أصحاب المشاريع الضيقة، والمصالح الدنيوية الأنانية ؛التي لا يحكمها دين ،ولا تحوطها مباديء
؛لاتردعهم عن غيهم - بعد الله -إلا عزة المؤمن وبلوغ الأسباب في
إعدادالعدةالمستطاعة.

في غزوة الأحزاب حوصرت المدينة حصارا شديدا وصفه الله تعالى بقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ
عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا
لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (9) إِذْ جَاءُوكُمْ
مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ
الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (10) هُنَالِكَ
ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا (11) وَإِذْ يَقُولُ
الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ
وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا (12) وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ
يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ
النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ
يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا (13) وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا
ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآَتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا
(14) وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ
وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا(15) سورة الأحزاب


وزاد الأمر حلوكا واشتد ادا عندما نقضت قريظة العهد وأضحت المدينة في كماشة. ..

في هذه الحال التي ذكرالله تعالى ؛فكر رسول الله في خطة حربية مهمة للغاية ،تؤدي إلى فك التحالف ؛من خلال العرض المادي، والإغراء بالمال.والمنطق يقول إن أي محاولة مع قريش ستفشل، فالعداء طويل، وهم أصلاً لم يأتوا
من أجل المال، وكذلك الوضع مع اليهود؛ لأن حقدهم على الرسول كبير جدًّا، كما أنهم
خونة، لا يمكن الاطمئنان إلى كلامهم، لم يتبق إلا غطفان، هذه القبيلة التي لم تأتِ
ناقمة على رسول الله، وليس بينه وبينها عداء، وإنما جاءت من أجل مال خيبر، أي أنه
من الممكن أن تنسحب، أو تفك ارتباطها بالباقين إذا أعطيت مالاً.
وفعلاً عقد لقاءً مع زعماء غطفان: عيينة بن حصن، والحارث بن عوف، لا
تذكر المصادر تفاصيل ذلك اللقاء، لكنه يبدو أنها كانت فرصة، فرصة سريعة جدًّا، لدرجة
أن الرسول لم يجد وقتا لإشراك الصحابة في اللقاء أو أن اللقاء كان على مستوى عالٍ
جدًّا من السرية، فلم يشرك فيه أحد من الطرفين، المهم أن اللقاء تم بين الرسول
ممثلاً للمسلمين، وعيينة بن حصن والحارث بن عوف ممثلين عن غطفان، وبعد مشاورات
ومداولات، استقر الطرفان على إعطاء غطفان ثلث ثمار المدينة لسنة كاملة على أن تعود
غطفان وتترك حصار المسلمين، لكن الرسول علق هذه المفاوضات على قبول مجلسه الاستشاري
للفكرة، وخاصةً سعد بن معاذ وسعد بن عبادة سيدي الأوس والخزرج، فلماذا هذان الرجلان
بالذات؟
أولاً: لأنهما قريبان في مساكنهما في المدينة من غطفان، ومن ثَمَّ فهما
أدرى الناس بهم وبما يصلح معهم.
وثانيًا وهو الأهم: أن ثمار المدينة هذه التي ستكون ثمنا لفك الحصار
ليست ملكًا للرسول ، وإن كان هو زعيم الدولة، وإن كان هو النبي ، ولكنه يحترم
تمامًا الملكية الشخصية للأفراد، وهذه الثمار ملكية شخصية للأوس والخزرج.
ولهذا بعد اجتماع الرسول مع زعماء غطفان، قام باجتماع آخر بسرعة مع السعديْن: سعد بن معاذ وسعد بن عبادة ، وعرض عليهما الاتفاق الذي وصل إليه مع زعماء غطفان، وكان رسول الله يعتقد أن هذا العرض عرض مغرٍ لإنقاذ المدينة من الحصار (كان هذا بعد نحو شهر من الحصار)، فماذا كان رد فعل زعيمي الأوس
والخزرج؟
لقد رحبا بالعرض بدايةً، ثم قال سعد بن معاذ بمنتهى الحكمة: يا رسول
الله أمرًا تحبه فنصنعه، أم شيئًا أمرك الله به لا بد لنا من العمل به، أم شيئًا
تصنعه لنا؟
إذ إنه لو كان أمر من الله أو رسوله لما جاز له أن يفكر فيه أو يناقشه أصلا، فلا بد من
السمع والطاعة، أما إن كان رأيًا بشريًّا فيمكننا حينئذٍ مناقشته، وعرض الرأي
فيه.
فقال لهم رسول الله : "بَلْ شَيْءٌ أَصْنَعُهُ لَكُمْ, وَاللَّهِ مَا
أَصْنَعُ ذَلِكَ إِلاَّ لِأَنِّي رَأَيْتُ الْعَرَبَ رَمَتْكُمْ عَنْ قَوْسٍ
وَاحِدَةٍ، وَكَالَبُوكُمْ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَكْسِرَ عَنْكُمْ مِنْ شَوْكَتِهِمْ".
