١ - إسلام ضماد الأزدي رضي الله تعالى عنه

وفد ضماد الأزدي إلى مكة, وتأثر بدعاوى المشركين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, حتى استقر في نفسه أنه مصاب بالجنون، كما يتهمه بذلك زعماء مكة، وكان ضماد من أزد شنوءة، وكان يعالج من الجنون, فلما سمع سفهاء مكة يقولون إن محمدًا صلى الله عليه وسلم مجنون فقال: لو أني رأيت هذا الرجل لعل الله يشفيه على يدي.

قال: فلقيه، فقال: يا محمد إني أرقي من هذه الريح [الريح هنا المراد بها الجنون ومس الجن] ، وإن الله يشفي على يدي من شاء. فهل لك؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الحمد لله، نحمده ونستعينه، ومن يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، أما بعد».

قال: فقال: أعد علي كلماتك هؤلاء، فأعادهن عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات، قال: فقال: لقد سمعت قول الكهنة وقول السحرة وقول الشعراء، فما سمعت مثل كلماتك هؤلاء، ولقد بلغن قاموس البحر, [قاموس البحر: معناه وسطه، أو لجته أو قعره الأقصى] فقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: «هات يدك أبايعك على الإسلام» قال: فبايعه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وعلى قومك»، قال: وعلى قومي.

وعندما قامت دولة الإسلام في المدينة, وكانت سرايا رسول الله تبعث, فمروا على قوم ضماد, فقال صاحب السرية للجيش: هل أصبتم من هؤلاء شيئا؟ فقال رجل من القوم:أصبت منهم مطهرة، فقال: ردوها. فإن هؤلاء قوم ضماد [مسلم كتاب الجمعة، باب تخفيف الصلاة والخطبة رقم 868].

دروس وفوائد

أ-دعاية قريش وتشويه شخص الرسول صلى الله عليه وسلم، واتهامه بالجنون حمل ضمادًا على السير للرسول صلى الله عليه وسلم من أجل رقيته، فكانت الحرب الإعلامية المكية ضد الرسول صلى الله عليه وسلم سببًا في إسلامه وإسلام قومه.

ب-تتضح صفتا الصبر والحلم في شخص النبي صلى الله عليه وسلم فقد عرض ضماد على رسول الله صلى الله عليه وسلم معالجته من مرض الجنون، وهذا موقف يثير الغضب، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم استقبل الأمر بحلم وهدوء، مما أثار إعجاب ضماد واحترامه لرسول الله صلى الله عليه وسلم

ج- أهمية هذه المقدمة التي يستفتح بها رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض خطبه, فقد اشتملت على تعظيم الله وتمجيده, وصرف العبادة له سبحانه، ولذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيرا ما يجعلها بين يدي خطبه ومواعظه.

د- تأثر ضماد بفصاحة الرسول صلى الله عليه وسلم وقوة بيانه؛ لأن حديث الرسول صلى الله عليه وسلم انبعث من قلب مُليء إيمانًا ويقينًا وحكمة، فأصبح حديثه يصل إلى القلوب ويجذبها إلى الإيمان.

هـ- في سرعة إسلام ضماد دليل على أن الإسلام دين الفطرة، وأن النفوس إذا تجردت من الضغوط الداخلية والخارجية فإنها غالبًا تتأثر وتستجيب، إما بسماع قول مؤثر، أو الإعجاب بسلوك قويم.

وحرص الرسول صلى الله عليه وسلم على انتشار دعوته, حيث رأى في ضماد صدق إيمانه, وحماسته للإسلام، وقوة اقتناعه به، فدفعه ذلك إلى أخذ البيعة منه لقومه.

ز- وفي هذا بيان واضح لأهمية الدعوة إلى الله تعالى، حيث جعلها النبي صلى الله عليه وسلم قرينة الالتزام الشخصي، فقد بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم على الالتزام بالدين، فلم يكتف رسول الله بذلك بل أخذ منه البيعة على دعوة قومه إلى الإسلام.

ح- حفظ المعروف والود لأهل السابقة والفضل «ردوها فإن هؤلاء من قوم ضماد" [انظر: التاريخ الإسلامي للحميدي(1/132-133).

ط- في الحديث بعض الوسائل التربوية التي استعملها النبي صلى الله عليه وسلم مع ضماد كالتأني في الحديث، وأسلوب الحوار، والتوجيه المباشر، وتظهر بعض الصفات في شخصية رسول الله صلى الله عليه وسلم كمربٍّ، كالحلم والصبر، والتشجيع على الإكثار من الخيرات.
________________________________________