ما أعظم دين الإسلام، في إرشاد الناس إلى ما ينفعهم، ودفع ما يضرهم!

إن أوامر الله ورسوله، سواء كانت واجبة، أو مندوبة، أو مرشدة، ونواهيهما، سواء كانت محرمة، أو مكروهة، أو مرشدة، كلها يقصد بها الشارع، جلب مصالح الناس، ودفع المفاسد عنهم، ولو تأمل المتأمل مقاصد هذه الشريعة، وما يترتب على طاعة الله تعالى فيها، لوجد في كثير منها إعجازا شرعيا، كما يوجد الإعجاز اللغوي والإعجاز العلمي، في القرآن الكريم.

فما من أمر الله به ورسوله، فتركه المسلمون أو بعضهم، إلا ذاق تاركوه ما يشقيهم في الدنيا قبل الآخرة، وإن بدوا – في الظاهر – سعداء، فالسعادة ليست في المظاهر، وإنما أصلها في البواطن، "اطمئنان القلوب"، ولذلك تجد رؤساء دول وملوك وأغنياء غناء فاحشا من الناس، في قلق وأسى، يحاولون أن يغيبوا عن الحياة بالخمور والمخدرات، وشتى أنواع اللهو، ولكن القلق لا يغيب عنهم، لبعدهم عن الله، وكثير من المترفين المنعمين، يعمدون إلى الانتحار لشدة قلقهم وقلة راحتهم، فشريعة الله كلها سعادة ورحمة وطمأنينة، وتركها بؤس وشقاء: {فَمَنْ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى (123) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً (124)} [طه]

ولا بأس أن أضرب مثالا واحدا، لا يشقى به أفراد من المسلمين، ولا جماعات قليلة منهم، بل تشقى به دول وشعوب، وهو أحد مفردات السياسة:

عندما كان أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم، يقتدون به في حياته، وبعد مماته، في موضوع الولاية والإمارة، فلم يتنافسوا فيه تنافسا يفرق كلمتهم، ويحدث بينهم النزاع المؤدي إلى الفشل، بل كانوا يتشاورون فيما بينهم وإن اختلفوا، في أعظم الولايات، وهي "الخلافة" استقر أمرهم، ولم يسل بعضهم دماء بعض، حتى نبغ أهل الفتنة في عهد عثمان رضي الله عنه، وقتلوه في داره، فكان ذلك إيذانا ومخالفة أولى في تاريخ الولاية في الإسلام، ولا أريد أن أفصل في هذا الأمر، فقد كان أصلا لكل الفتن بعده.

ولكني أذكر الشر المستطير الذي أقلق الأمة الإسلامية في هذا العصر، وهو أنك لا تجد في البلدان الإسلامية بلدا إلا وفيه انقسامات وتنازعات، ظاهرة أو خفية، لأسباب قد لا يدوم خفاؤها، بسبب تنافس زعماء الأحزاب والجماعات بل والجمعيات، في رئاسة تلك المؤسسات فيما بينها، يتنافس أفراد الحزب والجماعة على رئاسته، فيما بينهم، ثم يتناس كل حزب مع الأحزاب الأخرى، ليفوز برئاسة بلده، مظهرا حرصه على مصلحتها ودفع الفساد عنها، وهو في الحقيقة، لا ينافس وينازع، إلا لما يتوهم أنه مصلحة له، من اعتلاء كرسي، واستيلاء على مال، ومقارفة ظلم، وما نراه بعد الانقلابات، من فضائح تلك الزعامات شاهد على ذلك.

