﴿۞ یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ لَا تَتَّخِذُوا۟ ٱلۡیَهُودَ وَٱلنَّصَـٰرَىٰۤ أَوۡلِیَاۤءَۘ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِیَاۤءُ بَعۡضࣲۚ وَمَن یَتَوَلَّهُم مِّنكُمۡ فَإِنَّهُۥ مِنۡهُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا یَهۡدِی ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّـٰلِمِینَ ۝٥١ فَتَرَى ٱلَّذِینَ فِی قُلُوبِهِم مَّرَضࣱ یُسَـٰرِعُونَ فِیهِمۡ یَقُولُونَ نَخۡشَىٰۤ أَن تُصِیبَنَا دَاۤىِٕرَةࣱۚ فَعَسَى ٱللَّهُ أَن یَأۡتِیَ بِٱلۡفَتۡحِ أَوۡ أَمۡرࣲ مِّنۡ عِندِهِۦ فَیُصۡبِحُوا۟ عَلَىٰ مَاۤ أَسَرُّوا۟ فِیۤ أَنفُسِهِمۡ نَـٰدِمِینَ ۝٥٢ وَیَقُولُ ٱلَّذِینَ ءَامَنُوۤا۟ أَهَـٰۤؤُلَاۤءِ ٱلَّذِینَ أَقۡسَمُوا۟ بِٱللَّهِ جَهۡدَ أَیۡمَـٰنِهِمۡ إِنَّهُمۡ لَمَعَكُمۡۚ حَبِطَتۡ أَعۡمَـٰلُهُمۡ فَأَصۡبَحُوا۟ خَـٰسِرِینَ ۝٥٣﴾ [المائدة ٥١-٥٣]
(67) سافر معي في المشارق والمغارب :: 66- سافر معي في المشارق والمغارب :: (34) دور المسجد في تربية الأحداث ووقايتهم من الانحراف :: (033) دور المسجد في تربية الأحداث ووقايتهم من الانحراف. :: (067) سافر معي في المشارق والمغارب :: (066) سافر معي في المشارق والمغارب :: (031) دور المسجد في تربية الأحداث ووقايتهم من الانحراف :: (065) سافر معي في المشارق والمغارب :: (030) دور المسجد في التربية وعلاج انحراف الأحداث :: :: :: :: :: :: :: :: :: ::
   
جملة البحث



السابق

الفهرس

التالي


(026) مفتاح باب الريان

(026) مفتاح باب الريان

هل يجزئ إخراج القيمة من النقود في زكاة الفطر؟

ذهب جمهور العلماء، إلى أن زكاة الفطر لا تخرج إلا من الأصناف التي ذكرت في الحديث، وبعضهم أجاز إخراجها من غالب قوت أهل البلد، ومنعوا إخراج قيمتها من النقود اختياراً من صاحبها، بخلاف ما إذا اضطر إلى ذلك، كأن يكون في مكان يصعب عليه وجود الطعام فيه، ولو أخر إخراجها حتى يجد الطعام، فات وقتها، فإنه يجوز له إخراجها بالقيمة.

وعلى هذا الرأي المالكية والشافعية والحنابلة، وحجتهم في منع إخراج القيمة اختياراً، مخالفة ذلك لتعيين الشارع الأصناف التي تخرج منها. قال ابن قدامة رحمه الله: "وَمَنْ أَعْطَى الْقِيمَةَ، لَمْ تُجْزِئْهُ قَالَ أَبُو دَاوُد قِيلَ لأَحْمَدَ وَأَنَا أَسْمَعُ: أُعْطِي دَرَاهِمَ - يَعْنِي فِي زكاة الْفِطْرِ - قَالَ: أَخَافُ أَنْ لاَ يُجْزِئَهُ، خِلاَفُ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم. وَقَالَ أَبُو طَالِبٍ: قَالَ لِي أَحْمَدُ: لاَ يُعْطِي قِيمَتَهُ، قِيلَ لَهُ: قَوْمٌ يَقُولُونَ: عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَانَ يَأْخُذُ بِالْقِيمَةِ، قَالَ يَدَعُونَ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَيَقُولُونَ قَالَ فُلاَنٌ. قَالَ ابْنُ عُمَرَ: فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم. وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ}" [المغني (2/357) ومنار السبيل (1/197)].

