الاثنين 28/7/1398ﻫ.

آمال وأعمال:

اصطحبنا بعض أعضاء اتحاد الطلبة المسلمين في إنديانا، وعلى رأسهم الأخ الدكتور محمود رشدان إلى المزرعة التي اشتراها الاتحاد لإقامة مشاريعه فيها، وهي تتكون من مائة وعشرين فدانا، كما قال الأخ محمود، وبها بعض المرافق التي تستعمل مؤقتا ريثما يتيسر لهم تعميرها حسب المخطط النهائي.

فيها مكاتب إدارية وغرف نوم تستعمل لضيوف الاتحاد من أعضائه ومن غيرهم ومطابخ، وقاعات للاجتماعات، ومسجد تؤدى فيه الصلاة، وهي مفروشة ومؤثثة تأثيثا طيباً. وبها أيضاً مستودع للكتب المتنوعة باللغة العربية واللغة الإنجليزية، وبها موظفون يستقبلون الكتب التي ترد للاتحاد من أمريكا ومن خارجها من بعض الدول العربية عن طريق المؤسسات الإسلامية، ويرتبونها كما يعدون الكتب التي تبعث إلى أنحاء العالم، الولايات المتحدة، ودول أوربا وأفريقيا وغيرها في طرود، ويكتبون عليها العناوين وهكذا..

وتنقسم هذه الكتب قسمين: قسم يأتي للاتحاد منحة من بعض المؤسسات الإسلامية، وهذه توزع بدون مقابل، وكتب يشتريها الاتحاد، وهذه تباع بثمن رمزي، وقد يوزعون بعضها لبعض المستحقين بدون مقابل.

وتحيط الأشجار بالمزرعة من كل جانب، بل إن في ناحية منها غابة كثيفة، وبحيرة من الماء المتجمع من مسايل الأمطار، وذكر الأخ محمود أنه يوجد بها الصيد، وقد بلغ مقدار قيمتها نصف مليون دولار، وإنها لفي غاية الرخص. [لقد تطورت هذه المؤسسة وغيرها من المؤسسات الإسلامية تطوراً عظيماً فيما بعد، وقد زرتها مرة أخرى في سنة 1405ﻫ كما سيأتي في الرحلة الثانية للولايات المتحدة الأمريكية في آخر هذا الكتاب.]

بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه:

ويعمل في المزرعة أحد المزارعين الأمريكيين على طريقة المزارعة الإسلامية بنسبة معينة من الغلة، وكانت عندئذٍ مزروعة بالذرة، وفي باب المزرعة رأينا اللافتة التي كتب عليها اسم الاتحاد قد كسر عمودها الذي نصبت عليه، فسألنا الأخ محموداً عن السبب؟

فأفاد أن بعض النصارى المتعصبين من الجيران يضايقونهم بعض المضايقات، وأنهم قدموا شكوى في المحكمة أبدوا فيها تضررهم من شراء الاتحاد لهذه الحديقة، بحجة أنهم لم يشتروها لمجرد إقامة شعائر دينية، وإنما للتجارة، قال الأخ محمود: وقد كسبنا الجولة الأولى في المحكمة وسنكسب الثانية إن شاء الله، والحق دائماً دامغ للباطل يقهر العقول قهراً على الإقرار به والحكم به، ولو في داخل النفس إذا كان صاحبها متبعا لهواه.

وتحدث الأخ محمود عن بعض المشاريع التي ينوون إقامتها على هذه الأرض، فذكر أنهم سيبنون عليها مسجدا كبيرا وقاعة محاضرات ومدرسة تكون نواة لكلية إسلامية (كلية شريعة) تجمع المدرسة بين الدراسات الإسلامية والمواد المطلوبة في مدارس الولايات المتحدة الأمريكية حتى يتمكن الطالب من حمل مؤهل للجامعات الأمريكية.

كما ذكر أن جميع المكاتب الإدارية للاتحاد سيضمها مجمع واحد، وستبنى بها مكتبة تضم الكتب الإسلامية باللغات المختلفة، كما ستبنى منازل لأسر المتفرغين للعمل، ومنازل لأسر الضيوف من أعضاء الاتحاد وغيرهم.