فقال سعد بن معاذ: يا رسول الله، قد كنا وهؤلاء مع الشرك بالله
وعبادة الأوثان لا نعبد الله ولا نعرفه, وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها ثمرة واحدة
إلا قرى أو بيعًا أو فيضًا، أفحينما كرمنا الله بالإسلام، وأعزنا بك وبه نعطيهم
أموالنا؟ ما لنا بهذا من حاجة، والله لا نعطيهم إلا السيف وحتى يحكم الله بيننا
وبينهم.
هكذا تكون عزة المسلم، أعجب الرسول برأي سعد جدًّا على الرغم من
مخالفته لرأيه، وقال له: "أَنْتَ وَذَاكَ".
فأمسك سعد بن معاذ بالصحيفة فمحا ما فيها من الكتاب, ثم قال: ليجهدوا
علينا.
وراسل رسول الله زعماء غطفان، وأعلمهم برأي المجلس الاستشاري ورفض
المساومة.
والحقيقة أن رأي السعدين كان في منتهى العمق والحكمة، ليست نظرة عنترية
غير مدروسة بل هي رؤية إستراتيجية رائعة، فمستقبل المدينة قد يتحدد بهذه المفاوضات
فليست المشكلة فقد ثلث ثمار المدينة، ولكن المشكلة أن غطفان ستحقق انتصارا غير
مقبول على الدولة الإسلامية, وستهتز صورة الدولة الإسلامية أمامها وستهتز أمام
الجزيرة العربية بكاملها، وهؤلاء ليسوا من الزعماء النبلاء الشرفاء، بل هم مجرد
مرتزقة مأجورين, وسيفتح هذا الباب الابتزاز المستمر للمدينة المنورة كلما احتاجوا
إلى مال جاءوا المدينة. أما هذه الوقفة الصلبة الجريئة فإنها -ولا شك- ستهز غطفان
من الأعماق، وبالذات أنهم لا يفكرون إلا في المال والدنيا، وطالِب الدنيا ضعيف،
ضعيف جدًّا أمام طالب الآخرة.
ويجب ألا ننسى أن ديار غطفان قريبة من المدينة، وقريش إن آجلاً أو عاجلاً ستعود إلى ديارها بمكة, أما غطفان فباقية، ولهذا يجب أن نحافظ جيدًا على صورة قوية راسخة أمامهم، وهكذا كان القرار في منتهى الحكمة، وأقره الرسول دون تردد، وليعلم الجميع أن الشورى أصل من أصول الحكم في الإسلام، وكان من الممكن
جدًّا أن يوحي الله بهذا الرأي إلى رسوله
مباشرة، ولكن حدوث هذه القصة بهذه الصورة يفتح للمسلمين أبواب الفكر والإبداع
وإبداء الرأي لمصلحة الأمة الإسلامية.1
كان رد سعد بن معاذ مزلزلا مصدره عزة المؤمن في وقت الشدائد ؛إنه الإيمان الذي يصنع العجائب ؛ وهذا لايفهمه أصحاب النفوس الخاوية منه فقد تعجب قادة غطفان من هذا الرد – وهو الذي يتعجب منه البعض من الناس من موقف المقاومة الفلسطينية ؛ إنها عزة الإيمان التي لا يفقهها الكثير ولا يفقهون طبيعة الخصم أيا كان في أسلوب حماية واسترداد الحق منه ؛ إنه لا يفهم إلا لغة القوة ،ولا يمكن أن يرد الحق المسلوب -بعد الله-إلا عزة المؤمن
والقوة التي تخيفه ؛ إنه أحرص الناس على حياة ،وليس مستعدا أن يضحي بنفسه أو ماله ...؛
إنها صفة مشتركة بين السطحيين عن فهم طبيعة المواجهة مع سلاب الحقوق أيا كانت
الحقوق ...كما أن سلاب الحقوق لا يفقهون طبيعة المواجهة إلا بعد أن يقع الفأس
بالرأس ؛كما قال الله تعالى عنهم جميعا في أكثر من نص منها على سبيل المثال قوله
تعالى (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا
وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي
قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (10)
أَلَمْ تَر إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ
كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا
نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ
يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (11) لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ
وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ
الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ (12) لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي
صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (13) لَا
يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ
بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ
بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ (14) كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ
قَرِيبًا ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (15) كَمَثَلِ
الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي
بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (16)) سورة الحشر .