وقال القرطبي رحمه الله: "الثاني أخذ القيمة في الزكاة، وقد اختلفت الرواية عن مالك في إخراج القيم في الزكاة، فأجاز ذلك مرة ومنع منه أخرى، فوجه الجواز وهو قول أبي حنيفة هذا الحديث. [يقصد حديث معاذ الذي ذكره قبل ذلك، ونصه: "روي أن معاذاً قال لأهل اليمن: ايتوني بخميس أو لبيس، آخذه منكم مكان الذرة والشعير في الزكاة، فإنه أيسر عليكم وأنفع للمهاجرين بالمدينة" أخرجه الدارقطني. قال: "والخميس لفظ مشترك وهو هنا الثوب طوله خمس أذرع"]. وأثر معاذ ذكره الإمام البخاري في الصحيح (2/525) قال: "باب العرض في الزكاة. وقال طاووس قال معاذ رضي الله عنه، لأهل اليمن: ائتوني بعرض ثياب خميص أو لبيس في الصدقة مكان الشعير والذرة، أهون عليكم وخير لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة.."[الجامع لأحكام القرآن (8/175)]. فمعاذ رضي الله عنه طلب إخراج القيمة بدلا من الطعام، لما في ذلك من مصلحة المخرجين للزكاة، لأنه أيس لهم من النقود، لقلتها في ذلك الزمان، ولما فيها من مصلحة الصحابة، لأنهم كانوا أحوج إلى ذلك، ولا فرق بين ذلك وإخراجها نقدا، لأنها لم تخرج من الطعام.


وقال النووي رحمه الله: "اتفقت نصوص الشافعي رضي الله عنه، أنه لا يجوز إخراج القيمة في الزكاة، وبه قطع المصنف وجماهير الأصحاب" [المجموع (5/384)].

وذهب الحنفية إلى جواز إخراجها بالقيمة، واحتجوا بأن المقصود هو إغناء الفقراء والمساكين بها، والإغناء يحصل بالقيمة، كما يحصل بالطعام، بل قد تكون القيمة أكثر مصلحة لهم. قال الكاساني رحمه الله: "... فيجوز أن يعطي عن جميع ذلك القيمة دراهم أو دنانير أو فلوساً أو عروضاً أو ما شاء، وهذا عندنا.. وقال الشافعي: لا يجوز إخراج القيمة... ولنا أن الواجب في الحقيقة إغناء الفقير، لقوله صلى الله عليه وسلم: (أغنوهم عن المسألة في مثل هذا اليوم) والإغناء يحصل بالقيمة، بل أتم وأوفر؛ لأنها أقرب إلى دفع الحاجة، وبه تبين أن النص معلول بالإغناء.) [بدائع الصنائع (2/73)].

وقد لخَّص ابن رشد رحمه الله، أقوال العلماء في إخراج القيمة عن الأعيان في الزكوات عموماً، فقال: "واختلفوا هل يجوز فيها أن يخرج بدل العين القيمة أو لا يجوز؟ فقال مالك والشافعي: لا يجوز إخراج القِيَم في الزكوات بدل المنصوص عليه في الزكوات. وقال أبو حنيفة: يجوز سواء قدر على المنصوص عليه أو لم يقدر. وسبب اختلافهم: هل الزكاة عبادة، أو حق واجب للمساكين؟ فمن قال: إنها عبادة، قال: إن أخرج من غير تلك الأعيان لم يجز، لأنه إذا أتى بالعبادة على غير الجهة المأمور بها، فهي فاسدة. ومن قال: هي حق للمساكين، فلا فرق بين القيمة والعين عنده... والحنفية تقول: إنما خصت بالذكر أعيان الأموال، تسهيلاً على أرباب الأموال؛ لأن كل ذي مال إنما يسهل عليه الإخراج من نوع المال الذي بين يديه، ولذلك جاء في بعض الأثر، أنه جعل في الدية على أهل الحُلل حُللا، على ما يأتي في كتاب الحدود.." [بداية المجتهد (1/277)].

ومعنى قول ابن رشد: "هل الزكاة عبادة أو حق واجب للمساكين؟" يقصد هل إخراجها من الأعيان المذكورة أمر تعبدي وليس معقول المعنى، أو هو حق للمساكين يراعى فيه مصلحتهم، فيكون معقول المعنى، ولا يفهم من ذلك أنها ليست عبادة إذا كانت حقاً للمساكين، بل هي عبادة على كلا الحالين.
وهناك رأي آخر، وهو أنه يجوز إخراج القيمة عن الأعيان، للحاجة أو المصلحة.

