خسارة من يحفظ كتاب الله ولا يفقه شيئاً من معانيه:

سبق أن الوحي هو أول رياض النحل التي يجب أن يتمتع الإنسان بحلاوتها، وهي آيات الله في كتابيه المقروء والمنظور، وأن الله الإنسان بالعقل الذي يميز به بين رياض النحل ومزابل الجعلان، ويبق الكلام على ذلك، ولكننا نأسف أسفاً شديداً على خسارة كثير من شباب الإسلام الذين يحفظون القرآن كله حفظاً متقناً، وهم لا يفقهون من أحكامه وآدابه شيئاً إلا من شاء الله، وليست الخسارة خاصة بهم، بل إن أمتهم في بلدانهم تخسر مثلهم، لاشتراكهم مع أولئك الحفاظ بالجهل بكتاب الله، بل قد يكون بعض عامة الناس وأمييهم أفقه بدينهم من بعض حفاظه، ولذلك تجد من يحفظ القرآن ولا يعرف شيئاً من معاني آياته وكلماته يتغنى بالقرآن بصوت جميل مؤثر وقلبه عنه لاه!

وكان يجب أن يعد منهج لحفظة كتاب الله وكتب مبنية على ذلك المنهج يسير مع سنوات حفظهم له، يفقههم بكتاب الله ويعدهم ليعلموا الأمة ويزكوهم به، تزكية تجعلهم من أهل الخوف والخشية و الخشوع لله تعالى.

قال القرطبي رحمه الله: "وينبغي له أن يتعلم أحكام القرآن. فيفهم عن الله مراده وما فرض عليه، فينتفع بما يقرأ ويعمل بما يتلو؛ فما أقبح لحامل القرآن أن يتلو فرائضه وأحكامه عن ظهر قلب وهو لا يفهم ما يتلو، فكيف يعمل بما لا يفهم معناه؟ وما أقبح أن يُسأل عن فقه ما يتلوه ولا يدريه؛ فما مَثَل من هذه حالته إلاّ كَمَثل الحمار يحمل أسفاراً [الجامع لأحكام القرآن (1/المقدمة).]".

ثانيها: دراسة سنة الرسول صَلى الله عليه وسلم وسيرته، والحرص على الاقتداء به، في تعظيمه لربه وحرصه على كثرة تلاوة كتابه، والتأثر به وتطبيقه حتى تصبح تصرفاته في كل شئونه تحكي القرآن: (كان خلقه القرآن) [أحمد (7/132).وذكره الألباني قي صحيح الجامع، رقم 4811 وقال: صحيح].

ثالثها: الحرص على مجالسة الصالحين من العلماء الذين يقوُّون صلتهم بالله، فلا يغفلون عنه، ويحبون أن يؤدبوا طلابهم ومن يرافقهم من أجل أن يقتدوا بهم ويكونوا من الصالحين، وأصل ذلك تعليم الرسل عليهم الصلاة والسلام لمن استجاب لهم في تعليمهم وتربيتهم، وعلى دربهم صار آخرهم رسول صَلى الله عليه وسلم مع أصحابه الذين اقتدوا به فعلَّموا التابعين وزكوهم، ثم استمرت الأجيال الإسلامية على ذلك الدرب، فلا بد لمن يريد التقرب إلى الله تعالى ويعظمه ويخشاه ويخشع له أن يتتلمذ على عالم يتصف بذلك فيقتدي به ويتشرب منه ما اتصف به [سبق حديث حنظلة في أثر صحبتهم للرسول على سلوكهم و.].

رابعها: ملازمة بيوت الله - المساجد - التي تشع منها أنوار عبادة الله من الصلاة وتلاوة القرآن وحلقات الذكر التي سماها الرسول صَلى الله عليه وسلم: (رياض الجنة) كما روى ذلك جابر بن عبد الله رَضي الله عنهـما، قال: "خرج علينا النبي صَلى الله عليه وسلم، فقال: (يا أيها الناس إن لله سرايا من الملائكة تحل وتقف على مجالس الذكر في الأرض، فارتعوا في رياض الجنة) قالوا: وأين رياض الجنة؟ قال: (مجالس الذكر فاغدوا وروحوا في ذكر الله وذكروه أنفسكم من كان يحب أن يعلم منزلته عند الله فلينظر كيف منزلة الله عنده فإن الله ينزل العبد منه حيث أنزله من نفسه) [رواه الحاكم في المستدرك، (10/76) وقال: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه" ومجمع الزوائد (10/76) وقال: "رواه أبو يعلى والبزار والطبراني في الأوسط، وفيه: عمر بن عبد الله مولى عفرة، وقد وثقه غير واحد، وضعفه جماعة، وبقية رجالهم رجال الصحيح".وحسنه المنذري في الترغيب والترهيب، وضعفه الألباني في بعض كتبه، ومنها السلسلة الضعيفة، رقم 6205].