وذكر الأخ محمود مشاريع غيرها كثيرة، وأرانا مخططها الهندسي، وإنها في الحقيقة لآمال إسلامية طموحة، تستوجب الشكر لهؤلاء الفتية الذين أقاموا ولا يزالون يقيمون مشاريع إسلامية بجهودهم الخاصة واشتراكاتهم التي يقتطعونها من أرزاقهم من أجل الدعوة إلى الله [وقد نفذوا أكثر تلك المشاريع كما شاهدنا ذلك في زيارتنا الأخيرة لهم في آخر عام 1405ﻫ. كما سأتحدث عنها في الجزء الثاني من رحلة أمريكا.] وتقتضي أن يبذل أغنياء الأمة الإسلامية من حكومات وشعوب الإعانة المادية لهؤلاء الذين رأينا نفعهم في كل مكان حللنا به.

اتق الله يا رجل..!

وكان معنا في هذا اليوم الدكتور محمد عبد الرؤوف، رئيس المركز الإسلامي في واشنطن، الذي كان حاضرا المؤتمر، وكذلك الأخ عمر الصوباني الأردني الذي يحضر الدكتوراه في ولاية ميتشغان، وقد جرى بينهما نقاش حول موضوع استعمال بعض المسلمين للقاعات التابعة للمساجد للاحتفالات التي تقام في الأعياد، أو للزواج أو غير ذلك من المناسبات، فكان الأخ عمر ينكر ذلك إنكاراً شديداً ويقول: إن المساجد لم تبن إلا لذكر الله واستعمالها في هذه الأمور يعتبر معصية لا تليق ببيوت الله.

ولم يرق هذا الرأي للدكتور محمد عبد الرؤوف، فقال: إن ذلك لا شيء فيه، ويستدل بعمل الأحباش في مسجد الرسول ، ولكن الأخ عمر اشتد في نقاشه وقاله له: اتق الله يا رجل! إن هؤلاء الذين يعملون الاحتفالات الآن يرتكبون فيها معاصي بعري النساء واختلاطهن مع الرجال والرقص واستعمال أدوات الموسيقى والدفوف وغير ذلك من الفحش، وكان الدكتور لطيفاً في نقاشه لكبر سنه واهتزاز موقفه بالنسبة لموقف الأخ عمر.

متابعة مريبة!

كما كان يلازمنا أحد المسيحيين الذي حضر أيضا المؤتمر وكان يتنصت لكل كلمة تقال، غير أن الكلام انقلب إلى اللغة العربية التي لا أظنه يفهمها، والرجل متهم بأنه يهودي يتستر بالنصرانية، وهو يدرس الأديان في إحدى كليات اللاهوت، وإن وجهه لوجه متجهم للإسلام والمسلمين، وإن كان يحاول أن يظهر بغير ذلك، ولكن حسبنا الله ونعم الوكيل!

الشاب الأمريكي المسلم عثمان.

وكان من ضمن المشتركين معنا شاب أمريكي لا يتجاوز عمره الخامسة والعشرين، في تقديري، اسمه عثمان لولن، يحضر رسالة الماجستير في جامعة بنسلفانيا، لا أذكر عنوان رسالته الآن، ولكن موضوعها يدور حول مقاصد الشريعة الإسلامية في التخطيط المعماري أي كيفية بناء العمارة الإسلامية الشرعية والشوارع وغير ذلك.

والأخ عثمان شاب مسلم متحمس يتكلم باللغة العربية، بصعوبة، ويكتب بها أيضا وقد قرأ بعض الكتب الإسلامية المهمة مثل كتاب الموافقات للشاطبي وكتاب إعلام الموقعين لابن القيم وغيرهما كثير، وهو يفهم فهما جيدا، إلا أنه يبدو عليه نوع من التكلف الذي يدفعه إلى الاستشهاد بنصوص إسلامية من الكتاب والسنة ومن أقوال العلماء قد لا تكون في محلها، لذلك ناقشته كثيرا حتى فهمت مراده ونصحته بأن لا يقحم نصا من النصوص في أي موضوع إلا بعد فهمه فهما جيدا أنه في محله، وهو في الحقيقة طالب علم يريد الحق، ولذلك لم يتردد في قبول نصيحتي..

وعندما سألت الأخ عثمان عن أسرته وموقفها من الإسلام أجاب أنه يحاول بجد إقناع أبويه بالدخول في الإسلام، وأنهما راضيان عن إسلامه، ولكنهما لا يحبان الالتزام بأحكام الإسلام. تناولنا بعد ذلك طعام الغداء وعاد بنا الأخ محمود إلى الفندق.