تبيين وتلخيص:

ونختم هذا البحث بنصين لعالمين جليلين، لخصا فيهما بيان زيف مذهب طائفتي الخوارج والمعتزلة والمرجئة، ومذهب أهل الحق في هذه المسألة، وهما: أبو العز الحنفي، والمفسر الكلبي الأندلسي، رحمهما الله.

فقال أبو العز:"وأهل السنة أيضاً متفقون على أنه يستحق الوعيد المترتب على ذلك الذنب كما وردت به النصوص، لا كما يقوله المرجئة من أنه لا يضر مع الإيمان ذنب ولا ينفع مع الكفر طاعة.. وإذا جمعتَ نصوص الوعد التي استدلت بها المرجئة، ونصوص الوعيد التي استدلت بها الخوارج والمعتزلة، تبين لك فساد القولين، ولا فائدة في كلام هؤلاء سوى أنك تستفيد من كلام كل طائفة فساد مذهب الطائفة الأخرى" [شرح العقيدة الطحاوية (1/362).].

وقال الكلبي رحمه الله في قوله تعالى: { إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ}: "هذه الآية هي الحاكمة في مسألة الوعيد، وهي المبينة لما تعارض فيها من الآيات، وهي الحجة لأهل السنة والقاطعة بالخوارج والمعتزلة والمرجئة.

وذلك أن مذهب أهل السنة أن العصاة من المؤمنين في مشيئة الله إن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم، وحجتهم هذه الآية، فإنها نص في هذا المعنى.

ومذهب الخوارج أن العصاة يعذبون ولا بدَّ، سواء كانت ذنوبهم صغائر أو كبائر، ومذهب المعتزلة أنهم يعذبون على الكبائر ولا بدَّ. ويرد على الطائفتين قوله: {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ..} فإنه تخصيص لبعض العصاة.

وقد تأولت المعتزلة الآية على مذهبهم، فقالوا: لمن يشاء وهو التائب لا خلاف أنه لا يعذب، وهذا التأويل بعيد لأن قوله: { إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ..} في غير التائب من الشرك، وكذلك قوله: {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ..} في غير التائب من العصيان، ليكون أول الآية وآخرها على نسق واحد.

وتأولتها المرجئة على مذهبهم فقالوا { لِمَنْ يَشَاءُ } معناه لمن يشاء أن يؤمن، وهذا أيضاً بعيد لا يقتضيه اللفظ.

وقد وردت في القرآن آيات كثيرة في الوعيد، فحملها المعتزلة على العصاة، وحملها المرجئة على الكفار، وحملها أهل السنة على الكفار وعلى من لا يغفر الله له من العصاة.. كما حملوا آية الوعد على المؤمنين الذين لم يذنبوا، وعلى المذنبين التائبين، وعلى من يغفر الله له من العصاة غير التائبين.

فعلى مذهب أهل السنة لا يبقى تعارض بين آية الوعد وآية الوعيد، بل يجمع بين معانيها، بخلاف قول غيرهم فإن الآيات فيه تتعارض.. وتلخيص المذاهب أن الكافر إذا تاب من كفره غفر له بإجماع، وإن مات على كفره لم يغفر له وخلد في النار بإجماع، وأن العاصي من المؤمنين إن تاب غفر له، وإن مات دون توبة فهو الذي اختلف الناس فيه" [التسهيل لعلوم التنزيل، الكلبي (1/144- 145).].

سبب الإكثار من الأدلة والنقل عن العلماء؟

سألني بعض طلابي الذين كنا نتدارس معهم بعض المصادر في العلوم الإسلامية: لماذا الإكثار من ذكر النصوص من القرآن والسنة، للاستدلال على حكم أو مسألة، ألا يكفي المؤلف أن يستدل بأية أو حديث مثلاً؟ ثم لماذا إكثار النقل عن العلماء الأقدمين؟

وكان جوابي: أن ذلك يعود إلى موضوع البحث، فقد يكون الإكثار من ذكر الأدلة من القرآن والسنة، والإكثار من النقل عن العلماء الأقدمين، مطلوبَينِ لما يعلم الكاتب من وجود شك أو شبهة عند بعض الناس في المسألة أو الحكم، فيدعم قوله بكثرة الأدلة وبأقوال العلماء، لإزالة الشك وكشف الشبهة.. وقد يكون ذلك لتثبيت المعنى في نفس القارئ أو السائل، لما في تضافر الأدلة من مزيد الاطمئنان.. وليس الإكثار من الأدلة بدعاً في منهج علماء الإسلام، فقد رأينا لكبار الأئمة في ذلك الشيء الكثير..

ومنهم الإمام الشافعي رحمه الله الذي يسوق كثيراً من الآيات والأحاديث وبخاصة في كتابيه "الأم" و"الرسالة" للاستدلال بها على المسألة الواحدة، وكثيراً ما يعقد في مسائله المناظرات في أوجه الاستدلال.. وهكذا غيره من العلماء، وبخاصة من ألف في الفقه المقارن، كالإمام النووي الشافعي في "المجموع" وابن قدامة الحنبلي في "المغني" والكاساني الحنفي في "بدائع الصنائع" وابن حزم في "المحلى". وربما يفوق الجميع في ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.

وإذا كان الأمر كذلك في فروع الفقه، فإن العقيدة أولى بذلك وأحرى، وبخاصة مسألة التكفير وعدمه التي نحن بصددها في هذه الرسالة، فإنها من أهم مسائل العقيدة التي كثر فيها الأخذ والرد، وقصَّر فيها قوم، وتجاوز آخرون فيها الحد.

وقد يكون الاختصار أولى عندما يعلم الكاتب أنه لا يوجد شك ولا تعرض شبهة، مع وضوح المعنى أو الحكم في نفوس القراء، الذين لا يحتاجون إلى كثرة الأدلة.. ولقد تعمدت الإطالة في موضوع التكفير وعدمه، والإكثار من نقل نصوص القرآن والسنة، والإكثار من نقل أقوال العلماء في هذا الباب.

والسبب في ذلك شدة الحاجة إلى لفت نظر طلاب العلم إلى خطر هذا الموضوع العظيم، الذي لا ينبغي أن يغوص في أمواج بحاره المتلاطمة، غير أهله القادرين على السباحة فيها والرسوِّ في شاطئ الأمان.

مع العلم أن كثيراً من هؤلاء قد رمى نفسه في محيطات تلك الأمواج، وهو لا يجيد السباحة في جدول صغير من الماء، فغرق فيها وأغرق معه من قلده على غير هدى وبرهان، فوقعوا جميعاً فيما وقعوا فيه من الغلو المنهي عنه بسبب الجهل، وبنوا على ذلك تصرفات ظنوها شرعية والشرع منها براء، ولا عاصم من الغلو والإفراط أو التقصير والتفريط، إلا الفقهُ في دين الله عن طريق من فقههم الله فيه من علماء سلف الأمة: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (122)} [التوبة].

وفي حديث معاوية رَضي الله عنه، قال: سمعت النبي صَلى الله عليه وسلم، يقول: (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين...) [صحيح البخاري (1/39) وصحيح مسلم (2/718).].