خامسها: المحافظة على الفرائض، والإكثار من النوافل الراتبة والمطلقة، روى أبو هريرة  أن الرسول صَلى الله عليه وسلم، قال في الحديث القدسي: (وما تقرَّبَ إِلَيَ عبْدِي بِشْيءٍ أَحبَّ إِلَيَ مِمَّا افْتَرَضْت عليْهِ: وما يَزالُ عبدي يتقرَّبُ إِلى بالنَّوافِل حَتَّى أُحِبَّه، فَإِذا أَحبَبْتُه كُنْتُ سمعهُ الَّذي يسْمعُ به، وبَصره الذي يُبصِرُ بِهِ، ويدَهُ التي يَبْطِش بِهَا، ورِجلَهُ التي يمْشِي بها، وَإِنْ سأَلنِي أَعْطيْتَه، ولَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لأُعِيذَّنه) [رواه البخاري (رقم: 6137 وهو من أحاديث رياض الصالحين، رقم (95). أي إن الله تعالى يحفظه، فلا يفعل بجوارحه إلا الطاعات، ووالذي يحفظ الله جوارحه من المعاصي جدير بأن يكون يتحصن من اتباع المفسدين الذين يبعدونه عن خشية الله والخشوع له.].

ومعلوم ما في قيام الليل من الفضل العظيم وما يترتب عليه من قوة الصلة بالله وما يحصل للمسلم فيه من الخشية والرهبة والخشوع، وبخاصة في آخر الليل بعد القيام من النوم؛ لما في ذلك من هدوء يتيح للمصلي من التدبر لما يتلوه من القرآن وفقه معانيه، والتفكر في ملكوت السماوات والأرض، وتجلي عظمة الخالق في نفس المصلي والخشوع له، ما لا يتاح له في النهار الذي ألف الناس فيه الكدح لجلب المعاش والقيام بالوظائف التي لا غنى عنها سواء كانت عامة أم خاصة.

قال تعالى: {إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلاً (6) إِنَّ لَكَ فِي اَلنَّهَارِ سَبْحاً طَوِيلاً(7)} [المزمل].

قال الشيخ السعدي رحمه الله في تفسيره: "ثم ذكر الحكمة في أمره بقيام الليل، فقال: {إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ} أي: الصلاة فيه بعد النوم {هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلاً} أي: أقرب إلى تحصيل مقصود القرآن، يتواطأ على القرآن القلب واللسان، وتقل الشواغل، ويفهم ما يقول، ويستقيم له أمره، وهذا بخلاف النهار، فإنه لا يحصل به هذا المقصود ، ولهذا قال: {إِنَّ لَكَ فِي اَلنَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلاً} أي: تردداً على حوائجك ومعاشك، يوجب اشتغال القلب وعدم تفرغه التفرغ التام".

سادسها: ما وجد في هذه الأعوام من وسائل إعلام خصصت لمناهج إسلامية تحمل مواد مفيدة كثيرة، منها ما تخصص في تلاوة كتاب الله وتعليمه على الهواء مباشرة، وتشجع الشباب من الذكور والإناث على تلاوته وحفظه وتجويده، وتصحيح التلاوة لكل من يرغب في ذلك من كافة الأعمار، ومنها ما تخصصت في بث السنة والسيرة وما فيها من أحكام وآداب، مع استضافتها لعلماء يقدمون موضوعات إسلامية متنوعة، في العبادات والمعاملات والأخلاق، ويجيبون على أسئلة المشاهدين واستفتاءاتهم.