"وحسب من بعدهم من الفضل أن يسير خلفهم، ويأتم بهداهم"وأن يقفوأثرهم ويثبت على ما ثبتوا عليه؛ "ولهذا ذكر الله من اللاحقين، من هو مؤتم بهم... فقال: { وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ
بَعْدِهِمْ } أي: من بعد المهاجرين والأنصار { يَقُولُونَ } على وجه النصح لأنفسهم
ولسائر المؤمنين: { رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا
بِالإيمَانِ }" إنها سمة المنهج الإسلامي يصهر الأمة أولها وآخرها في جميع مراحلها في لوحة واحدة وكأنها كل لا يتجزأ في كل شأنها..ف"هذا دعاء شامل لجميع المؤمنين، السابقين من الصحابة، ومن قبلهم ومن بعدهم، وهذا من فضائل الإيمان أن المؤمنين ينتفع بعضهم ببعض، ويدعو بعضهم لبعض، بسبب المشاركة في الإيمان المقتضي لعقد الأخوة بين المؤمنين التي من فروعها أن يدعو بعضهم لبعض، وأن يحب بعضهم بعضا."إنهاأمة منقذة
"ولهذا ذكر الله في الدعاء نفي الغل عن القلب، الشامل لقليل الغل وكثيره الذي إذا انتفى ثبت ضده، وهو المحبة بين المؤمنين والموالاة والنصح، ونحو ذلك مما هو من حقوق المؤمنين.
فوصف الله من بعد الصحابة بالإيمان، لأن قولهم: { سَبَقُونَا بِالإيمَانِ } دليل على المشاركة في الإيمان ... وأنهم تابعون للصحابة في عقائد الإيمان وأصوله، وهم أهل السنة والجماعة، الذين لا يصدق هذا الوصف التام إلا عليهم، ووصفهم بالإقرار بالذنوب والاستغفار منها، واستغفار بعضهم لبعض، واجتهادهم في إزالة الغل والحقد عن قلوبهم لإخوانهم المؤمنين، لأن دعاءهم بذلك مستلزم لما ذكرنا، ومتضمن لمحبة بعضهم بعضا، وأن يحب أحدهم لأخيه ما يحب لنفسه، وأن ينصح له حاضرا وغائبا، حيا وميتا، ودلت الآية الكريمة على أن هذا من جملة حقوق المؤمنين بعضهم لبعض، ثم ختموا دعاءهم باسمين كريمين، دالين على كمال رحمة الله وشدة رأفته وإحسانه بهم، الذي من جملته، بل من أجله، توفيقهم للقيام بحقوق الله
وحقوق عباده.
فهؤلاء الأصناف الثلاثة هم أصناف هذه الأمة، وهم المستحقون للفيء الذي
مصرفه راجع إلى مصالح الإسلام.
وهؤلاء أهله الذين هم أهله، جعلنا الله منهم، بمنه وكرمه.
ثم تعجب تعالى من حال المنافقين، الذين طمعوا إخوانهم من أهل الكتاب، في نصرتهم،
وموالاتهم على المؤمنين، وأنهم يقولون لهم: { لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ
مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا } أي: لا نطيع في عدم نصرتكم أحدا
يعذلنا أو يخوفنا، { وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ
إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ } في هذا الوعد الذي غروا به إخوانهم.ولا يستكثر هذا عليهم، فإن الكذب وصفهم، والغرور والخداع مقارنهم، والنفاق والجبن يصحبهم، ولهذا كذبهم [الله] بقوله، الذي وجد مخبره كما أخبر الله به، ووقع طبق ما قال، فقال: { لَئِنْ أُخْرِجُوا } من ديارهم جلاء ونفيا { لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ
} لمحبتهم للأوطان، وعدم صبرهم على القتال، وعدم وفائهم بوعدهم
...{ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ } بل يستولي عليهم الجبن، ويملكهم الفشل،
ويخذلون إخوانهم، أحوج ما كانوا إليهم.
{ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ } على الفرض والتقدير... { لَيُوَلُّنَّ الأدْبَارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ } أي: ليحصل منهم الإدبار عن القتال والنصرة، ولا يحصل لهم نصر من
الله.
والسبب الذي أوجب لهم ذلك... أنكم - أيها المؤمنون - { أَشَدُّ
رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ } فخافوا منكم أعظم مما يخافون الله، وقدموا
مخافة المخلوق الذي لا يملك لنفسه ولا لغيره نفعا ولا ضرا، على مخافة الخالق، الذي
بيده الضر والنفع، والعطاء والمنع.
{ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ } مراتب الأمور، ولا يعرفون حقائق
الأشياء، ولا يتصورون العواقب، وإنما الفقه كل الفقه، أن يكون خوف الخالق ورجاؤه
ومحبته مقدمة على غيرها، وغيرها تبعا
...{ لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا } أي: في حال الاجتماع { إِلا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ
أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ } أي: لا يثبتون لقتالكم ولا يعزمون عليه، إلا إذا كانوا
متحصنين في القرى، أو من وراء الجدر والأسوار.

