جول في مدينة نيويورك.

بعد ذلك اصطحبنا الأخ أحمد الرفاعي في سيارته للتعرف على بعض مناطق نيويورك، وأنى لنا أن نستوعب معالم لمثل هذه المدينة الكبيرة التي تعتبر العاصمة التجارية للولايات المتحدة الأمريكية، ونحن لم يبق أمامنا إلا مساء هذا اليوم في هذه المدينة.

ثاني أعلى عمارة في العالم (empirestate building)

ولكن الأخ أحمد اختار لنا زيارة ثلاثة أماكن:

المكان الأول: سياحي تجاري عالمي مشهور، وهو العمارة العالمية الثانية في الارتفاع التي تبلغ طوابقها اثنين ومائة طابق [وهذا المركز هو الذي انتهى عمره في 23/6/1422ﻫ ـ 11سبتمبر2001م.] ، فذهبنا إليها واشترينا التذاكر اللازمة للصعود، وهنا رأينا مئات من الناس صاعدين وهابطين، والمصعد الواحد يتسع لما لا يقل عن خمسين شخصا وهو في غاية من السرعة، فصعدنا إلى أعلى العمارة هذه وأخذنا ننظر من كل جانب إلى أنحاء مدينة نيويورك، وكنا نرى الناس الذين يسيرون في الشارع ـ والناس هناك ذووا أجسام ضخمة ـ مثل البهم (أولاد الغنم الصغار) أو أصغر، ولكن المصيبة كانت في قوة الهواء الذي كاد يأخذ الملابس الساترة، فما بالك بغيرها؟

المكان الثاني: منبع إجرام (حي هارلم)..

ثم نزلنا لنذهب إلى المكان الثاني الذي اختاره لنا الأخ أحمد ألا وهو (حي هارلم) الذي يسكنه الزنوج فقط، وكانت مباني هذه المنطقة مساكن اليهود وملكا لهم، ولكنهم غادروها عندما جاء مشروع إسكان الزنوج فيها.

لماذا اختار لنا الأخ أحمد هذه المنطقة بعد أن كنا في منطقة تجارية وسكنية راقية، يرى بريق عماراتها ولمعانها وهي في غاية من النظافة والنظام والهدوء-النسبي-على رغم كثرة الناس بها؟ إنه أراد أن يرينا كيف يعيش هؤلاء السود المساكين في مدينة نيويورك فماذا رأينا؟ لقد رأيت بيوتا محطمة النوافذ والأبواب، قد اشتعلت فيها الحرائق، ورأينا الزنوج وهم يتسكعون في الشوارع مثل المجانين، منهم السكران ومنهم الشبيه بالسكران.

رأينا أناسا لا أظن أن يجد السائح أشباههم في أدغال إفريقيا، لما يعانون من البؤس والحرمان والشقاء، إنهم يتجمعون على أبواب البارات و يتراقصون وهم قيام أو قعود، ومنهم من يضرب الدفوف المكسرة ويرقص عليها.

ولا أستطيع أن أصف ما رأيت إلا بالبؤس والجهل والحرمان، ولقد كان الأخ أحمد لا يقف بسيارته إلا ريثما يتحرك، لأن المنطقة منطقة إجرام، وكان يخشى علينا من أجل لباسنا.

عندئذٍ قلت: هل حقا أنا في أمريكا؟ هل حقا أنا في نيويورك؟ هل حقا أنا بجانب مكبر كارتر المنادي بحقوق الإنسان في العالم؟ هل حقا أنا بقرب هيئة الأمم المتحدة التي كنت في مبناها صباحا؟ كل تلك الأسئلة دارت بخاطري وأنا أعبر تلك الشوارع المخيفة!

منبع الإجرام:

ألا إنها منطقة إجرام مشهورة فعلا، ولكن إجرام من؟ أهو إجرام السود؟ أم أن الأصل هو الإجرام الأبيض الذي يقتل الإنسان وينادي بحقوقه؟

لقد شبهت إجرام السود وإجرام البيض بالتشبيهين الآتيين:

إجرام البيض هو بحيرة من الأقذار:… وإجرام السود - على الرغم إنهم هم المباشرون -ريح تنقل تلك الروائح إلى أنوف الناس، فأي الإجرامين أشد عند أولي الألباب؟

المكان الثالث: مساكن طبقة لأغنياء.

ثم مر بنا الأخ أحمد، ونحن في طريقنا إلى منزله، في منطقة سكنية سماها لنا، ولكني لم أحفظ اسمها، ذات عمارات متناسقة وشوارع غاية في التنظيم وهدوء عجيب، وهي تبعد قليلا عن منطقة الزنوج وذكر أن هذه المنطقة يسكنها الأغنياء والأسر الراقية، وعلق الأخ أحمد على ذلك فقال: قارنوا بين هذه المنطقة وبين منطقة هارلم، وهذه المنطقة لا توجد بها بارات، أما منطقة هارلم فإن أغلب عماراتها المتهدمة توجد بها بارات، وهل خلق هؤلاء المساكين عند الرجل الأبيض الذي أفنى عمره للدعوة إلى حقوق الإنسان لغير البارات والتسكع؟

كل شيء بالدولار.