السبب في ذلك كله، هو مخالفة شرع الله الذي أصله الرسول صلى الله عليه وسلم، في حياته، حيث نهى عن طلب الإمارة، ووحث على عدم تولية من طلبها، فتأمل ما يفعله اليوم كثير من المسلمن، وقارنه بهذا الأصل، لتجد أن كل ما يحصل في البلدان الإسلامية، سببه التنازع والتناحر على الحصول على الرئاسات، وافتح هذا الرابط:

http://www.al-rawdah.net/vb/showthread.php?t=586

أردت بهذه المقدمة الطويلة نسبيا، أن ألفت النظر إلى هذه النصيحة النبوية، التي نصح بها الرسول صلى الله عليه وسلم المسلمين– في شخص ذلك الرجل، وهي في موضوعها نصيحة لكل الناس – الذين تتمنى جماهيرهم اليوم في كل الأرض، أن يفوزوا بها، وهي النجاة من خطر "السمنة" التي تكبر بها البطون والأجسام، التي تترتب عليها الأمراض الخطيرة، وقد ورد الحديث بلفظ: "رجل سمين"، وقد أشبع هذه السمنة وآثارها، الأطباء بتفصيلات يصعب حصرها في كتب الطب وبحوثه، ووسائل الإعلام والاتصال، وكذلك المتخصصون في التغذية، وأنواع الأغذية ومقاديرها، المفيد منها والضار.

وقد رأينا على شاشاة التلفاز أجساما لا تسعها بعض الأبواب لشدة سمنها، ومنها أبواب الطائرات التي يضطرون لنقلهم عليها، ولا تستطيع التحرك، إلا بمساعدتها بجرها على عربات، وقد عرفت في صغري باليمن، أحد الشخصيات، الذي يقال عنه: إنه كان يأكل وحده خروفا كاملا بشحمه ولحمه، أصبح لحمة واحدة على سريره، لا قدرة له على الحركة، وما نشاهده اليوم من شكاوى مشكلات السمن وكبر البطون، وما تنفق على ذلك من الأدوية، وعلى عمليات سحب الدهون، وغير ذلك، يكفي لخطر السمن وكبر البطون.


فقد نصح رسول الله صلى الله عليه وسلم، ذلك الرجل، بالتخفيف من التهام الطعام، بأسلوبه الحكيم، وبلفظ مختصر جامع، وقد أوتي صلى الله عليه وسلم، جوامع الكلم، كما روى ذلك عنه جعدة بن خالد "أنه رأى رجلا عظيم البطن، فقال بأصبعه في بطنه: (لو كان هذا، في غير هذا، لكان، خيرا لك.) وفي رواية، أن النبي صلى الله عليه وسلم، رأى له رجل رؤيا، فبعث إليه، فجاء فقصها عليه، وكان عظيم البطن، فقال بأصبعه في بطنه: (لو كان هذا في غير هذا المكان لكان خيرا لك) [ وروي ] أن النبي صلى الله عليه وسلم، هو الذي رأى الرؤيا للرجل." [مجمع الزوائدا (5/34) وقال: "رجال الجميع رجال الصحيح غير أبي إسرائيل الجشمي وهو ثقة، وجَوَّد إسنادَالحديث كلٌّ من المنذري في الترغيب والترهيب، والعراقي في تخريج الإحياء، والسخاوي في المقاصد الحسنة، وأخرجه الحاكم في المستدرك، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، والهيتمي المكي في الزواجر، وضعف الحديث علامة الحديث في العصر شيخنا محمد ناصر الدين الألباني، رحمهم الله جميعا، والظاهر أن درجة الحديث لا تقل عن رتبة الحسن، والله أعلم..]

فما معنى هذه الجملة المختصرة: (لو كان هذا في غير هذا المكان لكان خيرا لك؟)

لو حرف امتناع لوجود، أي امتنع الخير الذي كان سيحصل عليه الرجل، لوجود ما أومأ إليه الرسول باسم الإشارة الأول، ومعنى قوله: (لوكان هذا) يعني والله أعلم، الطعام الزائد عن الحاجة، وقوله: (في غير هذا المكان) يعني بالمكان بطن الرجل السمين الذي إشار إليه بأصبعه، ومعناه في مكان آخر تدعو حاجته إليه، قد يعني به التصدق بما زاد عن حاجة صاحب البطن الكبير، إلى بطن جائع، لأن ما زاد عن حاجته من الطعام في المدة التبر فيها بطنه، يعتبر كثيرا يسد رمق الجائع ، أو في مكان إنفاق آخر يحتاج إليه الرجل كبير البطن لنفسه أو أهل بيته، والمقصود ترك الزائد عما يحتاجه الآكل لينفق في مصلحة أخرى.

