يوم السبت 26/7/1398ﻫ

بدأ الاجتماع –مؤتمر علماء الاجتماع-من الساعة الثامنة صباحاً واستمر إلى الساعة الثانية بعد الظهر تقريبا، ثم استؤنفت في الساعة الرابعة واستمر إلى الساعة العاشرة مساء.

يوم الأحد 27/7/1398ﻫ

وهكذا استمرت الاجتماعات طيلة يوم الأحد الذي تم فيه اختتام الجلسات، قبل قراءة التوصيات والقرارات إلا أنه تم فيه انتخاب رئيس المؤتمر ومساعده. وكنت من خلال الترجمة التي تعاقب عليها أربعة أشخاص أجد بعض المطبات التي أحتاج إلى الاستفسار والسؤال فيها، وكلما وجدت مطبا طلبت إزالته من الطريق، وهكذا.

مفتاح قفل البشرية.

وفي ختام المؤتمر طلبت فرصة لإلقاء كلمة فلم يسمح لي إلا بخمس دقائق، وكنت آسفاً على هذا الضغط الشديد للوقت الذي سمح لي فيه بالكلام، فقد صبرت ثلاثة أيام متوالية، على سماع كلام لا أفهم منه إلا النتف التي يلقي المترجم إلي كلماتها إلى سمعي، ثم يحال بيني وبين ثلاثين دقيقة على أكثر تقدير؟

ولكني استعنت بالله تعالى ووجهت للحاضرين كلمتي، وخلاصتها أن جميع العلوم لو طوعت في إصلاح الإنسان الفرد والأسرة والمجتمع، لا يسعها أن تصل إلى تلك الغاية، ما لم يكن الإصلاح الأول بكلمة لا اله إلا الله محمد رسول الله ، لأن الإصلاح بهذه الكلمة يجعل الإنسان عبدا لله وحده، ولا يتلقى أمره ونهيه إلا من الله ومن رسوله ، فيكون إصلاحه نابعا من داخل نفسه، والله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.

ولذلك يجب أن يكون علم الاجتماع وعلم النفس وغيرهما من العلوم التي يراد بها إصلاح الإنسان، وهي ما تسمى بالعلوم الإنسانية، أن تكون كلها مستمدة من هذا الأصل الأصيل ثم مقتضياته التي فصلها الكتاب والسنة، وإلا فإننا سنبقى نحاول عبثا إصلاح هذا الإنسان كما هو حاله الآن.

وقد ترجم الكلمة الدكتور إسماعي الفاروقي الفلسطيني الأصل رحمه الله، وكان أستاذاً في بعض الجامعات الأمريكية وقد اغتاله اليهود في منزله بمدينة فلاديلفيا أمام أسرته..

مع الطلبة المبتعثين.

وكنا خلال هذه الأيام التي قضيناها في المؤتمر بإنديانا بولس نلتقي بعض الطلبة المسلمين الصالحين من المملكة العربية السعودية وغيرها، فنجد فيهم روح الشباب المسلم الغيور على دينه المحب لتقدم بلاده على أساس الإسلام الذي لا تقدم لأي بلد بدونه، وإن ظهرت بعض الثمار لجهود مادية بذلها الناس في بعض الشعوب، فإن ذلك في الحقيقة ليس تقدما إلا في ميزان الإنسان الذي خرج عن فطرته التي فطره الله عليها، لما يشاهد من ويلات وآثار سيئة في حياة هذه الشعوب التي تسمى بالمتقدمة، وليس الخبر كالعيان كما يقال.

لقد كان هؤلاء الطلاب يبثون شكواهم من حالة أكثر زملائهم الذين ابتعثوا لتلقي العلوم النافعة، ليعودوا إلى بلادهم روادا متفانين في رفع مستواها العمراني-مادية ومعنوية ـ ولكن كثيراً منهم ذابوا في المجتمع الغربي، وخلعوا ثياب شخصية الآباء والأجداد وانغمسوا في الشهوات والملذات القذرة، ففقدوا شخصية المسلم المعتز بدينه وعقيدته، ولم يصلوا إلى شخصية الغربي المبدعة في العلوم المادية، بل تسيبوا وأصبحوا وصمة عار على بلادهم، ومنهم من جمع مع ذلك الانخراط في صفوف منظمات الحادية أو ماسونية أو قومية حاقدة على الإسلام والمسلمين.