وصلنا إلى جانب العمارة التي يسكنها الأخ أحمد فإذا هو يخرج مفتاحا ويدخله في قفل بجانب الجدار، وهو في سيارته فانفتح باب كبير أمامه يبعد عن موقع السيارة بمقدار عشرة أمتار فسألنا: ما هذا؟ [غالب ما كنت أراه يعتبر غريباً عندي، لأنه لم يكن موجوداً في بلادي، ومنه السلالم المتحركة، وفتح أبواب المواقف بالبطاقات، وكذلك أبواب الفنادق].

فأجاب هذه مظلة السيارات لسكان العمارة يدفع صاحب السيارة أربعين دولاراً ويتسلم مفتاحاً يدخل سيارته ويخرجها متى شاء، حفظا لها من الشمس ومن الثلج أيام الشتاء، وكذلك من السرقة وبعد دخوله يُغلَق الباب بنفسه، وهكذا..

دخلنا منزله وصلينا المغرب وتحدثنا معه قليلا وسألناه عن مدى كفاية راتبه له فقال: المنزل أجرته ثلاثمائة دولار، والهاتف والكهرباء تكلف تقريبا مائة دولار، وموقف السيارة يكلف أربعين دولاراً، ومواقفها في الشوارع كما رأيتم، والذي رأيناه أن المواقف في الشوارع كلها بالأجرة فوقوف السيارة ساعة بثلاثة دولارات وقد تزيد وقد تنقص حسب المكان، ولا يجد موقفاً لسيارته بدون أجرة، وهذا قد يفسر جزءا من الرأسمالية الغربية.كما أن التأمين الصحي له مبلغ والتأمين على السيارة إجباري، هذا عدا الطوارئ والنفقات اليومية والملابس والمحروقات الخاصة بالسيارة والغلاء هناك فاحش جداً.

شكوى متكررة جديرة بالاهتمام.


وعندئذٍ بث الأخ أحمد ما عنده فشكا من الدين وعدم كفاية الراتب الذي يتسلمه من الرابطة، مع العلم أنه في بعض الأوقات يتأخر كثيراً عن موعده فيزيد الطين بلة، وهذه الشكوى تكررت من جميع الإخوان الذين تعاقدت معهم رئاسة البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، ورابطة العالم الإسلامي لا سيما الذين عندهم عوائل.

وقد ضمنت ذلك التقرير الذي قدمته للجامعة الإسلامية في المدينة المنورة عند رجوعي من هذه الرحلة، وأن من أهم ما يجب أن تعلمه المؤسسات الإسلامية المسؤولة سواء كانت في المملكة العربية السعودية أو غيرها، كوزارة الأوقاف الكويتية، أن تعيد النظر في رواتب الذين تتعاقد معهم وتبعثهم إلى بلدان الغرب أو اليابان لغلاء المعيشة هناك.

ولا ينبغي أن يظهر الداعية المسلم بالمظهر المستجدي حالا، وإن لم يكن مستجديا بقوله، فالمنصِّرون يمنحون الفرد من المبشرين من الإمكانيات المادية ما يزيد على أضعاف إمكانات الداعي المسلم وبخاصة من يرسلونهم إلى خارج بلادهم ومنها بلاد المسلمين، وأيهما أحق بالإكرام والظهور بمظهر الغنى عن الناس؟ دعاة الحق أم دعاة الباطل؟ ألا هل بلغت؟

صوتك مسموع وحركتك منظورة وأنت في منزلك..!

وعند خروجنا من منزل الأخ أحمد أطلعنا على سر غلاء أجرة منزله فقال: إن الساكنين هنا يتمتعون بالهدوء والحراسة الكاملة وأرانا صفة الحراسة.

الحارس يقعد في مكان خاص خارج العمارة داخل سورها وأمامه شاشة التلفزيون، وهو يرى على الشاشة كل سكان العمارة في داخل شققهم. كيف؟ ركبت مُصَوِّرات(كاميرات) في كل شقة، وهي تنقل الصورة إلى الحارس باستمرار والحارس مسلح، إذا ارتاب في شقة من الشقق عمل ما يجب عليه، فقلت للأخ أحمد: معنى هذا أنه يكشفكم في كل وقت، وأنتم عندكم عوائل فكيف تعملون؟ فأجاب: إن في استطاعة صاحب كل شقة أن يغطي الكاميرا التي في شقته، فلا يستطيع الحارس أن يرى شيئاً في الشقة.

واستطرد الأخ أحمد في موضوع الراتب فقال: إن السفير النيجيري عرض عليّ وظيفة في هيئة الأمم المتحدة براتب يكفيني ويزيد، ويكون إيجار البيت والهاتف ومحروقات السيارة والتأمين الصحي وتذاكر السفر إلى البلاد، كل ذلك على حسابهم، وزارني في البيت وألح عليّ كثيراً ولكني رفضت، لأني لا أريد أن أترك مجالاً فضلته منذ بدأت أطلب العلم، وهو مجال الدعوة إلى الله. أوصلنا الأخ أحمد إلى الفندق، على أن يعود إلينا صباح يوم الخميس الذي سنسافر فيه إلى إنديانا.