بدأ بشرب لبن رسول الله وختمها بالضحك!

روى القصة المقداد نفسه، رصي الله عنه، قال: "أقبلتُ أنا وصاحبانِ لي، وقد ذهبتْ أسماعُنا وأبصارُنا من الجَهدِ، فجعلنا نعرض أنفسَنا على أصحابِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فليس أحدٌ منهم يَقبلُنا، فأتينا النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فانطلق بنا إلى أهلِه، فإذا ثلاثةُ أعنُزٍ، فقال النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ (احتلِبوا هذا اللبنَ بيننا).

قال : فكنا نحتلبُ فيشرب كلُّ إنسانٍ منا نصيبَه. ونرفع للنبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ نصيبَه. قال: فيجيءُ من الليلِ فيُسلِّمُ تسليمًا لا يوقِظُ نائمًا، ويُسمِعُ اليَقِظانَ، قال: ثم يأتي المسجدَ فيصلي. ثم يأتي شرابَه فيشرب.

فأتاني الشيطانُ ذاتَ ليلةٍ، وقد شربتُ نصيبي، فقال: محمدٌ يأتي الأنصارَ فيُتحِفونه، ويصيبُ عندهم، ما به حاجةٌ إلى هذه الجَرعةِ، فأتيتُها فشربتُها، فلما أن وغَلَتْ في بطني، وعلمتُ أنه ليس إليها سبيلٌ، قال: ندَّمَني الشيطانُ، فقال : ويحك! ما صنعتَ؟ أشربتَ شرابَ محمدٍ؟ فيجيءُ فلا يجدُه فيدعو عليك فتهلِك، فتذهبُ دنياك وآخرتُك، وعليَّ شَملةٌ، إذا وضعتُها على قدمي خرج رأسي، وإذا وضعتُها على رأسي خرج قدماي، وجعل لا يَجيئني النومُ، وأما صاحباي فناما ولم يصنعا ما صنعتُ.

قال فجاء النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فسلَّم كما كان يُسلِّمُ، ثم أتى المسجدَ فصلَّى، ثم أتى شرابَه فكشف عنه فلم يجدْ فيه شيئًا، فرفع رأسَه إلى السماءِ، فقلتُ: الآن يدعو عليَّ فأَهلِكُ.فقال ( اللهمَّ! أطعِمْ مَن أطعَمني، وأسْقِ من أسقاني ).

قال فعمدتُ إلى الشملةِ فشددتُها عليَّ، وأخذتُ الشَّفرةَ فانطلقتُ إلى الأعنزِ أيها أسمنُ فأذبحُها لرسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فإذا هي حافلةٌ، وإذا هن حفلٌ كلُّهنَّ، فعمدتُ إلى إناءٍ لآلِ محمدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ما كانوا يطعمون أن يحتلِبوا فيه، قال فحلبتُ فيه حتى علَته رَغوةٌ، فجئتُ إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فقال: (أَشرِبتُم شرابَكم الليلةَ؟) قال قلتُ :يا رسولَ اللهِ! اشربْ. فشرب ثم ناوَلني، فقلتُ: يا رسولَ اللهِ! اشرَبْ، فشربَ ثم ناوَلني.

فلما عرفتُ أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قد روي، وأصبتُ دَعوتَه، ضحكتُ حتى ألقيتُ إلى الأرضِ، قال فقال النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ (إحدى سوآتِك يا مقدادُ) فقلتُ: يا رسولَ اللهِ! كان من أمري كذا وكذا. وفعلتُ كذا، فقال النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ (ما هذه إلا رحمةٌ من الله، أفلا كنتَ آذَنْتَني، فنوقظُ صاحبَينا فيُصيبانِ منها) قال فقلتُ: والذي بعثك بالحقِّ! ما أُبالي إذا أصبتَها وأصبتُها معك، من أصابَها من الناس." [روى القصة الإمام مسلم رحمه الله]

1-اشتد الجوع على المقداد وصاحبيه، رضي الله عنهم، فعرضوا أنفسهم على أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم، ليطعموهم، فلم يقبلهم أحد، لأن كلا منهم، قد لا يكون عنده ما يواسيهم به.

2-فأتوا الرؤوف الرحيم صلى الله عليه وسلم، فاستضافهم، ليشاركوه فيما يتيسر له من فضل ربه، فأسند إليهما احتلاب الأعنز، على أن يكون الحليب قسمة بينه وبينهم.

3-فمضوا على ذلك ما شاء الله أن يمضوا، ثم وقع لمقداد ما قصه في الحديث، فاشتد عليه الحياء من حبيبه، والخوف من الدعاء عليه، عندما يأتي فلا يجد ما اعتاد على شربه.

4-فلما دعا الرسول صلى الله عليه وسلم، فقال: (اللهم أطعم من أطعمنا وأسق من سقانا) عزم المقداد على ذبح إحدى الأعنز، لينال فضل ذلك الدعاء، فأسعفه الله من فوق سبع سماوات، فأدر له ضرع الأعنز الثلاث، فحلب واحدة، وأعطى الحليب الرسول صلى الله عليه وسلم، فشرب وناول المقداد ما بقي، حرصا على إيثاره بذلك، لأنه لم يعلم بما فعله المقداد بنصيبه من الحليب، فقال له المقداد: اشرب يارسول الله فشرب، وهذا دليل أن ما شربه أولا لم يكن كافيا له، وإنما ناول المقداد شفقةإيثارا له، وهنا أعرب المقداد عما جرى له، بضحكه أمام الرسول صلى الله عليه وسلم، حتى ألقي على الأرض، ويبدو أن المقداد كان معتادا على شيء من النكات، عند رسول الله، ولهذا لما ضحك، قال له: (إحدى سوآتِك يا مقدادُ) قال النووي رحمه الله، في شرح الحديث: "أَيْ إِنَّك فَعَلْت سَوْأَة مِنْ الْفَعَلَات مَا هِيَ؟".

6-فأخبر المقداد حبيبه ونبيه، بقصته التي أحزنته أولا، ثم أضحكته ثانيا، فلم يزد أن قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (ما هذه إلا رحمةٌ من الله) ثم أظهر شفقته على رفيقي المقداد، فقال: (أفلا كنتَ آذَنْتَني، فنوقظُ صاحبَينا فيُصيبانِ منها) ولكن المقدادكان مغتبطا بفوزه بعون الله له على إدرار الأعنز، ونيل الرسول من حليبها، وبدعوة الرسول التي حظي بها، فقال: "والذي بعثك بالحقِّ! ما أُبالي إذا أصبتَها وأصبتُها معك، من أصابَها من الناس."

وقال النووي رحمه الله: "وفيه [في الحديث] وَفِيهِ مَا كَانَ عَلَيْهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْحِلْم وَالْأَخْلَاق الْمُرضِيَة وَالْمَحَاسِن الْمُرْضِيَة وَكَرَم النَّفْس وَالصَّبْر وَالْإِغْضَاء عَنْ حُقُوقه ; فَإِنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَسْأَل عَنْ نَصِيبه مِنْ اللَّبَن.".


ولأبي هريرة ، رضي الله عنه، قصة تتعلق بالحليب مع الرسول صلى الله عليه وسلم.

http://www.al-rawdah.net/vb/showthread.php?t=386