وقوله: (لكان خيرا لك) يدخل في هذا الخير، صحته، "الحمية الصحية" لأن المبالغة في الشبع ضارة، كما سبق، ويدخل فيه إنفاقه في الخير عموما، وهذا يدل على التزهيد فيما لا حاجة إليه، وصرفه فيما تدعوإليه الحاجة، ويدل على البعد عن الإسراف، ويدل على حسن التدبير والاقتصادوعدم التبذبر، والإسراف.

وهذه كلها دلت عليه نصوص أخرى، من الكتاب والسنة، ففي الفرآن الكريم قوله تعالى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (31)} [الأعراف]

ومن الصفات التي أثنى الله بها على عباده المؤمنين، الاعتدال في الإنفاق، بلا إسراف ولا تقتير: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً (67)} [الفرقان]

وأمر الله تعالى بالإنفاق في وجوه الخير، كإعطاء ذوي القربى والمساكين اليتامى ، وأبناء السبيل، ونهى عن التبذير، وحذر المسرفين المبذرين، وجعلهم من إخوان الشياطين، فقال: {وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً (26) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً (27)} [النساء]


ومما يؤيد هذه المعاني السابقة، من السنة الحديث الذي رواه عنه صلى الله عليه وسلم، المقدام بن معدي كرب، أنه قال: (ما ملأَ آدميٌّ وعاءً شرًّا من بطنٍ، حسْبُ الآدميِّ لقيماتٌ يُقِمنَ صلبَهُ فإن غلبتِ الآدميَّ نفسُهُ، فثُلُثٌ للطَّعامِ، وثلثٌ للشَّرابِ، وثلثٌ للنَّفَسِ) زواه ابن ماجه، وصححه الشيخ الألباني، رحمه الله.

وأنت ترى أن هذا الحديث يتفق مع حديث جعدة بن خالد، من حيث إن حديث هذا، دل على أن الاقتصاد في الأكل على قدر الحاجة، بدون مبالغة، يكون خيرا، وحديث المقدام صرح، بأن ملأ البطن بالطعام شر، فالحديثان متفقان من حيث المعنى، وإن اختلفت الألفاظ، ولذلك رأيت أن حديث جعدة لا يقل عن رتبة الحديث الحسن، لما يؤيده من النصوص، وإن خالفت في شيخي الألباني رحمه الله، والحديث قد يكون ضعيف السند، ولكن متنه صحيح لما يؤيده من نصوص أخرى، وتضعيف الشيخ للحديث بسبب إسرائيل الجشمي الذي لم يوثقه إلا ابن حبان وهو متساهل في التوثيق كما قال، ولكن المحدثين الذين جودوا إسناده، مثل المنذري والعراقي والسخاوي مع تصحيح الحاكم له، يدل قوة إسناده.

أضف إلى ذلك أن في حديث المقدام الحث على التقليل من الطعام، بقوله صلى الله عليه وسلم، (بحسب الآدميِّ لقيماتٌ يُقِمنَ صلبَهُ) أي يكفيه ذلك، ثم أراد صلى الله عليه وسلم، ألا يضيق على أمته كلهم، فرخص لمن لا يقتنع بالقليل الذي يقيم صلبه، وهو خير له، أن يأكل من الطعام، في ثلثٍ من بطنه، ويشرب من الماء أو غيره من الأشربة المباحة، في ثلثِه الآخر، وأن يبقي الثلث الأخير للنفس، فإذا ملأ بطنه كله بالطعام والشراب، ولم يبق للنفس شيء، فقد ضيق على نفسه، وتسبب في جعل جسمه مخزنا للفضلات، و حمّل عروقه وشرايينه ما لا تطيق، وترتب على ذلك حرمانُ نفسه الخير الذي في حديث جعدة، وجلبُ الشر الذي في حديث المقدام.