وفي هذا قال ابن تيمية رحمه الله: وَأَمَّا إخْرَاجُ الْقِيمَةِ لِلْحَاجَةِ أَوْ الْمَصْلَحَةِ. . فَلاَ بَأْسَ بِهِ.. مِثْلُ أَنْ يَبِيعَ ثَمَرَ بُسْتَانِهِ أَوْ زَرْعِهِ بِدَرَاهِمَ، فَهُنَا إخْرَاجُ عُشْرِ الدَّرَاهِمِ يُجْزِئُهُ وَلا يُكَلَّفُ أَنْ يَشْتَرِيَ ثَمَرًا أَوْ حِنْطَةً، إذْ كَانَ قَدْ سَاوَى الْفُقَرَاءَ بِنَفْسِهِ" وَقَدْ نَصَّ أَحْمَد عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ.... وَمِثْلُ أَنْ يَكُونَ الْمُسْتَحِقُّونَ لِلزَّكَاةِ طَلَبُوا مِنْهُ إعْطَاءَ الْقِيمَةِ، لِكَوْنِهَا أَنْفَعَ فَيُعْطِيهِمْ إيَّاهَا، أَوْ يَرَى السَّاعِي أَنَّ أَخْذَهَا أَنْفَعُ لِلْفُقَرَاءِ، كَمَا نُقِلَ عَنْ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ لأَهْلِ الْيَمَنِ: " ائْتُونِي بِخَمِيسِ أَوْ لَبِيسٍ أَسْهَلُ عَلَيْكُمْ، وَخَيْرٌ لِمَنْ فِي الْمَدِينَةِ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَار" وَهَذَا قَدْ قِيلَ: إنَّهُ قَالَهُ فِي الزَّكَاةِ وَقِيلَ: فِي الْجِزْيَةِ" [مجموع الفتاوى (25/82)].
وهذه النصوص التي ذكرناها عن العلماء، وإن كان غالبها في الزكاة عامة، فإن زكاة الفطر داخلة في هذا المعنى العام.

والرأي الذي ذكره ابن تيمية، من أن الأمر يعود إلى المصلحة والحاجة، هو الراجح إن شاء الله، لثلاثة أمور:

الأمر الأول: حاجة مخرج الزكاة إلى إخراج القيمة، لصعوبة حصوله على أحد الأصناف المذكورة في الأحاديث، والذي يظهر أن الرسول صلى الله عليه وسلم، نصَّ على الأعيان المذكورة، لكونها كانت أيسر على الأغنياء من القِيَم، لأن الأطعمة في ذلك العهد كانت أيسر من النقود لقلتها.

الأمر الثاني: أن إخراج الزكاة - ومنها زكاة الفطر - ليس تعبدياً محضاً، بل لها معنى معقول، وهو إغناء الفقراء والمساكين، والإغناء يحصل بالعين ويحصل بالقيمة.

الأمر الثالث: أن إخراج القيمة قد يكون أكثر نفعاً ومصلحة من إخراج العين، وهذا واضح في عصرنا هذا في غالب البلدان؛ لأن الفقير يستفيد من القيمة أكثر من استفادته من الأطعمة، حيث يستطيع أن يوفر حاجاته بالقيمة مباشرة، مثل ملابسه وملابس أسرته، وأجرة منزله، وشراء بعض حاجاته، بدون خسارة. بخلاف ما إذا أعطي الأطعمة، فإنه قد يضطر إلى بيع ما يحتاج منها، للحصول إلى النقود، والغالب أنه يبيعه بأقل من قيمته.

وغالب الأحكام الشرعية مبنية على الحِكم والمصالح، كما قال ابن القيم رحمه الله: "فصل في تغير الفتوى واختلافها، بحسب تغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيات والعوائد.... فإن الشريعة مبناها وأساسها، على الحِكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها ومصالح كلها وحكمة كلها" [إعلام الموقعين عن رب العالمين (3/3)].




السابق

الفهرس

التالي


15604765

عداد الصفحات العام

1973

عداد الصفحات اليومي

جقوق الطبع محفوظة لموقع الروضة الإسلامي 1444هـ - 2023م