فإنهم إذ ذاك ربما يحصل منهم امتناع، اعتمادا [على] حصونهم وجدرهم، لا شجاعة بأنفسهم، وهذا من أعظم الذم، { بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ } أي: بأسهم فيما بينهم شديد، لا آفة
في أبدانهم ولا في قوتهم، وإنما الآفة في ضعف إيمانهم وعدم اجتماع كلمتهم، ولهذا
قال: { تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا } حين تراهم مجتمعين
ومتظاهرين.

{ و } لكن { قلوبهم شَتَّى } أي: متباغضة متفرقة متشتتة.
{ ذَلِكَ } الذي أوجب لهم اتصافهم بما ذكر { بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ } أي: لا عقل عندهم،
ولا لب، فإنهم لو كانت لهم عقول، لآثروا الفاضل على المفضول، ولما رضوا لأنفسهم
بأبخس الخطتين، ولكانت كلمتهم مجتمعة، وقلوبهم مؤتلفة، فبذلك يتناصرون ويتعاضدون،
ويتعاونون على مصالحهم ومنافعهم الدينية والدنيوية.

مثل هؤلاء المخذولين من أهل الكتاب، الذين انتصر الله لرسوله منهم، وأذاقهم الخزي في الحياة الدنيا، وعدم نصر من وعدهم بالمعاونة { كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ
قَرِيبًا } وهم كفار قريش الذين زين لهم الشيطان أعمالهم، وقال: { لا غَالِبَ
لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ [وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لا تَرَوْنَ] } الآية.

فغرتهم أنفسهم،
وغرهم من غرهم، الذين لم ينفعوهم، ولم يدفعوا عنهم العذاب، حتى أتوا "بدرا" بفخرهم
وخيلائهم، ظانين أنهم مدركون برسول الله والمؤمنين
أمانيهم.فنصر الله رسوله والمؤمنين عليهم، فقتلوا كبارهم وصناديدهم، وأسروا من أسروا منهم، وفر من فر، وذاقوا بذلك وبال أمرهم وعاقبة شركهم وبغيهم، هذا في الدنيا، { وَلَهُمْ } في
الآخرة عذاب النار.

ومثل هؤلاءالمنافقين الذين غروا إخوانهم من أهل الكتاب { كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ
للإنْسَانِ اكْفُرْ } أي: زين له الكفر وحسنه ودعاه إليه، فلما اغتر به وكفر، وحصل
له الشقاء، لم ينفعه الشيطان، الذي تولاه ودعاه إلى ما دعاه إليه، بل تبرأ منه و {
قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ } أي: ليس لي قدرة على دفع العذاب عنك، ولست بمغن عنك مثقال ذرة من
الخير.

{ فَكَانَ
عَاقِبَتَهُمَا } أي: الداعي الذي هو الشيطان، والمدعو الذي هو الإنسان حين أطاعه {
أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا } كما قال تعالى: { إِنَّمَا يَدْعُو
حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ } { وَذَلِكَ جَزَاءُ
الظَّالِمِينَ } الذين اشتركوا في الظلم والكفر، وإن اختلفوا في شدة العذاب وقوته،
وهذا دأب الشيطان مع كل أوليائه، فإنه يدعوهم ويدليهم إلى ما يضرهم بغرور، حتى إذا
وقعوا في الشباك، وحاقت بهم أسباب الهلاك، تبرأ منهم وتخلى
عنهم.

واللوم كل اللوم
على من أطاعه، فإن الله قد حذر منه وأنذر، وأخبر بمقاصده وغايته ونهايته، فالمقدم
على طاعته، عاص على بصيرة لا عذر له" 2.

إن عزة المؤمن بإيمانه وثباته على
الحق ، وبلوغه الأسباب المستطاعة ؛ والتي هي جزء من الإيمان عوامل -بعد الله-
لحماية الحق واسترداده ، وجعل المعتدي يحسب ألف حساب عندما تدعوه نفسه لاستلاب
الحقوق ... وبدون ذلك فإن الحقوق تضل مهددة وفي خطر.

وليس معنى ذلك أن نجفو الحوار والمفاوضات ...
فنصوص الإسلام طافحة بها وهي أصل التواصل وأسلوبه الأول لكن بدون قوة تحميه وتخيف الظالم والطاغية والسفيه لا يصبح لها معنى .


-------------
1- الرحيق المختوم – المبارك فوري بتصرف
يسير

2-تفسير السعدي 1 / 851- 853.
بتصرف