وبعض الفضائيات تقدم مناهج شاملة للمواد الإسلامية وغيرها من الأدب نثرِه وشعره، والتاريخ والأخبار العالمية في السياسة والاقتصاد والعلوم وغيرها، كما تتعرض للشبهات التي يحاول أعداء الإسلام إلصاقها به ودحضها، وكذلك وجدت مواقع إسلامية في الشبكة العالمية "الإنترنت" باللغة العربية وغيرها من اللغات، وتحتوي على مراجع وكتب ورسائل ومجلات إسلامية كثيرة في أغلب الموضوعات التي يحتاجها المتصفح، وفيها منتديات للحوارات التي غالباً تكون ذات فائدة لكل من يشارك فيها، ومن الصعب حصر ما تحتويه هذه الشبكة من الموضوعات النافعة.

فأيهما أولى بالمسلم ارتياده: تلك الرياض المزهرة التي تعطر بشذاها الدنيا والآخرة، وعسلها المصفى الذي فيه شفاء القلوب والأبدان؟ أم تلك المزابل التي لا ترتادها إلا الجعلان لتدهده منها أوسخ ما فيها مما يزكم الأنوف ووتتقزز منه النفوس؟

أي السبيلين أولى بالمسلم أن يسلكه؟ هذه الوسائل الجادة النافعة التي تساعد من تعاطاها على القرب من الله تعالى ويستفيد منها استفادة شاملة لمصالح الدنيا والآخرة، وتحرك العقل إلى تدبر القرآن والتفكر في الكون فيتصور بذلك عظمة الله، وتحرك القلب لذكره، فيحبه ويخافه ويخشاه ويخشع له ويحوز رضاه تعالى، مع ما فيها من ترويح للنفس عفيف مباح يحقق لصاحبه "ساعتي حنظلة"..

أي السبيلين أولى بالمسلم هذه أم تلك الوسائل التي تطل منها رؤوس الشياطين إلى العالم داعية إلى عفن الفسق والفجور والفواحش والعصيان وإلى ضياع مصالح الدنيا والآخرة معاً؟

فليجاهد كل مسلم نفسه، ليبقى قوي الصلة بالله خائفاً وجلاً منه، راغباً راهباً إليه: {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ ...(78)} [الحج].

وبدون هذه المجاهدة يخشى عليه من قسوة قلبه وقلة طاعته لربه ونسيان ذكره كما سبق: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنْ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمْ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ(16)} [الحديد].

وهو إذ يجاهد نفسه إنما يجاهدها لمصلحتها، والله تعالى غني عنه: {وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنْ الْعَالَمِينَ (6)} [العنكبوت].

هل الخشوع خاص بالصلاة؟:

والخشوع إذا روعيت فيه عظمة الله في الكتابين: كتاب الكون المفتوح لكل عاقل، وكتاب الله المقروء لمن آمن به، وما تضمنته أسماء الله وصفاته وأفعاله من آثار في الدنيا والآخرة، إذا روعي كل ذلك فلا يختص خشوع المسلم بوقت الصلاة، بل يشمل كل أوقاته؛ لأن عظمة الله تلح عليه في كل وقت بالخشوع لربه سبحانه.

قال الشيخ أبو حامد الغزالي رحمه الله: "اعلم أن الخشوع ثمرة الإيمان، ونتيجة اليقين الحاصل بجلال الله عز وجل، ومَن رزق ذلك فإنه يكون خاشعاً في الصلاة وفي غير الصلاة، بل في خلوته وفي بيت الماء عند الحاجة، فإن موجب الخشوع معرفته اطلاع الله تعالى على العبد، ومعرفة جلاله، ومعرفة تقصير العبد، فمن هذه المعارف يتولد الخشوع وليست مختصة بالصلاة" [(1/153) دار الفكر..].

وبعد فلنقارن بين الجبال الصلبة، التي لو أنزل الله كتابه عليها، وبين قلوبنا التي أنزله الله فعلاً عليها: {لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (21)} [الحشر].

ولنجاهد أنفسنا على تعاطي ما يعيننا على خشية الله والخضوع له، ولنحذر من طول الأمد الذي ينسينا ذكر الله كما طال على الأمم التي سبقتنا: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنْ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمْ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ(16)} [الحديد].