وطلب منا هؤلاء الإخوة الغيورين أن ننقل هذه الشكوى إلى من يعنيهم الأمر في هذه البلاد التي لم يبق للمسلمين أمل واضح إلا فيها، وهكذا تكررت شكوى الصالحين في كل مدينة زرناها في الولايات المتحدة.

لسعات عقارب منذرة ثم لدغات ثعابين قاتلة!

وإنني لأتساءل، كما يتساءل غيري: ماذا سيكون مصير بلدان المسلمين عندما يتربع على كراسي إدارتها ذوو أدمغة أفرغت من كل معاني الإسلام، التي بفقدها يصير الفرد أجنبياً عن بلاده وبني قومه، وشحنت بمعان أخرى غير إسلامية تكسب الفرد عداء لدينه فيعود وقد وضع لنفسه أو وضع له أساتذته الذين أفرغوا دماغه وملأوه، منهاجاً يقضي به على كل مظهر للإسلام، ويحقق به أهداف الكفر وأوليائه؟ أقول: ماذا سيكون غير الويلات والمصائب التي حدثت فعلا في كل شعوب العالم الإسلامي العربية منها وغير العربية إلا ما شاء الله.

أليست الانقلابات العسكرية التي لم تهدأ في تلك الدول نتيجة لهذا الجيش الذي رباه الغرب على ما يريد؟

أليس المسخ التعليمي في بلدان المسلمين نتيجة للمناهج الجاهزة التي نقلها هؤلاء من بيئة غير بيئتهم، و قسروا أبناء شعوبهم قسرا عليها، وهي لم تفصل على قدهم؟

أليس وبال أجهزة الإعلام الذي هد أركان العقيدة من قلوب المسلمين وأوقعهم في شباك المسخ الخلقي والفكري من آثار مسخ شبابنا الذي رباه الغرب؟

أليس فقدان الغيرة على الدين والعرض والوطن ثمرة من ثمار فقد العقيدة والأخلاق الإسلامية في نفوس شبابنا الذين أخرجهم لنا الغرب؟ أليس التناحر السياسي والقلق النفسي والتنافر الاجتماعي من عطاء شبابنا الذي وجهه أساتذة الغرب؟.

لقد ظهرت الإجابات العملية عن هذه التساؤلات في البلدان الإسلامية، بما أحدثه تلاميذ الغرب من العلمانيين الذين مُكنوا من إدارة الحكم في بلدانهم، فقضوا على كل ما قدروا عليه من القيم الإسلامية، وما الفضائيات المدمرة للعقيدة والخلق والمعروف، إلا دليل واحد من الأدلة على تطبيقهم لمناهج أعداء الإسلام التي تشربوها في دراساتهم، ومع أنه يوجد كثير من الشباب الصالحين الذين تخرجوا في الغرب، فقد أقصوا عن مراكز التوجيه والقيادة في غالب البلدان الإسلامية، وأوثر بها غيرهم ممن ينفذون في الغالب أوامر أساتذتهم في الغرب.

ألا إن في ارتداد كثير من زعماء الشعوب الإسلامية ممن طعنوا في القرآن الكريم والسنة النبوية وسخروا من رسول الإسلام ودين الإسلام لعبرة لمن أراد أن يعتبر.

عبر هل نتعظ بها..؟!


وإن في عدن والصومال وأفغانستان [كان حكام هذه البلدان في تلك السنين من الشيوعيين الملحدين!] وغيرها لعظة لمن أراد أن يتعظ، ولا أريد أن أطيل في ضرب الأمثال، ولكن أريد أن أقول: لقد ارتفعت أصوات حداة الخير منذرة بهذا الخطر في أول أمره، ولقد ارتفع صوت العبد الضعيف قبل سبع أو ثماني سنوات مع تلك الأصوات وإذا لم يسمع العقلاء تلك الأصوات فسيسمعون غيرها ويندمون يوم لا ينفع الندم [سجلت ذلك في كتيب لي بعنوان: المسؤولية في الإسلام، طبع مرارا.].