟!


وكنا ننتظر أن يعود إلينا الأخ عوض عثمان لنقلنا في سيارته، ولكنه اضطر لمرافقة الأخ الدكتور مالك بدر رئيس قسم علم النفس بجامعة الخرطوم، والذي كان من المشتركين في المؤتمر، وهو رجل متحمس للإسلام ومقبل على استخراج قواعد علم النفس من الكتاب والسنة، مقتنع بأن القرآن كله ما نزل إلا لإصلاح النفس الإنسانية، وأن كل من التمس إصلاح هذه النفس من خارج كتاب الله وسنة رسوله صَلى الله عليه وسلم، فإن مآله الفشل، لأن الخالق أعلم بخلقه وقد أنزل لهم ما يصلحهم. وقد نبهت الأخ مالكاً إلى نهج ابن القيم رحمه الله في استخراج المعاني النفسية من كتاب الله وسنة رسوله صَلى الله عليه وسلم.

كان الأخ عوض يرافقه في بعض أسواق المدينة، ولكنه لم يتركنا بدون أن يعمل على مساعدتنا لكوننا في انتظاره، فأخبر بعض المسؤولين عن الاتحاد فبعثوا لنا شاباً لبنانياً لا يزيد عمره في الغالب عن سبع وعشرين سنة، واسمه ناظم محمد سعيد منقاره، نال شهادة الليسانس من الجامعة اللبنانية في بيروت، حاز الأولية في دفعته، كما نال شهادة الماجستير بامتياز في الفيزياء من إحدى الجامعات الأمريكية وشهادة الماجستير في الكمبيوتر أيضاً، وقدم رسالتين فيهما.

وهو يعمل الآن مع اتحاد الطلبة المسلمين في الكمبيوتر، وله زوجة لم يرض بخروجها للعمل، كما أنها، كما يقول راضية ببقائها في البيت، على الرغم من أن الجو هناك يدعو المرأة والرجل معاً إلى الخروج، ولا تبقى في المنزل إلا المرأة الشريفة، وعلى الرغم من أن عملها سيدر عليه دخلاً مادياً يساعده على العيش هناك للغلاء الفاحش في الأسعار وأجور المنازل والمحروقات وغيرها، ويبدو على الأخ ناظم الصلاح والحماس لدينه، ويشكو من سوء معاملة النصارى له في لبنان، حيث حرموه من الابتعاث مع أنه كان الأولى به، لأنه الأول في دفعته، فقدموا عليه بعض زملائه النصارى الذين هم أقل درجة منه، وصدق الله العظيم القائل: {َلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنْ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنْ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنْ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِير) [البقرة 120} ومع ذلك فإننا نجد أكثر المسلمين يجاملون اليهود والنصارى وهم لا يجاملوننا إلا بألسنتهم في أوقات حاجتهم إلى المجاملة، كما قال تعالى: {يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ}[التوبة 8].

تسخير واستغلال.

ركبنا مع الأخ ناظم وبدأت أساله أنا عن دراسته وبلده وعمله، فذكر لي هذه المعلومات، وسألته عن الكمبيوتر الذي يعمل فيه الآن، فذكر أنه يعمل فيه مهندساً هو وشاب آخر معه، وأن هذا الكمبيوتر يختزن الآن المعلومات كاملة عن اتحاد الطلبة المسلمين وأعضائه من الطلبة وغيرهم، وكذلك معلومات عن زوارهم، وهو ميسر لهم الأعمال الإدارية.

كما أن هناك مشروعاً لتزويده بمعلومات الحديث النبوي الشريف، الأمهات الست وغيرها، بحيث يكون مستعداً لإعطاء أي معلومات تستدعى منه، عن الحديث ورواته وتراجمهم باختصار ودرجة الحديث، وهو الآن في دور التجارب، وهو يعمل بالحروف العربية والحروف الإنجليزية.

وكان من ضمن الأماكن التي زرناها هو مقر الكمبيوتر المذكور الذي تلقى معلومات عن زيارتنا قبل الوصول إليه، وعندما وصلنا رحب بنا بأسمائنا ووظائفنا بالخط العربي الواضح، وأبدى استعداده للإجابة عن أسئلتنا في حدود طاقته. [كان الكمبيوتر في تلك الأيام لعامة الناس في بدايات استعماله]

وإنه لمشروع يشكر عليه المسؤولون في الاتحاد، وكان على الجامعات الإسلامية في العالم العربي أن تعين الاتحاد بعالم من علماء الحديث على الأقل، يساعدهم بخبرته في إعطاء المعلومات لهذه الآلة السريعة الفائدة، والتي يجب ألا تعطي إلا معلومات صحيحة دقيقة من ذوي الخبرة والاختصاص.

كما أنه ينبغي للجامعات الإسلامية أن تحرص على استجلاب هذه الآلة على أوسع نطاق للاستفادة منها في الإدارة والعلوم الإسلامية على اختلاف تخصصاتها، وأن تبعث بعض طلبتها الصالحين الذين تثق فيهم من الآن للتدرب والتخصص في هذا المجال، حتى لا تضطر إلى التعاقد مع من هب ودب رغماً عليها] وقد ضمَّنت تقريري للجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة هذا الاقتراح الذي كان في تلك الأيام مما يتعجب منه، وأحمد الله الذي وفقني للاستفادة من هذه الآلة المفيدة.]

ألسنا أولى بعقولنا؟!

ولقد أبدى الأخ ناظم رغبته في الانتقال من أمريكا إلى بعض الدول العربية للعمل فيها، لا سيما المملكة العربية السعودية التي تهفو نفسه إلى الاستقرار فيها، ووعدته أن أبذل جهدي في الاتصال ببعض الجهات التي يمكنها الاستفادة منه للتعاقد معه، وقد تم الاتصال فعلا ببعض الجهات. وإن العالم الإسلامي لأحق بهذه العقول الإسلامية المفيدة من أعداء الإسلام الذين يقتنصون عقول أبنائنا بكل الوسائل.

تجول بنا الأخ ناظم في مدينة إنديانا بولس وفي بعض أسواقها دون أن ننزل من السيارة إلا قليلاً، لأن الوقت لا يتسع للتجول مشيا على الأقدام.

طاقة صامتة!

كما كنا على موعد مع الدكتور أحمد العسال الذي أعارته جامعة الرياض لاتحاد الطلبة المسلمين لمدة ستة أشهر، وله نشاط مفيد جدا هناك، والرجل يعمل في صمت ورزانة ويحاول جمع كلمة المسلمين ما استطاع إلى ذلك سبيلا، كنا على موعد معه لتناول طعام العشاء، كما تناولنا العشاء في الليلة السابقة في بيت الدكتور محمود رشدان، وصلنا إلى بيت الدكتور العسال وصلينا هناك المغرب والعشاء، وكان معنا الأخ الدكتور مالك بدر ذو النكات السودانية الطريفة التي كان يتحفنا بها كلما اجتمعنا به وغيره من الإخوة.

ومن منزل الدكتور العسال تم اتصالنا بالأخ الشيخ اليمني عبد الغفور البركاني الذي يعمل في مدينة ديترويت الصناعية في صفوف العمال والجاليات الإسلامية، ولا سيما العمال اليمنيين الذي يكونون الكثرة هناك وهو مبتعث من الرئاسة العامة للبحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد في المملكة، أخبرناه بموعد وصولنا غدا الخميس وطلبنا منه أن يحجز لنا في أحد الفنادق هناك.